حسين سرمك حسن : قارب الموت والظمأ العظيم؛ تحليل طبي نفسي ونقد أدبي لقصص مجموعة “أوان الرحيل” للدكتور علي القاسمي (14) (فصل جديد)

 

حسين سرمك حسن

بغداد المحروسة – أواخر 2014

(14)

“عبادة الخوف”

تحليل قصّة “الخوف”

(الّليلُ يُطبِقُ مرّة أخرى ، فتشربهُ المدينهْ

والعابرونَ ، إلى القرارةِ … مثل أغنيةٍ حزينهْ.

وتفتّحتْ كأزاهرِ الدفلي ، مصابيحُ الطريقْ ،

كعيون “ميدوزا” ، تحجّر كل قلب بالضغينهْ ،

وكأنها نُذرٌ تُبشّر أهل “بابل” بالحريقْ

مِنْ أيِّ غابٍ جاءَ هذا الليلُ؟ من أيّ الكهوف

مِنْ أيّ وجرٍ للذئابِ ؟

مِنْ أيّ عشٍ في المقابرِ دفّ أسفعَ كالغراب؟)

“بدر شاكر السيّاب”

“المومس العمياء”

قصّة (الخوف) – وكما اشرت سابقاً إلى خاصيته الأسلوبية هذه في الكثير من نصوصه القصصية – يضعنا القاسمي في مواجهة مقلقة مع “ربكة” في حال “بطله” الراوي – والقصّة تُحكى من جديد بضمير المتكلّم – الذي يحاول التخلّص من ضغوط المدينة الخانقة التي باتت تضغط على صدره وحواسّه وتحاصره من كلّ جانب وكأنها تكاد تلتهمه :

(خلّفتُ صخب المدينة وأدرانها ورائي واتيتُ أنشدُ رحابة البحر وصفاءه . فقد شعرتُ ، عصر ذلك اليوم ، وأنا أجوبُ شوارعها باحثاً عن عمل ، بأنّ طرقاتها قد ضاقت ، وأخذتْ بناياتها الشاهقة تُطبق عليّ من الجانبين . وأحسستُ بصعوبةٍ في التنفّس وبشيءٍ ما في صدري ، يسبّب لي ألماً مُمضّاً ينضاف إلى صداعي) (ص 297) .

وهذه العلامات المرضيّة من ضيق في التنفّس ، واختناق ، وصداع ، هي من بين ما نسمّيه بالأعراض “النفسجسميّة – Psychosomatic” ، التي تعكس فيها الاختلالات الجسدية صراعات نفسيّة عميقة يتمّ “تبدينها” بصورة تتضمّن في كثير من الأحوال – وقد يبدو هذا غريباً للقارىء العام – نوعاً من “الحلول” لتلك الصراعات ، حلول ذات طبيعة “هروبيّة” في أغلب الحالات تخلّص الفرد من مواجهة لا بُدّ منها ؛ مواجهة شديدة الوطء على روحه ، ولا تسعفه إمكاناته المحدودة بالاقتدار المطلوب لمواجهتها . وهذه المواجهات الداخلية أصلاً ، قد “تُسقَط” إلى الخارج لتتجسّد في صورة صراعات بين المرء وما يحيط به فتُمثّل المخاطر الجسيمة المكبوتة في لا وعيه في صورة رمزيّة تُصبح فيها المكوّنات “المتعادلة” ، مثل المدينة ، شرّاً بالنسبة له لا يقوى على الوقوف أمامه فهو يهدّد باكتساح وجوده . وتمثّل المدينة “رحماً” التهامياً بترميزها لفجاجة اللاشعور وظلمته السديميّة التي “تبتلع” الهويّة الفردية وتلغي فرادتها . ولهذا يكون من الطبيعي أن يفكر المرء بالخروج من هذا “العماء” إلى النور كي “يتنفّس” بين وقت وآخر لاسترداد إحساسه بفردانيّته من خلال النزهات أو الرحيل إلى الأرياف أو الشواطىء الهادئة مثلاً ، كرحم منعم لا ينافسه فيه أحد ، تصفو فيه الحواس والمشاعر ، ولا يُصنّف كجزء من مكوّنات آلة كُبرى اسمها المدينة . القلق في المدينة هو شكل من أشكال قلق الموت يكون خطراً حين “نعيه” ، ولكنه يصبح “مرَضاً” و”عُصاباً” حين “لا نعيه” يطاردنا بأشباحه يريد أن يحبس أنفاسنا ، الأنفاس التي هي أوّل علامة من علامات حياتنا بعد أن ننطلق من ظلمات الرحم الأمومي المُنعم .. ظلمات اللاشعور لنجتاز نور الوعي المُشرق تدريجيّاً . لا شيء يمكن أن يتهدّد وجودنا مثل كتم النفس ، فهو بخلاف العطش والجوع يوردنا المنيّة فوراً وبلا إبطاء . يختزن لاشعورنا ذكرى العودة الاختناقية المُرعبة ويفزع من احتمالاتها . ألم تستمع إلى الكل – ومنهم علي القاسمي في حواراته ونصوصه – يشكون من “الاختناق” في المدن ؟ كم هو عدد القصائد التي كتبها الشعراء – عرباً وأجانب – وثيمتها المركزية ذمّ المدينة وأشرّ أفعالها متمثلاً بـ “الاختناق” ؟ ولا نجانب الصواب إذا قلنا إنّ موضوعة “الاختناق” بتمظهرات شاسعة التنوّع من الشكوى الفيزيولوجيّة من التلوّث إلى أفلام الرعب في الأقبية وروايات المتاهات الكافكويّة صارت من سمات عالم الحداثة وأدب وفنّ الحداثة . ولهذا نجد صاحبنا راوي قصّة القاسمي هذه يشكو من العرض الأول والأكبر الذي يهدّد وجوده ، وهو خوفه من “الاختناق” وأن تُطبق عمارات المدينة العالية عليه :

(اشرأبّ عنقي مُلتمِساً نسمة هواء ، وامتدّ نظري إلى الأعلى متوخّياً زرقة السماء ، فلم ألمحْ إلّا العمارات العالية ، وهي تقترب بعضها من بعض ، حتى تكاد تلتقي مثل جانبي هرمٍ شامخ . حاولتُ أن أتنفس عميقاً فتعسّر عليّ الأمر وتعذّر ، كما لو أنّ الهواء أمسى مادةً صلبة ثقيلة ، لا يتسع لمرورها أنفي) (ص 297) .

واللاشعور في الحقيقة هو الذي يحرّك نشاط “الجهاز العصبي اللاإرادي – Autonomic Nervous System” في جسم الإنسان ويصعّد استجاباته . وهذا الجهاز هو جهاز “الطوارىء” .. جهاز “القلق” الذي يشتغل لاإراديّاً ومن دون سيطرتنا في أيّة حالة تهدّد وجودنا وتماسكنا النفسي والجسدي ، ويظهر فرط نشاطه في الدوخان والإرتجاف والدوار والتعرّق ، وهذا ما يشعر به الراوي الآن :

(وقفتُ على قارعة الطريق ، وأجلتُ بصري ، فتبدّت لي الدور تدور حولي ، والأرضُ تمور تحتَ قدميّ . وسرعان ما أخذتْ حبّات العرق تتحدّر على جبيني ، ثمّ تجتاح جسدي المحموم كلّه ) (ص 297) .

وحتى الآن ، وكما يلاحظ السيّد القارىء ، لا يوجد تهديد “مادّي” مباشر ومحدّد يتقدّم نحو الراوي ليفتك به كي يثير في أعماقه مثل هذه المخاوف والانفعالات المفزعة . إنّها المخاوف التي تطفح من الداخل ، ولا يمكن فهم حقيقتها إلّا بالإمساك المقتدر ، والمُتحسّب في الوقت نفسه ، بالدلالات “الرمزيّة” لوجود الراوي في تشابكات علاقاته بما يحيط به في الفضاء المكاني وهو : المدينة . وليس جديداً القول إنّ المدينة تمثّل رمزاً أموميّاً لكن سلبيّاً مُلتهماً . فالأمّ هي رمز بدئي شديد القوّة قوّة النمط الأوّلي للإله وسعته . الأمّ ترمز إلى اللاشعور الذي نخرج منه (بطن الأم) ، والذي نعود إليه مؤقّتاً أو نهائيّاً (النوم والراحة والموت) ، كما أنّها تمثّل أعمق علاقات الطفولة . وكلّ ثقة عميقة بالأمّ تُصبح ثقة عميقة بالحياة والموت ، ولكن كلّ خوف ، وكل ريبة ، وكل عدوانيّة إزاء الأمّ ، تتجلى بالخوف من الحياة والخوف من اللاشعور والموت . إنّها رمز لكلّ ما يستوعب ويستقبل ويحتضن ، ويعطي .. ولكن – وهذا شرط عظيم في تحقيق السويّة النفسيّة في النظر إليها وإلى رموزها – أن يُعطي بلا تحفّظ ومن دون “شروط” أوّلاً وقبل كلّ شيء . والمدينة لا تُعطي إلّا بشروط .. الشروط أوّلاً ثمّ العطاء . كما أنّها تمنع عن الفرد “نور الشمس” كما يحصل للراوي الآن ، أي أنّها تمنعه من احتياز نور الوعي للانتقال من ظلمة اللاشعور . إنّها تريد “تغليفه” من جديد ، لكن ليس بذاك الغلاف الجنيني الحامي من كلّ شيء والذي يوفّر له كلّ شيء ، إنّه الغلاف الدخاني الأسود المسموم الذي يهدّد – عدنا من جديد – باختناقه .. وموته . إنّه “الغلاف” الذي يأتيه الآن من “الخارج” ، وهو في سنّ الرشد ، لا ليمنحه – وبلا مقابل – الدفء والحماية ، ولكن ليكتّفه ، ويقولبه . يحاصره بآلاف “الإخوة” المنافسين، هو الوحيد المدلّل آنذاك يمرح في الحضن الدافىء الحصين . وفي هذا الرحم الاصطناعي الذي أطلق بسطوته كلّ شياطين الحداثة وما بعدها ، هناك – وهذا من الغرائب المُمرضة – منافسون “حديديون” يسحقون كل شيء بلا هوادة ، ويستخفّون بهذا “البرغي” الصغير :

(تلفتُّ حولي ، فلم أرَ في الشارع إلّا سيّارات تتلاحق مسرعةً ، وهي تُطلقُ أبواقها المدويّة ، وتنفثُ دخاناً أسود .. وتراءى لعيني ذلك الدخان ، وهو يرتفع في الفضاء ، فيلتقي دخاناً أسود آخر ، تلفظه مداخن المصانع ، ليتجمّعا في شكل غَمامة كبيرة تخيّم على المدينة برمّتها ، واضعاً حدّاً لحركة الهواء ، وحاجبة نور الشمس عن الأزقّة اللزجة) (ص 297) .

إنّه الرحم الدخيل المتعفّن الخانق ، بخلاف الرحم الأصيل الذي اشتُقت منه صور الجنّة حيث المؤمنون أخوة منعمّين على الأرائك متقابلين بلا هموم . والبعض “يُضطر” إلى المهادنة والتكيّف لضرورات عديدة معروفة ، أمّا البعض الآخر … فيختار الفرار حلّاً :

(وألفيتُ نفسي ، بعد برهة ، خارجاً من المدينة ، مارّاً بشوارعها الخلفيّة العارية من الأشجار ، وأحيائها التعيسة ذات المواخير القذرة السرّية ، والروائح الكريهة المُنبعثة من أكوام القمامة وفضلات الكلاب الضالة والأليفة ، وأنا أسرع الخطى مهرولاً صوب البحر) (ص 297) .

هذه أوصاف ومكوّنات الرحم بخلطته العجيبة ؛ خلطة من جدب وظلمة وعهر وتلوّث وضياع ؛ خلطة لا أجد أفضل من الراحل الكبير “بدر شاكر السيّاب” في جمعها في صورة تلخّص كل موبقات الرحم المديني النفسيّة ، وذلك في قصيدته العظيمة “المومس العمياء” :

(الّليلُ يُطبِقُ مرّة أخرى ، فتشربهُ المدينهْ

والعابرونَ ، إلى القرارةِ … مثل أغنيةٍ حزينهْ.

وتفتّحتْ كأزاهرِ الدفلي ، مصابيحُ الطريقْ ،

كعيون “ميدوزا” ، تحجّر كل قلب بالضغينهْ ،

وكأنها نُذرٌ تُبشّر أهل “بابل” بالحريقْ

مِنْ أيِّ غابٍ جاءَ هذا الليلُ؟ من أيّ الكهوف

مِنْ أيّ وجرٍ للذئابِ ؟

مِنْ أيّ عشٍ في المقابرِ دفّ أسفعَ كالغراب؟)

ويبدو أنّ خلاصنا من الأمومة لا يتمّ إلّا باللجوء إلى الأمومة ، لكنّها أمومة أخرى تحتفظ بالطهر والعطاء وعدم الانحياز بالرغم من احتمالات الخطر الذي تنطوي عليها ، إنّه طهر الطبيعة الشفيف . والرمز البديل الذي هرول صوبه صاحبنا الراوي هو : البحر ، وعلى شاطئه “استقرّ” على ربوة “رحمية” رحيمة ، تتوسّط حقلاً من الحقول المُطلّة على البحر ، وراح ينقّل بصره من خضرة الوهاد المُحيطة به ، إلى زُرقة ماء البحر المترامي حتى الأفق ، حيث انتشرت أشلاء الشمس الغاربة ، وهي ترحل إلى عالم آخر ، تشيّعها بعض الغيوم الداكنة) . (ص 297) .

وبرغم استقراره على هذه الربوة “الرحميّة” هارباً من جحيم المدينة ، واسترخائه الخارجي الظاهر ، فإنّ القلق الباطن أفصح عن حضوره الداخلي الفاعل منسرباً في المفردات التي استخدمها ، وهو يصف غروب الشمس من : “أشلاء” ، و “رحيل” ، و “عالم آخر” ، و”تشييع” ، وكلّها تعبّر عن أمرين متلازمين يترتب أحدهما على الآخر ، الأوّل هو أنّها تعكس تعلّق ذيول موقفه المُحتقن السابق من المدينة بذهنه ، والأمر الذي يعكس ذلك هو عودته – وهو على ربوته البعيدة المُنعزلة – إلى التفكير من جديد ، وسريعاً ، دون أن يمنح ذاته فرصة للإستمتاع بنعم الفردوس الجديد ، بأحوال المدينة الكريهة ، مستعيداً ذكريات أبيه عنها الذي كان يقارن كيف كانت امتداداً لتلك الحقول المُزهرة والبساتين النظرة ، لا يُسمع فيها إلّا تغريد الطيور ومزامير الرعاة ، وكيف أصبحت ، بعد أن اجتاحتها معاول التوسّع الكاسح ، واغتالت أشجارها ، واجتثّتْ جذور نباتاتها من الأعماق بلا رحمة (ص 298) . أمّا الثاني فهو الذي يترتّب عليه الأمر الأوّل كنتيجة له ، بالرغم من أنّه قد يموّهه ويتستّر عليه تحت ستار الانزعاج و “الغثيان” والسأم – كما كان حال الكثير من الشباب الوجوديين في بلداننا إلى حدٍّ ما – فهو أنّ صاحبنا “مرعوب” في أعماقه من “أشياء” أُخر قد لا يعيها هو نفسه ، وما الغثيان والضجر والانقباض من المدينة إلّا مظهراً لهذا “الخوف” العميق . كان دواره الخارجي تعبيراً عن دواره الداخلي ، هذا الدوار الذي اختفى الآن – كما يقول – بفعل النسيم الرائق ، والبحر الساجي ، الذي راح بصره يستحمّ بارتياح في زرقة مياهه ، فسرت في أعماقه رويداً رويداً ، أمواجٌ من الارتياح والهدوء ، تتناغم مع هديره الخافت . إنّه يعود إلى تلك السكينة “المائيّة” التي افتقدها إلى الأبد ، إلى العُزلة الجنينية المباركة التي يحنّ إليها للخلاص من ضغوط ومنغصّات هذه الحياة الجائرة . هنا انفتاح لانهائي لـ “الأنفاس” النقيّة العميقة والرائقة التي تُنعِش الروح في أحضان حانية مُحبّة . إنّها فرصة نادرة – ولو وجيزة ووقتيّة – ليتصالح المرء مع لاشعوره .. إنّه الموت العابر العذب والعودة إلى اللاوعي السعيد .. إلى أمومة الماء الرائقة الفاتنة الجذّابة .

لكن الراوي يشعر بما يُشبه الهزّة الأرضيّة الداخليّة بصورة مفاجئة وغير مُبرّرة لا من ناحية النوع ولا من ناحية الكمّ :

(في ذلك الفضاء المُتّسِع الخالي ، وأنا وحيد على ربوتي العالية ، النائية عن المدينة ، المُرتفعة عن البحر ، الغارقة في سكون المساء ، لا أدري أيّ إحساس غريبٍ جعلني أفزُّ وأدير رأسي بتوجّس إلى الخلف ، مثلما يفزع جوادٌ ويصهل وهو على بُعد عشرات الأميال من هزّة أرضيّة داهمة . حدّقتُ في الفراغ … ) (ص 298) .

فالفضاء الذي يحيط به كان فارغاً ، والمدينة صارت بعيدة لا يلمح منها سوى رسوم بناياتها وقد بهتت ألوانها . أمّا ضجيج مصانعها الذي كان يرهقه فقد أتت عليه المسافة التي بينه وبينها . وليس هناك أدنى مؤثر خارجي يصل فعله إلى مستوى الهزّة الأرضيّة الداهمة ! وحتى المشهد الذي سيراه الآن لا يكفي لتبرير هذه “الفزّة” المدوّية . إنّها الهزّات الأرضيّة المستمرّة التي تهزّ أركان لاوعينا “الآثم” .. هزّات تقع بشكل دائم ، لكنها في الغالب تكون تحت “الدرجة” المناسبة التي تصل الوعي ليتيسّر له اكتشافها مثلما يحصل علميّاً في الهزّات الأرضية حيث تحصل أكثر من (8000) ثمان آلاف هزّة يوميّاً لا نحسّ بها لأنها أقل من درجتين على مقياس ريختر ، لكنّها بالتراكم تصدّع قشرة الأرض والمباني الضعيفة ، وهذا ما يحصل في أنفسنا أيضاً . لكنّ الراوي لديه هزّات أعلى من هذه تأتي وتتراكم حين يواجه المواقف الموهِنة نفسيّاً بصورة متكرّرة – وهو يعيش في المدينة المُنهكة باستمرار – فيقوم بكبت استجاباته نحوها ما دام تحت مطارق التهديد ، لتنفلت حين يخرج من ساحة المواجهة في وقت الاسترخاء فتنغّص عليه حياته ، كما يحصل في الكوابيس الليليّة المُعاقبة التي تُفسِد لحظات النوم الرخيّة التي يلجأ إليها المُتأثّم ، وهو يبغي راحة البال وصفاء الذهن ، حاله في ذلك حال المقاتل الشجاع – والشجاعة هي الخوف المقهور نفسيّاً – الذي يقمع كل استجابات خوفه تحت القصف والموت في سنوات الحرب ، ليفزّ قافزاً حينما يسمع صوت فتح سدّادة قنينة أو انصفاق باب ! هذه الجفلة الغريبة لدى الراوي هي جفلة “استباقيّة” ذات دلالات خطيرة تشير إلى أنّه يحيا “على الحافة” كما يُعبَّر عن ذلك في علم النفس ، يحيا وهو في صراع متأجّج ضد غيلانه الداخليّة .. صراع لا يهدأ حتى وهو في خلوة منعزلة مُريحة منتعشاً بأنسام البحر . إنّها معادلة غريبة حقّاً تسبق فيها النتيجة السبب ! لقد عانى الراوي من “الخوف” قبل أن يواجه “المُخيف” ، انرعبَ وفزعَ من دون أن يصيبه ما يسبّب الإنرعاب والفزع . انقلبت العلاقة بين العلَّة والمعلول ، أن ينبثق “الخوف” قبل أن يصل “المُخيف” ، وهذه العلاقة المقلوبة تحصل عند “العصابيين” عادة بفعل ضغوط الوجدان الآثم . والمشهد “المخيف” اللاحق الذي شاهده الراوي بعد أن فزّ وأدار وجهه عن البحر إلى الخلف لم يكن مخيفاً في البداية ، فهو قد سبق استجابة الخوف كما قلنا أوّلاً ، ولم يكن قد اكتملت ملامحه ثانياً . كان في طور التشكّل ، وتطلّب وقتاً كي تبدأ ملامحه التفصيلية في الظهور :

(أبصرتُ أربعة رجالٍ قادمين من المدينة يحثّون السير في اتجاه البحر . ظننتهم أوّل وهلة خارجين في نزهة ٍ على الشاطىء ، فقد كان أوّلهم يضع يديه وراءه . وبلا إرادة منّي شُدّت أهدابي إليهم ، وتعقّبهم بصري بتلقائيّة . وكلّما اقتربوا لاحت لي هيئتهم أكثر فأكثر . فتبيّنتُ أنّ الرجل الذي يسير في المقدّمة ، يرتدي ملابس مدنيّة ويداه مقيّدتان إلى الخلف ، والثلاثة الآخرون يحيطون به وهم يلبسون زيّاً موحّداً خاكي اللون . ولفت انتباهي أنّ قامة الرجل المقيّد اليدين تميل إلى الخلف ، وهو يسير بصورة متقطّعة ، كأنّ الثلاثة الآخرين يدفعونه دفعاً ، ويرغمونه على مواصلة المسير) (ص 298) .

الآن ، فقط ، بإمكان الراوي أن يتوجّس ، ومن حقّه ، نفسيّاً ، أن يتحسّب من مجموعة الرجال المُقبلة من المدينة – وَكْر الشرّ المعنوي – في اتجاه البحر حيث الملاذ الذي اعتقده آمناً . وأقول : يتوجّس ويتحسّب ، لكن لا ينرعب ويرتجّ كيانه ، فشروط هذا الفزع الأكبر – منطقيّاً – غير مُكتملة حتى ذلك الوقت . الآن بدأت صورة المجموعة تتضّح أكثر فأكثر ، صار بإمكانه أن يرى ملامح الوجوه بدرجة أكبر ، ويحدّد طبيعة العلاقة بين الرجل الذي في المقدّمة والثلاثة الذين يحيطون به : إنّها علاقة ضحيّة بجلّادها :

(كانت وجوه هؤلاء حادّة التقاطيع ، مُتسمّرة مُتصلّبة إلى الأمام في اتّجاه البحر ؛ أمّا الرجل الأوّل الموثوق اليدين ، فقد كان يتلفّتْ يَمنةً ويَسرة ، كما لو كان يبحث عن شخصٍ أو شيءٍ ما ) (ص 298 و299) .

وقد حسَمَ القاسمي علاقة الضحية بجلادها ، بذكاء ، بضربة سريعة ، موحية ، ونابتة في لحم الوعي من خلال لون الملابس وطبيعتها : الملابس المدنيّة للضحيّة ، واللون الخاكي لملابس الرجال الثلاثة برمزيّة هذا اللون العالية للقهر والبطش والطغيان .

وعن ماذا يبحث الرجل الضحيّة وهو يتلفّت يميناً ويساراً ؟

إنّه – بالتأكيد – يبحث عن الخلاص بأي وسيلة ، وعن العون من أيّ مصدر . والراوي يرى ويشعر بحاجة الرجل المصيريّة هذه . وفي الوقت الذي تبحث فيه أيّ ضحيّة ، كما هو متوقّع ، عن الإنقاذ ، فإن في النفس البشرية – بالمقابل – حاجة “بدئيّة” ، “أوّليّة” ، للعب دور “المُنقذ” الذي يُشتَقُّ ، عادة ، من الدور الأبوي المُقتدر الحامي الحاضر أبداً . يرغب الإنسان في أن يُنقِذ (بكسر القاف) ويُنقَذ (بفتح القاف) ، وهما وجهان لعملة نفسيّة واحدة كما يُقال ، فكلّ أب كان ابناً في يوم ما ، وكلّ ابنٍ سيكون أباً في يوم آخر ، والاثنان يتطلّعان – لاشعوريّاً – وباستمرار إلى الأعلى .. إلى السماء .. إلى الأب الأعظم والمنقذ الأكبر : إلى الله الذي يسعيان دائماً إلى الاضطلاع بدوره في أحلامهما ، وتخييلات يقظتهما ، وحكاياتهما الخرافيّة ، وأساطيرهما ، وأوهامهما الذهانية ، وفي إبداعهما الشعري ، وحتى في عقائدهما الدينيّة .

فعن ماذا يبحث الراوي وقد اتّضح له موقف الضحيّة ؟

لقد وُضِع الراوي في مصيدة لا يُحسد عليها ، وقع في فخّ الحاجة إلى لعب دورٍ هائلٍ يفوق إمكاناته المُتاحة ، فأمام ثلاثة من الرجال العُتاة الذين بانت نواياهم الشريرة تجاه الرجل الضحيّة المٌقيّد الذي يدفعونه بقسوة ، صار لزاماً عليه – ويجوز أن هذه هي اللحظة الوحيدة التي من هذا النوع التي يمرّ بها في حياته – أن يختار بين الجلّاد والضحيّة ، أي بين “الخوف” من الجلّاد وما يترتب عليه من سلوك انسحابي وفرار ، ومساندة الضحيّة وما يتطلّبه من دور إنقاذي لم يتصدّ للعبه مرّة واحدة في سنينه الماضيات ؛ هو الهارب من ضغوط المدينة ، المُصاب بالدوار والغثيان والاختناق من أشباحها ، صار مطلوباً منه أن يتصدّى لجلّادين حقيقيين وليس لأشباحِ ضغوطٍ الكثير منها “مجرّد” . وهذه أوّل خطوة كبيرة يُمهّد بها القاص السبيل التأويلي أمامنا كمتلقّين ، ويضعنا من خلالها أمام جحيم هذا الاختيار . سيكون ممثلنا في هذا الامتحان الرهيب ، هذا الراوي المأزوم السئِم المَغثيّ ، وعلينا أن نختار ، من خلاله ، وعبر الموقف الذي صمّمه هذا الحكّاء المُقتدر ، بين طريقين لا ثالث لهما ، ولا مجال فيه أبداً لألعاب التسوية والتصافق . وبالخبرة التي توفّرت لدى القارىء من خلال متابعة سلوك الجلّادين المتطرّفين بشتى ألوانهم وولاءاتهم الفكريّة والعقائديّة في منطقتنا ، فإنّ هذا النوع من الجلّادين لا يتيح لك سوى اختيار واحد وحيد . فهم لن يتيحوا أيّة فرصة لأيّ شخص أن يتدخّل في عمليّاتهم ، ولن يسمحوا له بأن يصطف ليكون جلّاداً أو “مساعد جلّاد” معهم . ولن يكون أمام الراوي أي فرصة للاختيار الأول ، لأنّهم بمجرّد الإحساس بوجوده سوف يقتلونه دون نقاش . وعليه ، فلن يكون أمامه ، في الواقع ، سوى سبيل واحد سيعاني أمامه عذاب الاختيار : ليس بين الضحيّة وجلّادها ، بل بين الضحيّة والضحيّة إذا جاز التعبير ؛ بين أن يقف مع الضحيّة واضعاً في حسبانه كلّ الاحتمالات الخطيرة التي قد تصل إلى الموت والتصفية الجسديّة معها على يد الجلّادين ، أو أن يتخلّى عنها ، ويَسْلَم بنفسه ، ويفرّ ، مثلما فرّ من أشباح المدينة . وعذاب الاختيار هذا ، وحسب خبرة الراوي بحال الحياة وسلوك الجلادّين في بلداننا ، لا يأتي على طريقة طيّب الذكر أبي فراس الحمداني حين وصف محنة اختياره في رائيّته الشهيرة :

وقال أصيحابي : الفرارُ أو الردى ؟ فقلتُ هما أمرانِ أحلاهما مرُّ

ففي وقت أبي فراس كان الموت عبارة عن ضربة سيف أو طعنة خنجر ، أمّا اليوم – وكما يعرف الراوي – فقد صار قطع الرؤوس على الطريقة “الإسلاميّة” هو الوسيلة المُفضّلة .

فما الذي سيختاره الراوي ؟

لا بُدّ أن يُنجَد الراوي ، وهو في جحيم معاناته المُرعبة بـ “إخراج” ما يُحقّق له “مصلحته” النفسيّة التي قد تكون في “الإقدام” للتصدّي لدور الإنقاذ ، وما يعنيه من احتمالات خطيرة جدا من بينها الموت ، أو في “الإحجام” عن إبداء المُساعدة المطلوبة ، وما يتضمنّه هذا “الاختيار” من عذاب ضمير وحاجة للتكفير ومشاعر جبن ومهانة ، أو – وقد لا يفكّر السيّد القارىء بهذا الاحتمال – في مزيج بين السلوكين شديد التنكير لا يستطيع توفيره سوى اللاشعور بقدراته التلاعبيّة الهائلة . وفي العادة تتشكّل مواقف الفرد – أيّ فرد – من ردود أفعال لحظيّة مرتبطة بالموقف الذي يواجهه لكنّ نواها تُستخرج من مخزونه الدفين ؛ مخزون لاشعوره الذي تراكم عبر سني حيّاته من خلال استجابات سابقة لمواقف مماثلة أو تتضمّن حيرة اختيارية كالحيرة الراهنة . لقد بزغت من لاوعيه فكرة مدعومة بإحساس عميق ملتهب بأنّه سبق له أن شاهد وجه هذا الرجل المأسور المُحاصر ، وكلّما اقتربت المجموعة منه ، ترسّخ هذا الشعور في روعه ممزوجاً بشعور آخر غريب هو السمات الفريدة لوجه هذا الرجل الضحيّة ، ففي الوقت الذي يتوقّع فيه أيّ واحد منّا أنْ تنسطر على وجه أيّ شخص يعيش هذا الموقف تعبيرات الفزع والخوف والاكتئاب ، كان وجه هذا الرجل على العكس من ذلك بهيّاً طليق الأسارير مُشرق المُحيّا :

(وهكذا بانت لي أسارير وجهه : جبهةٌ ناصعة ، وعينان تشعّان نوراً ، وملامحُ لم ينلْ من طلاوتها العنتُ ، ولم يحجب روعتها المُصاب . وجهٌ مشرقٌ محبوب ) (ص 299) .

إن هذا الوجه الصبوح ، وبهذه التعابير الواثقة المُتهلّلة ، ليس وجه ضحيّةٍ مطلقاً ؛ إنّه وجه الإنسان المقتدر المُهيمن ، هكذا انقلبت المعادلة ، قلبتها دوافع اللاشعور ، فليس الجلّادون هم من تعكس تعابير وجوههم الظفر والسطوة ، بل ضحيّتهم ، أو ما اعتقدوا أنّه ضحيّتهم ، والأهم من ذلك ، ليس الرجل الأسير هو الذي تبدو عليه علامات “الخوف” الأكبر ، بل الراوي المُراقب ، الضحيّة هي التي تُطمئِن – بإشراقة وجهها – الراوي ؛ انقلبت الحاجة الإنقاذية على رأسها ، وانسرب من مخزون اللاشعور الجمعي رمز المدَد : صورة البطل الشمس المقاوم العصيّ على الإنرعاب و “الخوف” . ولأنّه أنموذج بدئي وأوّلي عظيم فإنّ الشعور المتوقّع الذي يجتاحنا في مثل هذه المواقف ، هو أنّنا “نعرف” هذا الإنسان منذ الطفولة ، قابلناه في كلّ مكان .. وعَلِقت صورته بقلوبنا وأرواحنا منذ سنيّ أعمارنا الباكرة :

(قلتُ في نفسي : هذا وجهٌ أعرفه ، هذا وجهٌ ألفتهُ منذ طفولتي ، ولكنّي في تلك اللحظة لم أستطع أن أتذكّر اسمه . كنتُ ألقاه في القرية حيث نشأتُ ، وأصادفه في المدرسة حيث تعلّمتُ ، وأشاهده في المدينة حيث اشتغلتُ . ولكنّي لم أعد أتذكّر اسمه . كان وجهه الحنون يستهويني في صغري ومازلتُ أهواه في كبري ، فوجهه قريبٌ من قلبي ، حبيبٌ إلى روحي ) (ص 299) .

ومع تنامي تداعيات الراوي ، وهو يستعيد ذكرياته التي اثارها وجه الرجل الضحيّة ، تتصاعد الحاجة والميل نحو “الأسطرة” ، أسطرة وجود وتواريخ وسمات هذا الرجل الرجل ، فهو وجود واسع ممتدّ في المكان والزمان بلا حدود ، وتواريخ حياة كاملة ، وسمات أرض ومسكن وبلاد .. هو – في الواقع النفسي – ابن الأرض ، ووريث المياه ، وحفيّ كل روح حتى أرواح الأطفال الذين أحبّوه دون أن يروه .. هو الأب المنقذ المُنصف المُنجد الحاضر أبداً الذي لا يهزّه “خوف” ولا يرعبه جلّادون .. هو المتعالي فوق مادّيات هذا “الخوف” الإنساني “الأرضي” وتعبيراته التي تجزع روح الراوي من أدقّ مخاطره .. هو الآتي من عمق أعماق الروح البشري الجمعي ، ولهذا فهو لا يُعرَّف وليس بحاجة إلى اسم يحصر وجوده .. فالمهم في عظمته هو “دلالته” التي لا يحدّها شيء :

(وجهه (…) له طعم التمر ، وعذوبة الماء الفرات ، وطالما حدّثتُ أطفالي عنه ، فأحبّوه كما أحببته . ولكنّي لا أذكر اسمه . أسعفيني يا ذاكرتي المُرهقة ! أنجديني باسم الرجل الأسير ! ولكن ، بعد أن أخفقتُ في تذكّر اسمه ، قلتُ في نفسي : “ليس المهم هو الاسم بل المُسمّى ، وليس الأصل هو اللفظ بل الذات . ليكن اسمه ما يكون ، فالرجلُ ذاته في محنة اليوم” ..) (ص 299) .

ليس الحضور الذهني والمعنوي لهذا الرجل هو المُهدّد الآن ، لكنّه وجوده المادّي نفسه ، وهو الحريّ بالإنقاذ الآن ، فليس مهمّاً أن يبقى ألف شخص مثل الراوي الخائف هذا بقدر ما هو مهمّ أن يبقى شخص واحد مثل هذا الرجل الرجل . فهذا الراوي صار يلتفّ الآن ، وقد اطمأنّ إلى “الحضور” المهيمن للرجل الضحيّة الذي قلب معادلة نداء الواجب لديه ، على السؤال الجوهري المطلوب ، ويتسخّر وعيه ، بفعل انشلال إرادته ، في طرح أسئلة مُعطّلة ومراوغة ، فهو يعلن الآن عن حيرته متسائلاً لماذا يقيّدون يدي هذا الرجل ، وإلى أين يقتادونه ! والجواب ناصع والحقيقة مهولة ، فإلى أين يولّي ثلاثة رجال كالحو الوجوه شائهو التعابير يرتدون الزيّ الخاكي اللعين ، ويقودون رجلاً مربوط الأيدي إلى الخلف يدفعونه بكل قسوة وعنف ؟! إنّه درس بليغ لنا عن إهمال تلك الأفعال الرهيبة الخارجة على القانون – قانون السماء – والتي بدت لأعيننا بسيطة أو غير مُكتملة كان القتلة يقومون بها ، ونبقى نحن نوقع أنفسنا في شباك الإحتمالات والتأويلات ونتساءل عمّا يريدون بها ، وعن غايتهم الحقيقية . من يرتدي الخاكي ويأتي برجل مقيّد اليدين يدفعه دفعاً متجّهاً به نحو البحر بعيداً عن المدينة وخارج دائرة كلّ سلطة قانونية : هل يريد تعليمه السباحة ؟

# وقفة :

لم أكن أعرف القاص الدكتور علي القاسمي وحتى هذه اللحظة لم أره شخصيّا ، وكان اطّلاعي عابراً على اسمه في بعض المقالات النقديّة التي ينشرها في بعض المواقع التي أنشر فيها مقالاتي . في عام 2010 اتصل بي أحد النقّاد وعرض عليّ عرضاً غريباً وهو أن أضع كتاباً عن القاسمي يقوم الناقد بنشره في أرقى دور النشر !! فأجبته بأنني أصدرتُ حتى الآن أربعين كتاباً صدر الكثير منها من أمّهات دور النشر العربيّة ، وبأنني لم استوعب صراحة معنى عرضه في أن أضع كتاباً يطبعه لي في أرقى دور النشر ! رفضتُ لأنني – بصراحة – لم أقرأ للقاسمي نصوصه القصصية آنذاك أوّلاً ، ولأنّني شككتُ في نوايا هذا الناقد الذي يعرف عنه الوسط الثقافي العراقي سلوكيات غير مقبولة ثانياً . لكن تحكم المصادفة أو قوى اللاشعور كما أسمّيها ، أنني في أثناء مراجعتي للصحافة الأدبيّة اليومية ، قرأتُ في صحيفة “الزمان” العراقيّة قصّة “الخوف” ، فكتبتُ فوراُ رسالة إلى القاص القاسمي (يوم 8/11/2014) ، قلتُ له فيها ، بعد التحيّة ، بأنني قرأتُ قصّته “الخوف” وبدني يقشعرّ على الرغم من ممارستي النقد أكثر من ثلاثين عاماً . فأجابني برسالة في نفس اليوم قال فيها :

(بمناسبة تلطفك بالثناء على قصة ” الخوف”، أود أن أروي لك طرفة وقعت لي: ذات يوم دُعيت لإلقاء محاضرة في المدرسة العليا للترجمة بطنجة، وكان العميد غائباً، فقدمني نيابة عنه أستاذٌ لم ألتق به من قبل اسمه الدكتور علي أزرياح، فقال للطلبة في تقديمه إنه قرأ قصة الخوف في مجلة الآداب البيروتية، وعندما شرع بترجمتها إلى الإنكليزية، أخذ يرتجف هلعاً. وعندما شكرته أخبرتُه صادقاً أنني عندما كتبتها كنتُ أرتجف خوفاً وأصابتني الحمى يومين) .

عودة :

فلماذا اجتاحت القشعريرة جسد الناقد ، والهلع جسم أحد القرّاء ، والحمّى أوصال المؤلّف ؟

سوف أنقل الآن هذه الصورة ، صورة تثير “ما بعد الرعب” في نفس القارىء ، صورة رسمها علي القاسمي وجعلها مُكتفية بذاتها فنّياً ونفسيّاً ، والتي هي من عيون الصور الفنّية السرديّة العربيّة والعالمية من وجهة نظري الشخصيّة . أنقلها كما “رسمها” – والأدق صوّرها بعينه السينمائية – المؤلّف بكلماته على لوح الزمن ، وأدعو السادّة القرّاء – كما أكّدتُ سابقاً – إلى أن “يتخيّلوا” المشهد وما فعله الجلّادون القتلة الثلاثة بالضحيّة :

(وبعد هنيهة ، دنوا [= الرجال الثلاثة ] من الشاطىء وخاضت أرجلهم في الماء ، وتقدّموا خطواتٍ ، ثمّ أوقفوه أمامهم ، حدّقوا في وجهه ، والحقدُ ينقدح من عيونهم الخُزْر . وضع أحدهم يديه بعنف على فكّي الرجل ، مُرغماً إيّاه على فتح فمه . وسحب الثاني شيئاً لم أتبيّنه من الفم الفاغر ، واستلّ الثالث خنجراً ، فقطع ذلك الشيء ورمى به في الماء . ورأيتُ بعيني خيطاً أحمرَ يمتدُّ من بقعة الماء تلك حتى الأفق ، ليلتحم بأشلاء الشمس المبعثرة هناك ، ويرتفع إلى عنان السماء كنافورة دمّ . ثمّ أخذ الرجال الثلاثة يُطأطئون رأس الرجل الأسير ، دافعين به إلى الماء ، في محاولة ظاهرة لإغراقه . أمّا هو ، فقد كان يقاوم بصلابة ، رافعاً رأسه بين الفينة والفينة إلى السماء وإلى الخلف . ) (ص 299) .

ما الذي نريده كقرّاء عرب تحديداً بعد ذلك ؟

أنا شخصيّاً – كقارىء أوّلاً ، وكناقد ثانياً – أشعر بأنّني قد اكتفيتُ من هذا النصّ في فعله النفسي المذهل المُدمّر ، ليس لأنّه قد حقّق “الخوف” في نفسي حسب ، بل لأنّه قد أوصل الرسالة الكبرى المسكوت عنها في حياتنا الثقافية ايضاً . وكل من هاذين العاملين مترابطان ارتباطاً وثيقاً لا تنفصم عراه . وحين أتحدّث عن “الخوف” فإنّني أتحدث عن جوانب قد تبدو غريبة على ذهن القارىء . لا أتحدّث عن خوف الراوي وجبنه الفاضح ، لكنني أتحدّث عن خوفنا ، بل عن رعبنا الذي يجتاح وجودنا ونحن نواجه “مصيرنا” .. نعم .. مصير هذا الرجل الضحيّة هو مصيرنا المُستقبلي حين نفكر في “استخدام” ألسنتنا .. حين نفكّر في أن نحتج .. في أن نرفض .. سنُقاد مكبلّي الأيدي إلى حيث تُقطع ألسنتنا بلا رحمة ! نعم توقّعوا هذا المصير . وقد كان تركيز القاسمي على طريقة قطع اللسان هذه قصديّة وشديدة البلاغة – أي بلاغة ! فوجود الإنسان كلّه يتجمّع في لسانه ، ولهذا قال أرسطو أنّ الإنسان حيوان “ناطق”، فهو ليس غبيّاً إلى هذا الحدّ ليعتقد أنّ الإنسان يختلف عن الحيوان لأنه “ينطق” .. لا .. بعض القرود تمّ تعليمها أن تنطق بثلاثين كلمة حتى الآن .. إنّ الإنسان “ينطق” بما يعبّر عن وجوده كـ “إنسان” . وهذا العضو هو سبب كل بلاء الناس عندنا في الوقت الحاضر . فبمجرّد صمت الإنسان – أقصد الصمت الجبان وليس الصمت المبدع التأمّلي الخلّاق – يتحوّل إلى “حيوان” . الآن حرّم علينا القتلة الجلّادون استعمال ألسنتنا . لماذا ؟ لأننا “خفنا” أوّلاً ، و”صنّا” ألسنتنا – للأسف – عن قولة الحقّ ثانياً . الصمت أخو الخوف وإبنه وأخوه وأبوه ، وقد تبادلا العلاقة المدنّسة في حياتنا فدنّسا كلّ شيء . قُطِعت ألسنتنا منذ أن انرعبنا متخاذلين أمام المخاوف الصغيرة ، ليُصبح من المتوقع أن نتبوّل على أعقابنا أمام المخاوف الكبيرة . هذه نتيجة طبيعية ، فقد انهزمنا أمام أشباح المدينة .. أمام انهدار أبسط حقوقنا في العمل والمعاش وإطعام أطفالنا .. أمام تخريب أرضنا وسحقها وتشويهها كممثل للأم بمجارف الآباء القساة الصناعيّة .. أمام تلويث أرضنا الأم بالمواخير القذرة السرّية ، وروائح أكوام القمامة الكريهة ، وفضلات الكلاب الضالة . ومن يهن عليه تلويث الأمومة تهن عليه طهارة كلّ شيء . لقد قطعنا ألسنتنا بأيدينا حين انشلّت إراداتنا عن الإجهار بالحق ومخالفة الجلّادين الذين لم يكونوا لا “يخافون” ، فلا أحد في هذا الكون لا يخاف ، أبداً ، فـ “الخوف غريزة والشجاعة تدريب” ، ولكن لأنّنا كنّا أشدّ خوفاً منهم !

فوق ذلك هناك طريق سلوكيٍّ سلكناه عمّد الخراب في حياتنا ، وهو أنّنا صرنا نبحث عن “المسميّات” ناسين “الدلالات” مثلما كان الراوي يحاول تذكّر اسم الضحيّة ، وجلّادها موشكٌ على قتلها . كان يريد حصر وجود الرجل الرجل بمسمّى نازعاً عنه سعة وشمول دلالات حضوره الكونيّة . والتحوّل من الدلالة / القيمة إلى الاسم يجعلنا نتصوّر الخسارات خسارات أفراد وكيانات مادّية في حياتنا اليوميّة في حين أنّها تصفية للمعنى الروحي لوجودنا على المستوى التاريخي . قلْ لأيّ شخص سوف أمنحكَ كل أموال الدنيا مقابل أن آخذ منك عقلك .. نحن استبدلنا ما لا يُعوّض بكنوز الدنيا كلّها .. بعنا اللسان الذي يفصح عن أننا بشر ولسنا كائنات قطيعية مُذلّة مُهانة . صار أتفه جلّاد شرير حقير أفضل منّا في مساحة استخدام هذا الشرط الإنساني .. هل يريد القاسمي إقناعنا بأنّ الجلّاد الناطق أفضل من الضحية الصامت ؟! وهذا هو المثال التطبيقي المقيت : الراوي الذي يصف صمته المُخزي وهو يرى كيف قطع الجلّادون الثلاثة لسان أنموذجه الروحي والحياتي العظيم :

(وفي أثناء ذلك وقع نظره عليّ من بعيد ، أو هكذا خُيّل إليّ . خُيّل إليّ أن عينيه تستنجدان بي ، تحثّانني على أن أتحرك ، أن أصرخ في وجوههم ، أنْ أفعل شيئاً ، أن أنادي الفلاحين في الحقول القريبة ، أن أستغيث بالعمّال في مصانع المدينة ، أن أفعل أيّ شيء لإنقاذه ، لا بدافع الشفقة عليه ، بل بما يحتّمه عليّ الواجب الإنساني ، وما يمليه حبّه عليّ) (ص 299) .

لقد خذل الراوي أنموذجه الجمعي الذي وفّر له فرصة تاريخيّة للتماهي معه ، فضيّعها مثلما ضيّعها من قبل وهو صغير ، ثمّ وهو كبير . هل يريد القاسمي هزّ نظريّة فرويد – والمبدعون يؤسّسون ويقوّضون ركائز علم النفس قبل علماء النفس عادة – في أنّ قتل الأب ضروري لنهوض الأبناء الحضاري على الصعد كافّة ؟! ها نحن نقتل آباءنا ، ثمّ لا نعرف نقتدي بمن ، نتيه ونحيا في فوضى تماهٍ نفسيّة ! كان الأب الرجل الضحيّة صلباً جسوراً متماسكاً بين فكي الموت ، في حين كان الابن رعديداً متخاذلاً وهو بعيد يتفرّج من فوق ربوته ! فيا لمهانة الأبناء ، ويا لعظمة الآباء ! إنّها الفرصة التاريخية – وهذا درس من دروس القاسمي البليغة هنا كما أتصوّر – التي كان بإمكان “الابن” أن يقوم ، لا بقتل “أبيه” كما يبغي معلّم فيينا ، بل بـ “إنقاذه” بموقف بطولي يكفي ليحوّل الإبن إلى أسطورة ! هل نضع فرضيّة جديدة ، متأثّرة بالثوابت النفسيّة والروحيّة العربيّة ، ترى أنّ “إنقاذ” الأب لا “قتله” هو الطريق السويّ والمجيد نحو النهوض والخلاص الحضاريين ؟! التكافل والتعاضد بدل القتل والخراب ؟! لكن الفرصة ضاعت ؛ أو ضيّعها الراوي ، “الخائف” أصلاً والمغثي والسئِم والمتشائِم ، وكلّها خواص لا تساعد على خلق “بطل” . الخوّافون لا يمكن أن يكونوا منقذين لمن سوف تُقطع ألسنتهم ، لأنّهم هم أنفسهم ، “مقطوعو” اللسان أصلاً . لقد شاهد الراوي عمليّة قطع لسان “مَثَاله” ، وهو صامتٌ ، لم يرفع رأسه ، ولم يفتح فمه ، ولم يمدّ يده ، ولم يحرّك قدمه . فكّر – كما يقول – لا في أنْ يهاجم القتلة ، فقد خطر في مخيّلته أنّ إقدامه على شيء من ذلك ، سيودي بحياته حتماً ، ويعود إلى أطفاله محمولاً على نعشٍ بدلاً من أن يحمل إليهم بشارة حصوله على عمل (طبعاً لم يُخبرنا سابقاً بأنّه حصل على عمل ، بل قال في الاستهلال إنّه كان يجوب شوارع المدينة باحثاً عن عمل ! وقبلها قال إنّه كان يشاهد الرجل الضحية في المدينة حيث يشتغل !) . ومن تبرير إلى آخر تتهاوى معه اشتراطات اعتبار الذات واحترامها ، ليصل الراوي إلى الاعتراف بأنه صاحب طبعٍ غيرِ قتالي ! ففي طفولته كان رفاقه التلاميذ يتبارون ويتصارعون ، في حين كان هو يتنحّى جانباً ليقرأ في كتاب (ص 300) . هل هي إشارة – مادام جانب كبير من العمل الإبداعي ينطوي على إطلاق إشارات مُكتنزة بالدلالات – إلى أنّ القراءة “قد” تسهم – في عالمنا العربي المقلوب – في إخصاء الروح التعرّضية ؟ ألهذا نرى أنّ “مقاتلي” الحركات المُتطرّفة ، وعبّاد المنظمات الأصولية هم من الحثالات الغير متنوّرة ، أو ممن تشكّلت عقولهم بطريقة “الحرمان الحسّي – Sensory Deprivation” حيث الموجّهات القرائية الواحدة المُتحجّرة الصلبة المتعفّنة ؟ هل لهذا انهزم مثقفونا أمام غوغاءٍ بلا عقول “حداثيّة” ؟ ! لا أدري ! لكنّه تبرير العاجزين الخوّافين .

هناك قصّة عظيمة للراحل الكبير “يوسف إدريس” ، تتحدّث عن واحدٍ من عُتاة الحرافيش والقبضايات ، يخرج ليلاً ليسرّي عن نفسه وحيداً ، فتحاصره مجموعة من خصومه ، ينزلونه في حفرة ويأمرونه بأن يقول إنّه “امرأة” كي يضمن حياته ويطلقوا سراحه ، فقط قلْ إنّي “امرأة – مَرَه ” وسوف نتركك ، فيجد أنّ الأمر سهلٌ جداً ، مادامت كلمة بسيطة ينطقها ستبقيه حيّاً ، ويقول : أنا امرأة ! فيطلقونه ، وحين يعود إلى عرينه ، يبدأ بالإحساس بأنّ تحوّلات أنثوية تجري في جسمه ، حيث يبدأ شعر صدره الغزير بالاختفاء ، ويكبر ثدياه !! يا لعظمة الإبداع ! (وانظر إلى عبقرية لغتنا التي ظلمها أبناؤها فقد صار هذا القبضاي رعديداً ، ورعدت المرأةُ : تحسّنتْ وتزيّنتْ وتعرّضتْ !) .

تبدأ كوارث الانحطاط دائماً بكلمة .. بإشارة .. بفكرة .. أو بقرار يرى فيه الفرد سلامته وضمان حياته ، فيُختم على حياته الباقية كلّها وإلى الأبد بشمع العار الأسود . وهذا هو حال هذا الراوي الرعديد الآن (وفي اللغة العربيّة العظيمة تعني مفردة “رعديد” المرأة التّارّة الناعمة التي يترجرج لحمها من نعمتها ، وهذا الربط ليس إهانة للأنثى ، فالرجل الذي يكون جباناً يصبح حتماً مترجرج اللحم لأنّ متطلباته الجسديّة تخرج من دائرة الذكورة المواجهة النافذة المقتحمة .. ونبات رعديد : ناعم ) .. هذا هو لسان حال الراوي الرعديد :

(إذن سأغضّ طرفي ، سأشيح بوجهي عن البحر ، سأتظاهرُ بأنّني لم أرَ شيئاً ، سأقنع نفسي بأنّ ما شاهدته لا يعدو أن يكون ضرباً من الهلوَسة أو ضرباً من زوغان البصر ) (ص 300) .

لكن هيهات أن يكون هذا سبيلا لتسوية ناجعة مع الذات ، فضميرنا / أنانا العليا ، هو هيئة مُستقلة عن إرادتنا الواعية ، وتعمل حتى لو قرّرنا خلاف ما تريده ؛ إنّه العين الداخليّة الراصدة التي لا تهدأ ولا تنام . وهذه الأنا العليا لها “أحكامها المُسبَّقة” التي ترسم السلوك المطلوب الأنموذجي الذي يتفق مع لوائحها التي رصّنتها التعاليم الأبوية الدينية والأخلاقية وباركتها ثقافة المجتمع منذ الطفولة . وحين يخرقها أحدٌ ما ، أو لا يرتفع إلى مستوى متطلّباتها ، ويحاول الإلتفاف عليها مثل صاحبنا الراوي ، فإنها لا تهمله وإن أمهلته قليلاً ، إذ سرعان ما تشعل في داخله لهيب محاسبة الذات . ولهذا لم تُفلح مناورة الراوي في غضّ الطرف أو إشاحة الوجه أو التظاهر بأنّه لم يرَ جريمة الجلّادين الأوغاد في بتر لسان الرجل الضحيّة الذي كان يحدّث أطفاله عن سماته السماويّة ، وها هو يستدرك :

(ولكن ماذا سأروي لأبنائي بعد اليوم ؟ هل أقول لهم أنّني فضّلتُ سلامة العودة إليهم على المُغامرة بحياتي من أجل إنقاذ من أحببْتُه وأحبّوه ، ومازلتُ أحبّه ويحبّونه ؟ هل أستطيع أن أسوّغ أمامهم تخاذلي وجبني ؟ وحتى إن أخفيتُ الحادثَ عنهم وغلّفته بالصمت والكتمان ، فهل يعني ذلك أنّ ما وقع لم يقعٍ ؟ ليس في مقدورنا مسخ الحقائق بأفواهنا أو تحويرها بأقلامنا) (ص 300) .

إنّ تاريخنا الشخصي تكتبه أنانا العليا أوّلاً في سجّلاتها السرّية التي سوف تحاسبنا على ضوئها ، قبل أن تُسجّل على صفحات أوراق دفاتر المُذكّرات أو من قبل الآخرين كمراقبين أو كمؤرّخين . والأخيرين لا يتمتّعون بأخطر سمة لهذه الوكالة القضائيّة الداخليّة وهي “كلّية العلم – Omniscience” ، فهي تحيط بكل شيء مخفيّ أو مُعلن ، بل بالعكس هي تميل إلى الانشغال بما نُسرّ ونخفي أكثر مما نُعلن . فهي عين متجّهة إلى الداخل في الحقيقة ، ترصد عالمنا الداخلي الذي تُصاغ فيه الأفكار ، وتراقب عمل المشغل الداخلي الذي يصمّم السلوكيات . وهي تحاسب على النوايا ، وعلى الأفكار ، مثلما تُحاسب على الأفعال العمليّة ، فأينَ المفرّ ؟
والنتيجة التي سوف تلاحق هذا الراوي الآثم وتنغّص حياته هي هذا الإحساس المُنهك بالذنب الذي يوقعه ضميره به ، ويجعله يشعر بانحطاط اعتباره الذاتي وانشراخ احترامه لنفسه . سيؤرّقه ويجعل نومه عصيّاً ، وإذا نام هاجمته الكوابيس المرعبة ، بل ستلاحقه هذه الكوابيس نهاراً في صورة اشباح تُطبق عليه من كل جانب (في المدينة مثلاً) تبغي التهام وجوده ، وسيحيا مخصيّاً غير قادر على اتّخاذ أيّ موقف تجاه الأب الخاصي واصحاب الخاكي ممثلي هذا الأب المُرعبين . وبالرغم من أنّه الوحيد الذي رأى جريمة قتل الرجل المحبوب ، إلّا أنّ كلّية علم الضمير سوف تنتشر وتُسقط بحيث يشعر بأنّ كلّ منْ في القرية ، بل كلّ منْ في العالم يعلم بجريمته وجبنه .. فأين المفر ؟ :

(حتّى إنْ لم يطّلعْ امرؤ على خِسّتي وهزيمتي ، فإنّني سأعيش رجلاً مُنكسراً في داخلي ، مثل نخلةٍ أصابت جذعها طعنةُ فأس قاصمة . سيلاحقني مشهد ذلك الرجل الأسير كظلّي ، حيثما حللتُ وأنّى توجهتُ . سيؤرّقني ضعفي وجُبني ، ولن أنسجم بعد اليوم مع ذاتي التي ستتآكل من الداخل وتنهار . إنّني ، بهزيمتي ، هذه سأنسف ما بقى من قناطر تصلني بنفسي ، وسأدمّر ما ظلّ من جسور تربطني مع أبناء بلدتي ، ممّن يثقون بي ، ويشاركونني حبّ ذلك الرجل ) (ص 300) .

وعلى الرغم من بتر لسان الرجل الرجل أمام عينيه ، يشعر الراوي بأنّ ثمة فرصة أخرى مُتاحة أمامه لفعل شيء ما لنجدته . إنّه يشعر بحاجة مُلحّة لأن يتحرّك ويقوم بأي شيء كي لا يوغل الجلّأدون في فعلهم الإجرامي ويقتلوا الرجل بعد قطع لسانه .. قد يبتروا أطرافه ، ويقتلوه نهائياً . فهل حفزه ضميره المُعاقِب والمُعاتِب إلى القيام بأي بادرة تنقذ – ليس ما تبقّى من الرجل الأسير حسب – بل احترامه لذاته ايضاً كإنسان قَبِل بحمل الإمانة بعد أن رفضت حملها السماوات والأرض والجبال ، أم أنّ تشدّقنا بكلمات الله هي نفاق في نفاق يجري مجرى العادة والدفاعات والكذب حتى على الربّ ؟! هل نخاف من أصحاب الخاكي أكثر من الله ؟! هل استقر أصحاب الخاكي في أعماق نفوسنا وصاروا يسوسون ما يرونه مناسباً من سلوكنا ؟! هل بُتر لسان ضميرنا ؟! هل التذكير بالعقاب الأبوي الخاصي من الصباح حتى المساء وطوال أعمارنا بل لقرون من حياة مجتمعاتنا، جعلنا كائنات يقتات الخوف على أرواحها في “الداخل” ، وتقتات على فضلات الخوف في “الخارج” ؟!

يتوّج علي القاسمي دروس نصّه الجبّارة بهذه الحركة الختامية الحقيقية الصادمة ، التي ندفن رؤوسنا هرباً منها ، وهي أن الخوف في حياتنا صار ديناً وعبادة ، وهذا هو عبد الخوف ، يسأل نفسه ويجيب ، من دون أن يتدخّل اي واحد من جلّادي الخاكي :

(وقلتُ في نفسي : “ما دمتُ أحبُّ هذا الرجل فلا بُدّ أن أفعل شيئاً لنجدته . يجب أن أتحرّك الآن ، قبل أن يبتروا أطرافه ، ويقطّعوا أوصاله ، ويقضوا عليه ” . ولكن … بدلاً من أن أتقدّم إلى الأمام ، وجدتني مُرتجفاً أجرّ رجليّ الكسيحتين إلى الوراء مُبتعداً . وغاب عنّي وأنا في دوّامة الخوف أنّني ، أنا الآخر ، أقترفُ جريمةً موصوفةً ، جريمة الامتناع عن تقديم المُساعدة إلى إنسانٍ يتعرّضُ للخطر) (ص 300) .

ولا أعرف لماذا قام القاسمي بـ “شرح” تقييم الراوي لسلوكه أمام القارىء ، ولم يتركه للأخير ، وهواستنتاج بسيط . أو أن يتركه للناقد على الأقل . لقد تكفّل القاسمي بكلّ شيء حتى بدقائق الأمور في الحكاية . هل “يخاف” من أنْ يكون في موقع “المُقصّر” تجاه قارئه ؟ أتذكّر قصّة لموباسان يقول فيها : كان لي صديق شاب ، ولا تستغرب أيها القاريء أن يكون لمسنّ مثلي صديق شاب ! . ومع ذلك ، وارتباطاً بموضوعة الجريمة ، هل يختلف سلوك هذا الراوي عن سلوك الرجل الذي توقّعناه مُنقذاُ فإذا به يقوم بسلب ساعة الرجل المُحتضِر ثم يتجّه لسلب ما في سيّارته في قصّة “النجدة” ؟!

ولكي لا أُتّهم بغلق كل باب التساؤلات بوجه المتلقّي ، أقول : إنّ قارئاً خبيثاً قد يتساءل : لو وضعتَ نفسك ايّها الناقد ، مكان راوي القصّة هذا ، في موقفه المصيري المُحرج والمُميت ، ما الذي ستفعله ؟ وكيف سيكون ردّ فعلك ؟ ولماذا لم تطرح هذا السؤال كاحتمال وسط غابة الأسئلة الشائكة والمُعقّدة التي زرعتها في اذهاننا ؟ هل قمت بزرع هذه الغابة لتخفي “خوفك” من طرح هذا السؤال / القضيّة ؟ أليس من المفروض أن ينظر عالم النفس الناقد إلى سلوكيات الإنسان وقدراته نظرة موضوعية واقعيّة ؟! كيف يواجه راوٍ أعزل ثلاثة جلّادين مسلّحين بالسكاكين ؟ ألا يمكن أن يكون انسحاب الراوي في نهاية القصّة حلّاً منطقيّاً وواقعيّاً بعيداً عن تخييلات القاص والناقد وتخييلاتهما المؤمثلة ؟
فأقول : إنّ الإبداع يتعامل مع ما “ينبغي” أن يكون ، ويحاكيه – حسب وجهة نظري – حسب منطق “المُثُل” الإفلاطونية ، وليس مع ما هو كائن ، ولو التجأ المُبدع إلى مُعالجة ما هو كائن وأقرّه الناقد عليه لفسدت الأرض والنفوس البشرية جميعاً . وحتى مع قيام المُبدع بعرض الجبن والخيبة فهو يعرضها بطريقة – كما حصل في قصّة “الخوف” هذه – تثير النقمة على الخائفين ، وتغرس في نفوسنا الميل إلى “المثال” المناقض الأرقى .
هل هذه محاولة تبريرية “خائفة” مُضافة من الناقد ؟
لسوء الحظ قد يبدو الأمرُ كذلك !

# وقفة أخيرة :

قد يشعر الكثيرون منّا – ومنّا الراوي – أنّ حبّ السلامة والانسحاب ممّا يجري من عنف ساحق يقوم به الجلّادون ؛ عنفٌ يدمّر كلّ مظاهر الحياة ، ويجفّف الضرع ويحرق الزرع كما يُقال ، هو الحلّ الأسلم . إنّهم يحصّنون أنفسهم بـ “الخوف” ، ويُصبح المنطق البارد التبريري الذي قد يُصعّد إلى مستوى الفلسفة والعقائد تعبيراً نظريّاً عن هذا الخوف العملي . ويحضرني هنا مشهد مُتخم بالبلاغة يردّ على كلّ هذه المواقف ويجمع أطراف الفنّ والفلسفة وعلم النفس ، بل الوجود كلّه ، مشهدُ رسمته الروائيّة “أحلام مستغانمي” في روايتها “عابر سرير” ، وهو عن ميتة أو قتلة “سليم” كما يقدّمها عمّه للراوية في الرواية :

(من بين كلّ الميتات التي عايشتها في هذا العمر كانت ميتة “سليم” هي الأكثر ألماً . حتى موت أبيه وهو أخي الوحيد ما كان لها هذا الوقع على نفسي . شاب وجد نفسه يتيماً عندما قتل رجال الأمن أباه في مظاهرات 88 (…)
عندما استلم وظيفته كان الإرهابيون قد بدأوا بقتل موظُفي الدولة ، وبعدما استشعر بالخطر إثر اغتيال زميلين به ، بدأ إلحاحه بالمطالبة بمسكن أمني ، فأعطوه بيتاً منفيّاً على مشارف جبل الوحش . لم يكن مرتاحاً إليه ، تصوّر مسكناً أمنيّاً دون هاتف ! بمحاذاة غابة . أصبح كلّ هم سليم توفير مبلغ من معاشه لتصفيح الباب ، فقد كان المبلغ بالنسبة إليه ثروة صغيرة ، وكان باستطاعته لو شاء الحصول على أضعافه لو أنه طالب بعمولة على عشرات المعدّات التي كُلّف بشرائها من فرنسا . لكنه كان نزيها بالوراثة .. مترفّعاً وقنوعاً ويحبّ الجزائر . ولذا كان يقتطع مبلغاً من مرتبّه كي يتمكن في لهاث الكدح اليومي ، أن يظفر بباب يحميه من القتلة .

لكنهم جاؤوه عندما اعتقد أنه ظفر بالأمان . كانت الساعة الحادية عشرة ليلاً عندما حطّت كتيبة الموت خلف بابه المُصفّح . تماماً بعد بدء منع التجوّل بقليل . مطمئنين إلى أن لا أحد سيأتي بعد الآن لنجدته . ومستفيدين من حالة البلبلة السائدة . إذ لا أحد يدري في هذه الحالات إن كان رجال الأمن هم الذين يحاولون دخول بيت تحصّن فيه الإرهابيون ، أو الإرهابيون هم الذين يهاجمون بيتاً لأحد ضحاياهم .

كما في فيلم أمريكي للرعب يقف فيه الضحيّة أعزل خلف باب تحكمه من الطرف الآخر وحوش بشرية ، جاءو بعدّة الموت وكلّ الآليات المتطوّرة لفتح الأبواب صارخين به أن يفتح ، فلا يفعل مطمئناً إلى بابه المصفّح .

لم يكن الموت في صحبتهم . كانوا هم الموت . أربع ساعات ونصف والموت خلف الباب يتحدّاه على إيقاع الفؤوس وزمجرة المعاول بالشتائم والمسبّات أن يفتح : “حلّ يا قواد .. جيناك يا كافر ..”

فيردّ القلب خلف الباب بالدعوات عسى يحميه ربّ الأبواب . لم يشفع له نحيب زوجته ولا عويل صغيره ولا جاء أحد من الجيران . لا سمع البوليس ولا سمع الله .. وكلّما تقدّم الوقت وازداد الموت اقتراباً منه ، ازداد القَتَلةُ عصبيّةً وازداد وعيدهم بالتنكيل به .

هو الذي كلّ ما فيه يرتجف . الخائف من كلّ شيء وعلى كلّ شيء ، من أين تأتيه شجاعة الضعف ليفتح الباب ويرتاح ؟

ما استطاع أن يحمل ابنه ذا السنوات الثلاث بين ذراعيه المرتجفتين . فجلس منهاراً على كرسيّ ، بينما كان ابنه متمسّكاً برجله . كان يوصي امرأته كلّ مرّة بشيء يتذكره . مرّة أن تُقبّل أمّه عنه ، ومرّة أن تطلب منها أن تسامحه …

على الثالثة والنصف فجراً نجح الموت في خلع الباب ، كان منهاراً على ركبتيه . راح يتضرّع لهم حتى لا يقتلوه أمام صغيره . سحبوه خارج البيت وأطلقوا عليه وابلاً من الرصاص ، مرضاة لصبر الموت الذي أهين أمام ذلك الباب المُحكم لأربع ساعات ونصف .

كان جسده مُخرّماً . أصبحت معركتنا في الأيام اللاحقة مع الإسمنت الذي تشبّث بدمائه) (49) .

حينما يصير الخوف ديانة ، ونحن عبّاده ، يدركنا الإرهاب حتى لو كنّا في بروج مشيّدة .

شاهد أيضاً

حكمة النص: مشاهد في اقتفاء معطيات النص الشعري (نخبة من الكتاب)
اعداد وتقديم ومشاركة: نزار السلامي (8)

طاقة المفردة وإشعاعها في (مواسم) شاكر مجيد سيفو تثير عنونة مجموعة (مواسم) للشاعر هشام القيسي …

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (13)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

حكمة النص: مشاهد في اقتفاء معطيات النص الشعري (نخبة من الكتاب)
اعداد وتقديم ومشاركة “نزار السلامي” (7)

طقوس هشام القيسي قراءة: أ. د . سنان عبد العزيز * بلغة رشيقة نثرية ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *