الرئيسية » نصوص » رواية متسلسلة » فؤاد قنديل : الناب الأزرق (7)

فؤاد قنديل : الناب الأزرق (7)

( 7 )

في صباح اليوم التالي وقبل الثامنة أيقظ عثمان زوجته :
– هيا نجري التجربة .
سألت وغلالة النوم تكبل لسانها :
– أية تجربة ؟
– التجربة التي ستكون باب الخير ومفتاح السعادة .
تثاءبت وقالت :
– جرب كما تشاء . ما علاقتى بتجاربك ؟
– لا تخافي .. خذي الأمور ببساطة ( نطقها بالإنجليزية )
حدقت فيه وفي الوعائين المثبتين في الخرطومين
– ما هذا ؟
– اهدئى ولا تنزعجي
– لماذا أهدأ ؟ .. ما الذي تريده منى؟
– سنجري التجربة
– وما شأني بها ؟
– يبدو أننا سنعاني الكثير بسببك وبسبب عقلك المتحجر.
نهضت بجذعها وجلست وقد تبعثرت خصلات شعرها في كل اتجاه .. سألت بحدة ، بينما العيون مفتوحة والنظرات شرر
– ماذا تريد منى بالضبط ؟
بصبر نافد قال :
– أريدك أن تنامي فنركب في صدرك خرطومين من هذه الخراطيم الأربعة .
في فزع وثورة عارمة :
– أنت مؤكد مجنون . أهذا باب الخير ؟..ماذا يدور برأسك أيها الشيطان؟..أنت مؤكد شيطان .
بالرغم من ثورتها فقد قهقه الشيطان ، لكنه تمالك نفسه وطامن من قهقهته .. قال بهدوء:
– أم أحمد يا حبيبتى .. أرقدي لنجري التجربة علي صدرك
حاولت أن تجاريه في هدوئه ، فلم تفلح وقد حاولت على أمل أن تفهم
– وما دخل صدري بالتجربة ؟
– إنه المشروع
على غير ما أرادت اشتعل الغضب فجأة : مشروع ؟!!!
– مشروع الألبان .. المواد الغذائية ..أنسيت؟
– ماذا نسيت ؟.. أعلم أنك ستؤسس شركة .. ما دخلي؟
أشاح بوجهه بعيدا وقد بدأ بركان غضبه يستعد لينفث حممه.
– مستحيل .. أنت تضيعين الوقت .. تضيعين ربحا بآلاف الجنيهات
لم تنطق بحرف .. أغمضت عينيها وتمتمت .. لابد أنها كانت تستعيذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم
نظر إليها في تأمل وغيظ .. يريد المشروع وهي المشروع .. كتم غيظه وقال :
– أمري إلى الله .. يا سيدتي ألا يحتاج مشروع الألبان إلى ألبان ؟
تنهدت ثم قررت أن تكون قطة وديعة حتى تصل إلى كل مراميه .. بكل هدوء قالت :
– نعم
– عظيم . بدأت تفهمين .. فمن أين نضمن لهذا المشروع موردا مستمرا من اللبن؟
– هذا أول شيء كان يجب أن تفكروا فيه .
– عظيم .. لقد تقدمت بسرعة . هذا هو بالفعل ما فكرنا فيه ، ووجدناه لحسن الحظ قريبا منا
– إذن ما المشكلة ؟
– أنت
– وما علاقتى ؟
– أنت المصدر
– أي مصدر؟
– مصدر الألبان
– يا نهار أبوك أسود
قال بنبرة تجمع بين النعومة والتهديد
– حذار من الغلط .. هذا مشروع عمرنا . فرصة وجاءت حتى بيتنا
– أنا لا أقبل هذا أبدا
– إذن فلن نستطيع أن نحقق ما نريد. لن نصل إلى الغنى أبدا .. سنظل في الفقر . في الجوع . ولن نترك مالا لأولادنا . سنترك لهم الحاجة والسؤال والمشاكل .

اندفع يشرح الغرض من المشروع ويفصل دوره وأهدافه.. بغضب حينا وبهدوء حينا آخر. ترفعه موجة وتلقيه أخري وهو يتحدث عن الزمن والظروف والعالم اليوم والمتغيرات والمستجدات التي سوف تطحن الناس .. لم تكن أم أحمد تنصت ولا تحفل بشيء . ذاهلة جامدة كجثة.
مد يديه إلى الخراطيم فركب منها اثنين في ثدييها وبقي الآخران احتياطيين.. مضي إلى الغرفة الثانية فأيقظ ولده إبراهيم ..أمره أن يهبط إلى العمال فيطلب منهم البدء.
دارت الآلات في المصنع .. سمع صوت المحرك وهو يعمل بحماس ويسحب اللبن من الثديين الخصيبين.
هكذا شرعت شركة هنتر عثمان لمنتجات الألبان في تصنيع الحلوي والزبادى والجيلاتي واللبن المبستر والكريمة والأرز باللبن والكنافة باللبن .
قامت الآلات وحدها بتعبئة المنتجات في علب من البلاستيك بيضاء أنيقة . عليها صورة أم أحمد بجسمها السمين وهي تضحك فرحانة .
تعانق الدريدي وهنتر وعثمان حين شاهدوا الآلات تعمل بانتظام ، واللبن يتدفق بوفرة ، والناس تفد من كل فج ليتفرجوا ثم يبدأوا في الشراء.. يزداد عددهم يوما بعد يوم حتى أصبحت مؤسسة هنتر هي الوحيدة التي تبيع هذه الأصناف تقريبا في كل أنحاء مصر.
صحيح أن أسعارهم غالية لكنها أنيقة ونظيفة ولذيذة وجيدة التعليب ، وعليها صورة أم أحمد وقد كتبوا تحتها وعلى لسانها عبارات بالإنجليزية .
كلوا من خيري بالهناء والشفاء

صعد عثمان إلى الشقة فأصدر أوامره إلى الأولاد بألا يقتربوا من أي ثدي في جسم الأم ، والذي يريد أن يأكل فليشتر من المصنع أو ليذهب فيشتري من أي مكان يشاء .أبدي الجميع تبرمهم مما يحدث ، وهمس بعضهم بصوت مسموع قائلين :
– هذا العمل ضد أبسط حقوق الإنسان ومن السهل إفشاله .
هدد عثمان وتوعد ، ثم نزل غاضبا دون أن يبالي بكلام العيال.
سار العمل على أفضل صورة ، وفوجئ عثمان والدريدي بكمية الزبائن الهائلة المقبلة عليهم ، بل والشركات والهيئات والمصانع التي تشتري بكميات كبيرة وتحجز لشهور قادمة ، أما أحمد وخالد وباقي الأولاد فأبوا أن يشتروا من المؤسسة بقرش واحد . ارتأوا أن المشروع كله قائم على لبن أمهم ، ومعنى شرائهم أن يدفعوا مالا مقابل لبن أمهم ، ويشاركوا في نجاح مشروع يمتص خيرها .
زاد في سخطهم على عثمان منظر أمهم وهي تضحك في الصورة المطبوعة على علب الجيلاتي والزبادي وأكياس اللبن ، ورأي بعضهم أن صورتها تظهرها كالبلهاء .
حاول كل منهم خلسة أن يستخدم ثديه المخصص له في جسد أمه،لكن المسألة لم تستمر طويلا ،إذ كان عثمان يراقب .
فتح الباب فجأة في أحد الأيام فوجدهم جميعا يرتشفون اللبن ، وإن كان ما يتناولونه لا يتعدى القطرات بسبب قوة سحب المحرك من الثديين الكبيرين العامرين.
ثار وأرعد و قبض على رقبة أحدهم فرفعه بأظافره الطويلة .. زلزل جسده عدة مرات ثم صفعه بعنف وألقاه بعيدا . تلفت حوله يبحث عن الباقين ، كانوا قد هربوا حين سمعوا ورأوا بركان عثمان الغاضب وأسنانه التى تزمجر كدبابة مهرولة.
عادوا يشربون من أثداء الأم السفلية بين الحين والحين ليس عن جوع وإنما نوع من الانتقام الهزيل الذي تفرضه الظروف والمتيسر من الإمكانيات .. كان عثمان قد تصور أنه إذا ضرب المربوط سيفر السايب ولن يعود لفعلته هو أو غيره مرة أخري ، لكنه بعد أن لاحظ عودتهم أدرك أنهم لم يرتدعوا فطردهم من الشقة وغيّر الأقفال.
لم يعد باستطاعتهم الدخول، فهاموا في الشوارع على غير هدي ، لا يدرون ماذا يفعلون، وقد فقدوا أمهم ومصدر الطعام والمأوي والمستقر بضربة واحدة ،إلى أن أسكنهم زوج خالتهم في شقة صغيرة كانت مغلقة في الحي ذاته وألحق أحمد وخالد في شركته السياحية وووعد على وإبراهيم بالتعيين إذا أتما دراستهما الجامعية أما إلهام فق انتقلت للعيش في بيت الخالة مع بناتها .
قرر الشباب مواجهة المشكلة . اجتمع أحمد وخالد وإبراهيم وعلى وإلهام ليتبادلوا الرأي ويحددوا الخطة المناسبة لبدء الصراع مع الأب وزوج الأم . الناهب للمكان والخير والحنان والحضن الكبير .
– من غير المعقول أن نتركه يستأثر هو والغرباء بخير أمنا.
– نلقي الحجارة على المعمل فنحطم الأثاث ونوقف الآلات .
– بإمكانه أن يبلغ الشرطة فيحتجزوننا
– إذن نشعل في معمله النار
– الحراسة مشددة
– نقطع الخراطيم
– هذا أفضل الحلول ولو أنه حل مؤقت
– إنها البداية
– لكن كيف ؟
– من الشقة .
– كيف ندخلها ؟
– نطرق الباب فتفتح الأم
– ألا تعلم أنه وضعها في فراش حديدى حتى لا تتحرك من مكانها فيظل العمل مستمرا ، وهو لا يرفع الوعائين الساحبين من صدرها إلا بعد العاشرة مساء.
– إذن فلا أمل إلا بقطعها من داخل المعمل
– لن يتيسر ذلك لأنه لا يسمح بدخول الغرباء.
– وهل نحن غرباء ؟
– أصبحنا غرباء.
– لا يمكننا أن نصبح غرباء . الظفر لا يطلع من اللحم.
– نحن لسنا غرباء فحسب ، بل نحن بالنسبة له أخطر من الأعداء.
– تحتاج المسألة إلى تفكير جديد
خيم الصمت المجهول لحظات إلى أن قال أحمد في سهوم :
– هبط الثلج لأول مرة في بلادنا .
– من أين جاء؟
– ألا تطل من السماء بارقة أمل .
– لا تبحث عن أمل خارج الرقعة التي أمامك
– كيف؟
– الحالة التي وصلنا إليها هي الحالة التي وصلنا إليها.
– ماذا تعنى ؟
– أعنى أن أمكم قعيدة ونحن خارج الدار.. ماذا بإمكاننا أن نفعل ؟
– هل نرفع رايات الصمت والاستسلام ؟
عم السكون فجأة … قال خالد في وجوم :
– سامحك الله يا أمي .
قال أحمد :
– حين اختارته كان يمكن أن نلومها لكننا كنا صغارا ،أما اليوم فاللوم علينا .
– الأفضل أن نلتقي بها ونستطلع رأيها قبل أن نقدم على شيء .. لا شك أنها تحس مثلنا بالمشكلة . أضف إلى ذلك نظرتها الأبعد فيما يجب عمله ، كما أنها تعرف الرجل أكثر منا.
قال الكل : تمام .. تمام
– أنت يا أحمد الذي تذهب إليها .
– نعود مجددا إلى مشكلة الباب المغلق.
– المواسير الخلفية
– لا منفذ غيرها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *