جابر خليفة جابر: الهولندي الطائر ..

من على الساحل الهولندي لبحر الشمال ، سرحت ، تذكرت الجنوب العراقي الحزين وتذكرت الخليج , عدت الى عام 1974 ، ايام لمع اسم المنتخب الهولندي وكرة القدم الشاملة ، ايامها كان اصدقائي الشباب معجبين باللاعب الهولندي كرويف بلقبه الشهير ، الهولندي الطائر ، لكني كنت مختلفا عنهم ، شجعت الفريق الالماني مع اني لا احبه وكنت اذكر ( باكنباور ) الالماني كلما اشادوا بكرويف ، كنت اكرهه ، اكثرت الانتقاد والسخرية منه من اسلوب لعبه ، رقمه ( لا اتذكره الان ) حتى اللون البرتقالي المعروف للمنتخب الهولندي كنت اشمئز منه ، مع اني في سري كنت معجبا بمهارات كرويف وطريقته الرائعة في اللعب وتسجيل الاهداف، كنت حزينا في داخلي لخسارتهم امام المانيا في نهائي كأس العالم، لكنه اللقب اللعين لكرويف ، الهولندي الطائر هو السبب ، لم يكن محببا الي ، اقترن هذا اللقب في ذاكرتي بقرصان هولندي ، قص علي حكايته البحار ابو راشد ولازلت الى الان اتخيل القفزة الخطيرة لذاك القرصان الهولندي من اعلى صواري سفينته الى الماء ، كانت القفزة خطيرة جدا كما صورها ابو راشد، لكنها رائعة ، اكثر من رائعة ، بهلوانية ، كأنه لاعب سيرك حين قفز، رمى بنفسه ، تلوى ليتفادى السقوط على سطح السفينة ، وحين هوى في مياه الخليج كاد جسده ان يرتطم بحافة السفينة ويتحطم كاد ، لكنه نجا وأسره القواسم مع بحارته وسفينته ، جميعهم شاهدوا قفزته المذعورة تلك حين انطلقت البنادق من الساحل فجأة لتصدهم عن النزول الى البر باسلحتهم ومدافعهم ، فاجأته اندفاعة الرجال وخروجهم المفاجىء من التلال الرملية عند الساحل،فاجأتهم نيران البنادق فارتبكوا وانذعر قبطانهم وهو اعلى الصارية يراقب البر بمنظاره ،انذعر وقفز الى الماء وحين احضروه امام الشيخ مقيدا ،
سأله: لماذا اتيت لغزونا ونحن اناس مسالمون ؟
واضاف ساخرا: قل لي لماذا ياهولندي ياطائر ؟
والتصق هذا اللقب به ،الهولندي الطائر ، تناقلته عرب الخليج، صيادو الاسماك والغواصون وتندر به العبيد وشاع بين البحارة الهولنديين الاسرى واقترن في ذاكرتهم باسرهم وقفزة قبطانهم الخائف..
حكاية ابو راشد عن الهولندي الطائر بقيت في ذاكرتي منذ رواها لي وصورة ابي راشد بزيه وازاره ولحيته البيضاء مازلت اتذكرها كأني اراه الان امامي ، اتذكره منذ رأيته وانا خارج مع اصحابي من مدرستي الكائنة على شط العرب عند مرسى السفن الخشبية القادمة من الهند والخليج ، سألني عن مسجد قريب…
قال لنا وهو يسايرنا: تعلموا الصلاة حتى تكونوا شجعانا وصادقين ، كان اجدادنا شجعانا وصادقين لانهم يصلون ويقرأون القرآن وكان القراصنة يخافون منهم ،، ثم قص لنا حكاية القرصان الهولندي الطائر، كل ذلك عاد الى ذاكرتي حين ذاع اسم يوهان كرويف ولقبه الكروي ، تذكرت ابا راشد وحكايته واحجمت عن تشجيع الكرة الهولندية ،
امامي الان بحر الشمال ، طيور سمان جميلة تحط قريبا منا لاتخاف من الناس ، لاشك انهم هنا لايؤذون الطيور ،،
لكنهم كانوا يؤذون البشر ، لماذا؟ قراصنة وغزاة ، لماذا ؟احتلوا بلادا كثيرا..لماذا ؟
اطلعت مرافقي الهولندي على افكاري وذكرياتي فبدا عليه الاستغراب وقال :ان حكاية الهولندي الطائر معروفة هنا في مقاهي البحارة وهم يتندرون بها ، وقال مازحا قد يكون ذاك القبطان هو جد اللاعب الشهير يوهان كرويف ، لكنه أبدا  اندهاشه لمعرفتي بها..
ودعته وكانت صورة الهولندي الطائر تتراءى امامي ، تلاعبه الساحر بالكرة وقفزة جده ( الرائعة المنذعرة) الى الماء .

                                                                      البصرة 2009
                              
                                                             Jabir_kh@yahoo.com

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. قصي الشيخ عسكر : الرجل ذو الوجوه الجديدة – قصة لمحة .

كلّ يوم يبدو بوجه جديد وجه يختلف عن الوجه السابق حتى هو نفسه إذا نظر …

| محمد الدرقاوي : انغماس….

قصة حب عمرها فاق الخمسين سنة في ثلاث فصول 1 ـ انغماس 2 ـ قناديل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.