صباح الخالدي: فنانون وذكريات عن الخلق الرفيع؛ ناظم الغزالي يوزّع أجور حفلاته بين المحتاجين

الخلق شيء يتعلّمه الإنسان من البيئة التي يعيش فيها إمّا أن يكون مكتسبا أو يصنعهُ الإنسان من تلقاءِ نفسه ممّا يتعلّمه أو من دينهُ . الخلق شيء جميل الكثير منّا يفتقده والأخلاق تندرج تحتها أشياء كثيرة مثل أخلاق التّعامل و العمل و الرّفق و الكلام والأسلوب ، فالأخلاق صفة عظيمة التي من الممكن الإنسان أن يصنعها بنفسه ، ويحقُّ للفرد أن يفتخر بأخلاقه أمام النّاس لان الخلق هو الشيء الوحيد الذي مَدَحَ فيه الله لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم ، حيث قال الله تعالى (وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم) ..
وهي فعلا كما قال الشاعر الكبير معروف الرصافي (هي الاخلاقُ تنبتُ كالنبات اذا سقيت بماء المكرماتِ )..وازاء هذه الاستهلالية لابد من الوقوف في عدد من المحطات الفنية من بينها كنت قد نشرت سلسلة مقالات عن الشجن السبعيني واتبعتها بمطربي التسعينات من بينهم الفنان المبدع ماجد المهندس وكان تسلسله ضمن تلك المقالات -22- ومع ان نحو ثمانين مطربا وملحنا كانوا ضمن تلك المقالات الاانني سعدت جدا بمكالمة هاتفية من البرنس ماجد المهندس معجبا بما كتبت عنه بعبارات حميمية رائعة يعكس سمو اخلاقه العالية تلك التي جعلت منه مع اجتهاده الفني ملك الاحساس وفارس الاغنية العربية تلك الالقاب التي يحب جمهوره ان يناديه بها لانه فنان اتسم بطباع الشاب الشرقي المحافظ والهادئ حيث اشتهر بخجله وأدبه وتواضعه واستطاع وفي غضون سنوات عدة ان يكسب قلوب جمهور واسع من جميع أنحاء الوطن العربي وان يحقق حلمه في مجال الفن وجعل مع بعض زملائه للاغنية العراقية والمقامات والبستة البغدادية حضورها في ارجاء الوطن العربي والمهجر خاصة في مرحلة الثمانيات وبداية التسعينات يوم كان الاعلام العراقي يعاني تضييقا من عدم الانتشار لاسباب معروفة جعلت الفنان العراقي اسير اسوار المحلية الاان عددا محدودا من الفنانين استطاعوا بجهودهم ومثابرتهم ونشاطهم واعمالهم الفنية المرموقة الانطلاق الى العربية ينافسون اقرانهم من الفنانين العرب .. ومن الفنانين العراقيين الذين تصدرت اعمالهم واغانيهم في الفضائيات العربية كاظم الساهر وماجد المهندس ونصير شمه وقبلهم ناظم الغزالي وسعدون جابر ففي اي محفل ومهرجان عربي اوعالمي كان ومايزال لهم حضورهم مؤكدين ان الفن العراقي نبع لاينضب من الالحان والمقامات مستمد من عود زرياب واصوات ملا عثمان الموصلي ومحمد القبانجي وداخل حسن وسليمة مراد وزهور حسين وسلمان المنكوب ..لذلك كان حواري مع المهندس ينصب على ان اصواتهم تعد فعلا سفيرا للطرب العراقي الى العرب والاجانب دون سفارة او قنصلية او تقديم اوراق اعتماد بل تدخل الى القلوب مباشرة لذلك اجتهدت قدر المستطاع ومن خلال تلك المقالات التي تنشرها (الزمان )ان استذكر ولو بتلك السطور المحددة جانبا من مسيرة فنانين وفنانات كانت اصواتهم (تصدح ملعلعة )حتى بدون اجهزة تضخيم الصوت والانارة والديكورات الملونة المزركشة التي تعرض من الكليبات والحفلات الصاخبة المصاحبة لاجهزة الاورك والايقاعات الالكترونية وما يسمى الحانا تخاطب الاقدام لاالوجدان ..مع ان كوكب الشرق ام كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم حافظ كانوا يغنون لساعات تلك الالحان الخالدة لاحمد رامي وعبد الوهاب والقصبجي وغيرهم بفرقة موسيقية من التخت الشرقي والات القانون والكمان والطبلة والجلو والناي ويوم اراد الموسيقار محمد عبد الوهاب ادخال الة الكيتار الى لحن قدمه لام كلثوم امتعضت (ثومة ) من العمل على انها قد تفسد روعة اللحن وروحية النغم الشرقي الاصيل .. وبالعودة الى موقف المهندس وسمو اخلاق الفنان العراقي الاصيل في احدى حفلات الموسيقار نصير شمه بدمشق وعلى دار الاوبرا كنت من بين الحضور وعند نهاية الحفل وددت السلام عليه لمعرفتي السابقة به وما ان اخبرت احد مرافقيه باسمي حتى خرج مسرعا تاركا عدد من معجبيه في غرفة الاستراحة لتحيتي بحرارة وطلب ان ازوره في اليوم التالي في محل سكنه بفندق الشام والذي تحول الى لقاء ذكريات وموضوع صحفي غني بمعلومات مهمة ذكرها شمه عن مسيرته واعماله لاول مرة نشرتها احدى الصحف الدمشقية في حينها مع انه مقل في التصريحات واللقاءات الصحفية حسب قوله ..ومحطة اخرى عن حب الجمهور العربي للفنان العراق كانت في المغرب مع اسرتي نتبضع في احدى الاسواق بالعاصمة الرباط وعند شراء سلعة معينة اصرت صاحبة المحل على سعر دون اي تخيفض وبعد ان انتبهت الى اللهجة العراقية التي كنا نتحدث بها قالت (بمكانكم شراء هذه السلعة بنصف الثمن كونكم من بلد الفنان المحبوب عندنا نحن المغاربة كاظم الساهر )…
صفات رائعة
وفي لقاء صحفي مع الراحل الموسيقار سالم حسين الذي كان عازفا للقانون مع فرقة لفنان ناظم الغزالي اكد ضمن ذكرياته عن الصفات الرائعة له انه(اي الغزالي كان يوزع اجور حفلاته حال الانتهاء بين المحتاجين والفقراء )..وفي محطة اخرى كنت بمعية شقيقي الفنان الراحل صلاح عبد الغفور الى مبنى الاذاعة والتلفزيون وتصادف وجود امرأة كبيرة مسنة تتوشح بالعباءة وهي تستجدي جالسة بالقرب من مركز التدريب الاذاعي تقدم اليها الفنان صلاح وخاطبها وهو يأخذ بيدها ويقدم لها مبلغا من المال وقال لها اذهبي الى دارك وسوف اخصص لك راتبا شهريا دون اللجوء الى الاستجداء وعند سؤالي عنها قال انها الفنانة الكبيرة

الراحلان الكبيران الموسيقار سالم حسين الأمير والفنان ناظم الغزالي

(….) التي كان باشوات واعيان واغنياء بغداد يقفون لتحيتها في الحفلات ويبدو ان بعض الحاشية المغرضين !! اوصلوا تلك المعلومة الى وزير الاعلام انذاك الذي قال (هل ان صلاح عبد الغفور يصرف بدلا من الحكومة؟) مع ان تلك الفنانة كانت تتسول منذ اكثر من شهر دون ان يتبرع احدهم !! ليخبر الوزير بذلك .. هي محطات من الذاكرة استحضرتها بعد الاتصال الهاتفي للمهندس مساء الرابع من شهر رمضان مهنئا بالشهر وممتنا لمانشرت عنه في المقال ومؤكدا بالقول (ان هذا رقم هاتفي الخاص ومن اليوم اصبح لك اخ جديد اسمه ماجد المهندس ). يقينا ان حب الناس نعمة من الباري عزوجل يهبها لمن يحب من عباده وحتما ان نجاح الفنان البرنس ماجد المهندس في مسيرته الفنية يرجع ايضا الى اختياره من يدير اعماله بنجاح وكفاءة ممثلة بالفنان والصحفي المجتهد رياض المحمداوي ..

*عن صحيفة الزمان

شاهد أيضاً

من بينهم: ابو تمام، طرفة ابن العبـد.. وشكسبير
شعراء في قصيـد الجواهري العامر(3/3) *
رواء الجصاني

تعددت وتنوعت شؤون التوثيق، والتقصي، والدراسات حول المنجز الشعري لمحمد مهدي الجواهري (1899-1997) في مجالات …

عصام الياسري: مهرجان الأدب العالمي في برلين.. منجزات معاصرة بين النثر والشعر والواقعية والروايات

في الحادي والعشرين من أيلول إنتهى في العاصمة الألمانية برلين، مهرجان الأدب العالمي ilb العشرين …

ابنة الناصرة بروفيسور كلثوم عودة
نموذج يحتذى للمرأة العربية المصممة على التقدم
نبيل عودة

قصة حياة المرأة العربية من الناصرة كلثوم عودة (1892-1965) أصبحت نموذجًا يحتذى للمرأة المصممة على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *