تابعنا على فيسبوك وتويتر

kais aljanabeإشارة :
ببساطة .. لإحساس عميق وقناعة راسخة لدى أسرة موقع الناقد العراقي بأن الشاعر المبدع “جواد الحطاب” هو “ظاهرة” فذّة في الشعر العراقي المعاصر لا يمكن إلّا الوقوف عندها طويلا وتأملها ودراستها بعمق ، تفتتح أسرة موقع الناقد العراقي ملفها عن تجربته الإبداعية المهمة ؛ شعرا ونثرا ، متمنية على الأحبّة الكتّاب والقرّاء إثراء هذا الملف بالدراسات والمقالات والصور والوثائق.
بنية التوقيع في قصائد : اكليل موسيقى على جثة بيانو – للشاعر جواد الحطاب

المقالة : 

بنية التوقيع في قصائد (إكليل موسيقى على جثة بيانو)
د.قيس كاظم الجنابي
-1-
يبقى الشعر متنفساً للحياة ومحطة يلجأ إليه المبدع حين تلمُّ به الظروف ويشتد به الخطب، وتصبح المفارقة موضوعا أثيرا لديه، وبنية متشظية في ثنايا القصيدة، لأنها تفتح له كوة نحو فضاء التأويل، وكوة نحو فضاء الحياة، لتمتص من أعماقه وهج الآلام والمخاوف، ولعل المفارقة تكمن في البدء في عنوان مجموعة الشاعر جواد الحطاب (إكليل موسيقى على جثة بيانو) فالموسيقى صوت يتدفق وروح تتغلغل في هواجس الإبداع والحياة، وليست جسداً يرقد فوق ضريح حتى نضع عليه إكليلا من الورد، وكأن الشاعر يشير بطريقة مضمرة إلى موت الفن أو موت الموسيقى وتلاشي سيرورة الروح من بين نسيج الحياة وثناياها الممتدة إلى خلايا الجسد؛ ذلك إن العنوان لا يحكي النص، بل العكس إنه يظهر نيّة المؤلف، ويعلن قصدية النص(1).
من هنا أصبح العنوان عتبة لقصائد الشاعر التي تتحدث عن محنة العراق، والمفارقة هنا هي داخل النص، أو بين النص والعنوان، وهي تخضع لنوع من التعارض أو التناقص بين المظهر والحقيقة، وهي تشمل دالا واحدا ومدلولين إثنين : الأول حرفي ظاهر وجلي، والثاني متعلق بالمغزى موحٍ بهِ، خفي، وهذه العلاقة تعمل على المسكوت عنه، وتظهر في نوع أو جنس أدبي هو نص (النكتة) فغالباً ما توّلد المفارقة الضحك(2). أي أن الشاعر يخفي نوعا من السخرية المضمرة ضد الواقع فيحاول أن يتندر عليه، ويصفه بصفات غير حقيقية؛ لهذا زواج بين التاريخ الحقيقي والتاريخ المحتمل، عبر مفردة (لو)، وهو نوع من التماهي داخل النص يحمل معه إحالات عديدة بعضها مباشر وبعضها غير مباشر، وربما كان يستخدم هذا الـ(لو) للسخرية من الواقع/الحاضر الذي يريد أن يغيّر وقائع الماضي؛ وبالتالي فان لعبة الكلام تأخذه نحو منحاها الساخر من أخطاء الماضي عبر سردية حكائية منفتحة، أو عبر ضربة سريعة تشبه ضربة التوقيع في التراث العربي، ولعل العنوان كان أحد مظاهر هذه اللعبة الكلامية، لذا كان يقول بعد سلسلة من أسماء الخلفاء العباسيين الضعفاء:
… يااااااااه
تضحكني هذه الأسماء
أربّ هذا ؟
أم: شماعة أخطاء؟!(3)jawad 7
المفارقة – هنا – إن عدد الخلفاء هو (23) خليفة وعدد حروف الألف في النداء هي (8) حروف، وان هؤلاء الخلفاء الضعفاء بدأوا من المتوكل الذي نقل الخلافة من بغداد إلى سامراء حتى نهاية الدولة العباسية، وهذه الأرقام قد لا تعني شيئا، ولكنها قد تعني الكثير، إن أي توقيع يمكن أن يكتب بحرف واحد أو أكثر، فقد كان توقيع عبد الله المعتز (أطال الله بقاءك)، و(كفى بالانتهاء قصراً)(4) في احتمال استخدام التوقيع بين (8 – 23) حرف، مع إن جملة (كفى بالانتهاء قصراً) تتكون من (16) حرفا إذا حذفنا التنوين، الذي هو ليس بحرف وإنما هو حركه مشبعة؛ فهو بالتالي ضعف الرقم (8)، وان جملة توقيع (أطال الله بقاءك) تتكون من (14) حرفا. فإذا حذفنا التكرار في كلمة (ياه) فان عدد حروف النص الشعري السابق هو (23) حرفا، وطرحنا الرقم (14) من الرقم (23) كان الباقي (9) حروف وهو رقم قريب من الرقم (8) ويزيده بحرف واحد، في إشارة إلى وحدانية الخالق وتعدد الأرباب، وإذا طرحنا الرقم (8) من الرقم (14) فان الباقي سيكون (6) وهو الرقم المؤسس لجمهرة الأرقام بالعراق الذي قام عليه أساس حساب الزمن، فأصبح الرقم (7) هو الرقم الاستثاني المقدس، والشاعر يتحدث عن تاريخ العراق والدولة العباسية التي عاصمتها بغداد وليست سامراء التي حصلت بها أحداث قلبت التاريخ ونسيجه الاجتماعي والفكري قديما وحديثا، ومن هنا نستطيع القول أن اللعبة الكلامية تبدو لعبة خطيرة أخطر من لعبة الأرقام والتواريخ، وإن المفردات التي تحيل إليها جزء من اللعبة القصدية التي يضمرها الشاعر وهو يتحدث عن زمن الخوف، وصوت الموسيقى، لأنه يتحدث عن موت المتنبي وموت أطوار بهجة؛ علما بان توقيع ابن المعتز كان ضمن مرحلة ضعف الدولة العباسية، وإنه تولى الخلافة ليوم واحد فقط ثم قتل سنة 296هـ/908م، وذلك قبل مقتل المتنبي بـ(58) سنة، وله أن يتساءل:
لا توجد في الأفق قرى
… وكآخر ما في العالم
يبدو : دير العاقول
ثم يضع ثمانية علامات إستفهام، وهو عدد له علاقة بتوقيع ابن المعتز المقتول كالمتنبي، ثم يقول :
هل فاتك… فاتك ؟
أم أن الفُتّاك جميعاً
كمنوا فيه… ؟(5)
السؤال يفترض إجابة من بين السطور، وثمة أكثر من تساؤل يطرح نفسه، فلماذا اختار شخصية فاتك؟ ولماذا دير العاقول؟ أظنه لأسباب عدة، منها شيوع ثقافة الاغتيال والغدر، واقترانه بالأديرة ودورها في التبشير الديني.
-2-
أسئلة كثيرة يطرحها الشاعر في قصائده على الرغم من قصرها، لان قصائده هي أسئلة تحاكم الواقع وتحاول التعليق عليه، عبر بنية خاصة هي بمثابة بنية توقيع، لأنها بنية مقتضبة تستخدم الضربة السريعة، وكأنه يحاكي الخليفة وكاتبه يجلس بين يديه ويوقع القصص المرفوعة مكتوبة باوجز الألفاظ وابلغها، وهي تحتاج إلى عارضة من البلاغة لكي يستقيم بها توقعيه(6). في كلمات موجزة سريعة مثلها مثل ضربات الشاعر الصغيرة التي بها ينهي بعض قصائده، مثل قوله:
الشِّعر…
في زمن القوّاد
دعارة(7)
أو قوله:
ادفعوا عني، أبو غريب، قليلاً
أريد أن امدد قلبي(8)
أو قوله في قصيدة برلمان:
أثقُ
بعاهرة
لها
نظرة
زعيم
ولا أثق
بزعيم
له
نظرة عاهرة(9)
او قوله:
ألا يّشكل موتنا
إهانة لعزرائيل… ؟(10)
هذه الضربات القصيرة أشبه بتوقيعات صارخة تتوجع وتكشف عن مقاومة شديدة للواقع، وهي مقاومة داخلية رافضة ومتوغلة في أعماق النفس، وقادرة على الكشف عن بعدها الإنساني والاجتماعي، عبر لغة مقتضية واضحة، وذات دلالات عميقة تحاول استنهاض قوتها في تحفيز المتلقي وتنويره من اجل البحث عن مساحة أوسع للتأويل، فلماذا هذا التأويل؟ أهو نبذ للمباشرة، أم نبذ للواقع، ام لعبة كلامية على جسد اللغة؟ أهو ميدان جديد للتواصل مع القارئ أم هو جزء من خارطة الواقع وأخطاء الماضي وشيوع ثقافة القطيع؟kh jawad 2
-3-
إذا كانت وظيفة الشعر تنحصر في إنه يوجز في جملة واحدة ما يمكن أن يقوله النثر في بعض جمل – فان ميزته حينئذ محدودة. وليس الإنسان على هذا القدر من البخل بالكلمات لدرجة أن يشعر بأنه مسحور أمام الاختزال والإيجاز. وربما يرى بعض النقاد في تلك النظرية التي توحي بان (الشعرية) تعادل (الثروة) صدى بعيدا للأفكار الاقتصادية تعني بجودة الاستثمار اللغوي، مما يجعلنا نظن أن التحولات النوعية للدلالة، وليس مجرد الاقتصار الكمي، هو الذي يُمثل النّواة الجوهرية للشعرية(11). فان هذا لا يعني أن الإيجاز ليس من مهمة الشعر، ولكن البلاغة لها أكثر من وجه، في الشعر والنثر، ذلك أن الشاعر يتوغل في صوره، ويحاول أن يَمنَح المسافة غير المنظورة بين المباشرة والتأويل سلطة خاصة يتمرغ فيها، كما في قصيدة (الفلوجة) حيث يقول:
السلام عليكِ سيدة الضّمر الولودات
من أجل…
خَبَأنا الفجر
بحنجرة الدّيك(12)
في إحالة إلى البساطة والإرث الاجتماعي الذي بقيت تحتفظ به، إذ أن الريفي كان يرى في صوت الديك ميقاتاً للنهوض المبكر؛ وهي إحالة موسيقية إلى عنوان المجموعة الشعرية، لان العنوان جزء من إحالات النص، وهما يشكلان معاً شبكة إشارية متطورة غايتها الاتصال بالمتلقي عبر علاقة العتبة بالداخل، أي أن العتبة/العنوان جواز مرور من باب النص إلى دهليز التأويل، ولعل قصيدة (مقبرة الغرباء) تحيل إلى أكثر من موقف، فهي تحث القارئ على استذكار شخصية الشاعر محمد مهدي الجواهري، ونسور لقمان وآخر (لبد) ولزوميات المعري، ومسقط رأس الجواهري في النجف، لان القصيدة كما وصفها في عنوان ثانوي هي (نص في رثاء الجواهري)؛ فكأن هذا الرثاء هو رثاء للعراق، وقد خصص لبعض المشاهد بعض الإشكال الرباعية ونصصها داخليا وكأنها سجينة فيها، من أجل مشروعية اللقاء بين فرات النجف ودجلة الجواهري التي خصها بقصيدة من عيون شعره؛ لذا يسأله الحطاب مستنكرا:
أبعيدا عن (دجلة الخير) تنمو
بأصابعك اللاسلاميات لها
عواسج الكلمات، أيضا؟!(13)
وكأني اشعر بان قصائد جواد الحطاب هي رثائيات للذات والوطن والمقربين، رثاءاً ينبجس من رحم الواقع، فيتشظى في فضاء الحياة ليرسم صورة حزينة عن أموات يعيشون على جسد الآهات، فينشغلون بالموسيقى المفقودة، ويضعون إكليل/الغار/الموسيقى عل جثة الحياة/البيانو، وهنا أتساءل: لماذا يشكل الصوت محورا واضحا في هذه القصائد؟ ألاننا فقدنا حضورنا الثقافي الصوتي، أم لم يبقَ لدينا إلا حضورنا الكتابي؟ ألاننا فشلنا أن نضع حياتنا كما يريد وَصَنَعها الآخر كما يريد؟
تحاول هذه الأسئلة أن ترمم فضاءات النص، وتكشف عن عورة الألم، وغياب الجانب الإنساني في ترنيمات الحصاد وموسيقى الشعر، ولعل هذه التساؤلات تبقى مجرد إفتراضات، ولماذا مال جواد الحطاب إلى استخدام الأشكال المربعة وشغلها بمقاطع شعرية لتبدو أشبه بإيقونات ربما تحيل إلى السجن والاعتقال، واسيجة التدمير والفصل الطائفي، والإخفاء والموت حيث أصبح الناس يخشون الخروج من دورهم؟
أعتقد أن الجانب السمعي/ألشفاهي فشل في إقناعنا بأننا شعب متحضر، فلم يبق إلا الجانب الصوري/الكتاب/الإيقونة لأنه أقدر على الصمود أمام حركة الزمن.
-4-
تتكون قصيدة (أحد عشر كوكبا) من (11) نصا، كتبت نصوصها على وفق بينه التوقيع آنفة الذكر، مع وجود تلميح إلى (11ايلول) حيث بداية الصراع الإسلامي/الأمريكي، حتى دخل الرقم (11) في لوحة الأرقام المشؤومة لديهم مع الرقم (13)، في محاولة لولوج عتبة الأرقام ولعبتها الطويلة؛ ففي النص الأول المعنون (لماذا…؟) يقول :
جئنا…
نغسلُ أنفسنا
بالنسيان
فأصيب النسيان…
: بداء الذكرى(14)
وهنا تكمن المفارقة في لعبة خاصة تقلب المعنى من ميدانه المباشر إلى مجاله المضمر، لتعيد صياغة الصورة بطريقة مختلفة، والمفارقة – هنا – ليست حكاية لها عناصرها البنائية المعروفة، وإنما هي لعبة كلامية افتراضية تقوم على الاستفادة من علاقة الواقع بالنص؛ ففي النص (7) يقول :
بتويج الخمر
أبصر :
كهلاً
يجلس أسفل ايامي
ويرتقُ ثوبَ العُمرِ(15)
إنه يبصرُ صورة كهل، يرى إنه صورة له، ولكن المفارقة تشتغل على التنافر بين فكرتين، لتشكل وجهة نظر إلى الحياة وتعي أن الخبرة تنفتح على تفسيرات عدة، لا يعد أحدها مطلق الصحة، ترى في تجاور المتناظرات جزءا من بنية الوجود (16)؛ لذا يقول في قصيدة (جثة بيانو) التي تحيل إلى عنوان المجموعة:
الريح : شك
والكلمات
إكليل موسيقى
على جثة بيانو(17)
ثمة حركات وكلمات، ربما مقروءة، إكليل موسيقى على جثة بيانو، إن لفظتي (إكليل موسيقى) تحملان معهما إحالة صورية وسمعية معاً، لتتوغلا في جسد المفارقة عبر ضربة خاصة تتأرجح بين الصوت والصورة حيث تبدو الصورة جثة، ويبدو الصوت موسيقى، وهو لعب خاص يستند إلى علاقات ضدية داخلية بين الجمل والصور والإحالات وربما داخل اللفظة الواحدة نفسها، وهو لعب يستند إلى علاقة الشفاهية بالكتابة بوصفهما عنصرين متضادين، ومن خلال تاريخ العراق الحضاري الذي إنقلب إلى عنف لا حضاري، وهو ما يؤكده عنوان قصيدة (الاعدقاء) التي نحتها من لفظتين متضادين في المعنى (الأصدقاء، الأعداء)، والقصيدة تتحدث عن آثار الحروب على الحياة الإنسانية في العراق، وتستند إلى لعبة المفارقة بوضوح منذ البداية؛ لذا يقول في مستهلها :
*لي كف
لكن الأصابع تنقصها(18)
مما يهشم صورة الكف، فهي ليست قادرة على العمل، ولا العزف على البيانو، وليست لها قدرة على حمل صورة اليد، أو صورة اليد وهي تكتب؛ مما يعني أن اليد، أو الكف ليست حقيقة، وإنما هي مجرد افتراض؛ فتحصل المفارقة بين الصورة الحقيقية وبين الكف المقطوعة الأصابع، وهو نوع التنافر التي تخفي مفارقة واضحة في ضربة سريعة تقوم على نص التوقيع، الذي بات ملمحاً مهما من ملامح بناء قصيدة الشاعر جواد الحطاب في هذه المجموعة.
-5-
ابرز ما يلاحظ على قصائده هذه إنها على الرغم من رشاقتها تميل نحو النثرية، وهي نثرية مشبعة بالمفارقة والتضاد، مثل قوله :
اقلبوا العالم على مؤخرتهِ
واسحبوا جثثكم من الجدران لا احد سينام – ثانية – بفراش العراق(19)
كما يخاطب (رامسفيلد) فيقول :
أنا لي، وطن، في وطني
فهل لك في وطني، وطن…؟(20)
ويخاطب المجندة الأمريكية قائلاً :
: أيتها المجندة
صورة أخرى لكِ
وأنت تمتطين ظهر أسد بابل(21)
تشتغل هذه النصوص على مبدأ المفارقة، واللعب بالكلام، فكأنّ الحطاب يحتطب نصوصه من فضاءات بعيدة ينتقيها انتقاءاً، ويؤسس لبنية التوقيع في قصائده، مستفيدا من لحظة التنوير في الأقصوصة، بيد إنه يستخدم هذه اللحظة أحيانا في كل مقطع؛ ذلك أن القصيدة تعتاش على ضربات متتالية، هي أشبه بتوقيعات متلاحقة، ذات بناء لغوي شفاف وغني بهاجس النكتة/المفارقة المحملة بإحالات خفية نحو التأويل، بوصف التأويل بحثاً في باطن النص، والمفارقة لعب على المسكوت عنه، وهو يغترف من الجانب المضمر، ولكنه لا يتوغل نحو التأويل العميق، أو ما يسمى بالتأويل المفرط، ولغة الحطاب هي لغة مبسطة وعميقة، لغة ذات شفافية محملة بالدلالات، وأنها تكشف عن أبعادها عبر علاقة تجانسية بين الشعر والنثر، لان النثر يمنح الشعر وجهه الواقعي، ويثري فيه الملامح السردية التي بإمكانها سبر أغوار الحياة.
إذا اعتبرنا المجموعة الشعرية بأسرها هي بنية كبرى، وان القصائد هي بنيات صغرى تتكون كل واحدة من حكايات صغيرة ترتبط عبر سلسلة من الروابط، فان بنية التوقيع تستحوذ على كل حكاية صغيرة وتمدها بقوة لتكون وحدة دلالية مصغرة، وهذا يؤكد لنا أن النصوص الداخلية جميعها تدخل في إطار النص الكلي، وبالتالي نحن أمام نص واحد له بنية كبرى واحدة ولا تنفع قراءة نصوصه الداخلية بوصفها نصوصا منفصلة. وان قراءة التعالق النصي لتلك النصوص مع مرجعيتها الخارجية واندماجها في السياق الداخلي للبنية الكبرى(22). لان كل مقطع في قصائد الشاعر هو حكاية/قصة لها ضوابطها التي تتحرك وفقا لها.

-6-
من هنا نتساءل : كيف يمكن قراءة قصائد (إكليل موسيقى على جثة بيانو)..؟
المحصلة النهائية لهذه القراءة، أن القصيدة التي تكتب بطريقة جواد الحطاب هي قصيدة مراوغة على الرغم من وضوحها، وهي أيضا قصيدة موقف، وذات لغة شعرية تسردها حكاية مقتضبة وهذا السرد يعتاش على مبدأ المفارقة، وهو مبدأ له ضوابطه وله مزالقه، ولكن الشعر يتغلغل فيه مثل تغلغل الدم في الجسد، ولكن على وفق بنية خاصة هي بنية التوقيع، حكاية قصيرة، ضربة سريعة التعبير عن الواقع والتعارض معه في آن واحد، وهذا بحد ذاته يمثل إشكالية أخرى في قراءة القصائد،وهي إشكالية فنية وإشكالية وجودية بوصف الشعر رؤية وجودية للعالم والواقع، وهذه الإشكالية تؤسس وجودها على تعارضات مفترضة بين الشعر والنثر، والواقع والخيال، والحكاية وما وراء الحكاية، لان النص، وهوامش النّص الشارحة كامنة فيه، والمفارقة ولعبة التحايل عليها؛ لذا فان القراءة هي افتراض قائم على قناعة الأنا والآخر، وعلى كيفية إستخدام الخطاب النقدي في تفكيك أو بلورة النص كوحدة دلالية لها مؤثرات كبيرة على عالم النص، وهذه المؤثرات لها محصلاتها في إنتاج هذا النقد، وفي كشف عناصر بناء النص؛ مما يشير إلى أن الجملة الشعرية هي جملة التوصيل، وهذا التوصيل هو جزء من النص وجزء من القراءة.

الهوامش
ــــــــــــــــــــ
(1) عتبات النص، البنية والدلالة : عبد الفتاح الحجمري، شركة الرابطة (الدار البيضاء، 1996م) : ص18.
(2) التفاعل النصي (التناصية Intersexuality) النظرية والتطبيق : نهلة فيصل الأحمد، كتاب الرياض، مؤسسة اليمامة الصحيفة (الرياض، 1423هـ) : ص290.
(3) إكليل موسيقى على جثة بيانو : جواد الحطاب، ط2 (بغداد، 2011م) : ص8.
(4) الكشاف : الزمخشري، تح عبد الرزاق المهدي، دار احياء التراث العربي (بيروت، د.ت) : 3/88.
(5) إكليل موسيقى : ص11.
(6) بدائع السلك : ابن الأزرق، تح علي سامي النشار، وزارة الثقافة والفنون (بغداد، 1977م) 1/275.
(7) إكليل موسيقى : ص10.
(8) نفسه : ص81.
(9) نفسه : ص104.
(10) نفسه : ص129.
(11) بلاغة الخطاب وعلم النص : صلاح فضل، دار الكتاب المصري/ دار الكتاب اللبناني (بيروت، القاهرة، 1425/2004م) : ص 87.
(12) إكليل موسيقى : ص96.
(13) نفسه : ص27.
(14) نفسه : ص35.
(15) نفسه : ص41.
(16) المفارقة في مقامات بديع الزمان الهمذاني : احمد خريس، مجلة جذور، ع(10) س (10) النادي الأدبي (جدة، رجب 1423هـ/2002م) : ص 358.
(17) إكليل موسيقى : ص62.
(18) نفسه : ص65.
(19) نفسه : ص79.
(20) نفسه : ص80.
(21) نفسه : ص91.
(22) محكيات السرد العربي القديم : يوسف إسماعيل، اتحاد الكتاب العرب (دمشق، 2008م) : ص84.

*عن موقع فيسبوك الأدب والفن


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"