علي لفتة سعيد : الصورة الثالثة (9) و (10)

-9-

يخيل إلي أحياناً أن الأرض لم تعد كروية بل صارت مسطحةً أو مقعرةً أو حتى محدودبة،المهم أنها لم تعد كروية بسبب الحروب التي هتكت سطح الأرض.
هكذا بدأت أحد فصول الرواية، لنطلق عليها هكذا ريثما نعيد كتابتها.. أين يذهب الغبار المتطاير نتيجة الإنفلاقات المميتة وهدم الثوابت،وانتقال المتحركات؟تحاول أن تتخيّل الأرض أو لو كان بإمكانك أن تصنع متحسّس الأصوات في أي مكان من الأرض.لسمعت صوتاً يوحي بالحرب كل ثانية،مثل الولادات والموت حتى صار الأمر أنه لا يمكن الشعور بالوجود دون حرب، طمع الإنسان يصغّرهُ، هكذا تفهم الأمر،صارت الأرض وكأنها تفاحة بيد عفريت لا يريد لبني البشر أن ينظر إليها رغم أنه يضعها أمام عينيه..يقول له،نم ودعني أُلاعبها وإلا قضمت وجهك.شيء حلمي متداخل،متشعب.أعرف رأيك يا محسن، مازالت الشمس تشرق وتغرب ،لا تحتاج إلى شيء يثير زوابعها،وقلق استقرارها..أصبحت هذه القناعة شديدة المرارة..لأن الأمر لم يعد رسم الأحلام بطرق السلام..أتتذكر الفيلم الأجنبي الذي رأيناه قبل شهر..ربما كان إنتاجاً أمريكياً. كان البطل يقول للحرس الصيني..وهو يحاول إنقاذ الأمريكية المخطوفة..ليس لي علاقة بثيمة الصراع وكيفية المعالجة، بل بما تضمنه الفيلم من رسائل يريد من المشاهد أن يصدقها..قال الأمريكي..أن الشمس تشرق عندكم لكنها تغيب عندنا..هذه هي فلسفة العصر الجديد..إن كل شيء عائد إليهم.ولم تعد تلك الحكمة المشهورة..أيتها الغمامة.أينما تمطري فأن خراجكِ لي.لأن الشمس مغيبها هناك.. لذا تبدو الحقيقة أن الأرض والحياة خاضعتان لهذا القانون..فناء الجسد واندماجه باللذة واللذة بالرغبة والرغبة بالخيال والخيال الذي هو حصتنا مجرد سراب.صور متناقضة..مرايا لا تظهر حقيقة الأشياء..عاكسة، مخاتلة، تهشم فينا رغباتنا،فتغدو أعماقنا مجرد كيس منفوخ يملأ طعاماً ويستفز جنساً..حين اصطدت سلوى. شعرت بالحرية..وكأني مسكت الأرض وقلت ..الآن صار وجودي حقيقة..وحين اكتشفت الحقيقة صرت حزينا ،والآن أشعر باليأس والتعاسة..من أين يأتي حلمي بالأشياء لتبقى سعيدة..وهذا العالم المضطرب يستيقظ على صوت الموت ويمسي بأن يذكرك به.لا شيء غيره.حتى لكأنه مخلوق من أجل أن تموت فقط..الترانيم تتهامس بصوت شجي، وجل.. أعذب الألحان تلك التي تريك عذوبتها الحزينة..من الحزن نصنع فرحنا..ومنه نؤكد أننا نشعر بلذّة الوجود..وإلاّ فما معنى أن تستمر الحرب،وعلينا أن نعيش وفق قوانين القوة والخوف..
أتدرك يا محسن أن لنا علاجات لكل شيء،ربما بعد عشرات السنين ستتحول هذه الاشياء البديلة إلى آثار ،لا بد أن نتصوّر.الصورة تاريخ وذاكرة،وربما ستكون أنفع،الأغنية دليل مرحلة والصورة تبقى..الكتابة والصورة يخلدان المرحلة..أسمعه،هذا الصوت الشجي..(( ردّيت وجدامي تخط قبل القلم)) أسمع الصوت الحزين،تمايل طرباً..محل تسجيلات يطلق ألحاناّ حزينةً لتزداد مبيعاته..والناس تسمع، والدم يشخب في الرؤوس في القحفة التي ظلت مغيبة عن مدارك العلماء(( رديت وعيوني تخط حيرة وندم)) وأبي عاد بهيكله..كان يحب هذه الأغنية لأنها حزينة. هل يمكن أن أغلي من ذاكرتي.أن الرجل الذي فتنت النساء بعينيه الرصاصيتين الذي أمضى حياته في تنظيف صفوف الطلاب من أجل أن ينجحوا ويكونوا رجالاً للوطن؟ هو الذي مات وتركني وحيداً بلا نجاح لأنه لم يقدر على دفع تكاليف الدراسة..كان يوصيني بالقراءة..إقرأ ولكن كتباً مجانية في المكتبة العامة ليس المعلم وحده يربي الأجيال،الفرّاش أيضاً..كانوا يحبونه.. يحفظون أسمه ويهابونه..يلعب معهم، ويحافظ عليهم ويدافع عنهم إذا ما عاقبهم المدير بعصا الإدارة.وعندما مات شيعوه.حملوه على الأكتاف وساروا به من بيته إلى وسط المدينة..الطلاب الذي تخرجوا من رحلاته النظيفة. المعلمون الذين شربوا شايه..المدراء الذين صافحت عيونهم وجهه، قبل أن يجلسوا خلف مناضدهم. ليس في المدينة بيت لم يدخل إبن لهم تلك المدرية الصغيرة الكبيرة..قتلوا أبي..أبي قتل حتى عندما هرب من مدينته الجنوبية إلى مدية مقدسة ليسكن هنا حاملاً راتبه التقاعدي وأنا..مات لأن السرطان فتك به فكيف لا تريدين ألا أحزن..حين تدمع العيون قبل القلم.
دع دموعي تخرج لتغسل المآقي..فتدلف رائحة الذ كريات موفورة الصحة..طلبت منك سيكارة،وجدتك تبحث عن عذر لتعدني الى السقيفة..الوقت يشارف على الغروب..أخرست الأصوات..وانبثق صوت مقرئ القرآن بجاذبية خاصة..بدوت لي مختلفاً..ليس لأنني رأيتك اللحظة بعينين مختلفين بل لأنك مختلف حقاً.. كأن صوت المقرئ قد هزّك من الأعماق..وأنت ترى المنائر من علو..يصطدك بها الضوء الشفقي ليحيلك إلى إنسان يشعر بقوة الذنب..تريد الآن أن تنزع ثوب الحزن،الثوب الجنائزي، يفتح أزرار العنق والأكمام لتتنفس..ثمة اختناق رغم أن الغيوم بدأت تكحل صفحة السماء،بمنظر بارد.
رحت تدخن وتشير إلى أوراقي وتغيرت ملامحك وظهر الحب..وبحركة مسرحية مألوفة ..نزعت قبعةً وهميةً من رأسك وانحنيت فاسحاً المجال لدعوتي.
– تفضل سيدي..هذا عالمك الأثير.
كنت تعرف جيداً، رغم محاولاتك التغلغل أو الإنشغال بأمور أخرى..إلّا أفكارك كانت معي..كانت صدمتك قوية مثلي..صدمة مذعورة..وردة فعلها, كانت شديدة المرارة..حتى أنك تتغافل من ألم إلتواءات المرارة بسماع جانب آخر حين أطلب منك مساعدتي.أعرف ما كان يجول بخاطرك..أنه مجرد زعم..وإلّا ستقودك قدماك مرة أخرى في الساعة العاشرة لتطرق الباب، وتدخل، وتضيع منك كل تلك الكلمات التي هيّأتها نهاراً لتقولها لسلوى..قلت لك..يجب ابتداع شيء يكون هول الحل..لكن تأمل الحياة.. الحب الذي انغرس فيك.. والخوف من ان يكون حلمك مجرد وهم وإلّا ستكون أنت مجرد ضحية..فلا شيء عندها سيبعث على الطمأنينة. كانت الكلمات التي أسحبك إليها مجرد حوارات باهتة..لماذا يا محسن تركتني حتى تمكن الحب من التربع.. وصارت سلوى جزءاً من حياتي؟ أصبح كل شيء وعراً.. وصارت أنهر، الأفكار ضيقة..أعترف أنني أهملت نصائحك..وكأن في أذني وقراً كثيفاً..يمنعني من الإصغاء.
قلت لي،أكتب قبل أن ينفلت حبل الواقع دون أن تعرف أن ليس بإمكاني الآن أن أستغل الوقت لأكمل الفصل الاخير.أخذت الأوراق.ماذا يخبئ الزمن..زمن الورق..زمن الحرب.. زمن الصراع..زمن الإزدواجية..زمن الإرتباك..دوّنت ما رأيته وعشته وتخيلته لأشعر بسعادة داخلية وفقير في الخارج..لقد أتعبتني يا حسن..قلت لي :في الوحدة،وحدة العالم المصنوع من الورق تتخيل الجمال مثلما تتخيل التعاسة. والفرق بيت التخيل والشعور مسافة،التخيل يجعلك تصنع الأشياء لتجسدها أمامك ككائن حي..ولكني أشعر أن الدنيا دخلت من سم الخياط..أدخلت رأسها وبقيت محصورة، فكيف تكون الحلول، وأنا ما زلت أستمع إلى ضجيج المولدة..وأنت تقرع في رأسي..أكتب تخيل نهاية ما عشته..ناولتني ورقتين وقلت أكتب..هل حقاً نحن نبحث عن النهاية من أجل إكمال الرواية أم من أجل الّا تضيع سلوى مرة أخرى؟.
لم تجبني لأنك مثلي لا تعرف الجواب.فتماهلت في صفنتكَ وطلبت مني أن نقرأ.المهم أن نقرأ ونشغل الوقت..وضعت الأوراق أمامي كلها،ثم أشرت وأنت تقلب الأوراق أن أقرأ.إذن سأتخلص منك وأقرأ عن رجلِ غابٍ ثلم غاب اليوم الأول خلف الغيوم.
بدأ بالإتكاء على وعيه ـيحاول أن يراجع شريط حياته..فيحتار بأي المحطات يقف.إذ ما كان ليصدق الحقيقة التي قلبت حياته.بأن ما فعله كان الأخر .قدماه قصيرتان، والمواقف مليئة بالمياه.عميقة مستعدة لإغراق الجسد.تلك مصيبة أن تكتب عن حياة رجلٍ لا تشعر معه بالفرق..لم يستطع أن يلم المحطات المظلمة، وظلال المصائب..كل شيء معتم..لا يمكن الإمساك به..كثيراً ما حدثني، بل قل كثيراً ما سألني:لماذا أنا في هذا الوجود؟ كل شيء معكوس..طيور مهاجرة والمبررات ناقصة.جردت صلابتها ،كان يسمع من الجنود أن أمهاتهم ودعتهم بصب الماء خلف خطواتهم ووضعن في حقائبهم مؤناً للتعويض عن جوع الحرب, وحقيبته وحدها مُلئت بالكتب والأوراق.لم يكن في ذلك الحين ، قبل عشرين عاماً قد نشر شيئاً من كتاباته في الصحف..لكنه كان يمسك بالعمل الشاق حالماً بأن يعوض ولو مرة واحدة في أحضان إمرأة، يقضي معها أوطار الوقت.. معيناً ساعات الترقب. لكن المرأة ظلت بعيدة،لأنه يعيش خجلاً مدقعاً..لا هم له سوى سرقة نظرات عابرة، شائعة..وحين يعود إلى الجبهة إلى الهواء الساخن الصاخب، الخارج من كومة رمالٍ وأفاعٍ وعقاربٍ وديدانٍ وتبولٍ في العراء..كل شيء يلقي بظلاله الجرداء لتكون الإجازة وإنها عصفور وضع في قاع تننظر بانتظار أن يسجر..كل شيء في داخله يحيله إلى الغرق، إلى الخط الذي لم يستقم معه كأنه ينفر من أعماقه الساخنة..بحثاً عن متعٍ مبلّلةٍ بابتسامةٍ حنون..يحاصره الفراغ والصمت والترقب..سقوف المواضع وجدرانها المتكئة على أكياس الجنفاص, الذكريات المرة.. قد يخترق الصمت بالنسبة له ويلطخ الفراغ بين حين وآخر..يشتعل يبحث عن ذاكرة …لا شيء يذكره بأقوال الاخرين الذين لا يتفوهون سوى بالحرب ولا يلتفتون إلى أوراقه التي قال له أحد الجنود:
– إنها نفعتني حقا ..أعانتني على إشعال النار لتخدير الشاي.
صرخ بنفسه كأنه يلملم ساقيه عن مصدر النار ((أيتها النفس، كيف السبيل إلى الإطمئنان؟ أيتها الحروب متى يتحول البشر إلى صناعة القلوب..بدلاً من صناعة القنابل؟)).
ضحك على نفسه..والأرض الحرام أمامه، كل الأرض حرام..وفجأة تحشرج شيء ثقيل بين لهاته..سرت همهمات غريبة في رأسه..تحولت إلى بول.. والصدى يتردد بين حنجرته وبلعومه ((أما أنك ستموت أو سترى الموت بأم عينيك)) شعر بغثيان،عربة تجرها خيول صاهلة،تخرج مسرعة إلى الف فراغ..حاول أن ينام،أن يتمثل النوم..أن يغازل وجهاً يعرفه..يقرّبه إليه..ليبدأ مع صاحبة الصورة أحلاماً تهديه سبيل النوم.. وجدها قطعة شفافة..سمعها:
-هل بإمكانك أتن تعرف معنى الحب؟.
وإذا اقترب منها بكامل قيافته..ووضع يده على موضع الإستفزاز، وسحب منها ملاءات النوم.. وقبل أن يطبق بغزله على صمت الموضوع..كأنه في مكلان يشبه الشلالات المتناثرة القطرات..الماء والطيور والحيوانات الأليفة والأشجار..وقبل أن تنزل قدمه على الأرض في شلال الرغبة..وأن تنزل قطرات الماء في حلم، مجرد حلم، لا شيء غير حلم..أراد استقامته..انفجرت الأرض..واكتشف أن الشلالات ما هي إلّا قنابل، والطيور شظايا والحيوانات الأليفة تحولت اإلى وحوشٍ ضاريةٍ ..وإذ نزلت قطرات الدم على الأرض، دفعته إلى استفاقة مرعوبة..دفعه الصراخ والسقف المنهار إلى البحث عن وجه الجندي الذي أحرق أوراقه.. دفعات،دفعات. هربت الوجوه الملونة،فنبتت شظية في ساقه وأخرى في ساعده وثالثة قرب قلبه. قال:أن عليه ألّا يعاود الحلم مرة أخرى.

-10-

ساعة أخرى مضت والمولدة الكهربائية تعمل والليل أعدّ لي برنامجاً حافلاً لأن أبقى مستيقظاً،ولسوء الحظ عليّ أن أقوم بأداء عملي وأتولى مراقبة أجهزة القياس للتأكد من سلامة عمل المولدة،كل ساعة أو حتى نصف ساعة عليّ أن أقوم بزيارة الهيكل الحديدي الضخم مثلما أقوم بزيارة لوحة المقاييس ولوحة الفواصم. أنا المدير العام والعامل ،لا أحد ينافسني في العمل،رئيسي المباشر هو صاحب الفندق في خضم هذه الحياة الجديدة،صرت كثير الإلحاح يا محسن،تريدني أن أبتعد في تفكيري عن سلوى وأنا أراها في كل حركة وأراها تراني لما غافلت ذاكرتي،إنك تريدني أن أنسى،أنسى وجودها، تبحث بدأبٍ عما يوصلني إلى نكران وجودها،بينما هي تشاغلني.كان ذلك قراراً مهماً بالنسبة لك،وأعرف أنه السبيل للتخلص من الآثام ولكن المصيبة ليست بالإبتعاد عنها فقط بل بإيجاد حلٍ لها،أعرف إنني لا أحبها،أقصد ذلك الحبّ الشفاف الذي يربط بيم قلبين ناضجين ومفعمين بالمستقبل،ولكن في الوقت نفسه أعترف أنني أحببتها ،أحببت أن أكون إلى جانبها.كان سلوكاً طبيعياً أن أعتبر نفسي محظوظاً، وأنا أنعم بخاصية متفردة من العلاقة مع إمرأة وجدتها ناضجة.هذه هي الحقيقة التي ألوكها دوماً.حتى حدث ذلك المنعطف وأنا أستمع إلى حكايتها بالإكراه إذ وجدتني أبحث عن الخلاص من علاقة الحب التي لا بد لها أن تنتهي في يومٍ ما،وحين وجدت هذا العمل بدا لي الطريق سالكاً وأن رأسي سيكون مشغولاً عن إمرأةٍ تحوّل الليل إلى ضوءٍ ملوّن،حيث تشع الرغبات كلها دفعةً واحدةً في مسيرة الساعات،كنت لا أحب النهار، لأنه يبعدني عنها..أحب الليل،بعد العاشرة،بعد هدوء الشارع وهو يستقبل خطواتي الخفيفة الوجلة..لأجد الباب بحاجة إلى أصابعي مرة أخرى لأمنع مرور الهواء إلى البيت .مؤتمن على صيانة نفسي، وحدها في البيت.كان ناهض قد استرعى انتباهه كثرة تثاؤبي في النهار وعدم جلوسي في المقهى إلّا ساعات العصر حيث أكتفي بالكتابة..همس في أذن مهند وطلب منه معرفة الأمر،لكن ذلك المدرس بلسانه الطويل تمكن من سرقة لساني، فهتف عالياً ((لتحيا النساء باعثات الحب والجمال)).بينما إكتفى ناهض بمراقبتي سراً..ليضمر لي تلك المداهمة الفريدة التي عاد منها وهو يمسك فشله بين أصابعه.
حسن يا محسن،أنك تريدني أن أنسى وأنا لا أستطيع، علينا أن نقوم بعملٍ آخر، فعقلي لم يصبه شيء ظلّ سالماً لكن مشكلته العقيمة، أنه يختنق حين يشعر بابتعاد الحلول فيرفع هامته إلى الأعلى،الأعلى تماماً،مثل ذلك الجرذ الذي بحجم الكفّين،كان يلوذ داخل المصيدة.الجرذان الكبيرة تقاسمنا الملاجئ والطعان. كان يتحرك بعشوائية،يحاول أن ينفلت. كنت كأنك تسمعه وهو يحرك رأسه بحركات سريعة يخرج أنفه من فتحان المصيدة،تسمع ذلك الصوت،صوت الجرذ.قلت لك ماذا يريد عمّاذا يبحث؟قلت يريد أن يشتري حريته،يتوسل،يحاول أن يوسع من فتحات الحديد.وأنت تنتقم منه لأنه يأكل صمون الجيش والأوراق، أوراق القصص والروايات..وقف الجرذ، صوّب نظره نحو الطعم المعلق بسلكٍ متدلٍ،يتأرجح أمامه فتتأرجح الصمونة معه يميناً وشمالاً أو شرقاً وغرباً ورأسه مع حركة السلك.كم هو طماع هذا الجرذ..الصمون أمامه ودناءة نفسه طمعاً بالصمونة المتدلية.أنه يشبه هذا العالم الجديد،لديه نِعَم الأرض وعينه على ما بقي من قوت مشارق الأرض.ربما فكر الجرذ مع نفسه وهو يرى صغره وتفاهته.أمن من أجل قطعة صمون مغموسة بالسمن دخل سجنه الذي يفضي إلى الموت..الإعدام القادم؟ في الحرب لا تموت الجرذان ولا تصاب بأذى. وحدها تعرف كيف تخاتل وتعرف أين تختبئ..ظل يضرب رأسه بذيله،يضرب جبهته لوماً وعتباً. قلت له:لا نفع لهذه المحاولات، لقد صدر حكم الإعدام بحقك لخيانتك العظمى المتمثلة بأكل طعام الجنود،الجنود فقط.ضحكت عليك حينها،وقلت لك:أيسمعك هذا الجرذ؟قلت:لا يهم، المهم يعرف إنني صائده.وفعلت فعلتك..قلت وأنت تضع الدلو المملوء بالماء أمامه:لا يوجد إستئناف لمن يتواجد في المكان الخطأ على أرض المعركة ،كان الدلو صغيراً وله طول المصيدة التي وضعتها بجرذها فيه..كان صوته يتعالى يصرخ،يصرخ وأنت تجيبه:صه أيها الملعون.لعبة وجدناها مسلية بين فترات توقف القصف.أغرقت المصيدة كما تغرق السفينة المثقوبة من مؤخرتها . كان الجرذ يصعد كلما صعد الماء..ونزلت نهاية المصيدة..هل للمصيدة بداية ونهاية؟..الجرذ يتشبث بأظافره، بأرضية المصيدة وكنا نراقبه..أنا وأنت والأقمار الصناعية.لحظة إعدام الجرذ الخائن..والجرذ يرفع رأسه مخرجاً أنفه ليشم الهواء،الهواء ما يريده،وقلت لك هواؤنا ملوث، لوثوه،هواؤنا لوثوه .ربما كان الجرذ جاسوساً أو رجل أمن..لذا فانه لا يتعب ولا يمل..حيز صغير لم يغرق بعد وبإمكان أنفه أن يطل منه..كنت تضحك وتقول..هكذا هي الحياة..تحاصرك بكل مآسيها وويلاتها..متمنياً في ساعة العسر حيزاً صغيراً..أو تتأمل نفسك بقناعة مرتعشة..أن ثمة حيزاً صغيراً يمكنك الولوج إليه..قلت لي..أنظر، أن الجرذ بانتظار الحل..أن تعطف عليه..تخرجه من الماء حتى لو تركته في المصيدة..المهم الّا يموت..أو تغرقه وتريحه من عذاب التشبث بأنفه الصغير..وما درى..أن الخرب لا عاطفة فيها..وأن الجندي على أرض المعركة لا رحمة في قلبه لان الرحمة تقود إلى الغفلة.
ظننت أنني أقف الآن لأشم الهواء..وأبحث عن أسباب لأفكر بطريقة أخرى.. وريثما أشعر بنعمة الروح،وأستلهم ردة الفعل المتوالية لبدء اللعنة..لعنة الانتهاك لحرمة الزوج الذي ما زال جرسه ساخناً..ويمنعه وقاره، أن يتواجد كعصى رفيعة لا فائدة منها في البيت..أفضع الأشياء أن تشعر بالرذيلة.. أن تكون أرذل في زمن يخنقك ويمنع عنك الفسحات..حين شرحت الأمر لناهض، لم يتكلم.. ربما كان يفكر بطريقة عكسية..سألني بعد صمت وقد طلب مني سيكارة مستغلاً حاجتي للعون حتى لو كانت مجرد كلمات:
– هل أنت متأكد أنها ليست….؟.
– طبعا متأكد..وأنت شاهد..حاجة المرأة دفعتها للتعويض.
– إذن أتركها.
كانت المسافة بين حاجتي وفهمه للموضوع كبيرة،ومع ذلك وظناً مني بحاجة إلى الكلام مع الآخر..غيرك طبعاً لأنك لا تمنحني شيئاً سوى كلمات قليلة.أنني يجب أن أنساها..فقد ذهبت إلى مهند..كنت خائفاً من لسانه،إذ بدأت أشعر وأنا أشرح له ما أعانيه،أن لا سبيل لقطع كلماته..طلبت منه مختصراً مفيداً..كان في السابق يقول لي استمر لينمو خيالك بين احضان امرأة..إذن ماذا سيقول لي الآن.أطرق رأسه قليلاً، حتى أنه عاف مدفأة نفطية كان يعرضها للبيع في سوق الهرج..أفاض في حديثه..أن الامر سيء بالنسبة لك، إلى الدرجة التي تحاول أن تعالج بها الأمر ولكن أنصحها..قل لها: عليها أن تبقى تلك الوردة الجميلة،وعليها أن تبحث عن حلٍ مع زوجها وإلّا تحولت الوردة إلى شيء لا لون له ولا رائحة.لم أفهم منه شيئاً متصورا أن الكلام سيحل المشكلة.
وجدتني مرتبكاً،أخذتني من يدي وقلت لي:تعال تنفس،إملأ رئتيك..ليست وحدك مشغولاً بالتفكير..أسمع ،أسمع حوارات الناس..أغلق أذنك اليسرى عن صوت المولدة إسمع بأذنك اليمنى الحوارات..كل شيء يصل إليك، ثلاث طبقات لا تمنع وصول الكلام..إلتفت الآن إلى هذه الجهة..أسفل الفندق إحفظ حواراتهم لتدونها بين أوراق سلوى وحكاية الرجل ليفهم القارئ زمن الأحداث..أصغ جيداً إلى ذينك الرجلين اللذين يقفان تحت ضوء عامود الكهرباء..أيديهما في جيوبها إتقاء للبرد أو لحفز حرارة الحوار،ربما كانت عيونهم حالمة أو رأساهما مقشعرين من هول ما يفكران به، ربما هما الآن قريبان من تفكيرك في هذه اللحظة..لم تدع لي مجالاً للرجوع..أو التفكير بالعشاء أو شرب الشاي..لم أتصور أنك لم تفهم ما يعتريني.. رسالتي التي أردتك أن تفهمها ..بدلاً من سحبي إلى كل ما أردتا مناقشتك فيه إلى جهة أخرى..وكأن الهم الذي أحمله هو إكمال ما بدأت كتابته فقط..قد يكون هذا السبب واحداً من سببين..لا فائدة من حل واحد، لأن أحدهما مرتب بالآخر.
إنك تقاطعني..ماذا أسمع..هذان الرجلان كشفا عن أوجاع روحيهما برهافة من يفهم جيداً..حقاً..قد لا أسمع بالضبط..ولكنني كتبت لك، أتذكر..نفس الحوار جرى قبل هذا الوقت..وهو في الفصل العاشر.. لا شيء يقاسم حديثهما غير حديث الحرب..الحرب وحدها..عشر سنوات..بل أحد عشر عاماً..والحرب لم ولن تنتهي.
لقد ضجرت يا محسن، لن تنتهي المناقشة..أتذكر أنني وضعت نقاطاً كثيرةً لاستمرار الحوار..دق جرس الكهرباء الوطنية..عليّ الدخول إلى السقيفة لإطفاء المولدة..وتبديل جهاز القطع ولكن أرجوك..أريد أن أشرب الشاي ، فقط بلا حوار معك.

شاهد أيضاً

توفيقة خضور: ضحكتْ دمعتين وشهقة

(1) لم تدرِ فاطمة أن الرجل الذي تربّتْ على يديه هو عمها وليس والدها إلا …

أضغاث رؤى
بقلم: منى شكور

شيء كحلم لا مرئي النوايا، لعبة خشبية ماتريوشكا ساكنة تحمل الف سؤال وسؤال، كشاهدة قبر …

بلا ضِفاف ..
كَامِل عبد الحُسين الكَعْبِي
العِراقُ _ بَغْدادُ

كَمْ هزّني الشوقُ إليك وأَفْلَتَ آهةَ اللظىٰ من محجريها كصهيلِ الخيلِ في الوَغى ينسجُ أثوابَ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *