الرئيسية » نصوص » محمّد عبد حسن : فريق (لمّة الحفّاي) بين ذاكرتين

محمّد عبد حسن : فريق (لمّة الحفّاي) بين ذاكرتين

mohammad abd hasan 4“أخذت هذه الصورة في يوم 4/8/1977”.. عبارة كتبت على ظهر الصورة لتأطيرها ضمن لحظة تغور كثيرًا في العمق؛ هذا لمن يقارن تاريخ وقوف اللحظة تلك مع لحظته الآنية. أما بالنسبة لي، أنا الواقف في طرف الصورة، فما زلت هناك.. واقفًا وحدي بعد أن تفرّق الجمع. وما عليّ سوى ترك الصورة والخروج لتفقد المكان، فربما أرى أحدًا ما زال هناك جالسًا ببابهم.. أو لامًّا جسده، ككرة، في الظلّ الذي يلقيه الحائط منتظرًا (غلب) حتى يفتح دكانه ليكون أول من يلتقط الدراجة الزرقاء النظيفة ويطير بها بعد أن يضع في يد الرجل (10فلوس) يبقيها في راحة يده، مختنقة بالعرق وبقايا تراب الزقاق، حتى لا تضيع.
المكان.. أحد أزقة محلة (مناوي باشا). والمناسبة.. إن أردتُ استرجاعها؛ فبلغة ومسمّيات كنّا، نحن الذين حفظتنا عين آلة الكاميرا.. والآخرون النابتون في ذاكرة تحاول توزيعهم في الفراغات المتبقية بين الواقفين والجالسين.. أو حولهم، على السطوح.. مظلّات الأبواب والشبابيك، أو في أي مكان آخر.. أقول: لابدّ من الرجوع إلى لغة ومسميّات كنّا نستخدمها قبل أربعين عامًا.
باسترجاع تلك اللغة، تكون مناسبة هذا الوقوف، المنتظر (لرمشة) عين آلة التصوير، هي: (فوز فريق لمّة الحفّاي ببطولة المقبرة لكرة القدم)! إمعان النظر في الصورة.. والغوص عميقًا في دلالة التسمية يريحني، وربما يشعرني بالعجز، من تقديم تفصيل أكثر دلالة من الانطباع المتولد من كل من الصورة ومناسبتها.
(لمّة).. تعني تجمع. وتجمع الصورة هذا لا يمكن (لمّه) مرة أخرى بعد أن رحل مَنْ رحل.. وغاب مَنْ غاب.. وابتعد مَنْ ابتعد. أمّا (الحفّاي).. فتعني الحفاة. هكذا كنّا أغلب الوقت قبل العمر الذي حفظته لنا الصورة.. وفيه. حفاة.. لا لأننا لا نملك ما نلبسه؛ بل لأننا نصنع من (نعلنا) وأحذيتنا أهدافًا وخطوطًا وعلامات للّعب، وكنّا نضيعها أحيانًا.
و(المقبرة).. هي ملعب المحلة الأكثر شهرة. يعرف ذلك كلّ مَنْ سكن (مناوي باشا) يومًا وأدرك (مطرود) يدفع عربته بعضلات كانت تجرّ أعيننا إليها.. سمع صوت أبي قاسم (محمد الحساوي) وهو يصيح: (روبة.. روبة) قبل أن يراه بقامته المديدة كنخلة في (گاع أبو موحي) أو (گاع السيد)؛ و(الصينية) على رأسه مثل قبعة كبيرة.. أكبر من تلك التي يضعها على رؤوسهم محاربون مكسيكيون كنّا نراهم على شاشات السينما. مَن وقف أمام دكان (سيد محمود)، بجسده المكتنز المحتمي بكل أشياء عطارته؛ يعرف ذلك.. ويعرفه كل مًن جلس في حسينية (الحاج موسى البطران).. وحتى المتحلّقين بين النخل، قبل أن يقطع، للعب (الزار)؛ كلّ هؤلاء يعرفون تلك المساحة المرتفعة من الأرض خلف (نادي الشروق الرياضي) والتي استحالت ملعبًا للكرة بعد أن كانت مقبرة في زمن لم أدركه.

فريق (لمّة الحفّاي)
فريق (لمّة الحفّاي)

(نادي الشروق) لم يعد له وجود الآن، وباختفائه؛ تختفي تلك الصورة الكبيرة لصاحب الوسام الأولمبي الربّاع (عبد الواحد عزيز) وهو على منصة التتويج. وَ(مطرود)، هو الآخر، أنهى بقية عمره في مكان لا يعرفه أحد فيه بهذا الاسم.. في حين عاش جلّه في (المناوي) حيث قلّة، فقط، يعرفون أنّ اسمه الحقيقي هو (عبد الرضا)!
ولأن المدينة “تستبدل أسماء أجزاءها كما تستبدل أسماء مواليدها”(*).. فقد استحال (شارع المعدان) إلى (شارع الوفود)، و(جسر الخورة) إلى (جسر التعليمي)، وداس جسر كبير بقدمه الضخمة في قلب (گاع ابو موحي) و(گاع السيد). ولا أدري كيف كانا سيتصرفان وهما يريانه يخرّب عالميهما وقد كانا يتضايقان من تسللنا عبر سياج السعف.. أو الجزء المتهدم من (الطوفة) للوصول إلى الشط، أو التقاط حبات التمر نهارًا.. أو للبحث عن (الطناطل) المختبئة في رؤوس النخل؛ أو تلك المنقلبة إلى قطط بعيون حمر ليلًا.
(المقبرة) هي الأخرى لم تعد كما كانت بعد أن فقدت اسمها وتميّزها كربوة. فقد فتح في جزء منها شارع، فيما بقي جزءها الآخر محتفظًا بهويته القديمة كملعب. غير أنّ الزقاق، وقد أغلقت آلة التصوير عينها عليه وحفظته، ما زال كما هو.. يمكن قول ذلك. حتى أنك لو مرتَ الآن فيه لوجدت كل شيء على حاله؛ سوى أنّ تراب الأرض استبدل بالخرسانة.. وباب (بيت العاني)، الظاهر يمين الصورة، تغيّر شكله ودُفع إلى الوراء قليلًا.
ترى.. هل كان الشخص الذي يمسك بآلة التصوير وكلّ اهتمامه منصب على حصر أعضاء الفريق الفائز ضمن المستطيل الظاهر أمام عينه.. هل كان يدرك أن تجمعًا كهذا لن يتكرر مرة أخرى؟
(صلاح مهدي المولاني) يحاول إزاحة (محمد) بكتفه، وينجح في دفعه أمام (يعرب) المنسحب إلى الخلف. (عبد الله بن الحاج جاسم.. مؤذن الجامع) يحاول، هو الآخر، إبعاد المتدافعين وكأنه، بيده المستقيمة، يرسم حدًّا بين فريقه الفائز والصغار، وقتها، المصرّين على حضور اللحظة؛ يعطيه الحق في ذلك كونه مدربًا للفريق! (هيثم عيسى).. (علي سالم).. وبينهما يطل مصطفى (توفي) بوجهه الصغير. (لطفي سالم) محاولا منع (صفاء عيسى) من الحضور في ذاكرة الصورة.. ولكنه حضر بملامح واضحة ليغيب وجه (لطفي) وكأنه بذلك يمهّد لغيابه المفاجئ والأبدي! هل هي نبوءة صورة؟! (حمادة) ويجلس قريبًا منه (ضياء عيسى). (عماد غلب). (رعد العاني) ممسكًا كرته. (علي إسماعيل). (نبيل إسماعيل).. وهما ليسا شقيقين.
مروري المتكرر من هناك يزيد من حفر الصورة في ذاكرتي، يؤكد حضورها. ومثلما “تستبدل المدن أسماء أجزاءها وأسماء مواليدها”(*).. فإنها ترسم مصائرهم، وربما تقودهم إليها.
(رعد العاني).. ترك كرته، وكلبه الكبير الذي كان يربطه بباب الدار أو يتجول به أحيانا.. ومن ثم أوراده وطرقه في الكشف ومعرفة الغيب.. ترك كلّ شيء له هنا ورحل إلى مكان آخر لم يعشْ فيه طويلًا! كنتُ كمَنْ تلقّى صفعة على وجهه فأيقظته من وهم كبير؛ حين سألت أمي بعد رحيل (بيت العاني) عن دارهم:
– هو مو بيتهم؟!
– طلع مو بيتهم!
وكانت، هي الأخرى، لا تعلم!!
(علي سالم).. الجميل الذي أهديته قصتي (الطوفان) وكان رفيقي فيها؛ رحل قبل أن يحقق أيًّا من أحلامه. لم يتزوج في الثلاثين.. ولم يصبح (نقيب) أو (رائد) علي.. ولم يسعفه الوقت لإضافة ما كان يحلم به لجهاز التلفاز بعد أن أنهى دراسته العليا ضابطًا متخصصًا في الألكترونيات. لا أدري كيف اهتدتْ إليه شظية تائهة في أحد شوارع المدينة عام 1984 وسرقتْ كلّ شيء حلوًا فيه؟! سرقته كلّه.
(لطفي سالم).. أخ (علي سالم)، أو (الفكاهي) كما كنّا نسميه. فكثيرًا ما ضحكنا لأنّ (لطفي) كلّه يضحك. فقدناه فجأة كما لو كنّا صحونا فلم نجده! ترى.. هل استنفذ (لطفي)، بوقت مبكر، كلّ الضحك المتاح له فآثر الرحيل لأنه لا يطيق البقاء حزينًا؟!
يغلفني الحزن وأنا أجول بين المصائر والأمكنة القديمة؛ فأعود لأقف في أقصى يسار الصورة. عيني معلّقة على الشخص الواقف أمامنا وتخفي آلة التصوير وجهه. وربما، لهذا السبب، لم أعد أتذكره.

(*): بصرياثا – صورة مدينة / محمد خضير.
تنويه: لم يتم الالتزام ببعض قواعد اللغة بغية الحفاظ على إيقاع اللفظ باللهجة الدارجة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *