هدية حسين : يا لتلك الصبية العاشقة

أحمل عنادي وأسافر إليه، كل يوم أسافر إليه، بتذكرة سفر لا تتعامل بها الموانىء 

ولا المطارات، أنا التي أضع الفيزا لنفسي، وأختم جواز قلبي الذي لا تنتهي مدة صلاحيته، بكبسة واحدة على مواطن الشوق أجدني هناك، مستبعدةً جذور الألم العاصف التي تعتقت في كؤوس الأيام، أقنع نفسي أن الفراق ليس سوى مصهر لبوتقة الحب لكي نعرف من نكون، مستعينة بما قاله هاروكي موراكامي:
(ربما كان من الحسن أن نفترق هكذا، حتى ندرك حقاً ما يعنيه واحدنا للآخر)
وحتى ندرك أيضاً، أن الحياة لا تعطينا كل شيء، لكنها أيضاً لن تبخل على قلوبنا بالبهجة، ولذلك فإنني أصنع بهجتي كل يوم على مقاسات قلبي، أفتح لها نوافذ مؤطرة بفاكهة التفاح، ومزركشة بالأماني.. ومنها أغادرني، وأقطع المسافات لأحط في ذلك المكان البعيد الذي احتوانا في زمن لن يتكرر.
هناك أمشي على مهل، محاذاة بستان النخيل المفتوح على جهات الله الواسعة، أيام كان العشق أخضر بخضرة سعفاته، وطازجاً مثل تمر التبرزل.. يا لها من مغامرة اختصرت المسافات وحطت على يدي متجاهلة سنين عمري، أحاول قدر ما يمكنني تلافي شهقة القلب وأنا أدخل البستان، يخيل لي أن سعفات النخيل ترحب بي، وروائح المكان تعيد نكهتها، كأن شيئاً لم يتغير، أنا التي تغيرت، أهمس لنخلاته الواقفات منذ دهر: هل تذكرين عاشقين لاذا بظلالك ذات زمن؟
تحط فاختات على مسافة ليست بعيدة عني، أسألها: هل أنتن حفيدات فاختات كن بالأمس هنا؟ أحدق في انحناءات الدرب الذي مشيناه، أتراه ما يزال يخبىء آثار أقدامنا؟ أصغي لعل همسة أو ضحكة أو كلمات ماتزال في المنحنيات يمكنني أن أستعيدها.
وإذ أمضي في رحلة التذكّر تنتابني مشاعر مختلطة، بين فرح وحزن، شجن وعبق مخلوط بأشواق مازالت تتنفس، حنين لشيء كان لي وضاع مني، تنصهر كلها في السكون الذي يحيط بالمكان، فتتناهى إليّ موسيقى ذلك الزمن البعيد، وأسمع ضحكة تركتها هناك، وهمساً مايزال محفوراً في الرأس، وكلاماً نُقشت حروفه من تبر الأمنيات، وأراني وأراه بعمر الدهشة الغض، لم تأخذ منا الأعوام العجاف.
كما فراشات الحقول كنا، من دون أن نعبأ بالنار المُعدّة لأجنحتنا في مواقد الفراق، النار التي تركتنا لهجير اليباب، لكنني أزيح ما يمكن أن يعكّر هذه اللحظات وأنا أمشي بين صفوف النخيل، وأعيد البهجة التي كانت، وعن بعد تتراءى لي تلك الصبية العاشقة، تخاتلني بين الجذوع كأنها تهرب مني.
لماذا حين تستعاد الذكريات الحلوة تصبح الثياب عاشقة، والزمهرير دفئاً، والأحزان تنداح، والطرقات يفتر ثغرها، وأتحسس شفتيً لطعم قبلة لم نقترفها، ولماذا يتراجع الدمع لصالح ضحكة مخبوءة بين فسائل النخيل، الفسائل التي لم تكن قد ولدت في ذلك الزمان، وتصبح غيوم السماء مشرقة تعد برذاذ خفيف يكفي ليبلّ جفاف الطرقات العطشى؟
أمر على ذلك المكان بعد قهر من السنين، المكان الذي لم يرحل، أنا التي رحلت وساقتني الأقدار الى المدن الغريبة.. أدور وأسترجع زمني، أشم رائحة التراب، أخالها رائحة الخزامى، أشمها بطعم ذلك الزمن البريء قبل أن يتحول الى طعم العلقم.
أقف مسمّرة وأنا أراها، تلك الصبية العاشقة، على بعد خطوات، تحاول كلما التقت عيوننا أن تشيح بعيداً عني، كما لو أنها لا تريدني في المكان، عيناها قلقتان، تنظران الى كل الاتجاهات، ومن حين لآخر تلقي نظرة على ساعة يدها، أقترب منها، ترتبك، أنا أعرف، وهي لا تدري بأنني أعرف وأحس بلهفة قلبها الذي يضرب في صدرها، ربما تظن أن امرأة بعمري جاءت تتجسس عليها لكي تفضح أسرارها.. كانت تلك الصبية متلبسة بموعد غرامي.
تجاهلتُ تبرمها مني، ودنوت أكثر، تبدو في ورطة مع الوقت، رمت عينيها بعيداً، باتجاه محدد، وازدادت قلقاً، ثم فجأة افترت شفتاها حين رأته قادماً، بقامته الفارعة وفتوة شبابه، ابتعدت عني، وبرغم بعد المسافة سمعتهما يتهامسان، ومازالت كلماتهما تضطرم على شفاهي.
كل ما قالاه كان مخزوناً في رأسي، وكل صور الحب مركونة في ألبوم قلبي، وكنتُ أبتسم لهما وأبارك هذه الذكرى التي ظلت عصية على الزوال، ثم حين أفقت كان العاشقان قد غابا عني، وتركاني في بستان الذكريات، أغازل سعفات النخيل، وأغبط قلبي على هذا الفرح الذي لم يخدشه الفراق.
ترى، هل تدرك تلك الصبية العاشقة بأنها أنا؟ وأنني حين كنت أعود من تلك المواعيد الغرامية، بملامحها وعمرها الربيعي، فإنني أختلي في المساءات على سطح الدار، في قيظ لا يشبه هذا القيظ، وأرمي بصري الى ملايين النجوم التي تطرز عباءة الليل وأراها تضحك وتغني، محتفية بالحب، تعيش فرحتها أولاً بأول، غير عابئة بما سيأتي.. ذلك أن العاشقين لم يكونا عابري سبيل في ذلك الطريق، بل كانا جزءاً من تكويناته واخضرار نخيله.. كان ذلك الطريق هو الحياة، الحياة قبل أن تُسرق منا.
وأنا أهم بالخروج من ذلك البستان بخطى ثقيلة، تناهى لي صوت من بين جذوع النخيل : اجلسي أيتها المرأة المتعبة، كم من السنين ونحن لم نركِ.. كانت إحدى الفاختات قد اقتربت مني، نظرت إلي وأطلقت نواحها الحزين، كأنها تبحث عن إلفها الذي أخذته الريح، لكنني خرجت مسرعة لكي أتلافى بركان دمع يكاد يطفر من قلبي، مُحافظة على شحنة الفرح وأنا ألتقيني في لحظة لا يجود الزمان بها.

شاهد أيضاً

ثرثرة مع الريح
لالة فوز احمد المغرب

عندما كنت قطة كانت كل الأيادي تمسد فرو ظهري وتقبلني /// عندما كنت فراشة كان …

عدنان الصائغ: علاقة سويدية..

تحدّثا عن الطقسِ والجنسِ والبطاطا وسترينبرغ شربا كثيراً نظرا إلى ساعتيهما بتكرار أبله علّقَ كعادته …

كولاله نوري: هل ستبقى طويلا بعد نهاية العرض؟

إلى: كل دكتاتور غادر ومن تبقّى منهم تُعَدِّد الفراغ وتحمِّل الكراسي كل هذا الخلوّ . …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *