كريم القاسم : (زادُ نقديّ في مائدة سيد الصبح)

النصوص الادبية المتينة هي التي تعين الناقد على الاشارة الى مواطن الجمال والبيان والبلاغة فيها . والنص الذي امامنا رغم كثافته ، وقصره إلا انه إكتنز عناصر وفوائد نقدية جميلة تحتاج الى البيان والكشف والافصاح وسنكتفي بما يفيد المتتبع واصحاب الشأن .
أنا أميل الى عرض النص ابتداءً ، كي يتمكن القاريء من التشبّع بما يلزم من حيثيات ومعلومات تسمح بفهم وإدراك التالي من الفوائد النقدية .
النص /
(الى سيد الصبح علي)
الشاعر / جبرائيل السامر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من بُعدِ ألفٍ
سنينٍ كحْلُها جرحُ
أبصرتُ طيفَك فيها بلسماً يصحو.
(أبناءُ مَن هم؟ ) أرادوا الليلَ مملكةً
ومِزْقُ ثوبِك منهُ يبزغ الصبحُ.
أنتَ اليتيمُ
كبيتٍ شحَّ مشبِهُهُ
والشحُّ -ياسيدي- في كفِّكم قمحُ.
ربُّ اليتامى
إذا ماالجوع أغرقهم
لضفّة الخبز يسعى، إذ لهم لوحُ.
ياسيدَ الصبحِ
كم من ظلمةٍ هتكتْ شمسَ العراقِ
وصلّى تحتها الذبحُ.
وألفُ صفّينَ قد عادتْ
وذا جَمَلٌ
ولا عليَّ لكي يسمو به الفتحُ.
عُدْ ياعليُّ فهذا التيهُ يأكلنا
ذلاً شربنا….
كفى، قد يخجل الشرحُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

ــ قال اصحاب الحرفة وأرباب الشعر : إن محاسن الشعر ثلاثة (المقابلة والجناس والطباق ) ومحاسن المعاني ثلاثة (الاستعارة والمثل والتشبيه) . هذه المحسنات البديعية وضعها اصحاب الحرفة قديماً وجعلوها ملاصقة لنظمهم ونثرهم .
وقد يتسائل سائل : هل يجوز ان نُلزَم بذلك في شعرنا الحديث ؟
نقول : نعم … فالمحسنات ليس لها علاقة بالقافية . وعندما ينتبه الشاعر لهذه الامور نجد نصّهُ يشع ذاتياً ويفرض قيمته في ساحة العرض .
الذي يعجبني في نصوص الشاعر جبرائيل السامر ، انها تُعرَض وهي مهذبة مُشذَّبة ، وهو يجهد نفسه في الاستغراق بهذه المرحلة كي تصبح الالفاظ اكثر جودة ويصبح النص أكثر نضارة وبهجة ، بحيث يستميل الاسماع والقلوب . وهذا واضح من خلال قوة السبك وفصاحة الالفاظ وبلاغة المعاني .
هكذا نص لايمكن التعامل معه بانعطافة نقدية سريعة ، لاقتناص فائدة واحدة او فائدتين ، بل قوة النسج ورصانة السبك هي التي أفرزت الكثير من الفوائد النقدية والتي سنغوص فيها ونتفحص ما يستوجب منها تباعاً لعرض مايفيد .

• إن كثافة هذا النص وقصره دليل على إن (المَلَكَة) رَعَفَتْ بما ينبغي من صور شعورية وخيال خصب ومتدفق حتى انقطع الى الحد الذي هو عليه . وهذا من مقومات وادوات الصنعة الكتابية ، فلو أضاف الشاعر اجباراً ، لجاءَ بالاطالة إرضاء لذاته ، ولنتج نص غير متماسك ، وستظهر منطقة الفصل واضحة بين الرعاف الذاتي والرعاف الاجباري . وخير التأليف ما جاء على ماجاءت به الذات لحظة تأثرها والمَلَكَة حين قدحها ، فتعطي عصارتها على قدر انفعالها .

• الفكرة التي بُنيَّ عليها هيكل النص ومضمونه هو جرح الأمة الكبير والاستنجاد بنهج (علي بن ابي طالب) كرّم الله وجهه ، كونه الاكثر شمولية واقتداراً لمحاربة الفتنة واستئصالها . وهذا ما أثبتت صحته نتائج التاريخ . وأظهر الشاعر هذه المقدرة وهذا النهج من خلال رسمه صوراً شعرية لبعض صفات (علي) حتى تعين القاريء على الاستدلال والمعرفة .

• اختار الشاعرعنوانا للنص (الى سيد الصبح عليّ) وكان موفَّقاً في هذا الاختيار ، وللأسف مازال الكثير لايولي اهمية لهذا الركن الاساسي في التأليف ولما له من اهمية في إبراز قيمة النص ، رغم اهماله على مدى طويل من الزمن ، والعنوان يعتبر نصاً متكاملا بحد ذاته ، وخاصة إذا تضمن التركيز والتكثيف والاثارة والاشارة بحيث يحمل القاريء الى البحث عما يتضمنه العنوان من خلال النص .
العنوان هنا (الى سيد الصبح عليّ) أراد الشاعر فيه تعريف شخصية (سيد) التي تنطوي عليها فكرة النص من خلال اضافة لفظة (الصبح) اليها . الشخصية هنا هو (عليُّ بن ابي طالب) كرَّمَ الله وجهه ــ وكان بودي لو ان الشاعر اكتفى بعبارة (الى سيد الصبح) فقط دون إضافة لفظة (علي) الى العبارة ، لكان عنصر الشوق اكثر إثارة في النفس للبحث عن هذا السيد ــ وقد تسيدتْ هذه الشخصية (عليّ) عروشاً كثيرة على السُنِ الاعداء والعاشقين لما لها من قوة تأثير في النفوس . ومن خلال هذا العنوان وربط السيادة بالصبح اعطى اشارة قوة الى ان علاقة ما ستظهر بين (عليّ والصبح) لحظة وقوع الجريمة في محراب الصلاة عند الفجر . والصبح على مَرِّ الدهور هو ظاهرة يحدث فيها مايحدث ، واذا كان المضاف يُعَرَّف بالصبح ، فـ (علي) هنا هو الذي زاد الظرف الزماني (الصبح) تعريفاً وتشريفاً.

• ابتدأ الشاعر نصَّهُ بحرف الجر (مِن) للتوكيد على الزمن ، وقد تناوله مباشرة دون مقدمات ، كي يقطع التأويل ، وهذا من بلاغة المعنى وحسن التأليف .
” من بُعدِ ألفٍ
سنينٍ كحْلُها جرحُ
أبصرتُ طيفَك فيها بلسماً يصحو ”
كفى، قد يخجل الشرحُ ”

• إختتم الشاعر نصه بمقطعٍ يبدأ بفعل الامر (عُد) :

” عُدْ ياعليُّ فهذا التيهُ يأكلنا
ذلاً شربنا….
كفى، قد يخجل الشرحُ ”

وكأنما يستنفر الدعاء بالنداء الى (علي) للتخلص من المحنة ، وهذا الدعاء بدعوى التمني لحضور نهج علي ، ليفقأ عين الفتنه ، فهو الأجرأ والأقدرعلى ذلك بشهادة التاريخ . ثم جاء الشاعر بالأجمل عندما ابتدأ شطره الاخير بفعل الامر (كفى) واتبعها بالفاصلة (،) فهو اعطى انطباعا للقاري بأن (كفى) هو أمر لسد الباب على التصريح بانواع الدمار وصفات الاذى الاخرى التي لحقتْ بالأمة ، وأَيَّدَها بعبارة مَجازية بليغة (قد يخجل الشرحُ) ــ ولَنْ يخجل الجرح ــ حيث جاء بالمضارع (يخجل) بعد (قد) فصار المعنى يفيد التقليل . وهذا دليل استنجاده بنصرة منهج (عليّ ) ، فلوكان الجرح يخجل مما حدث ويحدث ، لما استوجب مخاطبة (سيد الصبح) من قبل الشاعر .

• لنعد الآن الى مفاصل النص ، ولنتفحَّص الالفاظ التي نَسجَها الشاعر، سنجد الظهور والبيان قد تمثل بها ، حتى ابتعد عن الإتيان باللفظ المتوعر والوحشي والتي تحتاج الى قاموس او مصدر لشرحها . وهنا تكمن مقدرة الشاعر في التأليف، فلم يأتِ بما لايستوجب . وهذا هو مفهوم الفصاحة والتي سنتطرق اليها في حلقة خاصة من سلسلة صناعة الكتابة ـ إن شاء الله ـ .
فلو قرأ المُتلقي المُتَصَفِح للشعر لا الخبير باللغة ، لربما سيتوقف عن لفظة ( مِزْق) في :

” (أبناءُ مَن هم؟ ) أرادوا الليلَ مملكةً
ومِزْقُ ثوبِك منهُ يبزغ الصبحُ ”

لكن عند التوقف على اصلها الفعل (مَزَّقَ) سيجد ان المعنى قد بانَ وظهر وخاصة عندما يردفه الشاعر بعبارة (منهُ يبزغ الصبحُ ) . الفائدة النقدية والبلاغية تظهر هنا في استعمال الشاعر لفظة (يبزغ) فهي تفيد اول الطلوع او بدايته وهذا اللفظ مقرون بالشمس في الاية الشريفة (فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي) الانعام 78 ، والصبح مصاحب لبزوغ الشمس ، ثم ان البزوغ ينتظره الرائي والمشاهد من جهة الافق لا الى الاعلى ، فالتصوير هنا (ومِزْقُ ثوبِك منهُ يبزغ الصبحُ ) كان أدق تصوير بل وخير خيال . ولو استعمل الشاعر لفظة (يطلع) لما اختل الوزن والسياق لكن بلاغة المعنى ستضيع وتتشوش . كون الطلوع لايرتبط بالافق ، فمهمة الشعر لا تقديم الالفاظ الفصيحة فقط ، إنما مصاحبة المعنى المناسب للفظ حتى يبو اللفظ كالجسد المرتدي ثوبا عل قدر مقاسه ، والمؤلف عندما يكون عارفا بالمعاني سيكون قادرا على الاتيان بالالفاظ ، وهذا ماتمثل به أرباب الحرفة واهل الصنعة . وهنالك معنى خفي في هذا التصوير الرائع . فعندما استعمل الشاعر لفظة (مِزق) فهو قد قصد ذلك ، فالامام عليّ طالما ردد عبارة :
(وَ اَللَّهِ لَقَدْ رَقَّعْتُ مِدْرَعَتِي هَذِهِ حَتَّى اِسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَاقِعِهَا وَ لَقَدْ قَالَ لِي قَائِلٌ أَ لاَ تَنْبِذُهَا عَنْكَ فَقُلْتُ اُعْزُبْ عَنِّي فَعِنْدَ اَلصَّبَاحِ يَحْمَدُ اَلْقَوْمُ اَلسُّرَى ) ـ نهج البلاغة نهاية الخطبة 160 ــ
وهل في الكون قائد يقدّم نموذجاً ومعيشة بهذا الزهد …؟؟؟
مِن هنا استنبط الشاعر صورته الشعرية هذه . فهو اراد ان يوضح بأن القائد الذي يتصف بهذا الزهد كفيل بأن يكون قادراً على إظهار النصر .

• في المقطع التالي :
” أنتَ اليتيمُ
كبيتٍ شحَّ مشبِهُهُ
والشحُّ – ياسيدي- في كفِّكم قمحُ. ”

ــ استوقفتني نباهة الشاعر هنا ، فالقاريء لربما يتسائل :
ماالداعي مخاطبة الشاعر للامام علي بـ (أنتَ اليتيمُ) ؟
نقول : إن ماتلاها من كلام يوضح ذلك . فعبارة (كبيتٍ شحَّ مشبِهُهُ) تثبت بأن الشاعر قد أجاد التصوير ، وأجاد في تصوير المعنى الخفي . فقد وصف العرب الدرّة التي لامثيل لها بـ (الدرة اليتيمة) أو (بيت شعريّ يتيم ) اي لانظير له ، وهذا من جمال الاستنباط وتُسَجَّل علامة قوة في صفحة الشاعر وتاريخه الادبي يجب الاعتراف بها ، فهو قد عنى بذلك (ان نهجك ياعلي لانظير له ولا شبيه ) وقد أوضحه بما تلاه.

• وفي المقطع أعلاه توجد كذلك فائدة بديعية أخرى وهي (الاشتقاق ) ، والاشتقاق نوع من التجانس الذي يهتم بالصناعة المعنوية للّفظ ، وهذا النوع من الصناعة في النسج الشعري يعطي رونقاً الى الالفاظ ، وقد اهتم العرب به كثيرا ً، حيث يأخذ المؤلف أصلاً من الاصول فيأتي بصيغ وتراكيب مختلفة مُشتقة من الاصل بمعاني مشتركة . وهنا اشتقَّ الشاعرلفظة (الشحُّ) من (شَحَّ) فتصبح العبارة اقوى وأجلى معناً للقاريء والمستمع . راجع المقطع اعلاه وستجد اشراق المعنى ووضوحه .

• النص احتوى على التقابل والطباق ، ولقد اهتم اصحاب الحرفة في هذا الباب ، حيث ان الطباق في الكلام يعني الجمع بين الشيء وضده او بغيره (قريب من المعنى او بمثله). ونقتطف شيء من هذه المحسنات البديعية لغرض الاشارة لها لا للإسهاب فيها .
ومن الالفاظ التي جاء بها الشاعر والتي تنضوي تحت هذا الباب المهم في هذا النوع من السبك الشعري هي ( الجرح والبلسم ــ الليل والصبح ــ الظلمة والشمس ــ الأكل والشرب ــ الجوع والخبز ) ومن المعلوم ان هذه المحسنات البديعية تأتي بصور بلاغية تعين الكاتب على تصوير المشهد بما يؤثر في نفس المتلقي على شرط ان تكون بعيدة عن الاكثار او التكلف ، كي لاتضيع جمالية وبلاغة النص بين طياتها ، وهذا ما يُعرف بعجز الكاتب وعدم خبرته ودرايته بهذه الصنعة ، والشاعر هنا كان مقتصداً غير متكلف .

• من محاسن الشعر المتواجدة في النص ، هو ازدحامه بالمجاز والتشبيهات والاستعارات الرائعة أبرزها (كحْلُها جرحُ ـ أرادوا الليلَ مملكةً ــ كبيتٍ شحَّ مشبِهُهُ ــ ماالجوع أغرقهم ــ ظلمةٍ هتكتْ شمسَ العراقِ ــ صلّى تحتها الذبحُ ــ يخجل الشرحُ ـ وغيرها ) . ونحن نعلم ان التشبيه يكون رديئاً إذا كان بين المُشبَّه والمُشبَّه بهِ تباعدا وتبايناً في التشبيه ، ولكن الحال هنا جاء يحمل الحسن والقوة . فمثلاً نجد تشبيه المفرد بالمركّب :

” أنتَ اليتيمُ
كبيتٍ شحَّ مشبِهُهُ ”

حيث شبه ندرة وجود مثل (عليّ) كالبيت الذي قلَّ مثيله ، وهذا التشبيه بالغ القوة عندما جاء بالمركّب (كبيتٍ شحَّ مشبِهُهُ ) ولفظة البيت تعني التجمع والاحتضان والسقف الحامي . ويستعمل أرباب الصنعة المجاز والتشبيه لتقريب الحقيقة بل ولتثبيتها في ذهن المتلقي وتصبح اكثر بلاغة وقوة في الافهام .

• نلاحظ ان الشاعر استخدم في معظم المقاطع الفاظاً تدل على الزمن الماضي ، كون طبيعة الفكرة وزمن الحدث هو الماضي ، ولكن في المقطع التالي يأتي بالفعل الماضي (عادَتْ) ولكن عندما وصل الى مرحلة الذروة والتي تتطلب حضور لفظة (عليّ ) استخدم الفعل المضارع (يسمو) فقال :

” وألفُ صفّينَ قد عادتْ
وذا جَمَلٌ
ولا عليَّ لكي يسمو به الفتحُ ”

ــ وهذا من الاستحضارات القديرة والتي تحمل سمة الابداع ، فاستعمال المضارع بعد الحدث الماضي يحيل القاريء والمتلقي الى معايشة الحدث وكانه في الحاضر، فقد جاء في قوله تعالى : ( والله الذي ارسلَ الرياح فتثيرُ سحاباُ)
فجاءت (تثير) بعد (أرسلَ) كي يعلم القاريء بأن اثارة السحاب فعل مستمر .وكما معلوم ان الإخبار بالمضارع ابلغ من الإخبار بالماضي . اما الاخبار بالماضي عن المضارع فله شأن آخر ليس هذا موضعه .

• للنظر الى فائدة اخرى يعتبرها أرباب النقد والنظم من اشرف التأليف واكثره علواً ومنزلة ، وقليل من يأتي بجودته هذه الايام وهو الايجاز(حذف زيادات الكلام) ، فعندما قال الشاعر :

” كم من ظلمةٍ هتكتْ شمسَ العراقِ ”

فلفظة (كم) اختصرتْ على المتلقي الدخول في عالم الاعداد اللامتناهي ، وقد جاء في قوله تعالى (كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ) البقرة 249 ، وهذا شأن العرب سابقاً ، فهم يستغنون بالحرف الواحد عن كثير الكلام . والغرض من الايجاز هو دلالة اللفظ على المعنى من أقرب طريق . ولتعلق العرب بهذا الباب ، فهم وجدوا له اربعة عشر نوعاً ، وهذا الباب لايصح في الخطابة وبعض ضروب النثر لان الخطابة تحتاج الى التطويل والايضاح وسيكون بيان ذلك في شرحٍ آخر .

• استعمل الشاعر التكرار في لفظة (سيد) وجاءت بصيغة المنادى ، فمرة (ياسيدي) في عبارة :

“والشحُّ -ياسيدي- في كفِّكم قمحُ.”

ــ ومرة (ياسيد الصبح) في عبارة :

” ياسيدَ الصبحِ
كم من ظلمةٍ هتكتْ شمسَ العراقِ ”

ــ والتكرار جاء هنا بصيغته الحسنة وليست الرديئة المرفوضة ، فالتكرار هنا افاد الايضاح والتأكيد وبيان فخامة اللفظ والمعنى للأسم .
ثم نجد التكرار في لفظتي (الف) في :
1- ” من بُعدِ ألفٍ
سنينٍ كحْلُها جرحُ ”
2- ” وألفُ صفّينَ قد عادتْ
وذا جَمَلٌ ”

ــ المتأمل لهذا العدد (الف) يجد تكراره مقصود من لدن الشاعر فقد قصد الكثرة لتأكيد الجرح العميق الذي شلَّ حركة الأمة . ففي العبارة الاولة جاء بها مجازاً وفي الثانية اوضحها عندما جعل المعدود (صفين) ، فهو قد عنى بذلك فتنة الدين ، ولو جاء بلفظة (صفين) وحدها ، لكان ادراك القاريء يستقر عند معركة صفين لاغير ، لكن العدد جعل صورتها اكثر فهما وادراكاً ، وهذا لعمري من جميل الايحاء والاشارة .
ــ ولدينا تكرار آخر يجدر الاشارة اليه هو لفظة (عليّ) ، فقد ورد هذا اللفظ في موضعين :
1- ” ولا عليَّ لكي يسمو به الفتحُ. ”
2- ” عُدْ ياعليُّ فهذا التيهُ يأكلنا ”

نلاحظ الشاعر هنا قد رسم صورة شعرية رائعة بهذا التكرار ففي الاولى ، يتألم الشاعر لعدم وجود (عليّ) في هذا المقطع الزمني الحالي لكي يكسر قرن الفتنة ، وفي الثانية كأنما يدعو (علياً) لهذا الامر بعد ان اوضح حجم اللوعة والضياع (فهذا التيهُ يأكلنا) وهذا من جمال التكرار في الانشاء والنظم . حتى نلاحظ العبارة أرسخ في الوجدان واقرب الى الذات والفهم . وكان الشعراء العرب كثيراً مايأتون بالتكرار للمراد الآنف الذكر .

ــ وفي النص فوائد اخرى كثيرة ، لكننا نكتفي بما اوردناه من فوائد بارزة ، كي تعم الفائدة واعطاء النص حقه .

• النص الذي امامنا يعتبر من النصوص المشحونة بالفوائد النقدية ، وقد جاء مُحَّمَلاً بفوائد بلاغة وفصاحة جلية واضحة انتثرت بين مفاصل النص ، حتى اننا لنجد المقطع الواحد يحتوي على اشارة فصاحة وبلاغة ، وعناية في السبك والتهذيب ، وينم هذا الامر عن دراية الشاعر جبرائيل السامر بصنعته ، وتمكنه منها ، اضافة لرعايته نصوصه واحتضانها هندسة وبناء .

• المراقب لهذا النسج الشعري سيجد الشاعر قد اهتم بنسجه منذ العتبة الاولى (العنوان) وحتى مسك الختام ، بحيث اهتم بالافتتاح بما يناسب قصد وفكرة النص من مدحٍ وشكوى ، ونجاحه في المزج بين القصدين بحيث لانشعر بفصل مقطع عن مقطع آخر وهذا من جودة السبك ، ثم ان المقطع الواحد يأتي مُحمَّلاً بالمعاني المتكاملة ، بحيث لانحتاج طفرة الى المقطع الذي يليه لتوضيح معناه ، فهي آخذة برقاب بعضها ، وهذا مايتطلع اليه الكاتب الذكي الحصيف لكي يصل بحرفته الى مرتبة الخبرة التي تُمازِج الذات والمَلَكَة ، ويصبحان كانهما جسد واحد .
فالالفاظ يستعملها الجميع لكن ابتكار المعاني هو مايميز هذا الكاتب عن ذاك .

تقديري الكبير ……..

شاهد أيضاً

علي رحماني: المشروع الشعري الجديد… الجدوى والحياة

إن الحديث عن كتابة الشعر بصفتها إنتاجاً أبداعياً روحياً وكصيغة حياتية مطلوبة يستلزم أن نتعامل …

روايات مترجمة: 3ــ نساء عاشقات (من الأدب الانكليزي) د .هـ, لورنس
ترجمة: أمجد حسين
قراءة: ناطق خلوصي

قد يقع المرء تحت اغراء ما يوحي به عنوان رواية ” نساء عاشقات ” فينتظر …

شوقي كريم حسن: وسام هاشم.. جنون الشعر الثمانيني!!

*الحروب التي دقت ابواب الاعمار باصوات مثيرة للجزع ، لم تكترث لحلاوة الحياة وبهجتها، كانت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *