فؤاد قنديل : الناب الأزرق (الحلقة الأخيرة)

( 9 )

بعد أيام وفي وضح النهار.
صعد الأخوة الأربعة إلى شقة أمهم. يحملون أدواتهم .. خلعوا باب الشقة خلعا .. دخلوا على أمهم .. وقفوا أمامها في صمت كمن يصلون على جثة عزيز.. قالوا بصوت واحد وإن أطلقته ألسنتهم جميعا:
– عذرا يا أماه.. نرجو أن تسامحينا .
استل كل منهم من ثيابه مدية ، وأغمدها في صدر الأم.
استداروا عائدين ، وفي صمت هبطوا الدرجات والمدى في أيديهم تقطر دما .
هتف العمال في المعمل إذ رأوا اللبن في الخراطيم ينثال بطيئا إلى الخزانات والغلايات أحمر اللون ثقيل ومركز.
– اللبن يا عم الشحات نازل أحمر
قال لهم وهو في موضعه . منشغل بحصر أمواله :
– ما المشكلة ؟.. أحمر . أزرق ..أي لون .. كله يمكن تعبئته وكله يمكن بيعه.. استمروا ..املؤا الزجاجات واعرضوا الإنتاج الجديد.. فقط استدعوا الخطاط ليضيف إلى اللافتة المكتوب عليها ” هنتر عثمان لمنتجات الألبان ” كلمتى :
– وعصير الفواكه.
ومضي يغنى أغنية قنديل
غزال أنفاسه تتنسم .. عبير
والخطوة تتقسم .. نغم
وشفايفه تتبسم .. ولا العناب .. نسيت أعمل لقلبي حجاب
سحب رمشه ورد الباب .. كحيل الاهداب .. وداب قلبي داب
*****
قبل الفجر هب أحمد من نومه ينتفض رعبا وهو يصرخ :
– أمى لا ..أمى لا
ابتلع ريقه وتنبه:
– أعوذ بالله ..أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
كان كابوسا ثقيلا إلى أقصى حد .. لعنة الله على الشياطين.
هل يكون الكابوس الفظيع هاجمنى لأني نمت مباشرة بعد تناولي العشاء ؟ أم أنه مرتبط بقلقي على أمي .. ربما بسبب ما جري لإبراهيم.
في فراشه بقي أحمد مُهدّم الجسد ..أبي النوم أن يزور جفنيه ..استيقظ عقله وظل يدور .. يهتز كقارب فوق بحر هائج الموج .
طلع الصباح وهو في السرير مُسهّدا يفكر ويفكر .. الخيوط كلها مهلهلة لا يستطيع أن يربط بينها .. قفز من السرير فجأة.. حملق في اللاشيء.
تابع في اهتمام فكرة وليدة أطلت من مركز ما أو ركن ما . استعادها وأعاد الاستماع إليها. وجد لها منطقا معقولا .
ارتدي ملابسه على عجل والتقي بأخوته.
قص عليهم الحلم فانزعجوا وضجوا بالغضب الشديد . ظنوه يعرض عليهم تنفيذ ما رأي . استمع إلى براكين ثورتهم بهدوء .
قالوا :
– لست وليا من أولياء الله الصالحين ولا من الملهمين الواصلين .
قال :
– أوحي لي ذلك بفكرة .
– الحقنا بها بسرعة .. نوشك على الانفجار .. عجْزنا أصبح مضرب الأمثال
عرض عليهم فكرته الجديدة .. دوّرها كل منهم في رأسه .. رحبوا بها واتفقوا على سرعة التنفيذ.
( 10 )

السابعة صباحا .. الحركة محدودة نسبيا .. الشباب ينطلقون إلى بيتهم القديم . تشتعل بصدورهم الحماسة .. يدقون الأرض بقوة ويدفعونها إلى الخلف ويتقدمون . يتنفسون من الهواء الطازج أنفاسا عميقة تغسل الصدور المتكلسة وتوقظ الأمل .
صعدوا إلى الشقة .. تدق أقدامهم درجات السلم .. تقدم خالد وحطم القفل الغليظ بأجَنة حديدية .. امتدت الأيدي الشابة وخلعت الباب .. لم يكن أبوهم قد حضر بعد .. يحضر في الثامنة ليُركب في صدر الأم الوعائين الساحبين.
تقدموا من أمهم ..لم تكن مثبتة في الفراش الحديدي ..في حنان قبلوها في الجبين والخدين واليدين وقبلتهم وعانقتهم وتنفست روائحهم .. شربت من عبق بنوتهم التي حرمت منها طويلا .. كان الفراش الحديدي يكبل حركتها ويكتم أنفاسها .. كان أيضا يفقدها الشعور والفكر .. يقطع صلتها تقريبا بالحياة . أحسن حالاتها ترجع إليها مع الصباح حيث تكون قد نامت نوما طبيعا وغادرتها الأغلال واستطاعت أن تعيش ولو ساعة حياة عادية ككل البشر ..اكتملت حياتها الطبيعية الآن بحضور أولادها ..مضت تتأملهم .
قالت من خلال بسمة رضا :
– أنا اليوم مبتهجة
قالوا معا :
– ونحن أيضا
أراحت كفها على كتف أحمد أكبرهم وأولهم من جهة اليمين وكفا على كتف إلهام أصغرهم الواقفة إلى أقصى اليسار..احتوتهم بنظراتها المشتاقة .. أيام وشهور طويلة وأسابيع لم ترهم .. غابت الدنيا بغيابهم .
احتوتهم وأغمضت عينيها وانثالت دمعة .. دمعتان .. دموع .. عانقتهم وتنهدت .. بالنظرات قاستهم طولا وعرضا .. تفحصتهم وجوها وعيونا وحرارة .. قالت وقد جرت إلهام إلى حضنها :
– لقد كبرتم ونبتت لبعضكم شوارب
– نعم .. نعم
– هل تعملون ؟
– نعمل
– المهم أن يحب كل منكم الآخر
قال خالد :
– لا غنى لأحدنا عن الآخرين
– فماذا حفزكم اليوم على زيارتي؟
– أنت
– كيف؟
– اشتقنا إليك
– ألم تشتاقوا من قبل؟
– لدينا عمل
– هل أنتم سعداء؟
– يجب أن تكوني سعيدة أولا حتى نكون
– مصيري ليس بيدي
– ليكن بأيدينا
– كيف ؟
– سترين
– أفصحوا
– لقد جئنا لنقيم معك في شقتك
– أغلي ما تتمناه أم
– وما الذي يمنع؟
– أبوكم
– قبل أن ينطقوا بحرف تناهت إلى أسماعهم طرقات أقدام على السلم .
– هاهو قد جاء .. سينزعج إذا وجدكم ..أسرعوا
– لن نبرح المكان .
دخل عثمان .. رآهم .. فتح إلى أقصاهما عينيه .. قطب جبينه .. تلفت .. اضطرب .. تغيرت ملامح وجهه..لحظات صمت ونظرات متحفزة .. صمت يتخلله تراشق بالنظرات .. سهام ترد عليها سهام . أخيرا سأل :
– ماذا تفعلون هنا ؟
– وهل يُسأل أحد عن سر وجوده في بيته؟
– ما شاء الله .. ما شاء الله .. الكتاكيت التى ربيتها كبرت وطلع لها ريش
قال خالد :
– وأظافر
– هكذا !
طارت نظراته في فضاء الشقة تتفحصها .. تطمئن على النوافذ والجدران وعلى الأم والفراش الحديدي . .. تبحث عما لحق بمحتويات الشقة غير الباب المستند إلى الجدار واقفا في انكسار كشخص غريب ومعزول . تذكر عثمان أنه رجل البيت ولابد أن يكشف قليلا عن سلطته ، فسأل:
– ماذا فعلتم بالباب ؟
رد عليه أحمد بسؤال :
– ماذا فعلت أنت بالباب ؟
بُهت الرجل الذي أحس بتهديد هيبته كمالك للمكان بكل ما فيه . استوقفته لحظات نية المواجهة و نبرة الاستعداد للهجوم . بدأ يجمع شتات فكره وأعصابه .
– ماذا تريد منك له .. له ؟
– ماذا تريد أنت ؟
جف حلقه فجأة .. بلع ريقه .. بَلل شفتيه ..استدار إلى أم أحمد .. أراد أن ينقل المعركة إليها ويشركها في الحوار الساخن حتى تقوم بدورها في إسكات أولادها قبل أن يعصف بالجميع ..
سألها :
– ما هذا يا ست هانم ؟
قال الشباب بصوت واحد قوي وحاسم :
– اسألنا نحن
رأي عثمان أن الحصافة تقتضي كسلوك مضاد لهذا الحشد أن يهبط بنبرته المتعالية ، ويبدي بعض اللباقة .. قال :
– هيا يا أم البنين إلى الفراش .. الساعة تجاوزت الثامنة .
اندفع خالد قائلا :
– لن يضمها هذا الفراش ما دمنا أحياء
فوجئ بالكلمات الحاسمة .. حافظ بصعوبة على نبرة الهدوء
– أنتم تسيئون إليها وإلى أنفسكم
قال على :
– نعرف ذلك
جنح للدهاء وتسلح بذكائه الشهير
– يا أولادي عيب أن تتحدثوا مع أبيكم بهذا الشكل ..ألا تعرفون العيب ؟.. لا يليق هذا بشباب ناضجين مثلكم
سأل أحمد:
– وهل ما تفعله سلوك أب أو زوج؟!
– أنا أبصر منكم بالأمور
قال على :
– أنت أبصر بمصلحتك الأبدية
– حتى أنت يا بروتس يا من تصورت أنك أطيبهم وأحبهم لأبيك
رد على بقوة ووضوح :
– أنت لم تبق لك حبيبا ولا ابنا
– لا تخطئوا حتى لا تقعوا تحت طائلة القانون
– هذا ما نريده
– اذهبوا إليه إذن
– اذهب أنت إليه
لم يجد جدوي من الحديث .. أدرك أن الأولاد مستعدون ، وأنهم كبروا فجأة .. أقنع نفسه أنهم لا زالوا أولادا .. تجاهلهم . حاول تركيب الوعائين بصدر الأم وهي واقفة .. دفعته بعيدا عنها وانقض الشباب على الوعائين فنزعوهما من يديه ورموهما على الأرض وحطموهما بالأقدام .
سعي عثمان لاستنقاذ الوعائين فلم يفلح .. زعق :
– يا كلاب.. يا دون .. يا ناكري الجميل..آه يالحظك التعس يا عثمان في أبناء عاقين لا يقدرون النعمة !
دار حول نفسه باحثا عما يمكن عمله لصدهم والنيل منهم .. لم يجد ما يفعل .. بدت جلية حيرته وتعثره في شبكة ضعفه وعجزه عن ركوب الموجة العالية ..أكل أنيابه..اتسعت فتحتا أنفه .. اصفر وجهه وقصر طوله واحمرت عيناه .. برزت أذناه وطال ناباه .. لكنه خار كالثور ، ثم قال :
– هكذا إذن ؟!
اندفع يبرح الشقة في حركة عنيفة والكلمات المضطربة تتقافز بين شفتيه وأنفه ويديه .. كلمات غاضبة تنثر التهديد في الفضاء الذي بدا متواطئا مع الشباب فبعثرها وأطلق عليها أصوات الباعة والأمهات ينادين صغارهن وهم متوجهون إلى المدارس وأصوات الدجاج الراكض خلف الحب فوق الأسطح وآذان الديكة.
هبط الدرجات ، وما زال صوته يتلاطم على جدران السلم .. يهدد ويتوعد .. يقسم أن يحطم الرؤوس ويقطع الرقاب .. يطرد ويشرد.. يسجن وينفي ..كلمته هي النافذة فهو يستطيع ويستطيع .
انشغل الأولاد بإصلاح الباب وإعادته لحالته الطبيعية . أسقطوا الخراطيم في المعمل وسدوا الفتحات الأربعة
لما عادت الشقة شقة .. تمدد كل منهم في ركن ، وأمهم ترنو إليهم في حنان ونشوة افتقدتها منذ سنين .

صدرت للمؤلف الأعمال التالية :

أولا: الرواية (18)
• الســـقـف

• أشجــان
• عشق الاخرس
• شفيقة وسرها الباتع
• موسم العنف الجميل
• عصر واوا
• بذور الغواية
• حكمة العائلة المجنونة
• الحمامة البرية
• روح محبات
• رتق الشراع
• قبلة الحياة
• أبقى الباب مفتوحا
• كسبان حتة
• المفتون
• نساء وألغام
• رجل الغابة الوحيد
• دولة العقرب

• ثانيــــا: مجموعات القصص القصيرة ( 12 )
• عقدة النساء
• كلام الليل
• العجز
• عسل الشمس
• شدو البلابل والكبرياء
• الغندورة
• زهرة البستان
• قناديل
• رائحة الوداع
• سوق الجمعة
• حدثني عن البنات
• ميلاد في التحرير
• كلب بنى غامق (مترجمة )

• ثالــــثا : الدراســــات: ( 12 )
شيخ النقاد “محمدمندور”
عاشق الحرية “إحسان عبد القدوس”
كاتب العربية الأول “نجيب محفوظ”
أدب الرحلة فى التراث العربى
رؤية تمهيدية لرعاية الموهوبين
كيف تختار زوجتك ؟
صناعة التقدم فى مصر
فن كتابة القصة
ثقافة المصريين
تجليات القلب المضيء
صهيل الكتابة
صلاح جاهين روح مصر الشاعرة
رابعـــــا: روايات وقصص للأطفال(6)
مغامرة في الهرم
مدينة الدخان
التوأم الرائع
الساحرة والملك
ذقن الباشا .. خط أحمر
الولد الذهبى “مجموعة”
خامسا : عشرات المقالات الثقافية والسياسية والاجتماعية
عن أحوال مصر والعالم العربي

مشـــــاركات ثقافيــــة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
عضو المجالس القومية المتخصصة
عضو مجلس إدارة نادي القلم الدولي
عضو المجلس الأعلى للثقافة

رســائــل عـلميــة عن الكاتب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حصل ثلاثة باحثين على درجة الدكتوراة عن أدبه القصصى والروائى (منها واحدة بالانجليزية)
حصل خمسة باحثين على درجة الماجستير عن أدبه الروائي والقصصي
صدرت عن إبداعاته نحو مائة وعشرين مقالة نقدية

التقــديـر والتـكريـــم
ـــــــــــــــــــــــــــ
ورد اسمه مع بيان بأعماله فى موسوعة ” الشخصيات القومية البارزة ” إصدار الهيئة العامة للاستعلامات
ورد اسمه مع بيان بأعماله فى موسوعة ” أعلام الفكر العربى” إصدار مكتبة مصر
ورد اسمه وبيان بأعماله في ” موسوعة أعلام القليوبية ”
ورد اسمه مع بيان بأعماله فى ” قاموس الأدب العربي الحديث,, إصدار دار الشروق
حاز كأس القباني لأفضل مجموعة قصصية عام 1979
حاز جائزة نجيب محفوظ للرواية فى الوطن العربى
من المجلس الأعلى للثقافة عام 1994
حاز جائزة الدولة للتفوق في الآداب عام
2004
حاز جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 2010
حاز جائزة الطيب صالح في القصة القصيرة عام 2011

شاهد أيضاً

محراب الماء
بقلم: خيرية صبر

الزمن يخلع نعليه ليخطو حثيثا الي محراب الماء وانا دهشة وجلة مكورة بين عينيه هذا …

حبيب الروح
عصمت شاهين دوسكي

حبيب الروح .. يا نسمة البوح ضمني .. جردني من الجروح اكتب على جسدي عشقا …

مروان ياسين الدليمي: اكتشاف الحب: اوراق من مدونتي الشخصية (ح/15)

مراجيح الاميركان في شقق اليرموك كنت مطمئنا في تلك الساعة من انها لم تعد تخضع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *