حيدر الزيدي : قراءة في رواية (موت صغير)

haidar-abed-allawi-2(اللهم لم اعبدك وحدي
ولكني عبدتك وحدك )
( الارحام اوطان اغتربنا عنها بالولادة )
ابن عربي

مغامرة ليست بالهينة عندما يعمد كاتب لتدوين سيرة الشيخ الاكبر ابن عربي ،فكيف اذا كانت هذه السيرة على شكل رواية سردية ،يمتزج فيها الخيال بالتاريخ ،وتلتبس فيها الاحداث والحقائق على القارئ العربي ،الذي يجهل الكثير من سيرة وأسرار هذا الرجل ،فالمغامرة هنا اعقد والدرب شائك ،ولاسباب قد تكون الفنية اهونها ،فابن عربي عالم قائم بذاته ،من الجغرافية والتاريخ والعلوم والديانات ،شب وسط اسرة ارستقراطية فوالدة يعمل في البلاط الملكي في اشبيلة ،وهو الولد الاوحد لابيه مع بنتين اثنتين ،عاش حياة غريبة ومتناقضة كان الشغف بالمعرفة هاجسه الاكبر ، وكانت البيئة التي عاشها في مطلع ايامه تتيح له ان ينهل من شتى الحضارات والديانات حتى المجوسية ،فزرعت فيه وسطية رافقته مدى عمره الطويل (٧٠ سنة) ،وهذه الوسطية كانت الركيزة الاساسية التي بنيت عليها شخصيته وافكاره ومواقفه الفكرية والسياسية، ولم يكن امام الكاتب الشاب الا ان يكتب تاريخ ابن عربي بوسطية تتماهى فيها بنى السرد والاحداث ،فجاءت الرواية بلا تعقيد ،السرد سلس وواضح والراوي كلي العلم يهيمن على السرد منذ اول سطر فيه ،لن تجد هنا اي لعبة او تعقيد سردي او بنائي ،عدا لوحات منفصلة يرويها رواة العصور التي تلت منذ وفاة ابن عربي حيث كان اول راوٍ ابن عربي نفسه وتبعه احد عشر راوياً اولهم سودكين الذي رافق ابن عربي عشر سنين حتى وفاته واعطاه ابن عربي المخطوطة اللغز( رمزية لشخصية ابن عربي نفسه ) ،اخذ رواة المخطوطة يتناوبون السرد حتى نصل الى ايامنا حيث تباع المخطوطة لباحثة لبنانية مسيحية وان كانت تشك باصالتها كونهااشترتها من سوري وجدها في صندوق اخيه الذي توفي جراء احداث سوريا الاخيرة ،لغز المخطوطة لم تحسمه الرواية ،ربما تعمل هنا كمعادل موضوعي لشخصية الشيخ الاكبر ،او هي ( المخطوطة) ابن عربي نفسه ،كونه لغزاً حير الالباب ،واختلفت عليه الاراء ،فالبعض يكفرونه واخرون يجعلونه قطباً الهياً ووتداً لافكاك للارض عنه ،واخرون التزموا الصمت ازاءه ،ولكنهmohammad hasan alwan كمخطوطته ،ظل صامداًمحفوظاً رغم الحروب والخراب والتدمير ،تتناقلها الصناديق الامينة والاقبية المخفية والايدي المخلصة حتى يوم الناس هذا ،وبطبيعة الحال ولانه ابن عربي فنحن نجهل المخطوط ولم يفصح الرواة عما فيه ،سوى الراوي الاول الذي يقول هذه سيرة الولي ابن عربي ،ألأن ابن عربي وفكرة محض خاص للخاصة الذين انتخبهم ورافقوه كبدر الحبشي وسودكين وزاهر واسحق ،وهذا الاختصاص يستمر بعد رحيل ابن عربي بسبعة قرون فلا تجد له من انصار الا خاصة قليلة تعد على الاصابع في كل عصر ،من هنا بالامكان قراءة هذه الرواية ،ولن اتهم الروائي بأي تناص او سطو ،ولكنه نجح في ترسيخ فكرة ابن عربي وجعل القراء يتيهون ويتحيرون ،يبدأ الرواة بسرد الاحداث من الصفحة الاولى للرواية ،حيث مات ابن عربي الراوي وترك ( المخطوطة / فكره) عند أخر مريد رافقه سودكين ،وتنتهي الرواية بأخر سارد الاكاديمية اللبنانين المسيحية التي دخلت الاسلام بعد انجاز اطروحتها عن حياة ابن عربي ،والتي قالت انها تأثرت بابن عربي القادم مثلها من المسيحية الى الاسلام ،حسب الرواية .
هذ الغموض والبقاء معاً لهذه المخطوطة ،تعنى شخص ابن عربي ذاته فهو برغم غموضه واختلاف الاخرين فيه وعليه ضل صامداً في وجه الاحداث والعواصف ،عدد رواة المخطوطة عشر رواة لاتجمعهم جغرافية ولاتاريخ فهم غرباء عن بعض ،ووجودهم في الرواية رمزي فلا دخل لمروياتهم بالاحداث وليس لهم علاقة بمتن الرواية الاصلي ،ومن الممكن جداً انتزاع مروياتهم من الرواية ولن يحدث اي خلل او اضطراب في السرد او الاحداث ،كذلك فإن مروياتهم منفصلة عن بعض سوى التسلسل الزمني ،فبالامكان قراءة اي لوح منفرداً وكانه قصه قصيرة بطلها مخطوطة …
رواية البوكر للروائي الشاب محمد حسن علوان سعودي الجنسية ويسكن ويعمل في كندا ،حقاً كانت عملاً مهماً ،استطاع الكاتب الشاب على مساحة ٦٠٠ صفحة ان يسرد سرداً متسلسلاً متصلاً حياة ابن عربي ،ومن الملاحظة الاولى ان الكاتب تجنب الخوض في افكار ومعتقدات وفلسفةابن عربي الا لماماً واشارات سريعة ،وذلك مما خفف من وطأة الرواية ومنحها رشاقة وسلاسة وتشويق ،فابن عربي متصوف وفيلسوف مثير للجدل حتى يومنا هذا ،وكلامه في كثير من ابعاده عبارة عن شيفرات والغاز لايمكن لأي أحد استيعابها وهو قد خص بها القلة القليلة من طلبته ،بل وحتى افكاره فقد تكون متضاربة فهو يفرق بين جانبين من جوانب التقييم للانبياء والاولياء ،فهناك جانب دنيوي وهناك جانب اخروى قدسي يختلف ،ابن عربي مالكي العقيدة ويقول بصحة خلافة الصحابة ،لكنه في الفتوحات المكية يعد الامام على ع اقرب الناس في العالم الملكوتي للرسول بل يصفه ( حامل سر الانبياء) ،فالدنيا عنده ليس مكان للتقديم والتأخير وليست محل تساؤل . kh mohammad hasan alwan
الرواية تتحدث عن ابن عربي الذي هو بطل الرواية وراويها ،بطريقة بانورامية مطلقة ،ينجح الروائي كثيراً في تجنب حقول الالغام المزروعة في مسيرةابن عربي التاريخية والفكرية ،ويتمكن السرد من تأشير المواقف الحاسمة والاحداث التي صنعت شخصية ابن عربي وفكره ،شخصية فاطمة بنت المثنى التي ربته وكانت له اماماً روحياً والتي كان يُكشف ( الكشف الصوفي ) لها ، كانت مرتكز اول في بناء شخصيته( ونقرت موضع القلب : طهر هذا … ثم اتبعه .. وعندها فقط يجدك وتدُك ) ص ٤١
توصيه ملهمته فاطمة ان له اوتاداً اربعة يحفظون الارض من السوء ، وعليه ان يبادر اليهم :
وكيف اعرفهم
هم يعرفونك ، هم يجدونك ص ٤٥
كان ابن عربي سائحاً في بحر المعرفة ، لم يتقبل القوالب الجاهزة للنص ، أياً كان قرآن ام حديث ، ( كنت اكره السباحة وتزعجني برودة الماء واتساخه ،ماعرف ابي ان السباحة هي العوم في ملكوت الله، والرماية هي قول الحق في موقف الخوف ، وركوب الخيل هو السفر في طلب العلم ، أخذ ابي الظاهر وكشف الله لي الباطن ) ص ٧٥
بهذه الصورة تبدأ شخصيته بالتشكل ، انه ينظر للحياة بمنظار العارف الذي يكشف له ،ويعلم ماتؤول اليه الامور ، وهكذا ضرب في الارض سائحاً من مغربها الاندلسي الى مشرقها العباسي والايوبي .
في مكة تنضج الفكرة وتتسع ،وتتبلور فلسفة الكشف وتفتح على ابن عربي فتوحاته المكية ،وهنا تكون الرواية عند مفترق طرق ،فالروائي درس جيداً السيرة والمسيرة ، وعند استار الكعبة يلتقي ابن عربي بمُعلم جديد ،ومَعلم جديد ،دم وإستدامة جديدة قد تتلاقح وتتسع ولاكنها لاتتقاطع ، هذا الاندلسي القادم من عمق حضارات حية ، وجد في مكة خيطاً جديداً اتسم بثلاث محاور محور زاهر وأخته العجوز العارفة ،ومحور نظام إبنة زاهرالوالهة المحبة والملهمة ومحور ثالث يمثله اسحق القادم من قونية وفي جعبته اشارات سريعاً ماالتقطها ابن عربي ليجسد فيها نظرته للوجود ووحدته ..
شكلت مكة الاساس الثاني في بناء الروح والقوة الداخلية ،ولاول مرة يكون ابن عربي امام زاهر وابنته واخته ام الخير وهم فرس يعيشون في مكة ويبدو انهم من الشيعة الاسماعيلية ،منحته هذه العلاقة وانغماسه بحب نظام ابنة زاهر القوةالاساسيةلمشروعه الكبير في كتابه الاهم ( الفتوحات المكية ).
في مكة يلتقي اسحق ،اسحق من تركيا ،يحدثه حول حياته ،وانه لديه حديقة يعتنى بها ويزرعها ،سواء اكان موجوداً ام مسافراً فإن عنايته بالحديقة مستمرة ،ويسأل كيف تعتني بحديقتك وانت غائب ،فيقول انه يرسل لها الامطار ويشذبها.
إشارات سريعة لكنها تذوب في البناء الروحي والتصوفي للشيخ الاكبر.
لكنه يغادر مكة اسفاً نادماً ،بسبب رفض نظام الزواج منه .
في بغداد يذهب ابن عربي الى الارباض هائماً ويجد حضيرة حيوانات وهي مريضة مجذومة تحتضر ،فيواسيها ،لعل حديقة اسحق علمته الكثير ،فاتحد لديه الوجود وتفاعل..
ولماذا موت صغير ؟!
وهل هناك موت كبير ،ابن عربي نحات ماهر للافكار والكلمات ،عناوين كتبه من سبعة قرون ولم تبل ،مازالت تشع بالحداثة ،شعر جميل ورشيق ،وحياته كلها حديثة ،عندما كان في اشبيلية مع اصدقائه المسيحيين يسكرون ويرقصون ثم يسمع الاذان فيقول لصاحبه الحريري هيا بنا نصلي ،ولكن الحريري ينهره كيف نصلي ونحن سكارى ،قال له ألست تدرك ماتقول ؟ .
نعم .
اذن قم بنا نصلي..ص١٣٩
ولعل هناك من يعيب ذلك على الشيخ او نشك برواية هذه الحادثة وان كانت وهو في العشرين شاب ارستقراطي اندلسي الحياة متاحة له ، ولكن ابن عربي ومنهجه وعرفانه يعول على القلب والروح ،فالسكران عنده من سكرت روحه اما من يتعلق بالله ويكشف له الله ،فلا تسكره الجرار ولا تضيعه الملهيات.
كل شئ مختلف عند الشيخ الاكبر ،حتى الموت الذي هو يقظه وفتح ،وبما إن الموت صغير ، فأكيد ان هناك موتاً اكبر ، وهنا لاتدخل الرواية اكثر ولاتتوغل في النسيج الغائم والمشفر للغة المتصوفة ، فالحب هو لغز الرواية وجوهرها ، والرواية تؤرخ لبناءين متناقضين الخراب والدمار وضياع البلاد والعباد ، وبناء اخر يتصاعد في جوهر وكينونة الشيخ الاكبر ،انه الحب الموازن الوحيد الذي يوقف هذا الخراب ، الحب الاكبر هو الفناء في الله ، وله حب صغير اخر قد يكون الفناء في الاخر ، الاخر بكل تفاصيله وليس بمسمياته ، السكارى المسيحيين ، وحديقة زاهر واشجاره ، والحيوانات النافقة في ارباض بغداد ،وبدر المجذوم الذي يفارقه الشيخ على مضض ولكنه يضل قريباً منه حتى يوارى في رمسه ،اليس هذا حباً ولكن اي حب ان تفنى في غيرك من جماد وانسان وحيوان ، فالحب هنا هو الخلاص من تزاحم الاضداد وتدافع الحضارات والمذاهب ..
وترد عبارة الحب موت صغير ، نكرة غير معرفة ، كونها تفتح الخيال لحب اخر معرف واكبر واكثر استدامة وبقاء .
لم تأت الرواية بجديد ، انها سيرة تاريخية موثقة في ثوب قصصي سردي ، اللغة عند ابن عربي هي السلاح الوحيد والامضى لتكوين الفكرة التي دافع عنها واودعها اسراره ورؤاه لعالم واسع ممتد ، لن تتوقف الحياة وتستمر تنهار مرة وتتدهور ولكنها تقف من جديد تصارع البقاء والفناء ، ولهذا فكتب ابن عربي وان كانت متاحة وتمتلئ بها الخزائن إلا انها بلا شراح ومفسرين لافائدة منها ولاجدوى ، يقول الشيخ مرتضى مطهري ” لن تجد في كل عصر من يفهم ابن عربي سوى شخص او إثنين )
ولأن ابن عربي يدرك لغة الضاد جيداً وسبرها شعراً ونثرا ، فإنه يترك لنا ان نفسر هذا التنكير لمفهوم الحب ، انه تنكير يراد به تعريف اوسع ، وعندما يقول حب صغير ، فأكيد هناك حب أكبر ،وإلا فما جدوى التصغير هنا كما ذكرنا .
الرواية برمتها رواية عشق ، وخلاص ، في هذا العالم الفسيح الذي عاشه ابن عربي والذي التقطت الرواية منه بعض ملامحه ، يتسع الحب الصغير ، ويتماهى مع الروح التي ستظل باقية ماأفلت دول وانقرضت حضارات .
يلتقي ابن عربي وهو في عنفوان الشباب بإن رشد وهو في الهزيع الاخير من الرحلة ، كان لقاءاً لايتكرر ،شمسان احداهما تكاد تتلاشى في مغيب محتم ، وشمس اخرى في طريقها للسطوع ، اي لقاء هذا ، لم يكن بين الشاب والعجوز الفيلسوف أي وشيجة فهما ينحدران من جبلين مختلفين ،ويصبان في اودية لاتلتقي ، وقد يجمع بينهما وحدة العدو ( الفقهاء) الذين يناصبون الفلاسفة والمتصوفة العداء ،ولم يسل سيف او تضرم نار لقتل او حرق متصوف او فيلسوف الا كان وراءها فقيه جامع لشرائط الفتوى قريب من سلطان زمانه .
قال ابن رشد محاولاً استدراج الشاب لمعرفة وزنه وركازته .
وكان الحوار حول قوانين الفلسفة التي نفاها ابن عربي وعزى كل شئ الى ( خلقٌ متعلقٌ بإرادة الله تعالى ) ص ١٢٨
في سيرة ابن عربي حياة متناقضة وصراع طويل ومتداخل ،ينتقل من زمان ومكان الى اخر ، ويبدو الثابت الوحيد في تاريخ ابن عربي وعصره هو شخصية ومواقف ابن عربي ذاته ، ويبدو ان الثبات هذا استمد قوته من تغيير المكان الذي يمارسه ابن عربي ،وهو لديه قدرة فائقة على تحسس الخطر ومغادرة مكامنه ،ويعزوها للكشف الالهي.
بقي ان نقول فيما نقرأ ، ان الرواية ومنها الواقعية السحرية والتي تختزل الواقع لتتمرد عليه وتقتحم الزمن لتسبقه ،سبق لنا ان وجدناه عند ايزابيل اللندي في روايتها بيت الارواح والتي تتنبأ فيها البطلة بالاحداث والثورات التي عصفت بالتشيلي ايام حكم اللندي ..

شاهد أيضاً

تجلّيات اللغة في القصيدة السرديّة التعبيريّة
بقلم: كريم عبدالله

بغداد – العراق 28/9/2020 شعريّةُ الذاكرة في القصيدة السرديّة التعبيريّة . أولاً : الذاكرة الشعريّة …

ساندرا شمعون: كرسي ستار نعمة

غريب تأثير الاعمال الفنية على الانسان ٠ تغمرنا بِموجة عاطفة تلمس خزين الذاكرة وبشكل محبب …

التشكيل العربي المعاصر
8 – الواقعية الطبيعية من المنظر إلى البورتيه في تجربة الفنان العراقي صالح رضا
ذ. الكبير الداديسي

صالح رضا فنان تشكيلي عراقي من مواليد 9 يوليوز 1960 استطاع أن يفرض نفسه رقما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *