د. باسم الياسري : رحيل “عقيل زيارة” الشاعر الذي مات بصمت ودعوة لجمع تراثه الشعري

مثل حلم أو كابوس تمر بنا الأيام خفيفة مثل نسمة مرة وثقيلة كالرصاص مرة أخرى، وبين هذه وتلك يغيب عنا أحباب لنا غرسوا في وجداننا ذكريات لا تنسى، وهم ربما ليسوا كذلك بالنسبة للآخرين. عقيل سيد زيارة هذا الفتى البصري الأسمر الممتليء قليلا الذي يحمل وسامة جنوبية مميزة، ويتمتع بدفء في الروح يشيعها على محبيه حين يتحلقون حوله وهو يقرأ أشعاره وأشعار من يعشق من الشعراء، غادرنا بعد حياة حافلة بالألم والأسى.

كيف اقف اليوم وانا ارثي صديقا حبيبا الى قلبي اكاد احس بحرارة جسد حيث كنا نتعانق مع كل لقاء ونحن في الجامعة، تافهة هي الحياة حين توجعنا بمآسيها، وموجعة حين ترمي علينا كل هذه الهموم، عقيل الانسان المسالم الطيب الذي لا تفارق الابتسامة وجهه رغم وجعه الدائم، وجعه على فقراء بلده، ليس لأنه واحد منهم ولكن لأنه كان يرى انثلاما بل شرخا في الانسانية حين يكون هناك فقير.
لا أظن طالبا في كلية الآداب وكلية الادارة والاقتصاد بجامعة البصرة لا يعرف عقيل سيد زيارة، زاملته أربع سنوات، فوجدت فيه انساناً رقيقاً عذباً ودوداً لا يجاريه احد بفصاحته غير انه يحلو له الحديث بلهجة جنوبية رقراقة مثل ماء زلال.
حمل عقيل سيد زيارة منذ وقت مبكر في قلبه هماً وأسى كبيرا، كان مثل أولئك الشعراء الرومانسيين الذين يتلمسون الفناء قريبا منهم بل هم جزء منه، رهافته عالية من ذلك النوع الذي يؤدي بصاحبها الى الانفلات عن المألوف، وهو ما حدث بالفعل لاحقا حين عانى كثيرا من ذهان الحرب الأمر الذي افقده السيطرة على انفعالاته ودخل المستشفى في حين دخلنا نحن الحرب.
لم يكن عقيل يرى في العالم غير قصيدة لم تكتمل، يحاول ان يسهم برسم ملامحها، وسط هموم شعبه وألمه، ظل طيلة فترة معرفتي به يحمل في روحه تمردا عارما غير انه يتلبسه حياء مفرط.
ومن شكواه:
من مبلغ المتنبي ما يكابده صبٌ مشت فوق كلا رفضه النعم
ويلحقها بقوله : اظل اقول أي أي يوم اطك واموت.
كنا مجموعة لطيفة تنوعت اتجاهاتنا السياسية جمعتنا الثقافة وحب العراق وحلم جميل لم يتحقق لنا جميعا بيننا الشاعر والرسام والمسرحي والسينمائي والقاص مجموعة تكاد تتميز عن باقي الطلبة في ركن نجتمع ونتحدث ونعاني ونضحك ونحلم.
ماذا احكي لكم عن عقيل سيد زيارة وقد عشنا في البصرة التي كانت جميلة ولم تكن الحرب قد بدأت عشنا سنوات حافلة بالبهجة والقلق، من لا يعرف عقيلا لا يعرف معاناته ولا يعرف قدره، كان نديماه الكتاب والسيجارة وما اليها.
ونحن طلاب في الجامعة سكنت عائلة عقيل الزبير في محلة العرب، حين ازوره هناك اجده – وهو الذي اطلع كما لم يطلع طالب بعمره على امهات الكتب في اللغة والأدب- يقرأ بكتاب قواعد اللغة العربية للصف السادس الابتدائي، وحين اسأله يقول : باسم هذه الكتب تنعش الذاكرة في اساسيات اللغة. ظل عقيل أمينا للقصيدة العمودية وأن خاض غمار الحداثة، كان عروبيا يعتز بعروبته من حيث اللغة والأدب وفكره السياسي متنور باحث عن الحرية تحت اية سماء.
تمتع عقيل بذاكرة متقدة وذكاء حاد لكنه كان يعيش حلما دائما مع القصيدة، والمرأة عند عقيل معشوقة صوفية تمنح الرجل الألق، للأسف لم اعد احفظ شعره كان يردد دائما بيتا ربما فيه خطأ ما سأذكره:
طلبت ذكراك والذكرى هي الندم
فجئت احمل أشواقي وابتسم
انا ابن دجلة هل ترضيك منزلتي
حصير أمي وثوبي الرث والقلم
هذا زمان يموت الطيبون به
ويسحق الفقراء التخم البهم

وعذرا لأني لم احفظه جيدا.
أحب عقيل أمه حبا عجيبا كان يرى فيها الحب والصدق وجمال الحياة، وكانت هي امرأة مثل أمهاتنا بسيطة طيبة تخاف على ابنائها، مرة قالت لي : يمه باسم احجي ويه عقيل شوية يدير باله على روحه، هو يحبك ويسولف بيك دوم.
في شبابي كنت مولعا بالسينما، دخل عقيل الى النادي مرة يبحث عني ، سحبني من يدي ولا ادري ما يريد، قال باسم سأريك مشهدا سينمائيا لن تنساه ولن يتكرر. أخذني الى حلقة من الرجال والنساء هم عمال الجامعة ومنظفوها يتحدثون تحت ظل بعض الأشجار، وحين تأملت ملامحهم وجدت لكل وجه ألف حكاية عميقة.
أعجب عقيل سيد زيارة بشاعرية عبد الأمير الحصيري وسعدي يوسف والبياتي ومحمود درويش، وأدمن الشعر والسيجار، يحلو لعقيل ان يسمع الشعر كنت اقرأ له وهو يسمع طربا ويهز رأسه كمن يسمع اغان لا شعرا، وينفث من جمر قلبه اهات مع دخان سيجارته.
شخص مثل عقيل لابد ان تحصل معه الكثير من المفارقات ومما اتذكره وما يمكن ذكرها. كنا في درس العروض وهو من أكثر المقررات تعقيدا لمن لا ينظم الشعر، وهو درس اجباري لا بد من اجتيازه، وأستاذ المادة الدكتور حسن البياتي المعروف بشدته وتعصبه للغة العربية، فمرة أخطأ طالب في درسه فقال له ابني الجواهري محق حين بكى وهو يسمع مستعرب روسي يقرأ كلمة دون أن يخطيء في حين ان العرب يخطأون وانت طالب آداب وتخطيء.
جاء عقيل متأخرا فلم يسمح له الدكتور حسن البياتي بالدخول ، فتمتم عقيل بكلمات سمعها الدكتور، حين قال : هسه انت هم تدرسنا ذرة هو عروض.ثارت ثائرة الدكتور حسن _ اظنه مازال على قيد الحياة متعه الله بالصحة_
ومما يحسب لشاعريته وتمكنه من اللغة، حدث انه بعد فترة كان الدكتور حسن يدرسنا وقال هناك بحر من بحور الشعر نادراً ما يكتب به والتي يتجنبها الشعراء لصعوبته حتى تجدون أن كل كتب العروض تستشهد بذات الأبيات الشعرية، فرفع عقيل يده وقال دكتور انا قرأت قصيدة من هذا البحر لا أذكر منها الا بيتين فقال له اسمعني ما تحفظ، فقرأ عقيل بيتين نالت استحسان الدكتور الذي سأله أين قرأتها قال : هذه غير مكتوبة فهي من القصائد الهسائية؟ فاستفهم ما الهسائية؟ قال يعني هسه (الآن) كتبتها، فطلب منه ترك القاعة.
تخرجت من الجامعة وغادرت البصرة لأعود اليها بعد اشهر عسكريا هذه المرة وقد القت الحرب بثقلها على الجميع، عقيل تفاقمت حالته الصحية واجل دراسته وادخل المستشفى ونحن تفرقنا بسبب الحروب التي مرت بالعراق.
لم التق عقيلا منذ افترقنا ولكني من باب الوفاء بعد أن دخلت عالم النشر، حاولت الاتصال به، وانا خارج العراق قلت له يا عقيل اجمع شعرك لاصدر لك ديوانا على نفقتي، فقال يا باسم ضاع كل شيء قصائدي وأحلامنا وأنا.
مات عقيل سيد زيارة وخسرنا شاعرا كبيرا لم يسعى لشهرة ، وكان قد خسر نفسه من قبل.
الدعوة ما زالت مفتوحة لكل من يمتلك تراث الشاعر عقيل سيد زيارة أن يرسله لي لنصدر ديوانا عنه، له الرحمة والمغفرة ولأهله واصحابه الصبر والرجاء.

شاهد أيضاً

ابنة الناصرة بروفيسور كلثوم عودة
نموذج يحتذى للمرأة العربية المصممة على التقدم
نبيل عودة

قصة حياة المرأة العربية من الناصرة كلثوم عودة (1892-1965) أصبحت نموذجًا يحتذى للمرأة المصممة على …

جابر خمدن: تأملات في مجموعة “أهرب من ظله” للقاصة “شيماء الوطني”

” كنا نرى في عينيه عجزه عن انقاذنا..ورغم ذلك بقينا نحكي له” ، هكذا نلج …

(سَلام صبري)..سَأَكْتُبُ عَنْكَ دَوْمًا وَلَنْ يَجِفَّ حِبْرِي.
موشي بولص موشي/ كركوك

يَسْتَقْبِلُ الْعَوَامَ وَالْأُدَبَاءَ وَيُنْجِزُ مُعَامَلَاتِ مُرَاجِعِي دَوَائِرِ الدَّوْلَةِ وَيُتَرْجِمُ الْأَبْحَاثَ فِيْ مَكْتَبَتِهِ الصَّغِيرَةِ الْمُسَمَّاةِ بِـ(الْمَكْتَبَةُ …

4 تعليقات

  1. د. رفعت عبد العالي شليبة

    تحياتي للدكتور باسل على هذا التأبين الرائع لشاعر كبير و احساس مرهف وكنز مخفي. انا كنت احد طلاب كلية الهندسة في منتصف الثمانيات اتاحت لي الظروف التعرف على هذا الانسان الرائع الذي كنت اعشق شعره و اقترب من صدقه و احساسه المفعم بالانسانية و الرقي النادر الوجود. الرجاء التواصل حتى اساهم بما تجود به الذاكرة بعد ان فقدت قسم من تراثه التي تتضمن كاسيت بصوته و قصيدته العينية المطولة بعد رحلة الهجرة القسرية بعد آذار ١٩٩١. لكن ما لايدرك جله لا يترك كله كما قيل

  2. د. رفعت عبد العالي شليبة

    آسف للدكتور باسم للحطأ الإملائي في كتابة إسمه.
    تقبل إعتذاري
    د. رفعت

  3. سامي الحجاج

    صديقي عقيل سيد زيارة،اذ لم يكن من افضل شعراء البصرة فهو من كبار الشعراء لكنه لم ينشر قصيدة واحدة،ويل لرجل سبق عقله زمانه!!

  4. عقيل صديقي وأخي من أيام جامعة البصرة ، ورغم اغترابي كنت أسأل عنه ..كنت أزورهم من المجمع العلمي في الجامعة الذي يضم كليات العلوم والهندسة والزراعة الى مجمع كليات الآداب والادارة والاقتصاد فيطالبني عقيل دائماً و بالحاح ان أقرأ له الشعر وخاصة قصيدة لامية غزلية لي قائلاً لي : كريم أقرا لي اللامية .. انه العذوبة والوداد وصفو الأخاء جنب الموهبة الكبيرة .. الرحمة له والشكر لكم أخي الدكتور باسم الياسري على هذا المقال .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *