الرئيسية » نقد » ادب » الدّلالاتُ الإيزوتيريّة عند الأديب المغربيّ الدكتور محمد المسعودي: قراءة في سانشو بانشا يدخل المدينة
بقلم: د. أسماء غريب

الدّلالاتُ الإيزوتيريّة عند الأديب المغربيّ الدكتور محمد المسعودي: قراءة في سانشو بانشا يدخل المدينة
بقلم: د. أسماء غريب

 

(1)
صلصلةُ الجرسِ

ليسَ بالأمرِ الهيّن أبداً أنْ يطْرُقَ بابَ حرفِكَ الأديبُ المغربيّ د. محمد المسعودي ومعه سانشو بانشا. إنّها إشكالية عويصة للغاية، لا سيما وأنّك حينما ستُدقِّقُ النّظَرَ في الزائريْنِ ستجدُ إلى جانبهِمَا الفنّانَ التشكيليّ المغربيّ خليل غريب! حينذاك ستشعرُ كأنّ أحداً وجّهَ إليكَ فجأةً لكمةً قويّةً تُفقِدُكَ الوعيَ، لا لحظاتٍ فقطْ، ولا ليومٍ وإنّما لسنواتٍ عدّة. وحينما تفيقُ مِنْ غيبوبتكَ ستجدُ نفسكَ أمام سؤالٍ كبير عريضٍ يُصَلصِلُ كالجرس في أذنيكَ: ماالّذي جمعَ هؤلاء الثلاثة هنا؟!
مِنْ هذا السّؤالِ الْمُتلَوْلِبِ بدأتْ رحلتِي مع هذه المجموعة القصصيّة الشّيّقة (1): وقد كانَ لزاماً عليّ أنْ أتوقّفَ طويلاً عند كلّ شقٍّ فيه، وأحاولَ أنْ أجمعَ شظاياه المتناثرة هنا وهناكَ، علّني أستطيع أنْ أجدَ جواباً شافياً لكلّ ما في هذه المجموعة من قضايا وإشكالات فلسفيّة وعرفانية على قدرٍ عالٍ من الأهمّية والعُمق. وهو الأمرُ الذي لمْ أحقِّقْهُ إلّا بمحاذاة أطرافِ المعادلة الثُّلاثية الأبعاد (2) عبر توليد أسئلةٍ أخرى جديدة، لأواصلَ بعد ذلك مغامرةَ تقصّي المعاني الخفيّة، أو الإيزوتيريّة التي تحتويها هذه الأضمومة من النصوص.
(2)
لماذا خليل غريب؟
خليل غريب هو الفنانُ المغربيُّ الّذي اختار د. محمد المسعودي عملاً من أعمالهِ الفنّيّة ليكونَ صورةً لغلاف مجموعته (سانشو بانشا يدخلُ المدينةَ). وأقولُ عملاً فنّياً لا لوحةً؛ لأنّ خليل نفسه لا يرى أعماله كذلكَ ولا يُحِبُّ حتّى أن يظهر عليها اسمه (3)، ما دامَ الرّجلُ لا يستسيغُ أن يمتلكَ شيئاً، ولا أن يُنسبَ إليهِ أيُّ شيءٍ من فنّه هذا، القائمِ على موضُوعتَيِ الفناء والزّوال. وكيف لا، وهُو ذاكَ الزّاهدُ الحاضرُ بقوّة الغيابِ، العارفُ بالمادّة وأسرارها، وبالجسدِ ومفاتيح رحلتِه نحو غياهب الخَلْق والتخلُّقِ الكبيريْن، هناك حيثُ يختَمِرُ كلُّ شيءٍ ثمّ يتحلّلُ عبر سلسلة من التحوّلات الفيزيائية والكيميائية، التي يوظّفها بشكلٍ بديع يذكّرُني بما اصطُلحَ عليه في إيطاليا بالإبداع أو الفنّ الفقير، وذلك حتّى يسموَ بالمادّة إلى تجربةٍ فنّية وجوديّة تستندُ إلى الأشياء المصنوعة من المواد العضويّة بهدفِ ترسيخ فكرة الإبداع غير المستقرّ والعابر أبداً من حالة إلى أخرى.
من هذه الخلفيّة المعرفيّة تعرّفتُ إلى أدبِ الدكتور محمد المسعوديّ، وعلى فنّ صاحبه خليل غريب، وفيهما وبهمَا مجتمعيْنِ معاً، ظهرَ لي أديبٌ آخر لا يقلُّ أهمّيةً عنهما، وأقصدُ بهِ الإسبانيَ الكبير ميغيل دي ثيربانتس سابيدرا، صاحب الرّواية الملحمية الشهيرة (العبقريّ النّبيل دون كيخوطي دي لا مانتشا)، وكيف لا يكون حاضراً، وكلا المبدعيْن؛ خليل الأصيليّ المسقط، ومحمّد الطنجويّ المولد، يجسّدان بفنّهما رحلةَ هذا الأديب الإسبانيّ الإيزوتيريّة مع الحرف والإبداع، ويخبران للعمقِ دهاليزها الموغلة في الغرائبيّة والغموض، وكأنّ الأمرَ فيه تَجَسُّدٌ لرحلة موسى وفتاه يوشع، وهُما ذاهبيْن للقاء الخِضْرِ!(3)
محمد المسعودي ودي ثيربانتس؛

فارسانِ على صهوتَيِ العقل المُجنَّح والجنونِ المُتّقِد

إنّهما متشابهانِ في أشياء عدّة؛ د. محمد المسعودي، ودي ثيربانتس، والعلاقة بينهما لها تجلّيات وأحوال، سأجرد بعضا من ملامحها وإن بشكل موجز، ولأبدأ بالقاسِم الترابيّ: أقصى شمال المغرب وإسبانيا؛ ولا شيء يفصل بينهما سوى بحر الزُّقاق، ممّا يعني أنّ المسعوديّ قد اطّلع ولا شكّ على أدب دي ثيربانتس، بل ربّما قرأه أيضاً باللغتيْن الإسبانية والعربية كما العديد من أقرانه، أبناءَ المناطق الشمالية المغربية التي لا يوجدُ فيها أحد لا يعرفُ من يكون دي ثيربانتس!
إنني إذن أمام مخزون متدفّقٍ من الذّاكرة الطفولية لدى المسعوديّ، الذي يرى في نفسه شبها وتواصلاً عميقيْنِ معَ رفيق قراءات عهد الصّبا: وأمرٌ أكيدٌ أنّ الأديبَ الإسبانيّ غادرَ بلادهُ في زمن بعيد وذهبَ للعيش في إيطاليا، ومن يدري لعلّ المسعوديّ قام بالشّيء نفسه بحكم عملِ والده رحمه الله وجعل الفردوس مثواه. ودي ثيربانتس عانى كثيراً من التحولات السياسية والاجتماعية التي كانت في بلده الوسيطيّ، والمسعوديّ كذلكَ بغضّ النظر عن الفارق الزمكانيّ الفاصل بينهما. ثمّ أنّه كانَ غزير القراءة، والمسعوديّ كذلك، وهجرَ كلّ شيء مُفَضِّلاً حياة فقر العازفين عن متاع الدّنيا، والمسعوديّ كذلك!
لكن ماذا لو جردنا هذه التفاصيل بشكل آخر وتساءلنا عن كيف وظّفَ الدكتور محمد المسعودي ما ورثه عن صاحب الطفولة دي ثيربانتس في تجربته الإبداعية والفكرية؟
الجوابُ يوجدُ في عنوان هذه المجموعة القصصية (سانشو بانشا يدخل المدينة)، لأنّ فيه إحالة على شخصيات رواية دي ثيربانتس، وأعني بالتّحديد الدّون كيخوطي ورفيق أسفاره سانشو بانشا. وهي الإحالة التي أجدُ فيها نوعاً من التثاقفِ الحضاريّ بين العمليْن، بشكل شجّع المسعوديّ على أن يُضفي صيغة الكونيّة على شخصيّات رواية دي ثيربانتس ليجعلَها حاضرةً في المخيال الحكائيّ المغربيّ أيضاً، لأنّها من وجهة نظره صالحة لكلّ زمان ومكان، وهذا ما يبررُ كون رواية دي ثيربانتس نفسها تُرجمت إلى العديد من اللغات باعتبارها تُجَسِّدُ تاريخ الإنسان وحياته عبر سلسلة من التحولات الروحية والجسدية والفكرية بغض النظر عن الانتماء العقائدي أو الجغرافيّ.
والمسعوديّ باتباعهِ هذا المنهج الفكريّ كانَ عليه أن يتصدّى لمهمة في غاية التّعقيد: كيف سيخلقُ شخصيات مجموعته القصصية على ضوء تجربة دي ثيربانتس الإبداعية؟
ولتحقيقِ هذا الهدف كانَ لا بدّ من امتطاء صهوة الذّاكرة والسّفر في أعماقِ الأماكنِ الّتي بقيتْ عالقةً في ذهنه، والتي حدّدها بإطار زمكانيّ أشار إليه في الصفحة الأولى من مجموعته حينما كتبَ الدكتور محمد قائلاً: ((كُتِبتْ قصصُ هذه المجموعة بين سنوات 1993 و2010 / طنجة-تنغير)).
لدينا إذن مساحة زمنية تقاس بــ 17 سنة، وأخرى مكانيّة تمتدُّ من طنجة إلى تنغير وبينهما أماكن أخرى لا يمكن تحديدُها لعدم وجودها بشكل واضح في مجموع النصّوص القصصية، اللهم مدينة تطوان التي كان يدرسُ بها الأديب في مرحلته الجامعية.
وإلى جانب هذه التفاصيل هناك مساحة زمنية أخرى عمرها 28 أو 26 سنة سابقة على زمن بدء كتابة هذه النصوص (1993). فما الّذي جعلَ الكاتبَ ينتقل من طنجة إلى تنغير: أيْ من شمال المغرب إلى وسطه؟ ربّما في الأمر علاقة بسيرته التدريسية والتعليمية بمناطق مختلفة من ربوع المملكة؟ ممّا قد يعني أنّ أديبَنا ليس فقط بالفارس الذي يمتطي صهوة الذّاكرة والخيال، وإنمّا هو فارس يتنقّلُ بجسده إلى أماكنَ عدّة سواء خارج المغرب أو داخله، وهذا الترحال هو الذي ساهم في تكوين مجموعة من الذكريات التي وظفها بطريقة أو بأخرى في مجموعته القصصية.
ولمن يسألُ كيف ظهرت هذه الأماكن والأزمنة ضمن متون الكاتب السّردية، أقول إنّهُ قد اختلق أسماء جديدة لها، و(تنغير) مثلا تصبحُ (أنتير)، ومقهى خاله محمد، يصبحُ هو المقهى الذي ستجدُ فيه شخصيّة الراوي مشروعَ القصة التي تتحدَّثُ عن سانشو بانشا ومغامراته (4)، وكذا المقهى الذي كان الطّفل “الجيلالي” يرتاده ويجلسُ مع رواده الأكبر منه سنّاً يبادلهم الحديثَ ويقرأون لهُ فيهِ الكتبَ والروايات(5)، وليس هذا فقط، فقد ظهرت أيضا إيطاليا التي تحتلُّ مكاناً أثيرا في قلب الكاتب، وذلك من خلال قصته التي عنونها بـ (ابتسامة إيطالية) (6)، والتي فيها إشارة أيضا لمكان معيّن من تنغير أظنّهُ (تودغة)، ومضايقه التي يؤمُّها السياح الأجانب من كلّ صوب وحدب لما فيها من جمال طبيعيّ ساحر وأخّاذ.
وإذا كان قد ظهرَ لنا الأديب د. محمد المسعودي كمسافر ورحّالة بين فيافي الذاكرة وقرى المغرب ومدنه المتنوعة، فإنه لا بدّ من التساؤل عن المساحة التي تحتلّانها موضوعَتَيِ “الجنون” والسّخرية في كتاباته احتذاءً بصاحبه دي ثيربانتس.
وإذْ أطرحُ هذا الجانبَ الجديد يحضرني نصّ الإهداء الذي قال فيه: (إلى (أولادي) بدل ولدي محمد ياسر وآية / حبكم يمدني بحب الحياة / وحب الكتابة / ورفض جنون العالم وسخريته). ولمن لاحظ كيف أنني كتبتُ كلمة الجنون سابقا واضعة إياها بين قوسين مزدوجين، فذلكَ لأنّي لا أعني بها الجنون المرضيّ أو العقليّ، بقدر ما أعني بها الجنونَ المُتّقد الثائر والرافض لجنون العالم وسخريته، بالظبط كما كان يقولُ دي ثيربانتس. وعليه فإنني لا يسعني الآن سوى أن أتساءلَ قائلةً: كيف للجنون أن يكونَ متّقداً؟

(4)
الجنون والإبداع
ثورة ضدّ بؤس العالم

اثنان لا يكذبانِ: الطّفلُ الصّغير و”المجنونُ”، ولست هنا بصدد مديح “الجنون” بقدر ما أنا بصدد تفكيكِ رمزه الإيزوتيريّ الذي تبنّاهُ د. محمد المسعودي جاعلاً منه خاصّيةً تطبعُ كلَّ شخصيات مجموعته القصصية، بهدف التركيز على الحالة الاختمارية للواقعيْنِ الاجتماعي والسياسي، وعلى الأوضاع الاقتصادية المزرية التي تعاني منها المجتمعات في زمن العولمة أو “الخراب الكبير”. ومن نظرية الاختمار هذه يعملُ الكاتبُ على تفتيتِ كلّ مظاهر البؤس والفقر والشقاء والحرمان التي تتخبّطُ فيها شخصياتُه، وعمليةُ التفتيتِ هذه تتمُّ عبر تقنية متشابكة للغاية، لها علاقة وشيجة بما سأسمّيهِ بالحركة الفضائية في الزمن الكونكريتي الذي يتّخذُ فيه الفعلُ أشكالاً هندسيةً متعدّدة تتحركُ في جميع الاتجاهات بدون استثناء، وهو العمل الذي يقوم بهِ فعلا كلّ مجنون متّقد ومتنوّر، إذ لا يثبتُ في مكان أبداً، ولا يكفُّ عن الكلام، كما لا يكفُّ في الوقت ذاته عن الصمت الدّفين. وإذا تحرّكَ فإنهُ لا يمكن لأحدٍ أن يُحَدّدَ أينَ سيمضي، أمّا إذا تحدّث المجنونُ فإنه لا يقوم إلّا بزعزعة كلّ الثوابت والطّابوهات، لذا فإنّ الكلَّ يخشاهُ، ولأجل هذا تبنّى كلّ من دي ثيربانتس ومحمد المسعودي صورة الجنون الأسلوبيّ والحكائيّ والشخصِياتيّ من أجل تمرير العديد من الخطابات الإيزوتيريّة لشريحة معيّنة من القرّاء. وهذا يظهرُ بشكل كبير في شخصيتَيْ سانشو بانشا المسعوديّة السّاخرة، التي ما هي سوى رمزٍ للجسد البشري وهو في رحلته نحو التطور والكمال، وكذا زوجته (فطّوشة) وقد سمّاها المسعودي بالقرينة (7) كرمز للرّوح التي هي قرينة الجسدِ، حتّى أنه اختار لها طريقة صعوديّة طريفة اختفت بها من ساحة الأحداث دون أن يعرف أحدٌ إلى أين ذهبت أو آل بها المصير. أمّا لماذا استخدم المسعودي عنصر الحمار في نصّه، فإنّ هذا يذكّرني بصاحبه خليل غريب، ألَا يستخدمُ هو الآخر المواد العضويّة من أجل صياغة أعماله الفنية؟ المسعوديّ قام هنا بالشّيء ذاته (8)، ذلك أنَّ الحمارَ هو رمزٌ للمادة الخام الأولى التي ما زالت في حاجة إلى مسارات جديدة لكي تتحوّل وتتطور مرة بعد أخرى من أجل الوصول إلى ما يسمّى بمرحلة حجر الفلاسفة، وما من فراغ استخدم هذا الرّمز أيضا قبلَهُ الكاتبُ الفرنسيّ شارل بيرو في خرافته الأسطورية التي كانت تحمل عنوان (الأميرة جلد الحمار)، للدلالة على الرحلة التي تحتاجها كلّ روحٍ (فطوشة في كتاب المسعوديّ) وهي في طريقها للتخلّص من عوائق الجسد وربقاته (سانشو بانشا المسعوديّ).
ثمَّ ألا ترى معي عزيزي القارئ أنّ عنوان مجموعة المسعوديّ نفسه فيه نداء لشخصية إنجيلية شهيرة، هي عيسى ابن مريم عليه السلام الذي دخل أورشليم وهو على ظهر حمار؟!
رمز “الحمار” عند د. محمد المسعودي يظهرُ في قصة أخرى؛ وأعني بها (البصلة والراي) (9)، وهي تستحقّ منّي الوقوف عند بعض من أطرافها لوقت وجيز.
يقول محمد المسعودي في نصّه: ((كانت البصلة تعوم وحدها في “الطّبسيل”، و”الطّبسيل” كان وحده يتربّع على عرش الطيّفور. والطّيفور كان وحده يتوسّط وحيدا فراغ الغرفة، والغرفة كانت منزوية وحدها في أقصى ركن في العالم على تخوم الصّحراء. والعالم كان يرقص تلك الليلة على “اهنا طاح لويز…اهنا نشطحوا عليه”. وأنا كنت وحيدا، أيضا معلّقا خارج أسوار العالم أو داخلها… لا أعلم…ذهني يتقصّى ذرات الوجود اللامرئية…عيني على البصلة التي غاب نصفها في مرق “الطّبسيل”.
لعلّي كنتُ أغنّي: “اهنا طاح لويز…اهنا انردحو عليه”.
فكّرتُ:
– “كيف لي أن أكوّن من البصلة بسطيلة، ومن البسطيلة فرحا أستظل به من شطح العالم وخوائه؟”
[…] لمّا انتهيتُ من العملية العذبة! رفعتُ “الطّبسيل” الفارغ عن الطيفور. ها عالمي قد نقص اثنين بصلة و”طبسيل”، ولم يتبقّ إلا الطّيفور والغرفة المرمية في أحلك زاوية يردح فيها العالم. ولكي أكمل طقوس ليلتي أسرعتُ إلى كوّة الغرفة حيث تبترد قنينة “الماحية”. أخذتها وفي جو كرنفالي، وضعتها على الطيفور. هرعتُ إلى زاوية أخرى فأحضرتُ الكأس الوحيدة التي فضلت. أفرغتُ فيها قليلا من بركات البوطية ثم دلقتها في أحشائي، وأنا أتغنّى بقول الشاعر
– “يا للوجود وما به من عبرة للمستهام الرائي…”
“اهنا طاح لويز… اهنا نسكرو عليه”.))
قد يبدو هذا الجزءُ المقتطف من النصّ في ظاهره حكايةَ ولدٍ فقير معتوه مرميّ في أقصى أقاصي العالم، لا يجدُ ما يسدُّ به رمقه سوى تلك (البصلة) العائمة لوحدها في الصّحن وسط مرقٍ لا يغني ولا يسمن من جوع. لكن، ماذا عن المعنى الإيزوتيريّ لكلّ عناصر النصّ حتّى نتمكّن من القول إنّ المسعوديّ قد ضرب حقّاً عصفوريْن بحجر واحد معالجا بهذه القصّة، الجانبَ المظلم من مجتمع لا حظّ فيه للفقراء، وكذا الجانبَ الرّوحي الذي لن يقف عليه إلّا أصحاب النّهى من أهل “الجنون” المتّقد؟!
البصلةُ كما الحمار عزيزي القارئ، هي رمز المادة العضوية الخام أو الجسد في طبيعته الأولية. وهي شديدةُ الصلة بالقمر من حيث دوراتها ومحطّاتها المتمثلة بقشورها المتتالية الواحدة بعد الأخرى، وهي ذاتها القشور التي ظهرت حتّى في طريقة سرد الكاتبِ للجُمل منطلقاً من حيث تنتهي كلّ واحدة على حدة، وكأنه يُفتّتُ البصلةَ قشرةً قشرةً.
ولكي تُتِمَّ البصلةُ (الجسدُ) كلّ مراحل هذا السفر المعراجي يلزمها توافر عناصر معينة بذاتها هي الآتي ذكرها:
– العزلة: ( انظر قاموس “الوحدة” المتكرر لما يزيد عن سبع مرات في النص: وحده، وحدها، وحيدا…إلخ ) + الصّحراء؛
– الليل، وظلام الكهف الكونيّ: (والعالم كان يرقص تلك الليلة)؛
– الماء: (المرق)
– الطّين: الطيفور (القِدرُ الكونيّة) الذي عادةً ما كانَ يُصنع في العهود القديمة من الطين / الخزف.
– ثمّ النّار: الصّحراء + “الماحية” أو ماء الحياة.
من الملاحظات التي تشدّ انتباه القارئ في هذا النصّ أنّ الشخصية الرئيسة ليس لها اسم معيّن، وهذا يؤكّدُ أنّ الكاتبَ يتحدثُ عن رحلة الإنسان بشكل عامّ، وأضيفُ إلى هذا حركات الأنا السردية “الجنونية” في كلّ الاتجاهات عبر طقوس راقصة تُعَبّرُ عن السّعي نحوَ اكتمال مرحلة التخلق والوصول إلى مرحلة الكبريت الأحمر المرموز لها بالجملة الغنائية التي تكرّرتْ في النصّ لأكثر من مرة: [“اهنا طاح لويز…اهنا نشطحوا عليه” / “اهنا طاح لويز…اهنا انردحو عليه”/ “اهنا طاح لويز… اهنا نسكرو عليه” /].
واللّويز في اللّهجة المغربية هو قطعة دائرية صغيرة من الذهب، وهي عند الخيميائيّين تعني الوصولَ إلى النضج والاكتمال بعد تجاوز مرحلتيِ الشّطح (نشطحوا)، والرّدح (نردحوا)، وختم السّفَر بالسّكر(نسكروا) الذي يفتحُ باب عينِ الرّؤيا على مصراعيه: ((يا للوجود وما به من عبرة للمستهام الرائي…)).
كمْ منَ الجمال تخفي هذه المجموعة القصصية، وكم فيها من الكنوز لمنْ يجيدُ الغوص في رموز الحرف وأهله، إنها باختصار شديد محمداً المسعودي بكلّ تجلّياته العرفانية التي لا يبوح بها للجميع، مثلهُ في هذا مثل خليل غريب ودي ثيربانتس والدون كيخوطي دي لا مانشا، فطوبى لمن سيقاربُها بقلبِ المحبّة منْ بعدي، ليقفَ على ما لم أرفعْ عنهُ السّتارةَ، وطوبى لمن قرأها قبلي فوجدَ فيها تاريخ إنسانيتنا القريبة والبعيدة بكلّ حمولاتها الأنثروبولوجية والاقتصادية والسياسية بأسلوب عذب وسلسٍ، لا يجلبُ سوى الفرح الذي يغسلُ أدرانَ الروح وهي معتكفة في محراب الحرف من طنجة إلى تنغير، ومن أقصى ركن في بلاد العالم إلى أقصى مكان في بلاد الوقواق.

الهوامش:
(1) د. محمد المسعودي، سانشو بانشا يدخل المدينة، منشورات اتحاد كتّاب المغرب، ط1، 2013.
(2) إشارة إلى: د. محمد المسعودي، وسانشو بانشا، ثم خليل غريب.
(3) انظر صورة الغلاف وهي خالية من أيّ شيء يدلُّ على صاحبها.
(4) د. محمد المسعودي، سانشو بانشا يدخل المدينة، منشورات اتحاد كتّاب المغرب، ط1، 2013، ص 5.
(5) المصدر نفسه، ص 55.
(6) المصدر نفسه، صص 65 / 66.
(7) المصدر نفسه، ص 7.
(8) المصدر نفسه (سانشو بانشا يدخل المدينة)، صص 5 / 10.
(9) المصدر نفسه (سانشو بانشا يدخل المدينة)، ص 31.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *