باهرة محمد عبد اللطيف : الروائي حميد العقابي وهاجس اكتمال التجربة الحياتية عبر السيرة المغلقة (2/2) (ملف/5)

إشارة :
رحل الروائي والشاعر المبدع “حميد العقابي” في المنافي (الدنمارك 3 نيسان 2017) بعد رحلة حياتية طويلة مُضنية من بغداد فإيران فسورية فالدنمارك وسيرة شخصية ناصعة البياض كما يصفها أصدقاؤه ومسيرة إبداعية روائية وشعرية معطاء أهم ميزاتها الروايات الجسور التي مُنعت في بعض الاقطار العربية والسيرة الصادمة التي لصدقها جعلت الكثيرين يرون أنفسهم فيها. تفتتح أسرة موقع الناقد العراقي ملفها عن المبدع الراحل متمنية على الأحبة الكتّاب والقرّاء إغناءه بالمقالات والصور والوثائق.
الدراسة :
الروائي حميد العقابي وهاجس اكتمال التجربة الحياتية عبر السيرة المغلقة (مقاربات نقدية أولية لـ “أصغي إلى رمادي”- فصول من سيرة ذاتية)
باهرة محمد عبد اللطيف*
ذاكرة الحرب والذاكرة المضادة:
في الفصول التي يتحدث فيها الشاعر والكاتب حميد العقابي عن الحرب العراقية الإيرانية تتجلى براعته وقدرته على تكثيف اللقطة المشهدية. هذه الحرب التي خلـفت الآلاف المؤلفة من القصص المأساوية في الذاكرة الوطنية خلقت لدى القارئ العراقي تحديداً شعوراً حقيقياً إلى حد ما بغياب أو بندرة الكتابة المؤثرة عن الحرب من الجهة الآخرى المضادة. وذلك لشدة ما مورس من غسل للعقول والأرواح عبر الأدب الرسمي المكرس من قبل النظام الذي عمل على تفريخ جيوش من الشعراء والكتاب المدجنين- في أحسن الأحوال- ما لم نقل من المطبلين للحرب والمحرضين فنياً وأدبياً على استمراريتها وعبثيتها تحت مسميات شتى برع النظام السابق وأدواته في ابتكارها.

لذا فإن للعقابي وقلة من الكتاب الذي تمردوا وكتبوا الأهاجي ضد الحرب إبان حكم الديكتاتور فضيلة تحتسب ولا بد من تأشيرها كجزء من عملية توثيقية هي دين في أعناق المثقفين وشهادة على حقبة من أشد الحقب حلكة من تاريخ بلادنا المعاصر. كما أنها أمانة لا بد من تبليغها للأجيال القادمة، لتدرك جيداً معنى أن يكون المثقف أداة للطغاة أو أن يختار الإصغاء لصوت شعبه، ضميره، متكبداً من أجل ذلك أفدح الخسائر، إبتداءً بالملاحقة والمطاردة والمنفى وانتهاء بالموت المبكر المتعسف الذي طوى حيوات الكثيرين. وبهذا السياق فإن سيرة العقابي هي شهادة اخرى مترعة بالألم والغضب والصدق، وهو ما يسجل لهذا الكاتب الذي لم ينتظر سقوط النظام ليروي – كما يفعل كثيرون في هذه الأيام- موقفه من الحرب ومن الظلم ومن تراث الديكتاتورية الرث.
هذه الشهادة الأدبية المضادة تجسدت عميقاً عبر سطوره ذات الرؤية الريماركية عن الحرب، ومن خلال كثافة الموت الذي يصوره ورسم صورة مغايرة للجندي الذي سيق عنوة إلى جبهات القتال، ببؤسه وخوفه، بضعفه ورغبته في إغتصاب المدينة في ساعات الإجازة، ومن خلال سايكولوجيا الحرب والذاكرة المتشظية بفعل الدوي الهائل للقنابل والصواريخ وكل ما يحمل الموت للكاتب الذي وجد نفسه يقاتل ومعه ملايين الشعب المقهورة في حرب مجانية ضارية.

حميد العقابي ٢٠١٤ في المغرب وهو يسلم درع التكريم للمناضل المغربي اللطافي.مدينة كلميم (من أرشيف الأديبة بلقيس حميد حسن فشكرا لها)

الناجون من الموت وحدهم من يعرف قيمة الحياة حقاً ومن يدرك سر جوهرها الخالد، وهم الأكثر ضراوة في الدفاع عنها. والكتابة هي أرقى أشكال الدفاع عن الحياة ضد الموت، إنها بحث أزلي لا عن الخلود بل عن اللاموت.
والعقابي هو أحد أؤلئك الناجين لذا فهو في كتابته يراهن على الأبقى، على الأدب، وفي سبيل ذلك لن يدخر جهداً ولن يتردد في حرق الكثير من السفن وراءه.. سفن الأسرة والمجتمع بتقاليده الصارمة، وسفن الوطن أيضاً، حين جازف بالهروب من جحيم الحرب والفرار من لجة اليأس في إيران قبل أن يصل المنفى، ومرة أخرى يوم أقدم على نشر الكتاب في ظل سلطة الديكتاتور. وذاكرة الحرب لديه هي ذاكرة الأشخاص، القصائد، الكتب التي تتصادى وذاكرة ” العدو” المفترض على الجهة الأخرى من جبهة القتال- كما في السطور التي يتحدث فيها عن عبد المجيد زادة الذي استبيحت داره ومكتبته في المحمرة(ص 14- 15) من قبل الجنود العراقيين والذي عقد معه الكاتب صداقة خفية عبر كتبه المتناثرة في باحة الدار.

كما أن العقابي في نبشه الفوضوي – دونما تسلسل زمني محدد – في الذاكرة يحاكم نفسه ويحاكم الآخرين بقسوة شديدة الهدوء. ربما لأنه أشبع الموضوعات التي طرحها تأملاً وتمحيصاً بمجهر وعيه، وربما لأنه عانى كثيراً قبل أن يتمرد على سلطة أبوية فاشلة في أعماقها، مأزومة ومأزمة: سلطة الأب الضعيف الفاشل الذي من حيث يدري أو لا يدري تسبب في شقاء الإبن والزوجة، وهي السلطة الباترياركية نفسها للحاكم الذي يفشل في مهمته فيخفي انكساره وهزيمته بقسوة مبالغ فيها مما أودى بالشعب إلى جحيم الحروب ومآسيها.
والكاتب لا تفوته أيضاً محاسبة السياسيين والنخب المثقفة وحتى اللغة وأمثالها الشعبية التي تبرر الانتهازية وتختلق الذرائع لها في سلوك الشعب.

أما تساؤلات الكاتب حميد العقابي عن الوطن فحقيقية نازفة: “ما الوطن؟.. دم متخثر على الصارية.. وأشار بيده نحو علم المدرسة..” وهمومه لا يمتصها ترف المنفى. إنه يواصل الهذيان بتفاصيل الذاكرة، بالأصدقاء، الراحلين والمنفيين والمقيمين في الأتون.
ولأنه أدرك مبكراً معنى الوطن، بعيداً عن الشعارات الكاذبة، فقد آثر المنفى والرحيل قبل الطوفان “حاملاً جذوره معه رافضاً الأرض التي تغريه برسوخ كاذب” (ص 174).
ولعل المقاطع التي يتناول فيها وضع العراقيين المهجرين المنسيين أو من أطلق عليهم بـ”المعاودين”، ممن كادوا ينسون أسماءهم مكتفين بهذه التسمية و”هم الذين لا يعرفون سوى أنهم عراقيون من أب وجد عراقيين، وجدوا أنفسهم يوماً محمولين في شاحنات رمتهم على الحدود العراقية الإيرانية بحجة أنهم إيرانيون” ، أو عن اللاجئين في إيران الذين توزعوا كل ثلاثة على خيمة وفقاً لانتماءاتهم (خيمة لعرب وأخرى لأكراد وثالثة لتركمان ورابعة لآشوريين، هذه الخيمة للشيعة وأخرى للسنة وثالثة لعلمانيين، ولم يستطع ناصر وتوأمه منصور أن يجدا ثالثاً ينتمي إلى طائفة العليلاهيين فرفضا أن يقاسمهما ثالث من طائفة أخرى، حتى عباس المجنون تقاسم خيمته مع مجنون أخر اسمه علي) (ص 68) تصلح عينة دالة تكشف عن وعي الكاتب الدقيق بحقيقة الوطن العراقي – لا الوطن المثالي المجرد- بجزيئاته المكونة التي حاولت السياسات الفاشية للنظام أن تلغيها أو أن تقمعها على مدى عقود ماجعلها قنبلة موقوتة تهدد الجميع في وقتنا الراهن.

هذا الوعي الحاد بالواقع والقراءة الإستباقية المعمقة له هو ما دفع به إلى نقد الوطن الصغير أولاً، بدءاً بالأب والجد وصولاً إلى المعلم والعسكري والسياسي والمرأة ليهتدي إلى صورة منقحة عن الوطن، أو لما يريده لهذا الوطن، عبر ذاكرة متمردة رافضة للواقع وعازمة على تسديد الأثمان أيضاً.

من الواضح أن الكاتب العقابي لم يستنفد ذكرياته عن الحرب وتداعياتها وهذا ما نتلمسه بجلاء من خلال روايتيه اللاحقتين: “الضلع” (2007) التي عدها الناقد حسين السكاف امتدادا لسيرته الذاتية ورواية “أقتفي أثري” (2009).

صورة المرأة في سيرة العقابي: ثنائية الطهرانية والإثم

تحتل المرأة أجزاء حميمة من الكتاب، خصوصاً في المقاطع التي تصور الأم، بشخصيتها التي طغت على حضور الأب في حياة الكاتب. فهو لا يخفي حبه الشديد لهذه الأم القوية، الصابرة بكبرياء، برغم جموحها المكتوم بل ويعجب حتى بقدرتها على الكره واللاتسامح مع الزوج الضعيف إعجاباً يصل حد تجاوز المألوف أو مما يحرج التصريح به. لقد رسم لنا الكاتب حميد العقابي عبر لقطات تصويرية مدهشة وبشجاعة فائقة صورتين متناقضتين لأمه وأبيه، كانت الأم تتفوق فيها دوماً على حضور الأب في كل الأحوال، في المرض والعافية، في الحياة وفي الموت.
كما يظهر هذا الاهتمام عبر الفصل المخصص للشخصية الأسطورية الجدة شمعة، بصورتها الماترياركية في ذاكرة المراهق قبل أن تصبح لاحقاً رمزاً يختصر الأمومة والعهر معاً، الأسطورة والحقيقة، الذاكرة والزوال وكل النقائض الأخرى. ثم أضفى عليها وعي الشاب المثقف للكاتب بعداً آخر حين جعل منها نموذجاً فطرياً للاحتجاج النسوي ( الفـمينيزم) في دفاعها عن ( سهام)، الفتاة التي خرجت عن التقاليد الاجتماعية وارتكبت المحظور يوم حملت سفاحاً فاستحقت القتل على يد والدها الجزار المتهتك أصلاً، إن شئنا توصيفه تربوياً، أو كما شهد الكاتب بذلك.
بيد أن صورة المرأة- الأنثى بعيداً عن شخصية الأم تبدو ملتبسة دوماً بصورة آثمة في الذاكرة وهذا ما يصرح به الكاتب بوعي أو بدونه في مواضع عدة من الكتاب حينما يتحدث عن علاقته بالمرأة والجنس في ثنائية مشوبة بالتعالي تارة انتصارا لطهرانية يبحث عنها، والشعور بالإثم تارة أخرى. ولعل جذر هذا الإحساس يكمن في حادثة دخوله السجن في سن الرابعة عشرة بسبب ” فتاة لم يرها”. أو لربما يجد تفسيراً له في حادثة ” سهام” التي مثلت للكاتب النموذج البدئي للمرأة، جسداً وحسب – إذ لم يتح له وهو صغير السن أن يكتشف منها سوى الجانب الحسي فقط، قبل أن تقتل محواً لعارها- والتي خصها بمساحة كبيرة فهي كما يصرح: ” أول فتاة أكتشف نفسي بها وأول جسد ألمسه وأراه حياً بكامل عنفوان أنهاره وشلالاته، وكذلك كانت سهام أول جثة لقتيل أراها مسجاة على الأرض ينزف منها دم ساخن كأن بخاراً يتطاير منه وأول موت يفضّ شغاف حياتي” (ص 111).
وهكذا فأن أول امرأة في حياة الكاتب وأولى خطواته صوب تلمس رغبته واكتشاف الجنس بكل تقاطعاته مع الموروث التحريمي الديني والاجتماعي قد ارتبطت فوراً بفكرة العقاب، وأي عقاب: القتل.
هذا ما نستشفه أيضاً من مشهد ” تينا” المرأة الغربية بجرأتها الصادمة للرجل الشرقي على الرغم من محاولة الكاتب إضفاء طبيعية مكتسبة من الإقامة في الغرب، وما تفرع عنه من تبعات ” طفل جاء عن طريق الغلط”، هي تكرار لعبارة رددها أبوه على مسمعه بما يشبه اللعنة التي ظلت تطارده في صغره وربما رافقته إلى اللحظة التي تحرر منها بكتابة سيرته هذه. وهو يعبر عن إحساسه العميق بالكره لهذا الطفل – ولأمه طبعاً- الذي هو من وجهة نظره “ثمرة محرمة لعلاقة خاطئة” حاول أن يتنصل منها سريعاً حتى وإن اضطر إلى اللوذ بجملة أبيه التي تعذب بها زمناً في نوع من الإسقاط الداخلي. فالمتوقع عادة في مثل هذه الأحوال هو أن يشعر المرء بالتعاطف مع طفل برئ لا علاقة له بكل ما دار بين أبويه من ملابسات. بيد أن الشعور بالإثم هو الذي طغى على الموقف فتحول الشاعر، الإنسان المرهف والكاتب المتمرد ذو الوعي الحاد، إلى خاطئ تقليدي بالمفهوم الاجتماعي -وربما الديني أيضاً- يلوذ من إحساسه ( الآثم) بجملة يدرك هو قبل سواه، مقدار قسوتها (ص 62).
هذا النموذج الآثم للمرأة يتداخل على نحو مفاجئ مع صورة “شاهناز ” الرقيقة التي تدعو الكاتب لزيارة مرقد السيدة زينب وإيقاد شمعة في ذكرى الوالد والتي ظلت غامضة لدواع إجتماعية في الأغلب، عبر حوار مبتسر لا يكاد يصرح بشيء (ص 62).

بهذا المعنى فإن الكتاب يخلو من عاطفة الحب إزاء المرأة الحبيبة، والكاتب يبرر هذا الغياب بانشغاله بالشعر” كلما التفت إلى قصيدة خسرت امرأة” لكأنهما نقيضان لا يجتمعان. ثم لا يتردد في الجهر ببراغماتية واضحة بنوع العلاقة التي تربطه بها ” لم تكن المرأة في حياتي سوى وهم من أوهامي الكثيرة التي أهرب إليها حينما أشعر بالوحدة أو الهزيمة..” (ص 21) وهي “وسيلة وليست غاية”. إنها -كما يقول- موضوع للجنس الذي هو بدوره وسيلة للانعتاق من سلطة الجسد والتسامي لاحقاً من خلال الأدب والشعر تحديداً. أي في المحصلة النهائية تغدو المرأة أداة للجنس الذي هو أداة أخرى لبلوغ مرحلة الإنسان الأرقى المتجسد بالعملية الإبداعية وهذا بحد ذاته إجحاف كبير وتشيئ للمرأة لا أخال الكاتب يتعمده لأنه دافع بحرارة عن حق المرأة في كل جوانب الحياة، بما في ذلك حقها في الجنس حين انتقد عبر السطور المكرسة لمشهد قتل سهام منظومة القيم الاجتماعية السائدة. أو هذا ما يطرحه وعيه كما يبدو، أما لا وعيه فهو الذي قاده إلى هذا التشيئ، وإلى أحكام أخرى ظالمة، مطلقة، تسقط في التعميم الجمعي الذكوري التقليدي .
العقابي يعترف- وفي هذا الاعتراف فضيلة- بأنها ” ليست مشكلته وحده، بل هي مشكلة الرجال الشرقيين كافة ترتبط عندهم الفضيلة والرذيلة بعلاقتهم بالمرأة…” ص 24، هذا الشعور المتناقض يتجلى بوضوح لدى الكاتب أيضاً من خلال تماهيه مع تجربة صديقه الرسام، وحديثه عن المرأة العاهرة الغادرة، لا بوصفها حالة متعينة بل بوصفها جنساً بشرياً جبل على الغدر والخديعة، انطلاقا من البغي التي روضت انكيدو في ملحمة جلجامش مرورا بامرأة الشاعر امرؤ القيس، وانتهاء بما ورد من أحكام مرضية على لسان الرسام سمير، على الرغم من الجمل الاعتراضية التي بثها الكاتب هنا وهناك قبل أن ينتهي إلى اعترافه الصريح بأنه يتفق معه تماماً ” لنبل المشاعر التي كان يحملها وصدق المعاناة”. وهو يبرر توافقه مع تلك الآراء المجحفة بسبب معاناته مع المرأة وغياب امرأة الحلم وتجنبه ” الاقتراب من عالم المرأة الذي يتطلب الدخول إليه قدرة عالية على تمثيل دور المهرج الذي لا أجيد تقمصه، فغدت المرأة أمامي كعنقود العنب العالي وصرت (ربما بلا وعي مني) بحاجة ماسة لمن يؤكد وهمي بحموضة العنب، وقد وجدت ذلك في آراء سمير”. ( ص 140)
لاجدال في أن المشكلة أعمق من أن تطرح بهذه العجالة والثقة التي تبدو غريبة على كاتب ارتيابي متشكك لا يطمئن إلى الموروث أو السائد، لأنه مسكون بالأسئلة والرغبة في كسر المتوافق عليه اجتماعيا.. والسؤال المطروح هو لماذا يركن الكاتب العقابي إلى موقف هو العام الشائع المألوف لدى الغالبية العظمى من كتابنا العراقيين والعرب عموماً، سواء أكان ذلك بشكل واع أم لا؟!.
لعل ثمة من يقول إن الاعتراف فضيلة وهذا ما أقررنا به للكاتب في البداية، لكنه ظل واقفاً على العتبة ولم يجازف بالدخول في متاهات الأسئلة والجرأة على تقديم تحليل لها فيما يخص علاقته بالمرأة بعيداً عن المكرور والتقليدي. لقد كانت الفرصة متاحة أمامه لفعل ذلك- وهذا ما كنا نتمناه كقراء- بأن يلاحق خيط المرأة من خلال شخصية” سهام” وأثر موتها بالطريقة المأساوية البشعة التي كرست فكرة الجنس الآثم لدى الكاتب، وكيف تعامل معها ” المراهق حميد”، وما تأثير ذلك على علاقته بالمرأة لاحقاً، أو في أحكامه التي تنطلق من تجربة أبسط ما يقال عنها إنها شخصية في حديثه عن المرأة الشرقية بوصفها كائنا أدمن الحيلة والكذب، عبر صورة تنتسب لتراث ألف ليلة وليلة أكثر من انتسابها للواقع( كما في أحد المقاطع العنيفة برغم الهدوء والثقة اللذين يغلفان كلماتها ضد المرأة في الصفحة 23). أو عندما يعترف بأن المرأة وهم، وسيلة، أداة للتخلص من سطوة الجسد، وهي نظرة فيها من الموروث الشرقي الذكوري الكثير مما لا مجال لسرده هنا. ولعل دراسة متأنية لنموذج المرأة لدى الكاتب المبدع العقابي- برغم حسه الإنساني الدافق- ستفضي بنا إلى نتائج أقل ما يقال عنها أنها محزنة لنا نحن النساء.
واللافت للنظر أن الكاتب يعود لاستدعاء صورة سهام في الجزء الثاني من السيرة –السرد المتخيل- بعد أن يعود ” الشيخ حميد” إلى الوطن، إذ تظهر سهام ثانية لتلازمه كما لو كانت مريدة له تنتظر منه إجابة حكيمة لتساؤلاتها عن العشق والبكارة والخطيئة. ظاهر الأمر يدعونا إلى التفكير بأنه إنما أراد انتزاعها من ذكرى الصورة الآثمة التي وضعها المجتمع فيها ظلماً، لكأنه أراد أن يطهرها بحكمته التي بلغها بعد طول تأمل واحتراق في المنفى، بعد أن تلاشت رغبته أو بالأحرى قدرته على الرغبة.
بيد أن هذا الطرح ينطوي على إعلاء الجانب الطهراني للمرأة ممثلاً بالفضيلة التي تتنكر للجنس ليكرس نظرة لطالما أوقعت المرأة ضحية خالدة لها، استجابة لمفهوم الشرف الذي غزا كتابات لا حصر لها في الأدب العربي والذي يجد تجسيده الوحيد بالجنس، ومسؤولية المرأة الأزلية في المحافظة عليه كإرث مشترك أوحد للعائلة أو القبيلة لا كشأن يخصها وحدها. الانتصار لسهام كان يمكن أن يأخذ منحى أكثر إنسانية عبر إعادة صياغة صورة متقدمة لها، أكثر وعياً واستقلالية، تحررها من تخلفها وعبوديتها وتبعيتها لرغبة الرجل- الكاتب، كما يظهر في الخاتمة، إذ عجز عن أن يرى فيها شيئا آخر سوى جسدها وشهوته المخذولة بالشيخوخة ( ص 211).

لقد فوت الكاتب عليه وعلينا فرصة ملاحقة هذا الخيط الهام ليستعيض عنه بوعي الكاتب – بعد النضج- في تحليل المجتمع وزيفه وعلاقاته الباطنية والخيانات الزوجية، معلناً رفضه لجرائم الشرف..الخ. وكل هذا إنما ينتمي إلى وعي الكاتب اللاحق الذي يمكن أن يضمن في دراسة سوسيولوجية أكثر منها كتابة سيرة ذاتية.

السيرة الجماعية من خلال السيرة الذاتية
في الفصل المخصص للجدة شمعة (ص 83) نجد تحليلاً دقيقاً للمجتمع الصغير الذي تدور فيه الأحداث، وهو تحليل يصلح عينة لفئات تكاد تغطي معظم خارطة المجتمع العراقي، أو هذا هو ما تفضي إليه قراءة متأملة متأنية. ولعل ما يحجب هذا الانطباع هو طغيان الشخصية الروائية الآسرة للجدة شمعة على باقي التفاصيل وانشغال القارئ بها. لقد طغى حضورها على تلك الوثيقة الإجتماعية والسياسية الهامة جداً – والأدبية بامتياز- لمرحلة حساسة من تاريخ العراق وما آل إليه المجتمع من نفاق سياسي ومداهنة للسلطة الانقلابية التي أحكمت قبضتها على البلد عام 1968. فالكاتب يروي ذكريات الصبي ذي الثلاثة عشر عاماً التي تشي بوعي مبكر بالأحداث السياسية التي راحت تتوالى ( قضية شبكات التجسس الإسرائيلية وانتكاسة حركة الكفاح المسلح الشيوعية في الأهوار الجنوبية) وانعكاسها على سلوك ناس مدينته الصغيرة. إنه يستحضر بكثافة جو الخوف الذي استشرى وحالة الخنوع والتخلي عن المبادئ إيثاراً للسلامة الشخصية، إثر حملات الإعتقالات وأحكام الإعدام والترهيب والأجواء الأمنية الخانقة التي دفعت بالكثيرين لممالأة السلطة والسكوت عن الظلم طالما أنه يتعلق بـ(الآخرين).
العقابي يحلل برؤية مجهرية مواقف الآخرين من حوله، تخاذلهم وتخليهم عن بعضهم، كما يتعرض لموضوعة الشائعات وتوظيفها الذي عاصرناه جميعاً والذي استغلته السلطة الحاكمة للسيطرة على الناس وترويعهم.
هذا الواقع المصغر للفوبيا التي سادت في تلك الأيام في مدينة الكوت يمكن أن ينطبق على أي جزء من أجزاء العراق.. لقد عشناها جميعاً بهذه التفاصيل أو تلك، ولكن القاسم المشترك يبقى هو ذلك التوجس والريبة ، وسريان الإشاعات التي زرعت الخوف بين الناس وانعدام الثقة بين أفراد الأسرة الواحدة نفسها.

السرد الروائي في السيرة الذاتية المغلقة
في الجزء الثاني المتخيل من السيرة الذاتية – وهو الجزء الذي تمثله الرواية- يطرح الكاتب حميد العقابي رؤية كارثية انهيارية شاملة بما يشبه النبوءة ، وقد استعان بلغة شعرية وأحياناً نثرية تستلهم صيغاً قرآنية في مواضع كثيرة ليمنحنا الإحساس بالنبوءة عبر صوت النذير.
هذا الجزء الاستباقي هو أقصى ما يمكن أن يبلغه الكاتب في استشراف سيرتنا الجماعية. فما بدا أول وهلة ضرباً من الخيال وفانتازيا الواقعية السحرية من خلال الواقع مدفوعاً إلى أقصى درجات الخيال، تحول إلى نبوءة متحققة حين تحدث عن الانهيار الشامل الذي جاءت الأيام لتمنحه مصداقية من خلال انهيار الدولة والنظام السياسي الظالم وما رافق ذلك من فوضى وعنف.
لقد صور العقابي مشاهد التلهي بالمغانم في لحظات الانهيار، الناس الذين يلملمون سلالهم ليجمعوا الأسماك العالقة في قعر الغراف الذي جف ماؤه لانهيار السدة، الناس الصغار اللاهين باليومي، بالعابر، غير مكترثين للحظة الانهيار العظيم. هذا المشهد يتصادى في ذاكرتنا العراقية مع صور مماثلة حدثت ويا للأسى في لحظات كانت تسرق وتحرق كنوز الذاكرة وتاريخها. ولعل العقابي في هذا يجترح نمطا يضم، إلى جانب السيرة الذاتية المألوفة في الكتاب، سيرة أخرى جماعية مستقبلية جرؤ على كتابتها برؤية جحيمية قبل وقوعها بأعوام، وهي مهمة استثنائية تصدى لها الكاتب، لوعيه بأن الأدب الحقيقي يسبق الواقع أحياناً، ولا يكتفي بالتمرد عليه. أي أنه ينزع إلى محاولة الاشتراك في خطّ مساره أو في وضع قراءة استباقية له. وهذا ما أراد العقابي أن يفعله لأنه ” رجل يريد أن يتجاوز الزمن” تماماً كالجدة شمعة بشخصيتها الروائية الملغزة التي تجاوزت الزمن .
وهو حين يتحدث عن العودة اليوليسيسية، عودة ” الشيخ حميد” الذي يصل الوطن كهلاً عارياً في عودة جنينية ثانية إلى رحم الأم- الأرض فإنما يتحدث عن عشرات الآلاف من المنفيين الذين شاخوا بعيداً عن الوطن في رحلة التيه العراقي والذين يبحثون عن عزاءات في الحكمة وفي غنى التجربة في هذا النمو الذي بلغوه عبر الرحلة. وأحياناً من خلال إعادة اكتشاف أسباب الرحيل، كما يعلن لنا ” الشيخ حميد” لدى سؤاله عن حكمة الرحلة- المنفى فيوجز بجملة بليغة: ” قد يتسع الأصيص يابنيّ لزهرتين مختلفتين ولكن يضيق العالم أبداً بقاتل وقتيل”. (ص 179)

صراع الوجود والعدم ما بين السرد التسجيلي والمتخيل
في كل المرات التي حاول فيها الكاتب أن ينفي حضوره المتفاعل في هذه الحياة لاعتراضات وجودية أصيلة يستشعرها، كان يعود ليؤكد هذا الوجود، بصيغة تعبيرية أو أخرى – تارة بالنثر وأخرى بالشعر- فهو لا يتردد في تخصيص فصول من سيرته لقصيدة أو أغنية كما يدعوها هو، ليختزل بذلك الكثير مما يود قوله أو البوح به. ” على بابي سأكتب جملة/ ” أنا لست موجوداً”/ وانتظر الوجود يمر من شرخ الجدار/ وربما/ ريح ستهدم ما يسورني/ وتقرأ في الحطام عبارة/ أنا كنت موجودا، ولكن…”.( ص 148)
إنه إصرار المثقف على التزامه بموقف من الحياة والوجود برغم كل تجاذباته العدمية وصراعه الذي عبر عنه في الصفحات الأولى من الكتاب عبر قراءته المبكرة لـ”الوجود والعدم” لسارتر، وصولاً إلى السطور الأخيرة التي اختتمها بكلمات الفيلسوف كيركغورد.
لا بد أيضاً من الإشارة إلى أن الكاتب قد أفاد في الجزء الروائي من الموروث الديني الميثولوجي، عبر إشاراته إلى الطفل هابيل الذي يؤكد بكلماته” ولدتُ وفي صلبي جميع القتلى قتلوا يوم قُتلت وسيبعثون تباعاً” في إشارة إلى أول جريمة قتل للإنسان. كذلك حشد الكاتب في الفصول الأخيرة عدداً كبيراً من النصوص المشبعة بالحكمة والتجربة، والتأملات الغزيرة في الجسد والروح، في الوطن والمنفى، في الموت والانتحار وفي ثنائيات الحياة الأخرى. وهذه كلها تصلح محاور لمقاربات نقدية لا يتسع لها المجال في هذه القراءة الأولية للكتاب.
العقابي يكتب سيرة ذاتية غير تقليدية، إذ لا يعتمد انثيالات الذاكرة مصدراً أوحد للسرد، بل يطلق العنان لروحه كي تتدفق قبل ذاكرته في نص يمتزج فيه الشعر بالنثر، الغناء بالصراخ الخافت، الروح التراجيكوميدية بالنبرة الرصينة، اليأس والخذلان بالأمل، اللغة الحسية بالنبرة الصوفية… وقد حالت لغته الشعرية المكثفة بينه وبين الإطالة أو ملاحقة التفاصيل الثانوية التي يزخر بها نثرنا العربي. لقد قدم لنا عينات حياتية مؤثرة، انتقائية بطبيعة الحال، إذ هو ليس بصدد تدوين اعترافات بل هو يكتب بهاجسين هما: الاستشفاء عبر الكتابة وإنجاز نص أدبي إبداعي.
لا نعرف إلى أي مدى تحقق الجزء الأول منهما، إذا ما علمنا أنه في مواضع معينة من الكتاب قد جرؤ على البوح بما لا يقال، وبشجاعة إجتماعية نادرة لكاتب لا ينوي كتابة سيرة فضائحية.
أما الهاجس الآخر فلنا أن نسجل أن الكاتب حميد العقابي قد أفلح في أن يجعلنا- عبر رماد الحزن وأسى التجربة- نستمتع بقراءة إنسانية حميمة تتصادى وتجربته، وأن يجعلنا نصغي حقاً لهسيس جمره عبر نص إبداعي مميز في أدبنا العراقي والعربي من خلال مزاوجة جنسين أدبيين هما: السيرة الذاتية والسرد الروائي.

هوامش : 

(6). العقابي سجل شهادته قبل الغزو الأمريكي عام 2003 وسقوط النظام الديكتاتوري وهي فضيلة تحسب له. بعد هذا التاريخ تلاحقت الروايات والإصدارات السردية التي شهدت بأثر رجعي على تلك الحقبة الصعبة من تاريخ العراق. في ملحق كتاب “الرواية العراقية..صورة الوجع العراقي” (2014) لحسين السكّاف أحصى الكاتب بجهد محمود نحواً من 262 رواية عراقية صدرت بعد الاحتلال للفترة ما بين الأعوام 2003- 2012.
(7). العقابي، المصدر السابق، ص 180.
(8). العقابي، المصدر نفسه، ص 67.
(9). حسين السكاف، “الرواية العراقية..صورة الوجع العراقي” الناشر الروسم، بغداد ، 2014، ص 100.
(10). في الفصل المعنون “الرسام والفراشة” ومن خلال الحوارات المتبادلة ما بين الكاتب العقابي وصديقه الرسام تتجسد مواقفه هذه بوضوح إزاء المرأة على الرغم من الجمل التقريضية التي سطرها رداَ على رؤية صديقه الرسام السوداوية لجنس النساء عموماً (ص 130).
(11). الصفحات 107-113 من العمل التي خص بها الكاتب شخصية سهام تستحق دراسة معمقة لأثر التجربة العاطفية الأولى وبواكير النضج الجنسي وأثرها لاحقاً في صورة الجنس الآثم لدى الكاتب.
(12). أصغي إلى رمادي، ص 184.

………………………………………………………………………

• كاتبة وأكاديمية عراقية مقيمة بإسبانيا.
• الدراسة مقدمة في مؤتمر السرد الأول حول: الذاكرة في مشغل السرد الذي نظمته كلية الآداب / الجامعة المستنصرية في شباط 2016.

شاهد أيضاً

توفيق الشيخ حسين: قراءة في الأعمال الشعرية للشاعر د. صدام فهد الأسدي (ملف/3)

اشياء تسقط في الذاكرة اشياء تصعد في الأشياء افياء يفضحها النور، واشياء تخنقها الظلماء احياء …

الدكتور صدام فهد الأسدي: أنا ملك الأحزان دون منافس وقد ابتليت مذ امتلكت يراعا
حاوره: حيدر الاسدي (ملف/2)

حيدر الاسدي / من هو صدام فهد الاسدي الإنسان قبل أن يكون شاعرا وأستاذا جامعيا؟؟ …

أ.د. صدام فهد الأسدي.. سيرة حافلة بالعطاء (ملف/1)

الأستاذ الدكتور صدام فهد طاهر شريف الحمد الأسدي تولد قضاء القرنة 1/7/1953 حصل على شهادة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *