محمد حسين الأعرجي: الجواهري.. بين الإسلام والماركسية

 

الراحل الدكتور محمد حسين الأعرجي

إشارة: هذه المجموعة من المقالات والوثائق التي ننشرها متسلسلة عن العلامة الراحل “محمد حسين الأعرجي” ، تأتينا من العزيز الشاعر “حسين القاصد” الذي احتفظ بها كتعبير عن وفائه لأستاذه ، والتي سيقوم بإصدارها في كتاب مستقل .. فشكرا للعزيز أبي علي .

معروف أن الجواهري من أسرة دينية عميدها من أبرز فقهاء المسلمين الشيعة وهو صاحب الكتاب الفقهي الكبير: ” جواهر الكلام “، ومعروف أيضاً أنّه نشأ نشأةً دينية أدّته ذات مرّة أن يصلي على جنازة لقاء أجر .
والإشلام الحنيف معروف، والماركسية معروفة أيضاً.
ونشأ شاعرنا يدرس ـ كما أراد له أبوه ـ مُعمَّماً يدرس العلوم الدينية.
ومن هذه البيئة التي نشأ فيها لم يكن غريباً أن يبدأ ديوانه بقصيدة ” العزم وأبناؤه ”  وهي في شهداء ثورة العشرين التي قادها فقهاء الشيعة، وامتثل لها من امتثل إيماناً بالإسلام الحنيف، وبعداً عن كفر البريطانيين. وإذاً لم يكن أن يبدأ الديوان بتلك القصيدة، وأن يثنّيه بـ ” رثاء شيخ الشريعة “.
ولا أريد أن أُطيل في إثبات إسلام رجل وُلد في عائلة رعت الإسلام نفسه، ولكنّني أريد أن أُلاحظ أنّه لم تكن تظهر روحُه الإسلامية والشيعية تحديداً إلاّ حين يُستفزّ؛ فقد استفزه كتابُ أنيس النصولي، وإساءتُه فيه إلى الإمام الحسين عليه السلام فكتب قصيدته في وزير المعارف يومئذ السيد عبد المهدي المنتفكي ـ وهو والد السيد عادل عبد المهدي نائب رئيس جمهورية العراق ـ وكان قد ألغى عقد النصولي مع وزارته، كتب فيه ” تحية الوزير ”  .
ومنع رئيس الوزراء العراقي يومئذ ياسين الهاشمي المواكب الحسينية فكتب قصيدته عاشوراء  يغمز فيها من قناة الهاشمي ولكن من مسافة بعيدة جداً  هي أن يزيد بن معاوية نفسه قد ندم على مقتله عليه السلام يقول شاعرنا:
على أنه بالرغم من سقطاته وقد جـاءه نعي الحســـين تأثّرا
فما كان إلاّ مثل قاطع كفّه بأخرى، ولما ثـــاب رشدٌ تحسّرا
وأحسب لولا أنَّ بُعد مسافةٍ زوت عنه ما لاقى الحسينُ وما جرى
…لزُحزح يومُ الطفّ عن مُستقرِّه
    وغُيِّر من تاريخـه فتطــــوّرا
وانتقل الجواهري إلى بغداد سنة 1927، وكان قبل هذه السنة يتردد عليها بين حين وآخر كما يروي صهره على ابنته السيد صباح المندلاوي فتعرّ ف فيها على عاصم فليَّح، وحسين الرحّال  ، والرحال ـ وهو من خرّيجي ألمانيا ـ من أوائل الذين نقلوا الفكر الماركسي إلى العراق إن لم يكن أوّلهم.
على أن من الأمانة أن أقول إنَّ قراءات شاعرنا وهو في النجف مجلات مثل المقتطف، والهلال، والعصور قد عرَّفته بنظرية دارون: النشوء والارتقاء، وبالاشتراكية  ولكنّني لا أعلم إن كان يعني بالاشتراكية المذهب الطوباوي، أو الفابي، أو العلمي، أعني نظرية كارل ماركس، وإنكلز؛ على أن الذي يغلب على ظنّي أنّه يعني المذهب الأخير لسبين أولهما علاقته الحميمة بالرحّال، وثانيهما أنني لم أر في آثاره ولم أسمع منه شيئاً يدل على اهتمامه بالمبدع الإرلندي برنارد شو داعية الاشتراكية الفابية، وأحد المؤمنين بها، ومن مذهبه سئل يوماً ـ كما هو مشهور ـ عن تعريف الفابية فأجاب ساخراً كعادته: كصلعتي ولحيتي، وفرةٌ في الإنتاج وسوءٌ في التوزيع.
بل أتذكر أنّه استيقظ من نومه ذات يوم ـ وهو في شقّتي يوم كنت في الجزائر ـ فاستل من مكتبتي مسرحية توفيق الحكيم ” بجماليون ” فأُعجب بها كثيراً فسألته إن كان قرأ مسرحية شو: My fair leady وكيف حولها من أسطورة إلى واقع فأجاب بالنفي.
وقوّى نزوعه الاشتراكي موقف بعض فقهاء النجف من مسألة فتح مدرسة للبنات في النجف الأشرف فنظم قصيدتين هما: ” علِّموها ” و ” الرجعيون ”  فظهر الحسُّ الطبقيّ واضحاً جدّاً في الثانية لا سيما في قوله:
 فما كان هذا الدينُ لولا ادّعاؤهم لتمتاز في أحكامه الطبقـاتُ
 أتُجبى ملايينٌ لفردٍ، وحــوله ألوفٌ عليهم حلّت الصدقاتُ؟
 وأعجبُ منها أنّهم يُنكرونهـا عليهم، وهم لو يُنصفون جُباةُ
ويلفت النظر هنا أنّ الماركسية هنا تقال بمصطلحات الإسلام، وسيظل هذا ديدن شاعرنا في قصائده التي تُصنَّف على أنّها متأثّرة بالفكر الماركسي أو أنّها تنطلق منه، يقول أبو فرات في واحدة من أشهر قصائده أعني ” أخي جعفر ”
 أتعلم أنّ رقاب الطغاة أثقلهــــا الغُنمُ والمأثمُ
 وأنّ بطونَ العُتاةِ التي من السُّحتِ تهضمُ ما تهضمُ
 وأنّ البغيَّ الذي يدّعي  من المجدِ ما لم تحُز مريــمُ
فالمأثم، والغنيمة، والسُّحت، ومريم العذراء من الثقافة الإسلامية، ومصطلحاتها
ونجد هذه الظاهرة في قصيدة يُفترض فيها أن تكون شيوعيةً لا ما ركسيةً فحسب أعني قصيدته:” سواستبول ” المدينة السوفييتية التي دافعت عن نظامها الشيوعي بقيادة ستالين، فاستطاعت أن تدحر قوات ألمانيا النازية، ولكنّنا نجده يقول :
 لا يَنلْ منكِ بمــا  أُوذيتِ في اللهِ اهتضامُ
 لكِ فيما يُنقذ العـا لَمَ رَوْحٌ وجَمــامُ
ولا أُريد أن أُطيل في ضرب الشواهد، ولا يحسُن بي ذلك، إذ الظاهرة واضحةٌ لكلِّ ذي عينين، ولكنّي أُريد أن أقول إنه يوم عاد إلى براغ وناكف صالح مهدي عمــاش بقصيدته: ” رسالة مُملّحة ”   افتتح قصيدته بقوله:
 وفّى لها نذراً فوافى وسعى بها سبعاً وطافا
فنقل في مطلع قصيدته الكعبة المُشرّفة إلى جمهورية جيكوسلوفاكيا الشيوعية يومئذ.
والآن على ماذا يدل هذا، أعني أن تلبس الماركسية عمامةً؟
وفي سبيل الإجابة عن السؤال أقول: إنّ شاعرنا كان صادقاً يوم أجاب الشاعر المصري أحمد عبد حجازي سنة  1969 بأنه لم ينحز إلى الماركسيّين، وإنّما الماركسيون هم الذين انحازوا إليه.
وأقول: إن شاعرنا لم يلفت نظره في الماركسية إلاّ شيء واحد هو “المادية التاريخية” التي تقول بأن صناعة التأريخ وليد صراع الطبقات بدليل قوله:
 ولم تزل الدُّنى من ألفِ ألفٍ يُصرِّف من أعنّتها الرغيفُ
أمّا المادية الجدلية فقد اهتدى إليها بالفطرة وبأحاديث أصدقائه الشيوعيين أو الماركسيّين معه من أمثال حسين الرحّال الذي سبق أن ذكرتُه، وعبد الفتّاح إبراهيم، ومن ولديه: فرات، وفلاح، ثم أصدقائه: عزيز محمد، وعامر عبد الله وعبد الرزاق الصافي، ومن إليهم.
وسببٌ آخر أضيفه إلى كلّ ذلك هو أن شاعرنا كان ثورياً ناقما على الاستعمار أكثر من كونه ماركسياً، ولكنّ الماركسيّين وجدوا فيه وفي موهبته ما يعزِّز مواقفهم.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فراس حج محمد : علامات الترقيم وفوضى الاستخدام.

علمتنا المدرسة، في زمن ما، الأمور ببساطة ودون تعقيد، وتخرجنا ونحن نفهم ما علمنا إياه …

| زيد شحاثة : قواعد الإشتباك في الزمن الأغبر .

يقصد بمفهوم ” قواعد الإشتباك” بأنها النظم أو الأطر أو المبادئ التوجيهية, التي يجب أن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.