فؤاد قنديل : الناب الأزرق (4)

fuad kandil 7( 4 )

بعد شهور أنجبت أم أحمد ولدين .
رفض عثمان أن يسلمهما ثدييه. احتفظ بهما لنفسه ، فوضعتهما أمهما على جانبى سرتها ، مكان أحمد وخالد اللذين هبطا إلى فخذي أمهما ، فصنعا فيهما ثديين جديدين بالطريقة السابقة.
أخذ كل منهما يجذب اللحم المكتنز بفمه في حنان وقوة حتى تكونت حلمة . سوّاها بشفتيه وعاود امتصاصها حتى تدفق منها اللبن الدافئ فشرب حتى نام .
بعد سنتين تجدد حلمها القديم أن يكون لها بنت ، فلما حملت أنجبت بنتا سمتها إلهام على اسم صديقتها الوحيدة التي عرفتها في المدرسة الإبتدائية، ودام الود بينهما حتى رحلت منذ عام. طلبت من إبراهيم وعلى أن يفسحا مجالا لأختهما فصنعت إلهام بالقرب من سرة أمها حلمة خاصة بها واستقرت تحت شجرتها ترتوي وتستظل.

****

فُتح الباب فجأة ودلف إلى الشقة رجل طويل عريض يرتدي جلبابا أخضر وعلى رأسه طربوش . له شارب كث يشبه المكنسة . أخذ يصفر ويغنى.
ارتاعت أم أحمد .. كيف فتح الرجل الغريب باب الشقة ؟ .. قبل أن تصرخ حدقت فيه فضحك ، وقال :
– لماذا تبحلقين فيّ هكذا ؟
عرفت صوته فسألته بحدة :
– أأنت عثمان ؟
– نعم أنا هو
– فماذا جري لك؟
– أنت لابد تدهشين لسعادتي وبهجتى ؟
– أنت سعيد دائما بلا سبب
– أما اليوم فهناك سبب
– ما هو إن شاء الله
– نتيجة صبري
– وشكلك هذا هو نتيجة صبرك ؟!
جلس على أقرب مقعد وثير ووضع ساقا على ساق وقال لها :
– دعك من هذا الآن .. إنه لزوم الوضع الجديد
– وما الوضع الجديد ؟
– بواب العمارة
– ماله؟
– أحاله صاحبها إلى المعاش وطلب منى مباشرة العمارة في غيابه
قالت في امتعاض :
– أنت سعيد إذن لأنك ستصبح بوابا؟!
– عمل ثابت وأجر ثابت ، وعنوان العمل هو عنوان السكن
– بعد سنوات من البطالة
– ألا يحق لنا أن نسعد به
– الحمد لله على كل حال
– قالت في نفسها :
– المهم أن ينشغل عنا وقد يدر دخلا أو يقضي مصلحة
امتص إبهامه وأخذ يدخن ويغنى ، والأغاني تصعد بالدخان المتلوي الذي يحاول أن يرسم ملامح جسد راقصة . . قال :
– بهذه المناسبة أري أن يخرج أحمد وخالد للعمل
فزعت المرأة وانتبهت إليه و قالت :
– والمدارس
– فترة الإجازات فقط
– ما العمل الذي تتصور أن يفيدهما ؟
– أي عمل . أي مهنة يكسبان خبرة ويدران مالا
عاود الغناء في ثقة وهو ينضو عنه ملابسه ثم دنا من الثديين وأخذ يتجرع منهما حتى نام على الصدر وعلا غطيطه.
بينما هي راقدة ساكنة تتأمل عقربي الساعة يجوسان خلال أرقام الدائرة الزمنية سمعت طرقا على الباب . لكزت أحمد النائم بالقرب منها لينهض ويري من الطارق .. هب إلى الباب وعاد ليقول لها :
– رجل يسأل عن عمى عثمان
هزت عثمان وهمست في أذنه :
– رجل بالباب يسأل عنك
– من هو ؟
– لا أعلم
نهض ببطء وتقدم جهة الباب ، وما لبث أن دوي صوته :
– غير معقول .. حرامي الحلة يطرق بابي !
انقض على الضيف مهللا ومعانقا .
جذبه إلى الداخل دون أن ينذر أم أحمد كي تستعد لاستقبال الوافد الغريب.
– تفضل يا أمين
لمح أمين أم أحمد وهي ترتب ثيابها وتعتدل في اضطراب . توقف هنيهة . جذبه عثمان.
– تفضل يا أمين .. إنها أم أحمد زوجتى .. يعنى أختك
– مساء الخير يا ست أم أحمد
ردت السلام وهي لا تزال مرتبكة
قال عثمان :
– أمين .. أعز صديق لي . كل طفولتنا قضيناها معا ..أول مزاياه الرجولة وتقديس الصداقة .. يضحي بأي شيء في سبيل الأصدقاء.
قالت على استحياء وهي منكسة الرأس والنظرات :
– أهلا وسهلا
استطرد عثمان فخورا :
– أما حكاية حرامي الحلة فلابد أن تعرفيها .
ضحك الضيف وأحنى رأسه تواضعا :
– لا داعي يا عثمان
أصر عثمان أن يقص الحكاية حتى تدرك أم أحمد رجولة أصدقائه ومستوي النخوة لدي أعوانه الكثيرين، وأنه ليس ضائعا كما قد يتبادر إلى ذهنها .
قال :
– في أحد الأيام كنا نحضر زفاف صديق لنا في بلدة قريبة من بلدتنا وبذلنا معه كل جهد ممكن ، من الصباح إلى الحادية عشرة مساء إلى أن ضمه وعروسه عش الزوجية . قضينا النهار كله في تعليق الزينات وتوصيل الكهرباء وتجهيز السيارات بالورود والبالونات والأشرطة الملونة ، وقمنا بتنظيف الشارع الذي سيقيم فيه العريس وفرشناه بالرمل الملون على شكل حصان يرقص عاليا بمقدمتيه، ولما بدأت الضجة احتفالا ريفيا بهيجا بالعرس قمنا بإطلاق النار ورقصنا ووزعنا الشربات والحلوي .سهلنا كل عسير ولبينا كل نداء ، دون أن نتناول لقمة أو نشرب جرعة ماء.
أخيرا وجدنا أنفسنا نحن الأربعة في الشارع . أغلق أصحاب الدار من دوننا الأبواب ولا سبيل أمامنا للعودة إلى بلدتنا في هذه الساعة والجوع يمزق أمعائنا والظلام يخيم على كل الطرقات والحارات والجسور ، ولا أثر لسيارة من أي نوع ولا حتى حمارة.
قال أمين وهو يبتسم:
– ربنا يمسح الأنذال من فوق الأرض ..أنبذل كل هذا الجهد من أجل العريس الذي تذكر نفسه ونسينا ؟!! .. لم يشغله إلا التمتع بزوجة جميلة وفي متناوله كل ما لذ وطاب من الطعام والشراب..أما نحن فقد هدنا البرد وقرص جلودنا ونهش الجوع بطوننا .
عاد عثمان فسحب طرف خيط الكلام وقال :
– وجم أمين وشرد لحظات ثم نهض فجأة وهم بالابتعاد . سألناه :
– إلى أين ؟
قال : سأغيب عشر دقائق
عاد أمين بعد ثلث ساعة يحمل حلة نحاس كبيرة لعلها مخصصة للغسيل والغليّة .. رفع الغطاء فإذا بها معبأة بالطعام من كل شكل ولون …. سألناه عن المصدر .. قال :
– هذا طعام العروسين، كما هو ..لم يقرباه بعد .
كان ما بالحلة من طعام يكفي عشرة أفراد .. لم نتفوه بكلمة واحدة ولم نسأل عن الطريقة التي سطا بها على الحلة الثقيلة .. هجمنا عليها هجمة رجل واحد وأخذنا نأكل حتى بلغ الطعام حلوقنا ، واحتجنا أن نضرب بعضنا بقبضات اليد على ظهورهم حتى لا يختنق أحد.
تمددنا على المصاطب حتى الضحي..أشار علينا أمين أن نذهب لنبارك للعريس ففرحنا ووافقنا . توجهنا إليه نشكو له مبيتنا في العراء على لحم البطون .. بدا عليه التأثر الشديد والأسف وقال : – – أنتم لا شك تدركون حال العريس في تلك الليلة .. رأسه مطحنة من القلق بسبب المصاريف والخوف من الفشل والتوجس من ضرب النار وسوء توزيع الطعام والشراب وهناك من أهل العريس وأهل العروسة من يحتد بسبب تفضيل أحد من هنا على أحد من هناك .
قلنا له : لا تشغل بالك ..المهم تكون أطلت رقبتنا
لم يعلق وأسرع يقسم بأن يكون غداءنا اليوم عنده، وقد كان .
أرأيت يا أم أحمد ماذا يفعل هذا الرجل في المواقف الحرجة . أهلا يا أمين ..أهلا ياحرامي الحلة
ضحك الجميع حتى أم أحمد
همت بالنهوض فسأل عثمان :
– إلى أين ؟
قالت وابتسامة على الوجه تكشف الخجل :
– أخذنا الكلام ولم نرحب بالضيف
– هذا أعز صديق وسنقدم له أغلي ما عندنا
– لا شيء يعز عليه
– إذن استريحي أنت وألقميه ثديك ، فلعله الآن في منتهى الجوع ، بل طول عمره يعاني الجوع
اضطربت أم أحمد ومطت شفتيها في دهشة وحيرة ، ثم تمددت في كسل .. اقترب منها أمين دون خجل. حدقت فيه بنظرات محذرة كنمرة تستعد للنزال لكنه لم يرتد ولم يتردد إذ ليس كل الناس عندها دم . مضى قدما إلى الثديين الكبيرين أخذ يمتص وصوت الحليب المتدفق إلى فمه يتناهي واضحا إلى الأسماع .
تكررت زيارات أصدقائه القدامي .محمد غربال الذي شاركه الهروب من البلدة إلى دمنهور بعد أن اعتديا بالضرب على ابن العمدة .والشيخ فاروق المليجى معلمه في كتاب القرية صاحب الفضل الأول عليه فقد كان مصدر العلم الوحيد الذي تلقاه في حياته..على يديه عرف معاني الحروف وأشكال الكتابة وحل ألغاز الكلمات .. صحيح أنه أشبعه ضربا لكنه الآن يريد أن يطعمه حتى يكسر أنفه ويذله.
زوج أمه زاره فأكرمه وأطعمه من أعز ما يملك ، وكان هذا شعوره عندما التقي وجدي البقال الذي لم يكن يبيع له في البلد شيئا بالأجل وكان يطرده ويناديه باسم جده :
– امش يا شحات
أطعمه من حليب أم أحمد ليبين له الفارق بينه وبين البقال ، وخرج وجدي من عنده وهو يسب كل المحرومين من النخوة والرجولة وعلى رأسهم عثمان ابن محظية العمشة.

شاهد أيضاً

عيال الظالمي: نصوص

مَدِينٌ للبَردي لِحُصْرانِ القَصَبِ لِطينِ أكواخِنا القَديمةِ أَتَحَسّسُ وجهي في مرايا الرّيحِ لا لونُ أفاقَ …

سامية البحري: لست ربي

تصدير: في عصر تتناسل فيه الآلهة. . في عصر خرج علينا بعض المخلوقات التي تشبهنا …

مقالات عن وباء الكورونا ابداعا: (2) حافظوا على حياة أمّي
تأليف: غياني سكاراغاس
ترجمة: خضير اللامي

ثمة صبي في اليونان قد عاد إلى منزل أمه للعناية بها خلال إصابتها بوباء Coved …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *