الرئيسية » ملفات » علوان السلمان : قراءة موجزة في شعر احمد مطر (ملف/3)

علوان السلمان : قراءة موجزة في شعر احمد مطر (ملف/3)

إشارة :
(نعم : أنا إرهابي !/ الغربُ يبكي خيفةً/ إذا صنعتُ لعبةً/ من عُلبةِ الثقابِ / وهو الذي يصنعُ لي/ من جسدي مشنقةً/ حبالُها أعصابي / والغربُ يرتاعُ إذا/ أذعتُ ، يوماً ، أنّه/ مزَّقَ لي جلبابي / وهو الذي يُهيبُ بي/أنْ استحي من أدبي / وأنْ أذيعَ فرحتي / ومُنتهى إعجابي ..إنْ مارسَ اغتصابي) . . صاحب هذا الصوت الهادر النادر الثائر يجب أن يُحتفى به ويُدرّس في المدارس العربية في كل وقت. صوت أحمد مطر العراقي العربي الإنساني المقاوم للطغيان والإرهاب بكل أشكاله يجب أن لا نخفته ونرميه على رفوف النسيان ونعرضه صرعة على صفحات المواقع. تدعو أسرة موقع الناقد العراقي الأحبّة الكتّاب والقرّاء إلى إغناء ملفها عن الشاعر الثائر أحمد مطر.
المقالة : 
قراءة موجزة في شعر احمد مطر
علوان السلمان
التركيز والتكثيف في لافتات احمد مطر الشعر موقف مكثف حاصل من تلاقي القيم وصراع تضادها ..كونه فلسفة الكلام والحاجة الوجودية التي تعبر عن موقف ازاء حركة العالم..والذي تتأكد من خلاله ارادة الانسان الشاعرمن اجل التغيير للوصول الى المثال.. كونه صاحب قضية من خلالها(ينشيء من العالم المفروض عليه عالمه الذي يحلم به..) كما يقول بول ايلوار..بتمثيله قمة الهرم الوجودي بوعيه وقدرته على الخلق والتعبير من خلال النص الشعري الذي هو حركة تتشكل بؤرتها في كل لحظة ..وفي هذا يقول غوته (ان قصائدي جميعها قصائد ظرفية مستوحاة من الواقع ومؤسسة عليه ومستقرة فيه..) ولافتات الشاعر (احمد مطر) تعبير عن تجربة انسان يحس الحياة ويعانقها ويتفاعل معها.. فيبكي مأساة الانسان والانسانية بصمت فيرفع يديه احتجاجا على واقع اجتماعي متدني بوعي يتجلى في معظم قصائده..اذ تحديد الزاوية التي يلتقط منها صوره مع اعتماد لغة سهلة وهدوء معمق ..

دخلت بيتي خلسة من اعين الكلاب / اغلقت خلفي الباب / نزلت للسرداب / اغلقت خلفي الباب / دخلت في الدولاب / اغلقت خلفي الباب / همست همسا خافتا: (فليسقط الاذناب) / وشت بي الابواب / دام اعتقالي سنة.. بتهمة الارهاب .. فالقصيدة التي هي صورة من صور الوعي الاجتماعي الذي هو انعكاس للوجود الاجتماعي وسيلتها اللغة وغايتها الاسهام في بناء الانسان وتهذيب الذوق.. اذ يتحول فيهاالمتلقي الى فعالية مشحونة بالحركة والتساؤل.. باستدعائها مهارة فنية وقدرة على التركيز بابتعادها عن الوصفية والسرد.. كونها ضرب متميز من التقنية في القدرة على ايجاد بنية شمولية في اسطر محدودة .. لذا فهي تتطلب وعيا متميزا للمعنى والمبنى في صميم العلاقة بينها والمحيط.. واحمد مطر شاعر المنفى والحزن والثورة الذي ركب سفينة المقهورين ..فلازم الانتقال من مكان الى آخر خوف السلطات بدأ كتابة قصائده القصيرة جدا على شكل لافتات المظاهرات التي تحمل عباراتها الموجزة المعبرة والتي تحقق مقولة النفري( كلما ضاقت العبارة اتسعت الرؤيا)..وهي تعبر عن الحرية التي هي (وعي الضرورة) بالتزامها قضية الانسان المقهور التي وازاها التزامه الفني.. واعلان الشاعر فيها عن تمرده ضد انظمة القمع فكانت حادة في بنائها.. لانه يرى (ان رسالته الكبرى في شعره هي محاولة اخراج الناس من عبودية العبيد للحرية الكبرى..) ..اضافة الى ذلك انها تتميز بسهولة الفاظها مع رصانتها ووضوح هدفها الانساني والتحريضي.. كيس من الجلد أنا / فيه عظام ونكد/ فوهته شدت بحبل من مسد/ معلق بين السماء والثرى/ في بلد اغفو.. واصحو في بلد فالشاعر يكثر من التمسك بالقافية الموحدة ..كونها توفر نوعا من الايقاع الذي يتطلبه الشعر السياسي التحريضي.. فكانت لافتاته نفثات انفعال مكتوبة بتأمل اثقله حوار الذات مع اعتماد المفارقة للتخفيف من حدة المعاناة ..اضافة الى تبنيه دلالات لنقل افكاره بوساطتها.. جس الطبيب خافقي / وقال لي : هل ها هنا الالم؟/ قلت له: نعم/ فشق بالمشرط جيب معطفي/ واخرج القلم فهذه القصيدة حشد من الدلالات التي حققت نجاحا في نسجها الفني الداخلي..فهي تكشف عن الهام صادق وجهد للتعبير عن تجربة اصيلة ومحاولة للامساك بها في وحدة نغمية .. فالقصيدة حركة في اعماق الشاعر تتنازعها عواطف وعقبات وحركة الصعود فيها باطنية يعبر عنها ظرف المكان(هنا) وهو ظرف مكاني نفسي.. و(هنا) يشير الى الجيب لا الى القلب..هناك الحقيقة المقلوبة التي اخذت حيزها في لافتاته كما في (التقرير). كلب والينا المعظم عضني اليوم ومات/ فدعاني حارس الامن لاعدم.. بعد ان اثبت تقرير الوفاة/ ان كلب السيد الوالي تسمم فالقصيدة تنم عن قدرة بنائية ..كون الشعر عنده مغامرة يخوضها متصارعا مع واقع حياتي بكل تناقضاته..لذا فهي تقدم نسقا احتفاليا يقوم على انتزاع الصور التي امتازت بحسيتها المتوالدة في الذهن وهي صور مقصودة لذاتها في نقد واقع اجتماعي معاش..ان فاعلية الصورة الشعرية عنده تقوم على مدركات عقلية تكشف عن وعي شعري يقوم على وحدة موضوعية امتازت بسلامة ايقاعها وصياغة لغتها البديل الشعري للواقع باختراقها الآفاق التي لا تحدها حدود والتي يتحرك في فضائها الشاعر ليملأ جميع الفراغات ويخترق كل الاتجاهات فيعانق وطنه المفقود في الغربة ويتهامس معه وهو يبني احلامه..مع قضيته التي باتت تعيش معه داخل مقتضيات الشعر ورؤيته الفنية التي تحددها مشيئته وليس امرا مسلطا عليه من خارج النص.. اكتب لنا قصيدة/ لاتزعج القيادة/ (………)تسع نقاط؟ ما الذي يدعوك للزيادة؟(…….) سبع نقاط؟ لم يزل شعرك فوق العادة (…..) خمس نقاط؟عجبا.. هل تدعي البلادة؟ (.) واحدة ؟ عليك ان تحذف منها نقطة احذف فلا جدوى من الاسهاب والاعادة ( ) احسنت ….. هذا منتهى الايجاز والافادة فالتنقيط تقنية زمنية تعني القفز فوق فترة طويلة او قصيرة من الزمن الشعري .. اضافة الى انه يشكل وسيلة تعبيرية ترمزللمحذوف من التعابير مع اضفاء جو نغمي يحرك الخزانة الفكرية للمتلقي ويحثها على التأمل من اجل استيعاب المحتوى والوقوف على نوع الدفق الفكري والوجداني للشاعر.. وعدمه يعني الصمت ومنتهى الايجاز المقبول لدى السلطة .. وهو في هذه القصيدة يعتمد النزعة التفسيرية ـ التعليليةالواعية ..لكي يشد العبارة الشعرية بعمق الرؤيا التي تخفف من وطأة السرد.. فالشاعر في هذه القصيدة هو الذات والموضوع وقوى النفس مجتمعة ..خالقة مضامينه الموغلة في العمق..اذ يحاول بانفعاله الداخلي ان ينقل اسراره في جو من الايحاء .. ومن ثم استحضار الحقيقة بذاتها فكانت القصيدة ممتلكة لحركتها الوجودية مع رؤيا الشاعر التي اخذت تسجل اللحظات التي تستملكه من الالم والحزن والقلق فخلق بذلك اسطورته بيقينه الشعوري المتحد مع خياله الذي جعل من الصمت (خلو الاقواس من النقاط) وهذا ما يتطلبه الواقع السياسي من الشاعر المحرض ضد الباطل.. فحوارالذات والصدى قائمة على منولوج داخلي يعبر عنه الشاعر بيقظة .. لذا فهي تنقل احساسه تجاه التجربة الحياتية التي يعيشها.. فيخرج في قصائده من ازمته النفسية الباطنة الى آفاق الموضوعية وحقيقة ازمة الانسان باعتماده بناء شعريا دراميا يقوم على مدركات عقلية تكشف عن وعي شعري يقوم على وحدة موضوعية امتازت بسلامة ايقاعها وصدق عاطفتها ..كونها تعويض عن الغربة والحزن بتكثيف الصور وشحنها بايحاءات بعيدة المدى .. وبذلك يغني الشاعر قصيدته معنى ومنطلقا وحوارا وحركة محاولا اضاءة الجوانب الداخلية من خلال تصوير اللحظات التي تتأزم فيها نفسيته حتى بصل الى ذروة الاحساس فيضعنا امام رؤية مليئة بالواقعية والدهشة..

*عن مركز النور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *