الرئيسية » نصوص » رواية متسلسلة » فؤاد قنديل : الناب الأزرق (8)

فؤاد قنديل : الناب الأزرق (8)

( 8 )

تسلق أحمد مواسير الصرف الصحي بعد الغروب . بلغ نافذة المطبخ . ألفاها بعيدة ، لكنها مفتوحة . حسب المسافة . وجدها تتجاوز المتر . وزن الموقف . تبين له صعوبة القفز . قرر ألا يتراجع . فكر لحظات ثم أقنع نفسه أن أمه في داخل الشقة تحترق وعليه أن يندفع لإنقاذها.. تنهد واستنفر أعصابه .. قبل أن تمر ثانية واحدة بحثا عن تفكير آخر تشبث بفخذيه في الماسورة وارتمي بجذعه في الهواء . تعلق بذراعيه في حلق الشباك . أطلق فخذيه عن الماسورة . تدلي في الفضاء . تريث برهة ليلتقط أنفاسه التي توقفت مؤقتا حتى تتم المخاطرة . رفع جسده إلى أعلى معتمدا على يديه وقوة ساعديه . بلغ صدره النافذة. أسند إليها احدي ركبتيه . تعلق بسقف النافذة وطلع بالثانية . قفز إلى داخل المطبخ في خفة .
كتم أنفاسه .أصاخ السمع . لم تبلغه إلا رائحة الصمت المتعفن. تقدم خطوات حتى تجاوز باب المطبخ فلم ير شيئا . في عجلة تسلل المساء إلى الشقة . لمح أمه كسفينة غارقة في قاع البحيرة المعتمة منذ آخر حرب كبيرة وقد مرت عليها سنين طويلة .
كانت مستلقية في سكون . وجهها كعادته يضيء الظلمة . تقدم نحوها خطوة .قال لها بكل الحنان والشوق :
– مساء الخير يا أمي
لم يتناه إليه أي رد أو حركة تدل على أن بهذا الجسد حياة .ساوره القلق . أضاء مصباح الكهرباء . حدق فيها فألفاها ترنو إليه في هدوء وعلى شفتيها ابتسامة مغلولة . ألقي بنفسه فوقها وانهال عليها بالقبل في الجبين والخدين واليدين والقدمين .
انهمرت دموعه بغزارة وتلاشت من رأسه معالم مهمته . عاد يقبل رأسها بينما دموعه تفيض وتمحو تقريبا كل ما جاء من أجله . تماسك قليلا بسبب الحياد التام الذي يفرش وجه الحبيبة .. وجه أملس يخلو من أية عاطفة .. لا حزن ولا فرح . لا غضب ولا حتى رضا أو ترحيب .. تنفس من كل أعماقه وامتلأ صدره حزنا على الأم العظيمة التي أصبحت جثة .. تلفت حواليه فرأي الخراطيم وسمع صوت تدفق اللبن إلى الأوعية الماصة .عاد فبكي . تفتتت شجاعته وتطايرت أفكاره بعيدا .. بعيدا.. وكلما بعدت تضاءلت وتضاءلت ثم تلاشت .. تداعي وانحط جسده المتهاوي إلى جوار أمه المكبلة بالحديد .
أخذ يرنو إليها في صمت مشوب بالأسي . دارت عيناه في المكان البائس والبارد المترب . أفزعه انتشار خيوط العناكب المتدلية في الأركان ..كل ما حول أمه يابس وكئيب كحديقة هجرها الربيع منذ سنوات .
تذكر أحمد أن زوج أمه عثمان لم يعد يبيت في الشقة وإنما يقيم بشقة أخري جديدة في ضاحية جميلة .. بحث الأناني لنفسه عن حياة تليق بمكانته الجديدة وتحفل بالفخامة والرفاهية ..بعد أن تخلص من الأولاد أصحاب الحق الشرعي في كل ما استولي عليه ابتعد تماما عن الغبار والعناكب والصمت .
حاول أن يجمع شظايا أفكاره المهشمة والمتناثرة .. رنا لأمه ليلتقط منها خيط الفعل .. وجدها تحدق في الفراغ ، والفراغ يحدق فيها . قال بعد أن استعاد أعصابه وهدأ خاطره :
– أمي .. اشتقنا إليك ..هل تسمعينى ؟.. أمي .. لماذا لا تجيبيننى؟ قولي كلمة .. أين نظراتك الواثقة وقوة شخصيتك وحيويتك؟
انتظر أن تقول كلمة .. تمنى أن تنطق بحرف ، لكنها لم تنبس بربع حرف ولا حتى بآهه.
حاول اجتذابها لمحادثته .. فقال :
– بالرغم من هذه العروق النافرة في عنقك فلا زلت جميلة . تتفجر من عينيك الأحلام وتدور برأسك أفكار كثيرة ..أنا واثق من أن لك رأيا يفيدنا في ظروفنا الحاضرة .
عندما توقف عن الكلام استعمر الصمت المكان من جديد أسوأ من ذي قبل .. صمت مشوب بالقلق والحيرة . هز رأسه في يأس . فكر أن ينظر إليها ربما للمرة الأخيرة .. تأملها لحظات ورأي كم هي مجهدة ومنهوكة القوي . ممصوصة وفارغة .. فارغة مثل كوب تجرع الظمآن كل ما فيه ولم يترك قطرة . تنهد وأحنى رأسه . أدرك أن الحوار الحقيقي يجب أن يكون مع الله .. عندما همّ بالقيام بلغه صوت نحنحة .. صوت حكة في حلقها .. رفع رأسه بسرعة ونظر باتجاهها كأنه اكتشف أنها مازالت حية .
قالت في وهن وعلى مراحل :
– أنا ..قطعة ..من الحطب .
اندفع يقول:
– لا تيأسي يا أمى .. لدينا أمل في أيام مختلفة ..أيام أجمل
التقطت أنفاسها بصعوبة وقالت : ماذا بأيديكم أن تفعلوا؟
طعنته كلماتها ..أإلى هذه الدرجة لا تثق بهم ، وفقدت الأمل ؟!
قال محفزا له ولها :
– ثقى بنا
– ..
– جئت أسألك عن الحل .. هل لديك فكرة عما يجب أن نعمل ؟
– لا أظن هناك حل
– أرجوك يا أمي ..لا تقولي هذا الكلام
– أمر الله
– أإلى هذا الحد بلغ استسلامك؟
مطت شفتيها بانحراف أحزن ولدها
– أرجوك يا أمي ..لا تقولي أنه أمر الله .. الرب يطالبنا بالعمل والكفاح
تنهدت من أعماقها ثم قالت وقد بدت أفضل :
– يا ولدي أنا هنا وحدى ومنفية .
قبل أن ينطق بحرف قالت :
– نسيت كل شيء .. نسيت أيامى وذكرياتي ، ومن يريد التغيير لابد أولا أن تكون لديه ذاكرة
أشرق وجه أحمد .. لقد عادت إلى أمه الحياة بدرجة كبيرة.. قالت :
– سحْب اللبن بكثافة سَحَب معه كل شيء
أغمض عينيه وحاول أن يساعد نفسه على التذكر .. قال لها :
– تمام يا أمي .. من يريد التغيير فلابد أن يستعين بالذاكرة . بالماضي خاصة إذا كان جميلا ومشعا
هزت رأسها موافقة .. استطرد أحمد بينما روحه كانت تهيم في لحظة نابضة بالمشاعر الإيجابية ومعالم الأحلام والذكريات تتراءى من بعيد وتلوح له مشجعة :
– كنا نسعى إلى الحدائق في أيدينا سلال الطعام والفاكهة . على شفاهنا تتواثب أغانينا العفوية .. عيوننا تسبح في سماء صافية . تراقب الطيور المتعانقة في ابتهاج.
توقف لحظة باحثا عن أثر كلماته على وجهها . لم يجد أي انعكاس لما قال كأنه كان كتابة على الرمال سرعان ما محتها الرياح قبل أن تلتقطها العيون.
فال لها وقد لاحظ أنها عادت لخيمة اليأس التي تقبع بداخلها:
– هل لديك حل لما نحن فيه ؟
– ..
– أليست لديك قدرة على التفكير ؟
– ليست لديّ قدرة على تحريك أصبعي
– قولي كلمة ..أية كلمة
– كلمة ؟! .. ماذا صنعنا بالكلمات .. كانت طول عمرها وسائل للخداع والدجل
تذكر أنها مرة منذ سنوات قالت :
– الكلمات دائما نتعامل بها ومعها على أنها بساتين نرتاح لشم ورودها ، ويهدأ بالنا بلمس نعومة أوراقها .
قال:
– أصغرنا غدا الآن يعمل ويفكر
قال لنفسه :
– حتى الدهشة ماتت فيها .. فكيف أفاقت منذ قليل وفكرت وعلقت على كلامي ؟.. كانت فيما يبدو صحوة عابرة .. شعر أحمد بسخط شديد على عثمان والدنيا .
– سأذهب يا أمي
– أطفئ النور وإلا أدركوا أنك كنت هنا
– قولي كلمة أخيرة
– أطفئ النور
أغمض عينيه في ألم بعد أن تأكد أن حالة أمه تحولت إلى سكين يشق صدره. أدرك حجم الجريمة ووحشية السكين . تحمّل الطعنة . طوي عليها أحشاءه ومضي . تذكر النور فأطفأه. غرق وغرقت الشقة في الظلام.
حملت محفة الأسى جسده المفتت بالهزيمة إلى الخارج . ألقت به أمام أخوته .. لزم الصمت ولم يجد ما يقوله . فهموا تقريبا كل شيء .. انتقلت إليهم حالته كأنهم كانوا معه.
اجتمع الشباب وقرروا الشروع في أي عمل يساعد في إنقاذ الأم.
في اليوم التالي ، وفي الموعد ذاته صعد أحمد إلى شقة أمه وقطع الخرطومين الذين سقطا بسرعة من الثقبين إلى المعمل في الدور الأول .
قام العمال بتشغيل الخرطومين الاحتياطيين، ولم يتعطل الإنتاج أو التوزيع .. أمكنهم أيضا إصلاح الخرطومين المقطوعين.
حنق الأولاد على المصنع وعلى عثمان إذ إن ما صنعوه لم يفد في وقف العمل غير دقائق .
في اليوم التالي، وفي الموعد ذاته صعد خالد وخلع عن أمه الوعائين الساحبين وأسرع بالهبوط.. فوجئ العمال بتوقف إمداد اللبن دون سقوط الخراطيم . انتظروا أن ينهمر اللبن بعد دقائق أو نصف ساعة فلم تبلغهم قطرة.كان عليهم أن ينتظروا صاحب المعمل الذي غادر منذ الظهيرة وهو الوحيد الذي يحتفظ بالمفتاح .. بعد الغروب حضر عثمان
. أسرع إلى الشقة . وجد أن الوعائين منزوعان . أعادهما إلى موضعيهما وعاد الإنتاج سيرته المعتادة.
ألقي عثمان نظرة على أم أحمد قبل مبارحة الشقة . ألفاها كما يجب أن تكون . قعيدة في فراشها الحديدي والمقابض من حولها ، تحول بينها وبين الحركة .

****

في اليوم التالي وفي الوقت ذاته تقريبا صعد على وخلع الوعائين عن أمه ، وحدث ما حدث في اليوم السابق . عولج الموقف وعاد المعمل للإنتاج ،لكن الشحات شك بالأمر.
أسرع بتكليف ورشة أشغال الحديد لتركيب قضبان حديدية على النوافذ ، وأعاد تغيير الأقفال .
جاء دور إبراهيم ليرفع الوعاء الماص عن أمه لكنه بعد أن صعد إلى النافذة واجهه الحديد .. حال بينه وبين الدخول فانثنى راجعا . عند بلوغه الأرض قبض عليه الرجال الذين كانوا يراقبونه وقد بدأوا العمل مع تركيب القضبان.
جروه إلى الشحات الذي رأي في إبراهيم حية سامة ، ولم ير فيه ولده . حدق فيه فترة . زفر في غضب . اصطكت أسنانه . خاله ذئبا سينهش لحمه. انقض علي عنقه . تشبث به . نفذت فيه أظافره الطويله وأحاطت به أصابعه الأخطبوطية .
حمله إلى أعلى وألقي به في الفضاء . دار جسد إبراهيم ودار ثم سقط على كرسي كان أحد الضيوف قد جلبه من المقهي المجاور انحط الولد ساكنا. لم يسترد وعيه إلا عندما جاء رجال الشرطة للقبض عليه .
احتجزوه أياما . توقف خلالها نشاط أخوته الغاضبين ، ولما عاد حكى لهم ما قاساه.
عادوا يفكرون في الخطوات التالية واتفقوا على أن ما يقومون به ليس إلا لعب صبية ولا يفضي لوقف الإنتاج مطلقا بل يستفز الشحات فقط .
قال إبراهيم :
– لماذا لا نفكر في البعد عن المنطقة كلها ونبحث لنا عن شيء آخر ؟ أقصد أن ننزع فكرة محاربته من أذهاننا.
رد خالد :
– هل نتركه يمتص خير أمنا ويكسب عشرات الألوف من بيع دماءها ؟
قال إبراهيم الذي ذاق نرارة الحجز والضرب :
– لن تذهب هذه الأموال بعيدا ..في النهاية ستعود إلينا
صرخ فيه خالد :
– أي نهاية يا مجنون ؟.. وبعد كم من السنين تصبح لنا ؟
قال أحمد مقاطعا :
– – ليست المشكلة أن تؤول إلينا أو لا تؤول ..المشكلة تكمن في السؤال الآتي ..لماذا لا يبحث له عن تجارة أخري ؟.. كيف هداه تفكيره الشيطاني إلى هذه الفكرة التي تمتهن أمنا وتستغل حياتها للحصول على ربح يصعب حصره، كما أنه اختار الأسهل والأقل تكلفة ..تعرفون أن المشروع يتكون من مال الدريدي وأجهزة هنتر ولبن أمنا.
سألت إلهام : والحل ؟
غلبهم الصمت حتى بدا أنهم لن يستطيعوا التخلص منه ولا النطق يوما .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *