الرئيسية » نصوص » رواية متسلسلة » فؤاد قنديل : الناب الأزرق (6)

فؤاد قنديل : الناب الأزرق (6)

( 6 )

في أحد الأيام دلف إلى الشقة رجل رفيع العود طويل القامة يرتدي البيريه فوق رأسه والسيجار في فمه وله أذنان كبيران يشوب بشرته اخضرار.
أدركت أم أحمد بعد لحظات أنه زوجها عثمان.. تنحنح عثمان ، ثم قال :
– تفضل يا مستر هنتر. تفضل يا أستاذ مهران
استجاب هنتر وجلس على أول مقعد في طريقه ، ثم تبعه مهران
.. مضى عثمان يتحدث ومهران ينقل إلى هنتر ما يقوله . تكلم هنتر وكان عثمان لديه بعض الإلمام بالإنجليزية ، كما ظهرت معرفة هنتر ببعض العربية .
بعد كل جملة يفتح عثمان فمه ضاحكا ومقهقها . تبرق أسنانه البيضاء ويطل ناباه المتدليان .
تقدم عثمان من أم أحمد وانحنى فوقها وانحنت معه ربطة عنقه الحمراء . همس في أذنها ببضع كلمات . نهضت أم أحمد ودخلت المطبخ . لحظات ثم عادت بعد قليل تحمل عفى صينية كوبين من الحليب .. قدمتهما لهنتر ومهران . شربا وتذوقا .
سأل عثمان هنتر عن رأيه ..قال هنتر على الفور وهو يحدق في كوب اللبن
– عظيم . نقي ودسم
فك عثمان أزرار الجاكت الأحمر في أسود ووضع ساقا على ساق ، وسأل :
– هل نبدأ؟
قال هنتر :
– من باكر
قال الجميع : على بركة الله
أصر عثمان أن يعانق هنترالذي تأفف ، لكنه ابتسم على مضض
بينما هم في طريقهم خارجين ، أومأ هنتر برأسه لأم أحمد محييا . لم تستطع أن ترد تحيته ، ولم تجد مبررا لذلك .
عاد عثمان بعد قليل ضاحكا مستبشرا يكاد من الفرح يطير .
ردد أغنية قنديل ” سحب رمشه”
كحيل والكحل من بابل .. وامتى عيوننا تتقابل..
ياريت نظرة وأنا قابل
ولو بعتاب..
سحب رمشه كحيل الاهداب ..ورد الباب
نسيت أعمل لقلبي حجاب .. داب قلبي داب
لم تستطع أم أحمد أن تمنع نفسها من سؤاله .
– من هذا الرجل ؟
رد عليها عثمان بكل بساطة وهو يكاد يرقص بينما يقلب في شفتيه السيجار الضخم الذي أعطاه له هنتر :
– إنه وش السعد
– ولماذا جاء إلى هنا؟
– حكاية طويلة
– عثمان ..كل شيء في هذا الرجل يدعوني للشك فيه .
– لا تبدئي سيمفونية الشك الشهيرة .. هذا الرجل سيشاركنى مشروعي الجديد
– أى مشروع؟
– مشروع شركة المواد الغذائية
– ومن غيرك وهنتر؟
– مهران الدريدي ابن صاحب العمارة
– وما دخل الدريدي
– هذا أصعب سؤال في التحقيق كله
– لماذا ؟
– لأن العبقرية كلها في هذه النقطة .. الذكاء الحاد واللعب الكبير
– عثمان .. ما دخل الدريدي؟
– أقول وأمري إلى الله .. ارتأيت يا سيدتي أن أفضل مكان لهذه الشركة هو حينا .. وأحسن موقع في حينا هو عمارتنا وأنسب دور في عمارتنا هو الدور الأرضي
– لكنه محلات مؤجرة
– نخليها
قالت بفزع وكأنها المستأجِرة :
– وأين يذهب المستأجرون؟
جذب نفسا وتمهل ليتذوق طعم الدخان ، وربما ليرتب الإجابة .. قال في بساطة شديدة وكبرياء يليق بكبار رجال الأعمال والنخبة السياسية المتمكنة من سذاجة الشعب :
– ما شأني ؟
– غير معقول .. أنت تفكر كما تشاء وتختار كما تشاء ومن تضعه حقوقه الشرعية في طريقك تنزعه .. أنت تقترح وتترك الناس كي يدهسهم الآخرون بجراراتهم !!
– سأمد أحبال صبري حتى تفهمى .. هذه محلات صغيرة والمشروع الذي سأنفذه كبير ويخدم الحي كله. ما الفائدة التي تعود على الناس من المكوجي والحلاق والمكتبة والصيدلية ؟
قالت في شبه تحد أو فضول :
– وإذا لم يتنازل المستأجرون عن محلاتهم ؟
– هناك ألف طريقة وطريقة لإخراجهم
– اسمح لي
قاطعها بعنف :
– لا .. لن أسمح لك ، فأنت كعادتك تحبين الجدل ومخك كمخ أولادك راكد وكسول .. هيا .. هيا نحى الكلام جانبا وأطعمينى
لم يترك لها الفرصة كي تفكر في أي شيء .. حل بنفسه أزرار الثوب وأخرج الثدي . احتضنه بكفيه وهو يقول :
– أنت الوحيد الذي يفهمنى في هذا البيت .. أنت أهم كائن في حياتي. أيها الوغد المفعم بالخيرات . يا ساكنا كجبل من الصمت . أنا قادم إليك لأجعلك ملكا يوما ما.

*****
في اليوم التالي
أبلغ الدريدي المستأجرين بالتخلى عن محلاتهم . انزعج المستأجرون وقد فوجئوا بصاحب العمارة يريد أن يقطع أرزاقهم وقوت أولادهم . سعوا إليه بشتى الوسائل معترضين ، فرد عليهم بالإقناع مرة وبالعروض المجزية مرات وبالتهديد مرات ومرات .
رفضوا كل ما عرض في إباء وعناد.. رفع الدريدي عليهم قضايا بالإخلاء . ردوا بعنف ، فأعانه محاموه على إثبات أنهم لم يدفعوا الإيجارات منذ سنوات .. كانوا قد كلفوا من سرق منهم الإيصالات .. في النهاية ربح الدريدي كل القضايا وتم الإخلاء.
هدمت الجدران التي تفصل المحلات ، وأعيد تصميم الدور الأرضي كله وتقسيمه بحيث يتناسب وأقسام الشركة . جهز المهندسون المكان بالكهرباء العالية وسخانات المياه ولوازم التجميع والصرف وآلات التعقيم والخلاطات وخط سير الإنتاج والتعبئة وغرف الإدارة الزجاجية . أعدت الأرفف وثبتت الحوامل ووصل الأثاث الخشبى والمعدني واتخذت الإجراءات الرسمية من سجل صناعى وملف ضريبى وسجل تجاري وتليفونات وفاكس وتيليكس ونت ثم تمت عملية شغل الوظائف والاتفاق على توريد سيارات النقل المتوسطة .
صعد عثمان مع بعض العمال إلى شقته بالدور الثاني وقاموا بحفر أربعة فتحات كبيرة في أرضية الصالة تكفي الواحدة منها لمرور ذراع رجل .
استولت الدهشة على أم أحمد بدرجة لم تحتملها . فكرت أن تحول بين الرجال وبين الحفر لكنها فشلت . انعطفت نحو عثمان تسأله :
– ما الذي يحدث في بيتى ؟
رد على الفور بمنتهى الحسم :
– أولا هو ليس بيتك
صرخت : بل بيتى
قال بأقصى ما يستطيع من قدرة على التمسك بأعصابه :
– ليس بيتك فقد مزقنا العقد الذي حرره زوجك مع صاحب العمارة وحرر الرجل عقدا جديدا باسمى
لطمت خديها وهي تقول :
– شريكك في الشركة وفي السرقة .. مؤامرة محبوكة .. عصابة استولت على شقتى وعلى العمارة
– لن يفيدك البكاء
– ما الذي يحدث في شقتى يا لص ؟
– ما يحدث هنا بالضبط هو مشروع شركة المواد الغذائية التي تحتل الدور الأول والثاني ولا يوجد على الأرض من يهدد المشروع ما دمت أنا مديره وصاحب الكلمة الأولي ، ويمكنك تقديم شكوي للشرطة ، ولن تجد الشرطة ما تلومنى عليه فأنا المالك . ومن حكم في ماله فما ظلم
شعرت بالانكسار وبالضباب .. أحست بأنها موشكة على فقدان الوعي وسوف تقع على الأرض خلال لحظات .. لا تستطيع أن تتنفس .. هناك زلزال يهز البيت ويهزها بشدة . قالت بوهن :

– وما هذه الفتحات وهذه الخراطيم ؟

– توصيلة تليفون بينى وبينك لأحدثك كلما اشتقت إليك

قالت في نفسها :
– أإلي هذه الدرجة يسخر منى ويستهزئ بي ..يكذب كذبا فاضحا لا يقال لطفل
طوتها في نفسها حتى يأتي الوقت المناسب للانتقام . عليها الآن أن تفهم لا أن تنتقم .
أمر عثمان بتعليق لافتة طولها عشرة أمتار على باب الشركة ولافتة أخري مثلها بعرض الشارع ولافتة ثالثة على ناصية الشارع من جهة الميدان ولافتة رابعة على ناصية الشارع من جهة المسجد والسوق.. كتب عليها جميعا

هنتر عثمان لمنتجات الألبان

لما أعد كل شيء، صعد إلى الشقة وفي كعبه بعض العمال يحملون لفّات كبيرة من الخراطيم قاموا بإدلائها من الفتحات . ثبّت العمال على فوهة كل خرطوم من الخراطيم الأربعة وعاء دائريا في حجم كفين وله أزرار ومقابض.
خرجوا وخلفوا أم أحمد غارقة في دهشتها وغضبها وعجزها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *