الرئيسية » نصوص » ادب الطفل » طلال حسن : طائر الرعد (رواية للفتيان)

طلال حسن : طائر الرعد (رواية للفتيان)

talal hasanشخصيات الرواية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ اهاتاني الفتاة

2 ـ سامو الفتى

3 ـ الأم أم سامو

4 ـ النسر طائر الرعد

” 1 “
ـــــــــــــــــــ

منذ صغره ، والجبل الأبيض ، الذي تجثو بيوت القرية عند سفحه ، يذهل سامو ويجذبه إليه ، كما لو كان قوة سحرية لا تقاوم .
وكلما خلت السماء من الضباب أو الغيوم ، تبدو قمة الجبل ، التي يعلوها الثلج صيفاً وشتاء ، تلوح له من بعيد ، ويتراءى له وكأنها تناديه بصوت هامس ، ساحر كالأنسام : تعال .. تعال .. تعال .
وعبثاً حذرته أمه من الجبل ، وقمته البيضاء ، والنداء الساحر ، فقد كان ، ولسبب لا يدريه ، يزداد قلقاً ، وتوقاً
للاستجابة للنداء الآسر .
لم يعرف في البداية ، سرّ خوف أمه ، وقلقها من تعلقه الدائم بالجبل وقمته البيضاء ، وإن سمع هنا وهناك ، ما يشبه الخرافات عن هذا الجبل ، وقمته البيضاء ، التي لا يفارقها الثلج ، لا في الصيف ولا في الشتاء ، ولا في أي فصل آخر من فصول السنة .
حتى كانت ليلة ..
ليلة مقمرة ، وقف فيها سامو بين أشجار حديقة بيتهم الصغيرة ، يتطلع كالعادة إلى الجبل الملفع بالضباب والغموض ، وقمته البيضاء ، التي يلمع ثلجها تحت أشعة القمر الفضية .
ورغم استغراقه في أحلامه ، انتبه إلى أمه تقترب منه ، فقال دون أن يلتفت إليها : أمي .
وتوقفت أمه على مقربة منه ، وقالت : بني ، نحن في أوائل الربيع ، والطقس بارد الليلة .
وقال سامو متابعاً أفكاره : أنظري ، يا أمي .
واستطردت أمه قائلة : لقد أشعلت النار في الموقد ، تعال إلى الداخل ، أخشى أن تمرض .
وقال سامو ، دون أن يحول عينيه المسحورتين عن القمة البيضاء ، المكللة بالثلج : آه ، يا أمي ، ما أدفأ تلك القمة ، التي تلمع تحت أشعة القمر .
واقتربت منه أمه ، وقالت وكأنها تريد إيقاظه من أحلامه : إي دفء هذا ، يا بنيّ ، إن الثلج لا يذوب في تلك القمة لا صيفاً ولا شتاء .
وقال سامو دون أن يلتفت إليها : تلك القمة الدافئة ، يا أمي ، تناديني ، وتقول لي تعال .
وصمت لحظة ، وأمه تحملق فيه مصدومة ، ثم قال بصوت مسحور : ولابد أن أستجيب قريباً لندائها ، مهما كلفني الأمر .
وردت أمه ، وهي تجهش في البكاء : لا ، لا يا بنيّ ، لن تكرر ما فعله أبوك .
والتفت إليها مذهولاً ، وتساءل قائلاً : أبي ! ماذا فعل ؟ ماذا فعل أبي ؟
وتراجعت الأم باكية ، ومضت إلى الداخل ، وهي تقول من بين دموعها : لا .. لا .. لا .
ولبث في مكانه مذهولاً ، لقد تناهى إليه نتفاً عن أبيه ، وعلاقته بالجبل ، وطائر الرعد ، و .. لكنه لم يعرف الحقيقة أبداً ، وهذا ما يجب أن يعرفه الآن ، ومن أمه بالذات .
وأسرع إلى الداخل ، وإذا أمه تتشاغل بإعداد طعام العشاء ، والقنديل الخافت يضيء عينيها الغائمتين بالدمع ، فاقترب منها ، وقال : أمي .
سمعها تنشج باكية ، فربت عل كتفها ، وقال : أريد أن أعرف الحقيقة .
كفت الأم عن النشيج ، لكنها لم تتفوه بكلمة واحدة ، فقال : الجبل .. وأبي .. و ..
وتراجعت الأم قليلاً ، وقاطعته قائلة : بنيّ ، هذا الجبل ملعون ، لا يسلم من يحاول ارتقاءه ، فلا تقربه ، لا تقربه أبداً .
ونظر سامو إليها ، وقال : أمي ..
واستمرت الأم في كلامها قائلة : أنا لا أريد أن أفقدك ، يا بنيّ ، كما فقدت أباك .
وقال : أريد الحقيقة ، يا أمي .
ومرة ثانية استمرت الأم قائلة : أنت ابني الوحيد ، وليس لي في هذه الحياة غيرك .
وقاطعها قائلاً : أمي ، حدثيني عن أبي .
وصمتت الأم لحظة ، ونظرت إليه بعينين تغرقهما الدموع ، وقالت بصوت مختنق : أبوك .. ذهب إلى الجبل .. .
وتطلع سامو إليها ، وتساءل : الجبل ، كما تقولين ، تنين خطر ، فلماذا ذهب أبي إليه ؟
ومسحت الأم دموعها بأناملها المرتعشة ، وقالت : طفلة من القرية ، اختطفها طائر الرعد ، كانت وحيدة أمها ، ولم يجرؤ أحد من رجال القرية ، أن يطارده إلى وكره في أعلى الجبل ، ورغم تحذير الجميع ، وتوسلي به ، أخذ قوسه وجعبة سهامه ، ومضى إلى الجبل .
وصمتت لحظة ، ثم استدارت عنه ، وقالت بصوت باك : ولم يعد حتى الآن .

” 2 “
ــــــــــــــــــــ

كما أن الأم لم تستطع ، قبل سنوات عديدة ، منع زوجها من التوجه إلى أعلى الجبل ، فإنها لم تستطع ، ورغم دموعها وتوسلاتها ، منع سامو من السير على طريق أبيه ، والتوجه إلى أعلى الجبل .
ورأته من خلال دموعها ، وقد أخذ قوسه وجعبة سهامه ، ومضى مبتعداً ، حتى غاب في الأحراش ، التي تغطي سفح الجبل ذي القمة الثلجية البيضاء .
وبدل أن تدخل البيت ، بعد أن اختفى سامو ، جثت منهارة على الأرض ، وراحت تنوس باكية بصمت ، فلسنوات طويلة كانت تنتظر زوجها ، الذي ذهب إلى الجبل ، ولم يعد ، ولن يعود ، فأمامها الآن ما هو أسوأ .. أن تنتظر وحيدها سامو .
وشدّ سامو قبضته الفتية على قوسه ، وهو يصعد السفح بخطوات قوية ، متجهاً نحو الأعلى ، ورفع رأسه ، فلاحت له القمة ، المغطاة بالثلج ، تلمع تحت أشعة الشمس ، وبدا وكأنها تناديه ، متحدية هذه المرة : تعال .. تعال .. تعال .
وصعد سامو بهمة .. صعد .. وصعد .. وسيظل يصعد ، حتى يحقق ما عزم عليه ، ولن تردعه عن عزمه ، أية صعوبة يمكن أن يواجهها ، وهو في طريقه إلى القمة المكللة بالثلوج صيفاً وشتاء .
لقد صعد أبوه الجبل ، لعله ينقذ تلك الطفل من براثن طائر الرعد ، أما هو ، فإنه يصعد ، رغم توسلات أمه ودموعها ، لا لينقذ الطفلة ، التي لا يعرف عنها وعن مصيرها أي شيء ، وإنما ليعرف مصير أبيه ، ولينتقم من طائر الرعد ، مهما كلف الأمر .
لقد كان طفلاً صغيراً ، عندما سمع من أمه ، ومن الآخرين ، أن طائر الرعد ، الذي قلما يغادر وكره ، قرب القمة الثلجية البيضاء ، انقض على طفلة ، كانت تلهو أمام باب بيتهم ، واختطفها ، وطار بها ، عائداً إلى القمة البيضاء ، التي تغطيها الثلوج على الدوام .
وجنت أم الطفلة ، وراحت تصرخ وتصرخ ، وهي ترى طائر الرعد ، يمسك بمخالبه القوية طفلتها ، ويبتعد طائراً ، صوب القمة الثلجية البيضاء البعيدة .
وراحت الأم تركض هنا وهناك ، وتصرخ في الجميع : طفلتي .. أنقذوا طفلتي .. أنقذوها .
ورغم حزن الجميع ، وغضبهم الشديد لما حدث ، لكن أحداً لم يستطع أن يفعل شيئاً ، لا للأم المنكوبة ، ولا للطفلة ، التي اختطفها طائر الرعد ، وطار بها بعيداً ، نحو القمة البيضاء ، التي لا يغيب الثلج عنها ، لا في الشتاء ولا في الصيف .
وبعد أيام ، لم يعد الأب يحتمل صرخات تلك الأم ، وهي تجوب القرية ليل نهار ، وتصرخ : طفلتي .. أريد طفلتي .. أليس في القرية رجال .. أريد طفلتي .
فأخذ قوسه وجعبة سهامه ، ومضى صوب القمة الثلجية البيضاء ، لعله ينقذ الطفلة ، لكن لا الأب عاد ، ولا عُرف أي شيء عن الطفلة ، وما هو مصيرها .
ولسنين عديدة ، وهذا ما يذكره سامو جيداً ، ظلت أم الطفلة تجوب أزقة القرية ، بملابسها الرثه ، وشعرها الأشعث ، وهي تتحدث عن طفلتها .. : بيضاء كالثلج .. وعينان زرقاوان كسماء الصيف .. وكأشعة الشمس الذهبية ، كان شعرها .
” 3 “
ـــــــــــــــــــ

عند غروب الشمس ، رأى سامو، وقد أنهكه التعب ، أن يخلد إلى الراحة ، ويقضي ليلته في مكان دافىء آمن ، يستعيد فيه بعض قواه ونشاطه .
وأوى إلى جذع شجرة جوز عملاقة ، تطل على واد عميق من جهة ، ومن الجهة الأخرى تحرسها ، صخرة ضخمة عصية على التسلق ، من أي كائن مهما كان ، وثوى في منخفض أسفل الشجرة ، والتف بردائه الدافىء ، واستسلم لنوم عميق .
وفي منامه ، تراءت له أمه ، تنظر إليه من بعيد ، دامعة العينين ، وتدعوه بإشارات من يديها ، أن لا يصعد إلى قمة الجبل ، وأن يعود إليها .
وتململ سامو في منامه ، كأنه يريد أن يبعد عنه أمه ، التي جاءته في المنام ، وتريد أن تحول بينه وبين رغبته الملحة في الاستجابة لنداء ذلك الجبل .
ابتعدت أمه ، بل اختفت تماماً ، وكاد يهب من مكانه ، عندما لمح على ضوء القمر ـ أهو في المنام ؟ ـ لمح شبح فتى ـ أم إنها فتاة ؟ ـ يطل عليه من أعلى الصخرة ، التي تحرس شجرة الجوز العملاقة .
وفتح عينيه على سعتهما ، وتطلع جيداً إلى أعلى الصخرة ، لكنه لم يرَ شيئاً فوقها ، سوى أشعة القمر الفضية ، فأغمض عينيه ثانية ، وسرعان ما استغرق في نوم عميق .
وقبل شروق الشمس ، أفاق سامو ، وكأن أحدهم أيقظه ، وإذا فتاة في عمره ـ أهي فتاة الحلم ؟ ـ تطل عليه من أعلى الصخرة ، وقد تهدل حول وجهها الناصع البياض ، شعر في لون أشعة الشمس .
يا لله ، إنها فتاة الحلم نفسها ، لكن هل ما رآه ، على ضوء القمر ، في أعلى الصخرة ، ليلة البارحة ، حلم ؟ مجرد حلم ؟ من يدري ، مهما يكن ، فإن الفتاة تكاد تكون هي نفسها ، عينان زرقاوان ، وبشرة كالثلج ، وشعر بلون أشعة الشمس .
ونهض سامو في هدوء ، وعيناه تجوسان في بحر عينيها الأزرق ، ثم قال : طاب صباحك .
لم ترد الفتاة ، وبدا شيء من الدهشة والفضول في عينيها ، فقال سامو : من أنت ؟
ومرة ثانية لم ترد الفتاة ، فأشار لها قائلاً : تعالي ، انزلي إلى هنا .
تراجعت الفتاة قليلاً ، دون أن ترفع عينيه عنه ، فتقدم من الصخرة ، وقال : تعالي ، لا تخافي .
وهنا انسحبت الفتاة بسرعة ، واختفت وراء الصخرة ، وأسرع سامو ، ودار من وراء الصخرة ، لعله يلحق بها ، ويتحدث إليها ، ليعرف من هي ، وما الذي جاء بها إلى هذا المكان المنعزل الخطر ؟
وحين التف وراء الصخرة ، رآها تركض على البعد ، تتسلق صخور الجبل ، وكأنها وعلة جبلية متمرسة على الحياة في هذه المنطقة .
وصاح سامو ، وهو يركض متعثراً في أثرها : مهلاً أيتها الفتاة ، توقفي .
لم تتوقف الفتاة ، حتى ارتقت صخرة ضخمة بعيدة عنه ، ثم التفتت تنظر إليه ، وكأنه كائن جاء من السماء ، تراه ربما لأول مرة في حياتها .
واقترب سامو من الصخرة الضخمة ، التي وقفت فوقها الفتاة ، وتوقف على مبعدة منها ، خشية أن تجفل كوعلة من وعول الجبل ، وتلوذ بالفرار .
ورفع سامو رأسه إليها ، وقال بصوت هادىء يطمئنها : لا تخافي ، تعالي .
لم تتحرك الفتاة من مكانها ، فتابع سامو قائلاً : أنا سامو ، ما اسمك أنت ِ ؟
وظلت الفتاة تتطلع إليه ، دون أن تجيبه ، فتابع سامو قائلاً : أنا من تلك القرية ..
وأشار بيده إلى أسفل الجبل ، وقال : أعيش في بيت صغير مع أمي .
وصمت قليلاً ، لعلها تتكلم ، لكنها ظلت صامتة ، فتساءل سامو : وأنتِ ، ما اسمك ؟
ولأول مرة ، منذ أن رآها فوق الصخرة الضخمة ، سمع صوتها ، طفولياً رقيقاً عذباً تقول : اهاتاني .
واتسعت عينا سامو متمتماً : اهاتاني !
وهزت الفتاة رأسها ، فقال سامو : اهاتاني ، تعالي نتحدث ، أريد أن أعرفك أكثر .
ولبثت اهاتاني في مكانها برهة ، وبدل أن تنزل من على الصخرة ، استدارت ، ومضت مسرعة ، حتى توارت بين الصخور .

” 4 “
ـــــــــــــــــــ

من عين ماء ، تنبثق من بين الصخور ، رأى سامر وعلاً صغيراً ، ربما لم يُفطم بعد ، يمد شفتيه ، ويرشف الماء ، بشفتين مترددتين حذرتين وكأنه يقرب العين للمرة الأولى في حياته .
وكما لو أنه مازال طفلاً صغيراً ، ابتسم سامر ، وهو يتأمل الوعل الصغير ، وتمنى لو يحضنه ، ويضمها إلى صدره ، كما كان يفعل في طفولته ، عندما اشترت له أمه مرة حملاً صغيراً .
وتقدم سامر من الوعل الصغير ، بخطوات هادئة حذرة ، لئلا يجفل ، ويلوذ بالفرار ، وما إن اقترب منه ، وأخذه بين ذراعيه ، حتى برزت اهاتاني من بين الصخور ، وهي تصيح : دعه .. دعه .
وأقبلت الوعلة الأم مسرعة ، وراحت تحوم حول سامو والوعل الصغير واهاتاني ، وهي تمأميء غاضبة مرعوبة : ماع .. ماع .. ماع .
وانقضت اهاتاني على سامو ، وانتزعت الوعل الصغير من بين ذراعيه ، وهي تقول بصوتها الطفولي الغاضب : دعه لأمه .. دعه .. دعه .
وأطلقت اهاتاني الوعل الصغير ، فأسرع إلى أمه ممأمئاً ، فتشممته أمه متلفتة ، ثم دفعته أمامها ، ومضيا معاً ، يتقافزان بين الصخور بسهولة ويسر .
ووقفت اهاتاني حذرة ، تحدق في سامو ، دون أن تتفوه بكلمة ، فقال سامو محاولاً طمأنتها : إنني أحب الحيوانات الصغيرة ، ولم يكن في نيتي أن أؤذيه .
وظلت اهاتاني صامتة ، فتلفت سامو حوله ، وقال : لا أظن أنك وحدك هنا ، فهذا المكان ، كما ترين ، بعيد عن القرى ، وشديد الخطورة على فتاة مثلك .
ومرة ثانية ، ظلت اهاتاني ملتزمة بالصمت ، وتقدم سامو منها خطوة ، وقال : أخبريني من أين أنت ، لعلي أستطيع أن أساعدك .
وهمت اهاتاني بالهرب ، لكن سامو مدّ يده بسرعة ، وأطبق على ساعدها ، فانتفضت اهاتاني ، وصرخت مذعورة : دعني .. دعني .
لم يدعها سامو ، وظل مطبقاً على ساعدها الغض ، وقال : اهدئي ، يا اهاتاني ، لن أؤذيك ، أريد أن تحدثيني عن نفسك ، فقد تكونين من قرية أعرفها .
لكن اهاتاني لم تهدأ ، وراحت تحاول جاهدة ، أن تسحب ساعدها من قبضته القوية ، دون جدوى ، وهي تصيح : دعني .. دعني .
وهنا .. من مكان ما .. من أعالي السماء ، ارتفع صوت ثاقب غاضب كالرعد ، فتلفتت اهاتاني مترددة ، وقالت بصوت طفولي مضطرب : طائر .. الرعد .
وقبل أن يرفع سامو رأسه إلى مصدر الصوت المرعب ، ويعرف حقيقة ما يجري حوله ، أحس بظل قاتم كالليل ينقض عليه ، ورغم ما بذلته اهاتاني من جهد لحمايته ، إلا أن الرعد ، طعنه في كتفه .
وصرخ سامو متوجعاً ، وتهاوى على الأرض ، فانقض عليه طائر الرعد ثانية ، مسدداً منقاره القاتل إلى صدره ، لكن اهاتاني ، وبسرعة البرق ، ارتمت فوق سامو ، فحاد طائر البرق عنهما ، وهو يصرخ غاضباً ، ويرتفع مرعداً إلى أعالي السماء .
وتململ سامو ، تحت اهاتاني محرجاً ، فقالت اهاتاني بصوتها الطفولي : لا تتحرك ، ابقَ في مكانك ، وإلا هاجمك طائر الرعد ، وقتلك .
ولبث سامو ساكناً في مكانه ، واهاتاني مرتمية فوقه تحميه ، بينما طائر الرعد يحوم حولهما ، يتحين الفرصة ، لينقض على سامو ، ويفتك به .
ويبدو أن صبر طائر الرعد قد نفد ، ولم تتح له اهاتاني فرصة للفتك بسامو ، فأطلق صرخة غاضبة مرعبة ، وارتفع مرعداً إلى أعالي السماء ، ثم توارى بين الصخور القريبة من القمة البيضاء ، التي تغطيها الثلوج صيفاً وشتاء .
ونظر سامو إلى اهاتاني ، التي كانت ما تزال منطرحة فوقه ، وقال محرجاً : اهاتاني .
ونهضت اهاتاني واقفة ، ثم مدت يدها إليه ، وقالت : هيا ، ابتعد طائر الرعد ، انهض .
وأمسك سامو يدها ، فسحبته اهاتاني برفق ، حتى وقف على قدميه ، وقال : أشكرك ، لولاك لقتلني هذا الطائر المتوحش .
ونظرت اهاتاني إلى كتفه الذي ينز دماً ، فقالت : أنت تنزف ، لابد من معالجة الجرح .
وحاول سامو أن يتماسك ، لكنه كاد يتهاوى ، فأسرعت اهاتاني ، وأسندته ، وقالت : أنت جريح ومتعب ، تعال معي ، الكهف قريب .
وسارت اهاتاني مسندة سامو ، متجهة به نحو الكهف ، فتساءلت قائلة : ماذا قلت اسمك ؟
فقال سامو مبتسماً : اسمي .. سامو .
” 5 “
ـــــــــــــــــــ

صعدت اهاتاني بسامو نحو الكهف ، مسندة إياه بعض الطريق ، لكنه لاحظ معاناتها ، فتحامل على نفسه ، وواصل الصعود إلى جانبها حتى الكهف .
وأرقدته على فراشها بهدوء ، وساعدته على نزع بعض ثيابه ، حتى ظهر الجرح في كتفه ، وقد نزف منه بعض الدم ، فجاءت بقطعة قماش مبللة ، وراحت تمسح الجرح وتنظفه ، وهي تقول : أنت محظوظ ، فطائر الرعد لم يصبك إصابة كبيرة .
وبعد أن نظفت الجرح ، ساعدت سامو على ارتداء ثيابه التي نزعها ، وقالت : اطمئن ، الجرح ليس عميقاً ، ستشفى خلال أيام .
واعتدل سامو قليلاً ، وقال بصوت متعب : أشكرك ، يا اهاتاني .
وقالت اهاتاني ، وهي تسوي الفراش حوله ، وقالت : عفواً ، هذا لا شيء .
ونظر سامو إليها ملياً ، ثم قال : أخبريني ..
وقاطعته اهاتاني بصوتها الطفولي الرقيق : لن أخبرك بشيء الآن .
وقال سامو : وسأخبرك أنا ..
ومرة ثانية قاطعته قائلة : ولا تخبرني ..
وهمّ سامو أن يتكلم ، فسارعت إلى القول : أنت متعب ، وجائع ، كلْ وارتح ، أولاً ، ثم ..
وتلفت سامو حوله في الكهف ، وكأنه لا يصدق أن في هذا الكهف ما يمكن أن يأكله ، فابتسمت اهاتاني ، وقالت : لدي حليب طازج ، من صديقاتي وعلات الجبل ، اشرب شيئاً منه ، واخلد إلى الراحة .
وجاءته اهاتاني بشيء من الحليب بقدح صغير ، وقدمته له ، وقالت : تفضل ، اشربه .
وأخذ سامو القدح ، بيدين مرتعشتين ، وشرب عدة جرعات ، ثم قال : حليب لذيذ .
وابتسمت اهاتاني ، وقالت : لدي المزيد ، اشرب قدر ما تشاء ، فصديقاتي الوعلات ، اللاتي أرعاهن ويرعينني ، لا يبخلن عليّ بالحليب .
وشرب سامر جرعة أخرى ، ثم قال : في طفولتي ، ببيتنا في القرية ، كان لديّ عنزة ..
وقاطعته اهاتاني ، مشيرة له أن يسكت ، وقالت : دع طفولتك الآن ، نم قليلاً وارتح ، وستحدثني ربما ليلاً ، أو يوم غد ، عن كلّ شيء بالتفصيل .
وهمّ سامو أن يردّ عليها ، وإذا طائر الرعد ، يرعد بصوته الثاقب الغاضب في الخارج ، على مسافة ليست بعيدة عن الكهف .
وتمتم سامو خائفاً ، وقد اتسعت عيناه : يا إلهي ، طائر الرعد المتوحش .
ورمقته اهاتاني بنظرة سريعة ، ثم تطلعت إلى الخارج ، عبر مدخل الكهف ، وقالت : لا تخف ، طائر الرعد لا يدخل الكهف ، ثم إنه لن يؤذيك مادمت معي .
ونظر سامو أليها ، وقال : هذا أمر غريب .
فابتسمت اهاتاني ، وقالت : سأوضحه لك فيما بعد .
واتجهت اهاتاني إلى خارج الكهف ، فاعتدل سامو وهتف بها بصوت خائف : لا تخرجي ، يا اهاتاني ، هذا الطائر المتوحش قد يؤذيك .
وتوقفت اهاتاني ، والتفتت إليه ، وقالت : لن يؤذيني ، فهو الذي رعاني كلّ هذه المدة .
ولاذ سامو بالصمت مندهشاً ، فقالت اهاتاني ، وهي تخرج من الكهف : تمدد ونم ريثما أعود .
لم يتمدد سامو ، وطبعاً لم ينم ، وكيف يمكن أن يتمدد أو ينام لحظة واحدة ، واهاتاني في الخارج ، تحت رحمة طائر الرعد ؟
ومرة أخرى ، راحت دوامة الأسئلة تدور في أعماقه ، ما حقيقة اهاتاني هذه ؟
من أين جاءت ؟
وكيف عاشت وتعيش وحدها ، في هذا الكهف الغريب ، وفي منطقة منعزلة كهذه مليئة بالمخاطر ؟
طال غياب اهاتاني خارج الكهف ، واستمرت دوامة الأسئلة تدور في أعماق سامو ، وخلال بحثه ألا مجدي عن الأجوبة الممكنة ، مال سامو شيئاً فشيئاً حتى تمدد في الفراش ، ورغم إرادته استغرق في نوم عميق .
” 6 “
ـــــــــــــــــــــ

استيقظ سامو ، وقد خيم الظلام ، فرأى اهاتاني تجلس غافية ، إلى جانب الفراش ، وشعرها الذهبي يغطي صفحة من وجهها .
وكأنما نبهها استيقاظه من غفوتها ، فاعتدلت محرجة ، مبتسمة ، وقالت : لقد نمتَ نوماً عميقاً .
واعتدل سامو في الفراش ، وقال معتذراً : عفواً ، لقد أخذت فراشك .
وهمّ أن ينهض ، وهو يتابع قائلاً : تعالي إلى فراشك ، يا اهاتاني ، وارتاحي .
وقالت اهاتاني بصوتها الطفولي : ابقَ في مكانك ، يا سامو ، لن أنام في هذا الوقت .
وابتسمت اهاتاني له ، وقالت : لابدّ أنك جائع الآن .
وابتسم سامو بدوره ، وقال : لا أستطيع أن أشرب الحليب مرة أخرى هذه الليلة .
فقالت اهاتاني ، وهي تكتم ضحكتها : لن تشرب الحليب ، بل ستأكل بطة مشوية .
ونظر سامو إليها مستفسراً ، فقالت اهاتاني : جاءني بها كالعادة .. طائر الرعد .
وتطلعت إلى مدخل الكهف ، الذي يضيئه ضوء القمر ، وقالت : الليلة دافئة ومقمرة ، تعال نجلس بعض الوقت في مدخل الكهف .
وتطلع سامو إلى الخارج ، وقال متردداً : لو نبقى هنا أفضل ، فأنا أخشى ..
ونهضت اهاتاني ، وقالت مبتسمة : لا تخشَ شيئاً ، فطائر الرعد ينام الآن في عشه .
ونهض سامو بدوره ، وقال : لنرجىء إذن تناول بطتك المشوية .
وسارت اهاتاني إلى مدخل الكهف ، وقالت : هذا رأيي أيضاً ، فالليل مازال في أوله .
ولحق سامو بها ، وقال : هذا أفضل ، فقد حان وقت الحديث ، والحقيقة .
وجلست اهاتاني في مدخل الكهف صامتة ، وجلس سامو إلى جانبها صامتاً ، والقمر يتطلع إليهما من أعالي السماء ، وربما ينتظر حديثهما .
وتطلع سامو إليها ملياً ، على ضوء القمر ، ثم قال : اهاتاني .
وعلى ضوء القمر ، نظرت إليه اهاتاني ، دون أن تتفوه بكلمة ، فقال بصوت أقرب إلى الحلم : طوال سنوات ، وأنا أتطلع من قريتي ، إلى هذا الجبل ، وقمته التي لا يفارقها الثلج أبداً ..
وصمت لحظة ، ثم وبنفس الصوت الأقرب إلى الحلم ، تابع سامو قائلاً : يتناهى إليّ نداء ، لا أعرف من أين يأتي ، يهيب بي .. تعال .. تعال .
وابتسمت اهاتاني ، وقالت بصوتها الطفولي : من يدري ، ربما كنت أنا من يهتف لك .
ولاذ سامو بالصمت برهة ، وعيناه تجوبان أطراف الجبل ، التي تضيؤها أشعة القمر ، ثم قال : لقد سبقني أبي إلى مجاهل هذا الجبل ، وكنت ما أزال طفلاً .
ونظرت إليه اهاتاني ، وقالت بصوتها الطفولي : هذا الجبل ، يجذب أحياناً ، أناساً لهم خصوصيتهم ، ولابد أن أباك واحد منهم .
وهزّ سامو رأسه ، ثم قال : لا ، لم يكن أبي من هذا النوع من الناس ، فقد جاء يبحث عن طفلة ، اختطفها نسر ضخم ، كانوا يسمونه في قريتنا ، كما تسميه أنت ، طائر الرعد .
ونظرت إليه اهاتاني صامتة مترقبة ، وقلبها يخفق بشدة ، فحدق سامو فيها ، وقال : الذين يتذكرونها ، قبل أن يختطفها طائر البرق ، ومنهم أمي ، كانوا يقولون ، إنها طفلة بيضاء كالثلج ، وعيناها زرقاوان كسماء الصيف ، وشعر كأنه أشعة الشمس .
ونهضت اهاتاني ، وقالت بصوت مرتعش ، تبلله الدموع : لابد أنهم يذكرون أمها أيضاً ..
وصمتت مغالبة دموعها ، فنهض سامو ، ووقف على مقربة منها ، وقال : يقال أنها كانت تعبدها ، فهي ابنتها الوحيدة ، وكان زوجها قد اختطفه البحر ، وحين جاء طائر الرعد ، واختطف طفلتها ، جن جنونها ، وراحت تدور في القرية ليل نهار ، تصيح .. أريد طفلتي .. أريد طفلتي ..
وصمت سامو لحظة ، ثم قال : لم يحتمل أبي بكاءها وصياحها المجروح ، فأخذ قوسه وجعبة سهامه ، وصعد إلى الجبل ، ومنذ ذلك اليوم لم يره أحد .
والتفتت اهاتاني إليه ، وحدقت فيه بعينين تغرقهما الدموع ، وقالت : سامو .. أنا تلك الطفلة .
وأخذها سامو بين ذراعيه ، وقال : هذا ما خمنته ، يا اهاتاني ، منذ أن رأيتك لأول مرة ، تطلين عليّ من فوق تلك الصخرة .
” 7 “
ــــــــــــــــــــ

تمدد سامو في فراش اهاتاني ، هذا ما أصرت عليه اهاتاني ، وتمددت هي على فرش بسيطة ، على مسافة أمتار منه .
لم تنم اهاتاني ، رغم أنها أغمضت عينيها ، في عتمة الكهف ، وكذلك سامو ، فقد أغمض عينيه ، لكنه لم ينم ، رغم العتمة وتقدم الليل .
والبطة المشوية ، التي هيأتها اهاتاني للعشاء ، ظلت في إنائها ، لم يلمسها أحد منهما ، رغم أن كليهما ، ربما كانا جائعين .
قالت اهاتاني لسامو ، قبل أن تأوي إلى فراشها وتتهيأ للنوم ، لعلها ترتاح قليلاً : سأعد لك البطة ، يجب أن تأكل ، فالحليب لم يشبعك .
فقال سامو ، وهو يتمدد في الفراش : لست جائعاً ، كلي أنت إذا أردت .
ولم تكن اهاتاني تريد أن تأكل أي شيء ، فتمددت في فراشها ، وأغمضت عينيها ، لكنها لم تنم ، وكيف يمكن أن تنام ، وكلّ تلك الذكريات ، تدوّم في أعماقها ؟
سمعته يتقلب مرات في فراشه ، وسمعها تتقلب في فراشها ، وبدا لكل واحد منهما ، أن الآخر لم ينم ، فتطلعت اهتاني إليه في العتمة ، وقالت : سامو ..
ولاذ سامو بالصمت لحظة ، ثم قال : يبدو أنك لم تنامي حتى الآن .
وصمت لحظة ، ثم قال : أنتِ متعبة ، يا اهاتاني ، الأفضل أن تنامي .
وبصوتها الطفولي ، القادم ربما من أعماقها ، قالت اهاتاني : إنني أسمع أمي ، تجوب القرية ، وتصرخ باكية .. اهاتاني .. اهاتاني .
وقال سامو ، وكأن صوته يأتي من نفس الأعماق : خرج أبي وقتها للبحث عنك ، رغم أن الجميع حذروه ، وقالوا له ، لا تذهب ، إنه طائر الرعد .
واعتدلت اهاتاني في فراشها ، وقالت : لم يؤذني طائر الرعد هذا ، رغم أنه اختطفني من أمي ، بل رعاني وكأني فرخ صغير من فراخه .
واعتدل سامو في فراشه ، وراح ينصت إليها ، دون أن تبدر منه نأمة واحدة ، واستطردت اهاتاني قائلة : جاء بي إلى هذا المكان ، ووفر لي ما يمكن أن يسد رمقي من الطعام ، ومع الأيام صادقت هنا الطيور والأرانب والوعول ، وتعلمت في البداية أن أرضع مع صغار الوعول ، حتى كبرت بعض الشيء .
وصمتت اهاتاني لحظة ، ثم قالت : لم أنقطع تماماً عن الناس ، فقد كان يأتي إلى الجبل هذا ، بين الحين والآخر ، أناس عديدون ، كنت أتلصص عليهم ، وأسمع أحاديثهم وأفهمها ، وكانت تذكرني بأحاديث أمي والأطفال الذين عرفتهم ، قبل أن يختطفني طائر الرعد ويطير بي إلى هنا .
وابتسمت اهاتاني ، وقالت : وتعلمت منهم أيضاً ، كيف أشعل النار ، وأعد بعض الطعام ، بل وسرقت منهم بعض الأواني والفرش .
ومرة أخرى صمتت ، ثم قالت : لم ينتبه أحد منهم إليّ على الأغلب ، فقد كنت شديدة الحذر ، إلا صياد عجوز ، لمحني أتلصص عليه ، فناداني ، هربت دون أن أردّ عليه ، فلحق بي وكأنه شاب مليء بالعزم والحيوية ، وهو يتقافز خلفي فوق الصخور ، وكاد يمسك بي ، لو لم يظهر الطائر الرعد في أعالي السماء ، وينقض عيه كالبرق ، ويصيبه إصابات ، ربما كانت قاتلة .
وصمتت اهاتاني لحظة ، وتطلعت إلى سامو عبر عتمة الكهف ، وقالت بصوتها الطفولي : وأخيراً .. جئت أنت .. يا سامو .
وتنهد سامو ، وقال ، وهو يتطلع إليها عبر عتمة الكهف : جاء بي إلى هذا المكان ، ذلك الهاتف ، وكأني في أعماقي ، ودون أن أدري ، جئت أبحث عما أراد أبي أن يبحث عنه ، في هذا الجبل ، وإذا كان أبي لم يجدك ، فها أنا قد وجدتك يا .. اهاتاني .
صمت سامو ، وصمتت اهاتاني ، وسرعان ما استغرق سامو في النوم ، أما اهاتاني فلم تنم مباشرة ، فقد كانت تسمع أمها ، وهي تدور في القرية باكية ، وتصيح بصوت المجروح : اهاتاني .. اهاتاني ..
” 8 “
ــــــــــــــــــــ

في اليوم التالي ، حاول سامو ، وكذلك اهاتاني ، أن يتجنبا الحديث ، عما دار بينهما ، منذ لقائهما عند شجرة الجوز ، حتى ليلة أمس .
وبعد أن تناولا الفطور ، وهو كالعادة حليب وعلة من الوعلات ، دون أن يتبادلا أي حديث تقريباً ، أخذت اهاتاني .. سامو .. إلى جولة خارج الكهف .
أخذته أولاً إلى شجرة الجوز ، التي تحرسها الصخرة الضخمة ، حيث وقع نظره عليها حقيقة لأول مرة ، بعد أن تراءى له ، أنه رآها في المنام .
ثم أخذته إلى عين الماء ، التي ينبثق ماؤها من بين الصخور ، وتوقفا هناك صامتين ، يتأملان الماء الرقراق ، وهو يتسلل بين الصخور ، وينحدر بسرعة متزايدة نحو الأسفل .
والتفتت اهاتاني إلى سامو ، وقالت بصوتها الطفولي الرقراق : سامو ..
ونظر سامو إليها ، فقالت مشيرة إلى العين : تذوق هذا الماء .
وابتسم سامو ، وقال : لقد رأيت الوعل الصغير يشرب منه ، قبل أن تنقضّي عليّ .
ولعل اهاتاني لم تفهم ما يقصده سامو بالضبط ، فقالت : إنه ماء بارد عذب .
وقال سامو : آه لو كنتُ وعلاً .
وابتسمت اهاتاني ، يبدو أنها فهمت ما يقصده هذه المرة ، أو ربما ظنت ذلك ، فانحنت على ماء العين ، وغرفت منه براحتيها ، ثم تقدمت من سامو ، وقالت : الآن تستطيع أن تشرب .
ودسّ سامو شفتيه في الماء المترجرج بين راحتيها ، وراح يرشف منه في تمهل ، حتى أتى عليه ، فرفع رأسه ، وقال : لذيذ جداً .
وابتسمت اهاتاني ، فقال سامو : يبدو أنني لن أرتوي من هذا الماء .
ونظرت إليه اهاتاني ، وقالت : لا عليك ، يا سامو ، سأسقيك حتى ترتوي .
وهمت اهاتاني أن تنحني على ماء النبع ثانية ، لتغرف براحتيها بعض الماء ، فمدّ يده ، وأمسك ساعدها ، وقال : لا تحاولي ، لن أرتوي .
وتراجع سامو خائفاً ، حين لمح ظلاً يحوّم حولهما ، ورفع رأسه وإذا طائر الرعد يحوم في الأعالي ، وفي عينيه تتوهج جمرة من الغضب .
ورفعت اهاتاني رأسها ، وحين رأت طائر الرعد قالت : اطمئن ، يا سامو ، لن يهاجمك بعد اليوم .
وبالفعل ، حام طائر الرعد فوقهما عدة مرات ، ثم انطلق صاعداً ، نحو الصخور العالية ، القريبة من القمة المكللة بالثلج صيفاً وشتاء ، وهو يطلق صوته الرعد ، وغاب بين شعابها .
وبعد منتصف النهار ، عادا إلى الكهف صامتين ، وقد تجنب كلّ منهما من جهته ، الحديث عما دار بينهما ، منذ لقائهما الأول ، عند شجرة الجوز .
وعند باب الكهف ، تناهى إليهما صوت طائر الرعد مرة أخرى ، يصيح بصوته الثاقب ، فتوقف سامو ، ورفع عينيه ، ورأى الطائر يحوم في الأعالي ، وهو يصيح بين حين وآخر ، فقال : لقد عاد طائر الرعد .
ونظرت اهاتاني إلى الطائر ، وقالت بصوتها الطفولي : إنه غاضب ومهموم .
ونظر سامو إليها ، وقال : ألا يكفه أنه خطفك ، وأنت طفلة صغيرة :
وقالت اهاتاني : إنه يحبني .
ونظر سامو إليها ، فقالت بصوت طفولي حزين : وأنا أيضاً أحبه .
وحام طائر الرعد فوقهما صامتاً ، ثم هبط من أعالي السماء ، وحط في هدوء على صخرة عالية ، تقف بشموخ على مسافة من الكهف .
وهمّ سامو أن يدخل الكهف ، وهو يقول : تعالي ، يا اهاتاني ، لندخل ونرتاح قليلاً .
ونظرت اهاتاني إلى طائر الرعد ، الذي كان يتطلع إليها ، وقالت : إنه يناديني .
فتوقف سامو ، وقال : اهاتاني ..
واتجهت اهاتاني نحو طائر الرعد ، دون أن تلتفت إليه ، وقالت : أدخل الكهف أنت ، سأرى طائر الرعد ، وأعود بعد قليل .
” 9 “
ـــــــــــــــــــــ

قبيل المساء ، والشمس تميل إلى الغروب ، رأته يجلس ساهماً ، مهموماً ، عند باب الكهف ، فجلست إلى جانبه ، وهمهمت متسائلة : هم م م م ؟
فنظر سامو إلها ، وقال : أمي .
قالت اهاتاني مازحة : اذهب إليها .
وقال سامو : ستهمهم لي مستفسرة هم م م م ؟
ونظرت إليه مستفهمة ، فقال سامو : لن أكذب عليها .. سأقول لها .. اهاتاني .
فقالت اهاتاني : لابد من حلّ .
ونظر سامو إليها ، وقال : ساعديني .
ورفعت اهاتاني كتفيها ، وقالت : الأمر لك .
فقال سامو : لا أستطيع أن آتي بأمي إلى هنا ، فهي امرأة عجوز متعبة ..
ونظرت اهاتاني إلى طائر الرعد ، الجاثم على الصخرة المرتفعة ، وقالت : وأنا لا أستطيع أن آخذ طائر الرعد ، وأنزل به إلى القرية .
والتفت سامو إليها ، وقال : تعالي معي وحدك ، فطائر الرعد ولد وعاش حياته هنا .
وهزت اهاتاني رأسها ، ثم قالت ، وهي تنظر إلى طائر الرعد : أخذني .. ورعاني .. وعشتُ إلى جانبه .. كلّ هذه السنين .
ونظر سامو إليها ، وقال : اهاتاني ..
وتطلعت اهاتاني إليه حائرة ، فقال : لابد من حل ، وفي أسرع وقت ممكن .
وأطرقت اهاتاني رأسها ، دون أن تحير بكلمة ، فنهض سامو ، ومضى إلى داخل الكهف ، وهو يقول : إنني متعب ، سأنام .
ولبثت اهاتاني جامدة في مكانها ، وانبثقت الدموع من عينيها ، كما تنبثق المياه من أعماق الأرض ، حاولت جهدها أن تحبسه ، دون جدوى .
ونهضت من مكانها ، وبدل أن تدخل الكهف ، وتمضي إلى سامو ، نظرت إلى طائر الرعد ، الجاثم فوق الصخرة المرتفعة ، ومضت إليه .
ونظر طائر الرعد إلى اهاتاني ، بعيني منطفئتين ، ورآها ـ على غير عادتها ـ مهمومة حائرة ، والدموع تغرق عينيها .
وتسلقت اهاتاني الصخرة المرتفعة ، بخطوات مترددة متعبة ، وتقدمت مطرقة الرأس من طائر الرعد ، وتوقفت على مقربة منه ، ورفعت عينيها الغارقتين بالدموع إليه ، دون أن تنطق بكلمة واحدة .
وحدق طائر الرعد فيها ، بعيني حزينتين منطفئتين ، ثم فتح جناحيه الهائلين ، وطار مبتعداً ، وبدل أن يتجه إلى عشه ، كالعادة في مثل هذا الوقت من النهار ، أرتفع عالياً .. عالياً .. عالياً .. ولم يتوقف عند الصخور العالية ، بل حلق حتى القمة ، التي لا يغيب الثلج عنها طول أيام العام ، واختفى وراءها ، كما تختفي الشمس الغاربة وراء الأفق البعيد .
وتلفتت اهاتاني حولها ، لا تدري ماذا تفعل ، وفجأة وجدت نفسها تنزل عن الصخرة المرتفعة ، وتتجه راكضة نحو الكهف ، وهي تصيح بصوت باك : سامو .. سامو .. سامو .
وهبّ سامو من فراشه ، حين تناهى إليه من الخارج ، صوت اهاتاني الباكي ، وأسرع إلى خارج الكهف ، ليرى ما الأمر .
وأقبلت عليه اهاتاني راكضة باكية ، فمدّ يديه إليها ، وأمسك يديها المرتجفتين ، وقال : اهدئي ، يا اهاتاني ، اهدئي ، وأخبريني عما جرى .
فقالت اهاتاني باكية : طائر الرعد .
وتساءل سامو ، وهو يحاول أن يهدئها ، ويكفكف دموعها : اهدئي ، يا اهاتاني ، اهدئي يا عزيزتي ، وقولي لي ، ما الأمر .
وقالت اهاتاني ، وهي تشهق مغالبة دموعها : ذهب .. طائر الرعد .. ذهب ولن يعود .
وقال سامو ، وهو يأخذها باتجاه الكهف : تعالي ارتاحي في الداخل .. تعالي .
وسارت اهاتاني إلى جانبه ، ودخلت الكهف معه ، وقالت من بين دموعها : لن يعود .. لن يعود .
” 10 “
ـــــــــــــــــــــــ

استيقظ سامو ، في اليوم التالي ، قبل شروق الشمس ، وما إن فتح عينيه ، حتى عرف أن اهاتاني ، ليست في فراشها ، وخفق قلبه خوفاً ، ترى أين مضت هذه المجنونة ، في مثل هذا الوقت ؟
وهبّ من مكانه ، ومضى مسرعاً إلى الخارج ، ووقف على مقربة من باب الكهف ، وراح يتلفت حوله ، لعله يعثر على أثر لاهاتاني ، لكن دون جدوى .
وركض في هذا الاتجاه ، وركض في ذلك الاتجاه ، وهو يتلفت حوله ، وعيناه تركضان في كلّ الاتجاهات ، ويصيح بأعلى صوته : اهاتاني .. اهاتاني .
لم يسمع سامو رداً على صيحاته ، لكنه سرعان ما توقف ، وقد كفّ عن الصياح ، فقد رأى اهاتاني ، تقبل متعثرة ، وعيناها الزرقاوان غارقتان بالدموع .
وأسرع سامو إليها ، وقال : اهاتانو ، الوقت مبكر ، لقد قلقت عليك .
وردت اهاتاني ، وهي تغالب بكاءها : سامو ، لقد اختفى طائر البرق .
فقال سامو بصوت مطمئن : لا عليك ، إنه يستيقظ مبكراً ، كما تعلمين ، ولابد أنه مضى يبحث عن طعام له هنا أو هناك .
وهزت اهاتاني رأسها ، وقالت : لا ، لا ، لقد مضى ، إنه حتى لم ينم في عشه .
وأمسك سامو يدها ، وقال : تعالي ارتاحي قليلاً في الكهف ، وإذا لم يعد إلى عشه بعد شروق الشمس ، فسنبحث عنه أنا وأنت حتى نجده .
وبعد شروق الشمس مباشرة ، انطلقت اهاتاني برفقة سامو ، وبحثا عن طائر الرعد في كل مكان ، دون جدوى ، وعند غروب الشمس ، عادا متعبين منهارين إلى الكهف .
وتمددت في فراشها ، وكما أن سامو لم ينم ، فإن اهتاني لم تنم أيضاً ، وسمعها تنشج بصوت خافت ، وتتمتم من بين دموعها : لن يعود .. لن يعود .
وفي اليوم التالي ، وقبل شروق الشمس ، ذهبا معاً إلى العش ، لكنه كما كان في الأمس خالياً بارد ، هذه الليلة لم يبت طائر الرعد في عشه ، وتلفتت اهاتاني حولها ، تبث عنه بعينيه الغارقتين بالدموع ، وتساءلت بصوت مختنق ، وكأنها تحدث نفسها : ترى أين مضى ؟
وطوال النهار ، أعادا البحث عن طائر الرعد ، في كلّ مكان ، لكن دون جدوى ، ومع الغروب عادا مرة أخرى إلى الكهف ، وتناولا طعامهما صامتين ، ثم أوى كلّ منهما إلى فراشه .
في صباح اليوم التالي ، أفاق سامو ، وقد بدأت أشعة الشمس ، تتسلل إلى مدخل الكهف ، واعتدل في فراشه ، عندما رأى اهاتاني جالسة في فراشها ، وعيناها الزرقاوين ، تحدقان في الفراغ .
وتنهد سامو ، وقال : رأيت أمي في المنام .
ونظرت اهاتاني إليه صامتة ، فأضاف قائلاً : إنها امرأة مسنة ، وأخشى أن تكون مريضة .
ونهضت اهاتاني ، ووقفت بباب الكهف ، فنهض سامو ، ووقف إلى جانبها ، وقال : لابدّ أن أذهب ، لا أريد أن أتركها وحيدة ، في أيامها الأخيرة .
وصمت سامو ، وانتظر أن تعلق اهاتاني بشيء ، لكنها لم تتفوه بكلمة واحدة ، فاستدار على مضض ، ومضى في طريقه نحو القرية .
وتراءت له أمه ، كما رآها في المنام ، ليلة البارحة ، تمدّ إليه يديها الشائختين المرتعشتين ، وتناديه بصوتها الدامع : بنيّ سامو .. تعال .. تعال .. تعال .
لقد قالت له مراراً ، كلما رأته يتطلع إلى الجبل الأبيض ، بقمته التي لا يغيب الثلج عنها ، لا في الشتاء ولا في الصيف : سامو ، إنني لا أريد أن أفقدك ، كما فقدت أباك ، سأموت إذا غبت عني فترة طويلة .
وتوقف سامو ، قبيل منتصف النهار ، كأنما سمع صوتاً طفولياً يأتيه من الأعالي ، وتلفت حوله ، لكنه لم يرَ أحداً ، وتراءت له أمه ثانية ، تمد إليه يديها الشائختين المرتعشتين ، وتناديه بصوتها الدامع : بنيّ سامو .. تعال .. تعال .. تعال .
وبدل أن يواصل سامو طريقه إلى القرية ، عاد يتقافز فوق الصخور ، كوعل فتيّ ، وسرعان ما توقف ، وقلبه يدق فرحاً ، فقد رأى اهاتاني تركض مقبلة نحوه ، وشعرها الذهبي يتطاير في الهواء ، وارتمت بين ذراعيه ، وهي تقول : عرفت أنك ستعود إليّ .
وضمها سامو إلى صدره ، وقال في فرح وحيرة : اهاتاني ..
فرفعت اهاتاني عينيها الزرقاوين إليه وقد خلتا من الغيوم والأمطار ، وقالت : أريد أن أرى القرية ، التي ولدت فيها ، والتي سنعيش فيها معاً .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *