الرئيسية » ملفات » ياسين النصيِّر : أحلام باصورا.. الأمكنة المتخيَّلة (ملف/3)

ياسين النصيِّر : أحلام باصورا.. الأمكنة المتخيَّلة (ملف/3)

إشارة :
صار المبدع الكبير محمّد خضير – وهذا بحد ذاته منجز هائل يحققه – ملمحا أساسيا من ملامح القصة القصيرة العراقية الحديثة بل الفن السردي العراقي كلّه. وعلى المستوى العربي يقف هذا االمبدع في الخط الأمامي بين مجدّدي السرد العربي ومن نقلوه ببراعة من مرحلة التصوير السردي الفوتوغرافي إلى التصوير السردي السينمائي إذا جاز التعبير. تفتتح أسرة موقع الناقد العراقي ملفها عن محمد خضير داعية الأحبّة الكتّاب والقرّاء إلى إثرائه بما لديهم من دراسات ومقالات وصور ووثائق. تحية للمبدع الكبير محمّد خضيّر. المقالة : 
أحلام باصورا.. الأمكنة المتخيَّلة
ياسين النصيِّر
من الصعوبة أن تمسك بهذا النَّص في قراءة واحدة، ولا حتى في عشر قراءات، فبعد كل قراءة تكتشف باصورا جديدة كائنَّة في باصورا سابقة وممهدة لباصورا ستخرج من نور كلماتها، هذا النَّص المرآوي السيري يفلت من بين الأيدي، فتصبح الكتابة عنه هي قراءته، وقراءته وحدها تدخلك لسيرة الأمكنة المتخيَّلة. فالنَّص مكان «للتجلي –الذاتي للذات وللآخر»ولهذا فقراءة نَّص من هذا النوع هي احتفال فريد لكل ما يُضاء ويَظهر في عالم باصورا الواقعيّ. فالخيال الماديّ لأشياء ومدونات باصورا يظهر كعلامة ثقافيَّة تتمظهر سرديًا واصفة جسّد الطبيعة لتضيف إلينا حيويَّة التفكير بأنَّ ما نقرأه هو جزء من بنية باصورا المختفية في حرفيات واقعنا اليوميُّ. يا لطاقة الخيال الماديّ للأشياء من إعادة تشكّيل الصور المحتملة لسيرة الأمكنَّة المتخيَّلة نصيًا.
سأفترض أني أحاول أن أملأ الفجوة بين علم اجتماع الإبداع وعلم اجتماع القراءة، ومهمة الاثنين هي» البحث عن الإواليات المجتمعية الثقافيَّة للإنتاج والإستهلاك. واضاءة موقعهما في بنيَّة النَّص»يوري ايزنزويغ –المكان المتخيَّل والأديولوجيّا». هذه القراءة تسلّط الضوء على علاقة البنيَّة بالواقع. وأول المسائل التي تواجه مثل هذه القراءة، هي العلاقة بين المكان الواقعيّ والمكان المتخيَّل، بين البصرة وباصورا، ومن دون أن نحتاج لأيَّة أديولوجيّا لفهم الكيفيّة التي تقف وراء تحويل المكان الواقعيّ إلى مكان متخيَّل، نحاول اسقاط أيَّة أديولوحيّا مسبقة لتفسير النَّص، فمثل هذه الأديولوجيّا ستفرغ النَّص من محتواه عندما يكون النَّص»باصورا» هو مكان متخيَّل للمكان الواقعيّ،»البصرة»، في حين أنَّ المكان الواقعيّ هو»البصرة» الذي سنكتشفه خلال قراءة»باصورا» فالبصرة ستكون في جوف باصورا وليس العكس، أو كما يُفترض أن يكون، فلدينا النَّص المتخيَّل، وهو صورة البصرة الواقعية والنَّصوص الواقعيّة»ممحوة كعينين عمياوين، وثمَّة بياض شديد يضيّع أيَّة ملامح قديمة. وبالرغم من وجود»باحثين سابقين كانت آثار أقدامهم مازالت معلمّة عند الباب، وكانوا قد فُتِنوا بحلم المطارة ولم يفلحوا فالضياع سيعم كل الباحثين عن «البصرة» في باصورا، «ليس من أثر يدلّ فالحواس تخدع صاحبها والنهاية محتومة بالضياع. هكذا يبني القاص محمد خضير ملامح مدينته الواقعيّة الدارسة في آثار باصورا المتراكمة، وما يُنهضها سوى الحِلم بها، ولكنَّ الحلم لا يغور عميقًا في الذاكرة إنَّما تُعرض على الجسد كشاشة، أجزاء من ملامح البصرة، ثم تضيّعها لأنَّ الإفتتان بحلم المطارة ينتهي دائمًا عند عتبات المتاحف. ولأنَّها مدينة عبرت أزمنّة تشكلت أمكنتها بتشكيلات مختلفة مما حتم على المؤلف أن يعيد بناءها بتعدد عنوانات موضوعاته، وأول التشخيصات التي يبتدئ نَّص باصورا بها، هي العلاقة التي يقيمها المكان الإبداعي المتخيل مع النَّص الواقعيّ، وتتم العلاقة في باصوراعن طريق الحلم، وهي ثيمة أسلوبيَّة جديدة تتيح للقاص مرونة اللُّغة وتشظيَّ المحلوم به، مما يفترض مسبقًا إنَّ النَّص الإبداعيَّ مؤسسة إجتماعيَّة قائمّة بذاتِها، وأنَّ العاملين فيها هم الرواة والحالمون والشخصيات المستدعاة والأمكنة التي يُنقّب فيها، هذه البنيَّة الإجتماعيَّة مضافًا إليها تاريخ البصرة وما حواه من معلومات هائلة تشكّل البنيَّة الإجتماعيَّة المختبئة للنَّص المُتخيَّل. فباصورا نَّص متشظيٌّ، موزعٌ بين التواريخ والمدونات والأسماء والمواقع، والأحلام، وأيَّة حفريَّة في وثائقه لا تعيده كاملًا، بل تبقيه ناقصًا تركض خلفه النَّصوص الواقعيّة كي تعيد تشكّيله من جديد، فكل نَّص يمحو أثر نَّص سابق، ويمّهد لنَّص جديد سيُمحى هو أيضا، ومن قرأ بصرياثا يجدها في باصورا بصيغ أخرى، كما يجد قصص : رؤية خريف، والأرجوحة، ومنزل النساء، والمأوى، وحكاية موقد، وقصص أخرى، وكأن القاص أركولوجي وفيلوجي في آن معًا، يتعامل مع أبجديات المكان كما يتعامل مع أبجديات الحروف «بصرة/ باصورا» ومن هنا، يكون نَّص باصورا صورة للمكان المتخيَّل بحيث نرى عبرَ مفرداته تشكّيلات علم اجتماع الإبداع الذي يكشف عن علم اجتماع القراءة..
سأكون أحد سكان باصورا المفترضين، أي أحد سكان النَّص المتخيَّل والمتحقق أمامي بالقراءة، وإلا ليس بمقدوري قراءة النَّص أديولوجيّا أو في أي ضوء معرفيٌّ ، وعلى كلّ قرائها أن يكونوا من سكأنَّها، كي يتمكنوا من التجوال في أزقتها وأمكنّتها وأزمنّتها، شرط أن يمحوا ملامحهم الواقعيَّة، فنحن القراء نتجول في مدينة الأحلام، وأنَّ بحثنا عن هُوياتنا نجدها ضمن مكانيَّة «السيف والكتاب والنفط»: عندئذ سيجد كلَّ قارئ أنَّهُ إما من سُلالة السيفِ، أو من سُلالة الكتابِ، أو من سُلالة النفطِ، هكذا وّطنت نفسي انتماء لباصورا، النَّص المُتخيَّل الذي يُقرأ، وليس للنَّص الواقعيّ المختبئ في النَّص المتخيَّل، ومن دون ذلك لايحق ليّ الكلام عنها.
بعد هذا التمهيد التنافسي بيني كقارئ وبين ميرواني باصورا، سيلجأ القاص للمحاكم كي يحذف أسماء القراء حتى لو كانوا من سكأنَّهُا-، لأنَّهُ وحده من يعرف شِعاب الكلام عن باصورا ومن هم سكانها ومن له الحق في الكلام عنها، فالمؤلف استخرج بعض سكنتها وحاورهم ولكن كانت محاورته لهم عن طريق استحضارهم في الحلم، وهي طريقة تجعل الشيوعي الأخير أو مهدي عيسى الصقر مثلًا شأنَّهم شأن أيّ خطاط أو صانع سيف أو حالم آخر، مجرد حشوات مفصلية في لهج باصورا الاجتماعي التي لايتكلم بها غير السائرين نيامًا على مياهها.
حقيقة أني متهيب الدخول لعالم باصورا، فقد وطنت نفسي ألاّ أدخلها من دون سلاح إفتراضي ، أي أن أكون ناقدًا لباصورا، وليس مجرد ساكن فيها، فالنَّقد ينجيني من انتمائيِّة القبيلة، ويسمني بإنتمائيِّة المعرفيِّة، ويمكن أن يمحوني من السجلات العامة للمدينة بالرغم من سكنها سيظهر في نسخها اللاحقة وقد أكلت النيران بعض حواشي مدوناتها فضيعت التسلسل وبعض أسماء القرى والقصبات الفرعية للبصرة، لذلك عندما أمتهن النَّقد يعني أن أكون خارج السّرد الذي جعله المؤلف سلطة كلاميَّة اجتماعية خاصة به لايمكن الفكاك من أسرها حتى لو تبنيت كل مفرداتها المهيمنة. وعدّة النَّاقد افتراضيَّة ان المدن الغائبة / الحاضرة مؤلفة من طبقات، كل سرد لها يعني كشف عن سرديّة جديدة لطبقة جديدة ، هكذا تبقى مدن النَّص مرأوية تظهر وتختقي خاصة عندما تكون بين ماء ورمل.. باصورا التي نقرأها هي نفي لباصورا نفسها، نَّص متشظ مؤلف من طبقات ليس بينها أيَّة صلة، إلا صلة الحالم، أما المحلوم به فهو مجموعة من الصور التي كانت يوما أمكنة وشخصيات واقعية، ثمَّة عوالم قائمّة بذاتها في جوف باصورا، تظهر وتختفي، تقول كلمة وتولّد أخرى، القاص يقتنَّص منها العالم الذي عبَّر عنه بفقرات متشظيَّة موزعة على أزمنّة وأمكنّة لا يمكن أن تؤلف أيَّة شظيَّة وحدها النَّص كاملًا، أنَّها مبنى معماريّ فيها من الحداثة القديمة الكلاسيكية الشيء الكثير وهو «الحكاية»، ولكنَّها ليست الحكاية الأفقية المتعاقبة التواريخ، إنَّما هي الحكاية المتشظيَّة التي تخرج على مألوف الكتابة التقليديَّة، المستلهمة لتقاليد آليّة كما لو كانت قواعد ثابتة لكتابة النَّص. وقد أصبح شائعًا في التأليف إعادة إدخال أمكنة وأزمنة متباعدة ومتعددة المعًاني في النَّص، ومزج الشيفرات المختلفة، وتمّلك الرطانات المحليَّة والتقاليد الشفاهية، ففي باصورا من المحليِّة ما يُغني ذائقتنا في المدينة المتخيَّلة، وهو عبارة عن «مدونات وشواهد» وفيها من البنى المعماريَّة الحديثة بواجهات مثيرة للأهتمام: تنويع للسّرد، ودخول الحلم كثيمّة أسلوبيَّة، وتوسيع في سدى النَّص، وتعدد الرواة وتسميتهم. نَّص باصورا، ليس رواية ولا قصيدة ولاقصة حديثة ،إنَّما هو نَّص مابعد – حداثيّ بامتياز، أما الواقع المدفون تحت باصورا التي نقرأ تفاصيله، فلايعدو أن يكون مجرد مرآة الماضي التي يستعيدها الحلم كي تعكس أنَّهيار العقل الكلاسيكي في التأليف، سواء تعلق الأمر بواقع المدينة القديمة، أو بالأديولوجيّا التي شكلت سلطة خلفيَّة لباصورا، سلطة غير مرئية ثبتته الصور والرسوم والخطوط والجغرافيّا والجوامع والأسماء، أوأنَّهيار للنسق الروحي لمدينة لا تبحث عن المطلق لأنَّها ليست ثابتة، أوأنَّها مدينة خارج الأديولوجيّات مهما كانت طروحاتها وتوجهاتها، أيّ أنَّنا إزاء نَّص يعبِّر عن أنَّهُيار النسق القديم للتأليف وأنَّهُيارللحقيقة الواقعيّة أيضًا، عندما حطم الحلم كل مفردات الواقع وكشف عن مستويات مختبئة في الواقع، وعبثا تكون أيَّة سلطة تدعي أن باصورا مؤلفة من ممالكها وجغرافيتها، وإنَّما من يؤلفها هي اللُّغة، كما أشار النَّص إلى أنَّهُيار أيَّ نوع من أنواع الملكيات والاقطاعيات وأشكال السلطة التي كانت تتحكم ليس بالجغرافيّا المكانيَّة، إنَّما بالجغرافيّا الروحيَّة والجغرافيّا الحلميَّة والمتخيَّلة، ناس يسيرون بيض العيون بعد أن أُفرغت محتويات قلوبهم من الذكرى. لهذا أعلن وبوضوح : أنَّ هذا النَّص يشكل عندي منحى لنَّص ما بعد – الحداثة في الثقافة العربية. نَّص يُشتت الحكأيَّة الكبرى- البصرة- بكل ما فيها من مدونات وتاريخ ومعلومات، كما يريد ليوتار تأكيده أيضًا عن تشتت الأديولوجيّات والأديان وإنَّماط الاقتصاد والتنّوير، وأيَّة نزعة عقليَّة مستبدة ومهيمنِّة على الأفكار العظيمة التي سادت تاريخ البصرة، فباصورا تعلن موت الحكاية الكبرى وانبعاث الحكايات الصغرى المشتتة والمتشظية واعتماد شخصيات ثانويَّة للسرد باحداث هامشية وثانوية لبناء متن النص، كما يعتمد نّص باصورا على تطوير إنَّماط من القراءة المُفكِرة، القراءة المشاركة، لا القراءة المستسلمة للتاريخ والأديولوجيا وما دونه المؤرخون، قراءة تفكك بنيَّة النَّص الأساسيَّة لتبني عليها بيوتًا لباصورا وليس بيتًا واحدًا، لتصبح القراءة نفسها نَّصًا منفتحًا للصورا، قراءة اجتماعية فاعلة كما يريد زيما لأي نص ابداعي، كما تُفكك باصورا بنيَّة النسق السّردي المتعارف عليه في السرد الواقعي والإجتماعي والنفسي، ليصبح السرد فيها مجموعات للهجات اجتماعية للناس وللاحداث تتداخل أزمنتها بلهجاتها فيحضر الكومبيوتر في سرد العصور الماضية وتحضر احداث العصور الماضية عبر شاشة الجسد والتقنية، لتسرد حكايات صغرى بعنوانات مختلفة، غايتها التكاثر النَّصيَّ لا الإعتماد على سرد نص مفرد وأحادي زرعته الآلهة في الكلمة الرمز والكلمة الإسم، هذا التشتت، وهذه البنيَّة المتشظيَّة؛ واحدة من أساليب نَّص ما بعد – الحداثة، الذي عمل القاص محمد خضير عليه منذ المملكة السوداء.
ستسعفني عدتي النَّقديَّة، وأنا أتجول في ربوع أحلام باصورا، أن أكون خارج النَّص الإبداعي وداخله، فالمراوحة بين عالمي الداخل والخارج تغني المراجعة والتقدم، وفيها لغة متأرجحة بين الوقائع والإحتمالات مما يتيح للتأويل أن يفتح باصورا على مدن وتواريخ ومسميات واقعية وخيالية، بالرغم من أني ضمن سكان باصورا الحاضرين الغائبين، وعلي ان التزم بحرفيات سجلاتها ومدوناتها، إلا أن النص اتاح لي حرية التمرد على أي سياق مقنن وثابت، الأمر الذي اتسعت به رؤية ما يحدث في عالم لم تمسكه أمكنَّة ولا أزمنَّة، ربمَّا لن تنجيني هذه الحيلة المكانيَّة/ الزمانيَّة من مغبّة السؤال، السؤال الذي يفترض دائمًا أسئلة لا أجوبة قاطعة لها،أنَّ البيت الذي أسكنه ليس بيتي فقط، بل هو بيت سلالة طويلة من البنّائين، وكلٌّ بنّاء كان يضع اشارة للبنّاء القادم في البيت الذي يكمله، حيث ثمَّة نقص لأثر لم يكتشفه بعد. نَّص غائب، يستحضره الحلم الماديّ للأشياء،عليك كي تعيد بناء بيتك/ نَّصك أن تكتشفَ ما ينقصه، هذا النّقص الدائم والمدور عبر الأزمنَّة والأمكنَّة هوصورة للـ» المكان المتخيَّل»، الذي يصنع من المكان الواقعيّ حلمًا يوتيبيًا، هذه الصورة غير الواضحة المعًالم في أي نَّص يُقرأ، يحتاج دائماً لمصور فوتوغرافي- سينمائي يواكبها منذ الطفولة وهو بتسلق جدار البيت ليشاهد فلما في سينما صيفيذَة، وكلّما وجد حاجة لأن تكون باصورا حاضرة في الحلم أو في الفليم، عليه أن يؤكد نموها في الذاكرة، وها هي بعد أن اكتملت ملامحها يتجوّل القاص محمد خضير بها في سوق الجمعة بين خرائب بواقي باصورا، ومدوني اللهجات الصوتية من الباعة المنادين، والتي تقرب المتجولين في السوق للشراء أو للفرجة أو لمعاينة بضائعهم التراثية والمستهلكة، والتي أعيد تصليحها وصبغها كي تكون مهيأة لنظر مشترين جدد. يتجول القاص ومعه صور البصرة القديمة، ولكن من دون ملامح جغرافية أو تاريخية لها، وبالطبع ليست البصرة الموعودة كما ترسمها المخيلة، إنَّما بصرة الرسوم الطبيعة؛ بشناشيلها وأنَّهُارها ومدوناتها وخرائبها، ونخيلها وجنسيات سكّانها، رسوم وجد الآباء أنفسهم في كل جمعة يتجولون في السوق عارضين رسومًا أخرى للبصرة يدعون أنَّهُا الرسوم الحقيقيَّة لباصورا، سيتعرف الباعة الذين ينادون عليها، والذين سيشترون والذين سيحلمون، أنَّهُا ليست إلا الرسوم التمثيلية للبصرة، رسوم عملها ممثلون، وفوتوغرافيون، وسحرة، ورسامون شعبيون، وشعراء عاميون، وحكماء مجهولون، وقصاصون يجلسون على قارعة الطريق لتلفيق الروايات..ؤصورة باصورا كائنات ومخلوقات في الحلم الذي يظهر ويختفي على شاشة الجسد الإجتماعية مفرزاً اساليب قول لم يفهمها إلا من عاش في حلم باصورا المختفيَّة الدائم.
البنيَّة الفنيُّة
يعتمد النَّص السّيريُّ للمكان المتخيَّل، التقطيع الزمني للسرد، وغالبًا ما يعتمد على قصاصات الذاكرة التي تتجمع كأسكيجات الرَّسام قبل أن يبدأ، ما نلاحظه على فهرست باصورا يؤكد أنَّ كتابة السّيرة المكانيَّة تبتعد كثيرًا عن السّيرة الذاتيَّة للمؤلف، هنا يتخلخل أول معيار للتجنيس، هل هي رواية سيريَّة نصيَّة؟ أم أنَّها سيرة نصيَّة للمكان، تندرج تحت الأدبيَّة وليس لها علاقة بأي تجنيس أدبيٍّ آخر؟، مما يؤشر على أنَّهُا نَّص منفتح يتخلى بحكم السّيرة النَّصيَّة للمكان عن أي تجنيس محدد. فالنَّص مركب من مجموعة من النَّصوص ، وبالرغم من أنَّ القاص لم يوضح أنَّهُ ينوي كتابة نصيَّة مكانيَّة لباصورا، وإنَّما كانت المركبات الكثيرة اضاءات تضيء نفسها كنصوص جزئيَّة، وتضيئ نَّص باصورا كنَّص أدبي كوني للإبداع الاجتماعي. وتبرز ثمَّة ملاحظة ربمَّا لم تُشبع كثيرًا في باصورا، هي سمة الفنتاستك للسيرة النصيَّة المكانيَّة المتخيَّلة، بالرغم من أنَّ باصورا تحمل شيئًا من السرد العجائبيّ، لأنَّ سردها يتراوح بين الواقعيّ والمتخيَّل، وهذا يعني كما يشير مترجم تودروف إلى» جنس العجيب ينبغي (له) قبول قوانين جديدة للطبيعة يمكن تفسير الظواهر بها»مدخل إلى الادب العجائبي ص 20 .لأن النَّص يتوجه للمستقبل بالرغم من أنَّهُ يعتمد على مدونات الماضي، بدليل المحو المستمر لأيِّ أثر قديم، والقيمة الجماليَّة هي قوة التخييل الذي يفجّر في المكان امكانيَّة تحويل الشعائر البسيطة إلى مديات كونيِّة. ونظرة على شخوص النَّص نجد أنَّ الكثير من شخصياته وأمكنته مختارة بدقة أن تكون حاملة للسرديِّة الجديدة، مما يعني أنَّ الأمكنَّة الاعتيادية من أكثر الأماكن إشباعًا بالمتخيَّل وتحمل سمّة شعبيَّة مرنّة وغير مقيّدة، ومحمّلة بالمحتمل والشّك والغريب. فالفنتاستك ثيمة اسلوبية لا تحتويها إلا الأمكنة الشعبيِّة التي تعيش زمنها المفارق بين إرثها وتطلعاتها.
متلازمتان في أدب محمد خضير القصصيِّ والنَّقديَّ والسّيريِّ: هما: القاص ومدينة البصرة، وقد كتب أكثر من مرة أنَّهُ يعيش الكيلومترات التي تمثّل له عالم المدينة وعالم الجسد، وأنَّهُ لم يخرج من البصرة إلا لمامًا، ايّنما توليَّ وجهتك لن تجد نفسك خارج مدينتك، شيء من رحلة الطير لفريد الدين العطار، يستبطن القاص، وشيء طبيعي ان تكون القرية أو الريف مستقلين عن الحكاية، فباصورا لم تجد فيها اية تقسيمات جغرافية بهويات طبقية، إنما مدية الحلم التي تكون أزمنتها وأمكنتها سواسية الحضور، فالقاص ما دام لم يغادر البصرة فهو معني بكليِّة مكانها، من دون الإلتفات لتفاصيل الأمكنَّة اقتصاديًا أو عشاريًا أو مراكز نفوذ، وهذا يعني أنَّهُ معنيٌّ بكليِّة المدينة الحلم، كما لو كانت نصًا كونيًا. ولأول مرة نجدهما معًا القاص والمدينة، يغتربان عن أسمهما، فالقاص محمد خضير كما يعرف من يكتب القصة بـ «القاص» هكذا كان التعريف به في نتاجاته القصصية الأولى «المملكة السوداء وفي 45 درجة مئوية»، لكنَّه انتبه للتسميَّة فوجدها غير كافية لاستيعاب السرديّة الجديدة التي يكتب بها، فأستعاد هوية للسارد يجمع بين سارد الحكأيَّة وكاتب القصّة، وأطلق عليه «القصاص»، مستل المفهوم من التراث الشعبي، بصفته صانع الحكايات، وضمنّه تصوره النَّقديَّ في كتابه «الحكاية الجديدة» الذي أتاح له تبرير ما أنتجه من قصص لا تنسجم والطبيعة الفنيُّة للقصص القصيرة أو الطويلة، ولا لأسم القاص هكذا معزولا عن أية عحالة، خروقاته الفنيُّة خاصة في السرد وفي القالب الفنيُّ جعلت مصطلح القاص ضيقا على فنيّته وقالبه الفنيُّ، وحتى هذا المفهوم النَّقديَّ» القصاص»، لم يصمد طويلًا ،لأنَّهُ هو أيضًا لم يستوعبْ الشكّل الفنيُّ الذي ظهرت به قصصه لاجقًا، ابتداء من رؤيا خريف وحتى بصرياثا، حيث تغيّرت طرائقه الفنيُّة كما تغيّرت مهمته كسارد من نوع خاص، هنا يبتدع مصطلحًا ومفهومًا جديدًا، أجده من أكثر المفاهيم اشتباكًا بين السارد والمؤلف، حيث يعني بالمعرفة التقنيّة، ويقودها ثم يتركها وحدها تكمل البناء، بحيث لا يكون ساردًا وحده ولا مؤلفًا وحده، كما يكون النَّص ليس منتميًا لأيٍّ منهما، المفهوم الجديد هو»حائك الكلام»، وقد بنى سردياته في بصرياثا على بنيَّة النسيج اللُّغوي الذي شخّصه هايدغر من أنَّ «النَّص نسيح من الكلمات»، وكنت منذ مدة ليست قصيرة قد اجترحت مفهومًا نقديًا هو «سدى النَّص» الذي يجمع بين حائك نسيج النَّص ومادته. ثم لايقف محمد خضير طويلًا عند مفهوم «حائك الكلام»، بالرغم من أنَّهُ لم يستنفذه كليًا، ففيه مساحات فهم لطبيعة السرد تمكّنه من أن يمنح «حائك الكلام» مفهومًا اشمل من الراوي والسارد والمؤلف. وها هو في باصورا يختلق مفهومًا توصيفيًا جديدًا للسارد، وهو «الميرواني»، وهو اسم مركب من المرآة والذات، هكذا افهمه، وربما لن يكون فهمي دقيقًا، لا يستقر السارد على توصيف حينما لا تستقر القصة على بنيَّة محددة وثابتة لقالبها الفنيُّ، كما لاتستقر مدينة البصرة على مسمياتها القديمة من دون أن تقترن حركتها في الزمان والمكان باكتشافات لطبقات أجتماعية وتاريخية وواقعية في أسمائها ومناطقها، ويبقى السارد الكوني» الميرواني» كما لو كان يكتب الآن قصة الأرجوحة أو باصورا، سارد يتبع خيط النور، الذي يكشف له في كلِّ كتابة جديدة عن بقعة أو مستوى من أركولوجية البصرة، كي يبني بيته الفنيُّ مستدعيًا له احياء الطبقات الأركولوجيَّة؛ من حشرات ومبهمات وكائنات غريبّة تغزوه في الأحلام، كواقع إيهامي،البصرة مدينة الوهم الطوباوي المختزنِّة لكل الأشكال التي تقترب من صياغة» الوجود هناك»، في ذلك الكون المبهم حيث تشكيل المدن المفصليّة يتم عبر الكلمة الباطنيَّة للآلهة.
وتبقى البصرة وطرائق السرد الفنيَّة في بنيَّة شعريَّة كونيَّة، هي المركب من : المكان المتخيَّل وعمل الذاكرة، لأن المدن اللامرئية تحتاج إلى أدوات تنقيب فنيَّة جديدة ومختبرة تاريخيًا لتكشف عن أركيلوجيا النَّص المختبئ. وبقدر ما يكون المعنى مختبئاً وغامضًا يتطلب الفن أدوات جديدة للكشف عنه. فالقاص الحديث لا يختلف كثيرًا عن منقب الآثار.

*عن صحيفة  الصباح الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *