علي عبد العال: أنا السجين الحر في المنافي (القسم الثاني والأخير)

حاوره في دمشق: حسين سرمك حسن

س 14 ) أستطيع أن أعد أسماء كثيرة لمجايلين لك يدّعون الإبداع، ويكتبون عن بطولات زائفة بعد احتلال بغداد المحروسة من قبل الأمريكان الغزاة، يكتبون عن بطولات لا تصل عشر معشار ما بذلته أنت من تضحيات قرضت سنوات عمرك، أي بشاعة باهظة تلك التي تجعلك لا ترى أمك العظيمة إلا بعد (26) سنة ؟!! ما الذي يمنعك من أن تكشف البعد النضالي في حياتك، وتسطّره إبداعيا وهو حق مشروع؟
ج:
لا أفضّل المقارنة بمستوى العذاب ومستويات الألم التي لحقت بالجميع جراء مواقف سياسية هوجاء ارتكبها النظام الدكتاتوري السابق بحق المواطن العراقي. لا مزايدة في مقدار الألم. وعند الخوض بالتفاصيل يمكنني القول بوضوح متوخيا الدقة والتحليل العلمي لهذه الملابسات التي تنطوي على بعض العناصر المعقدة وغير المفهومة، إن الفوارق متماهية في مستويات الألم ومستويات العذاب. وفي الأخير الكاتب الأديب والإنسان هو الذي يحدد موقعه في هذه المستويات من العذاب البشري الذي يجسد بالتالي مقدار التضحية والأخلاق العظيمة لهذا الكاتب أو ذاك. كما قلتُ قبل قليل الكاتب الجاد هو عبارة عن موقف إنساني شامل وموقف أخلاقي. عندما يفتقد الكاتب لأي من هذين العنصرين العضويين يجب علينا النظر إليه وإلى نتاجه نظرة أخرى مركبة ومؤّلة. لا أستطيع تفضيل تلك التأويلات على الحقائق الواضحة.
السؤال يخلط بوضوح بين السياسي والثقافي على الساحة العراقية التي تميزت بالعشوائية وعدم الوضوح حتى اليوم. التحالف الدولي الذي نظمته الأمم المتحدة بقيادة أمريكا لقلب نظام الحكم بالعراق بواسطة العمل العسكري المسلح تطلب وضع الكثير من المخططات والآليات من قبل جميع الدول المشاركة بهذا العمل العسكري الكبير. من بين هذه المخططات، وهذا أمر مفروغ منه، التنسيق مع القوى السياسية العراقية المعارضة بمختلف توجهاتها العقائدية والفكرية والقومية. وتم ذلك علنا وفي السر، وأيضا على مستوى التنظيمات والكيانات الحزبية وعلى مستوى الأفراد. الكثير من الأفراد انسلخوا من تنظيماتهم الحزبية بسبب عدم تلبية تلك الأحزاب لطموحات أولئك الأعضاء. وهذا حق مشروع في العرف السياسي والمفهوم الديمقراطي. هؤلاء الأفراد ظلوا يسبحون في فضاءات حرة نوعا ما. لم يغفل الأمريكان هذا الأمر الواقع، وحسب علمي تم الاتصال بهؤلاء الأفراد بطرق شتى وعُرض عليهم العمل في التحضيرات الشاملة للإطاحة بنظام صدام حسين الدكتاتوري. من الناحية السياسية الحرفية ليس في ذلك المبدأ من عنصر غريب. فقد حدث هذا الأمر وسوف يحدث على مر التاريخ وفي الكثير من التجارب المماثلة. لكن يبقى التفصيل المهم، وهو تفصيل شخصي ويتعلق بهؤلاء الأفراد أنفسهم. وعندما أقول يتعلق بالأفراد أنفسهم، أعني بذلك تحديدا مقدار الحماس ومستوى الاستعداد الفكري والجسدي لخوض غمار هذه التجربة. وهذا يختلف من شخص إلى آخر. ذهب البعض من هؤلاء الأشخاص إلى الولايات المتحدة الأمريكية بشكل منظم من الدوائر الأمريكية المختصة وفي مقدمتها جهاز الـ CIA  . وقد تم الاتصال بي من قبل أحد الأصدقاء من نيويورك وعرض عليّ المشاركة في هذا العمل لكنني رفضت العرض ولدي أسبابي الشخصية الكثيرة. ولكي لا أقع في شرك المزايدة المجانية أقول كان لهم في أن يختاروا ما يختاروا ولي الحق في أن أختار ما أختار. وهكذا تم خوض تلك التجربة كلا على سراطه الخاص. يبقى حساب النتائج والمنافع والمكاسب مختلفا بين الحالين. فكل واحد تكبد الخسائر بطرق مختلفة. الذي شارك حصل على مكسب مادي وله الحق في ذلك لأنه عرّض حياته للخطر المباشر وسط تلك الفوضى العسكرية وحصل على أجر مادي ووظائف كبيرة في الدولة الجديدة. والذي لم يشارك حافظ على كرامته بطريقة ما ولم يفد من التغيير المنتظر، ثم طواه النسيان. المستقبل والتاريخ هو الذي سوف يحدد قيمة هذه المواقف المختلفة والمتباينة وليس أنا من له الحق بإصدار الأحكام على هذه الحالة الملتبسة والمعقدة. وبالتالي هؤلاء الأشخاص الذين عرضوا خدماتهم من منطلق سياسي مبدئي أو من منطلق نفعي لمن لا يمتلك مثل هذه الخلفية السياسية، هم أشخاص راشدون، وفيهم من المبدعين المعروفين على الساحة العراقية فضلا عن السياسيين المعروفين بمختلف أنواعهم.هم من يستطيع وضع التبريرات والتوضيحات لمواقفهم تلك، وقد فعل البعض منهم مثل تلك المواقف، وسيفعل آخرون مثل هذه المواقف لاحقا. هم المعنيون بهذا الأمر وليس أنا.
زرت وطني العراق للمرة الأولى بعد التغيير لكي أكسر طوق عزلة ودائرة عذاب مغلقة جاوزت الربع قرن، لكي أرى أمي الحبيبة وما تبقى لي من أهل. فعلت ذلك بشكل فردي ومجرد كأي مواطن عادي يركب حافلة من حي السيدة زينب في الشام إلى بغداد ومن هناك إلى الديوانية المطمورة بركام الخراب والنسيان. لقد كتبت عن هذا الأمر عدة ريبورتاجات مطولة نشرتها في الصحافة العراقية والمواقع الالكترونية المختلفة، واشتغل منذ مدة على عمل روائي يتناول هذه التجربة تحت عنوان أولي هو :”في طريق العودة إلى الرحم”.
س 15 ) تقول في إحدى قصصك “لدي ربع قرن خدمة في المنفى”، وهناك من أمضوا – مقابل ذلك – خدمة ربع قرن في الحروب والحصارات في الداخل، كيف توازن بين “خدمة” الداخل و “خدمة” الخارج؟ ومن أي زاوية تنظر إلى معضلة تقسيم المثقفين العراقيين إلى مثقفي داخل ومثقفي خارج؟
ج:
أجبت في معرض السؤال السابق عن مستويات العذاب والألم؛ وقلت أن الأمر غير قابل للمزايدات ولا يخضع لمبدأ الأفضلية. الجميع ذاق مرارة الألم ولسعات العذاب ونال نصيبه كفرد وكحزب وكجندي وكمبدع في الداخل وفي الخارج. فالنظام الدكتاتوري البشع قاد العراق والعراقيين نحو الهاوية التي ينزلق فيها العراق والعراقيين حتى الآن. وتقاسمنا حصص العذاب كل حسب موقعه وحسب دوره قتلا وتصفية وتعذيبا وسجنا وكفاحا مسلحا ونفيا وملاحقة وقمعا وتكميما للأفواه وقطعا للألسنة والآذان وجدعا للأنوف وتسميما واغتيالا في المنافي. هذه هي معالم الأنظمة الدكتاتورية التي يعرفها التاريخ البشري على مر العصور، بغض النظر إذا كان الدكتاتور هو نيرون أو ستالين أو فرانكو أو هتلر أو موسوليني أو صدام حسين. لا مزايدة في مستوى الألم ومقدار العذاب. يوم واحد على جبهات القتال يعادل عاما في المنفى، ويوم واحد من الذل في المنفى يعادل شرف السجن عشرات الأعوام في أقبية الأمن والمخابرات والسجون السرية في الوطن. بالتالي لماذا حدث ذلك؟ هذا هو السؤال المهم. لماذا تحتم علينا تقديم هذه “الخدمات” المذلة والقاتلة التي تخلو من أي بعد إنساني أو أخلاقي؟ وهل سوف نتنافس بيننا على مستويات الألم والعذاب ونغفل العلة والسبب؟ إذا أردنا المضي بحياتنا المتبقية نحو مشارف الأمل والحرية والعيش الكريم كباقي الشعوب المتحضرة، آخذين بأيدي أطفالنا وأجيالنا القادمة إلى طريق الأمل الصحيح، علينا طوي صفحات الماضي السوداء والإفادة منها بعدم تكرارها من قبل أي شخص ومن قبل أي جهة تنوي أعادة عجلة التاريخ للوراء.
أدب الداخل وأدب الخارج، موضوع، أو مقولة، أو مصطلح طُرح على الساحة الثقافية العراقية بعد التغيير وليس قبله، وهذه مفارقة تدلنا على الحيف الكبير الذي لحق بالأدباء والمبدعين العراقيين في الخارج، وهم شريحة كبيرة وواسعة ومهمة ممن وجدوا أنفسهم في المنافي المذلة وعانوا شظف العيش، لأن النظام السابق والمطبلين والمزمرين له من الأدباء في الداخل لم يعترفوا بوجود ظاهرة ثقافية عراقية كبيرة خارج العراق. كان العراق بمؤسساته الثقافية وبصحفه الداخلية البائسة والخارجية المأجورة، وكتبه ومجلاته وإعلامه المسموع والمنظور ومؤتمراته الثقافية ومرابده هو لهم وحدهم. فجأة، وبعد التغيير السياسي الكبير، ظهر هذا المصطلح الذي يُراد من خلاله التمييز بين أبناء الوطن الواحد تحت اعتبارات مشبوهة من شأنها أن تدخل الجميع في نفق مظلم جديد.
 شخصيا لا أميل إلى التعاطي مع هذا المصطلح التفريقي غير الدقيق؛ وأعتبر أن جسم الثقافة العراقية هو جسم واحد كون أن الوجع العراقي هو عنصر واحد. وقد كتبت هذا الموقف في ورقة قدمتها في المهرجان الرابع الذي تنظمه مؤسسة المدى في أربيل عام 2006 ونشرت هذه الورقة في عدة صحف عراقية والكثير من المواقع على الويب. لكن عند الرغبة بفحص هذا الواقع الثقافي والأدبي المتشرذم على الصعيد الإبداعي فهذا أمر مختلف تماما. وأنا من أكثر المتحمسين للمقارنة بين ما يُنتج من إبداع في ظل نظام دكتاتوري مباشر في الداخل، وبين ما يُنتج من إبداع تحت هامش من الحريات التي يوفرها المنفى بعيدا عن آلة البطش وأدوات القمع والرقابة الصارمة التي تعرّض لها أدباء الداخل.

س 16 ) “يتمتع الرجال مهما كبروا، وكبرت حكمتهم في الحياة بميزة فريدة: العودة المباغتة إلى المراهقة. تحدث هذه العودة بسهولة تامة وفي أي لحظة. الرجال أطفال مجانين. قليل منهم يتمتع بالحكمة الحقيقية. لا يقطع لسانهم ومفاخرتهم الفارغة وبطولاتهم الزائفة سوى سيف الموت الباتر” .. هذا ما تقوله في رواية “جيسيكا؛ جمر عراقي على ثلج سويدي”، لكنك لم تصحُ في الرواية حتى مع صدمة رؤية بقع الدم على حذائك بعد حصول الجريمة!! .. هل هذه رسالة في أن الإنسان المنفي لا يصحو إلا بعد فوات الأوان، أو على حافته تقريبا؟؟؟
ج:
 هذا المقطع المختار من الرواية يتعلق بجميع الرجال في العالم وليس مقتصرا على الرجال في المنفى؛ إنه رصد لرغبة الرجل الدائمة لأن يكون فاعلا جنسيا حتى وهو يقطع أشواطا طويلة من العمر. بهذا المعنى هناك بعض الرجال لا يستحون ولا يحترمون أعمارهم الحقيقية. وتلك معضلة نفسية عامة ولا تقتصر على الرجال في المنفى أو في أوطانهم، وإنما تنطبق على جميع الرجال في أنحاء العالم. فليس من السهل على الرجل إعلان عجزه الجنسي أمام الآخرين. هذا يشبه الإعلان عن موته المعنوي. ربط هذا المقطع بحادثة حدثت في الرواية للبطل الرئيس في العمل ليس لها دلالة فلسفية محددة. عمر البطل في الرواية لم يبلغ عتيا. هو رجل حيوي في الأربعينات من العمر وأمامه مشوار جنسي حافل فيما إذا أختار تنفيذ مثل تلك المتطلبات الجنسية وإشباع الحاجة الغريزية الطبيعية. لا يتعلق هذا الأمر بـ “الصحوة” المتأخرة لدى الرجال في المنفى. الرجل المنفي في الغالب كائن حساس إلى أبعد الحدود، وهو مختل نفسيا بطريقة ما، وصاحي إلى أبعد الحدود كونه يعيش حالة ترقب دائمة كحارس ليلي في منطقة خطرة وليس لديه سلاح فعّال. درجة الانتباه تأخذ زاوية حادة عند المثقف المنفي؛ لذلك هو كائن صاحي على الدوام ومتابع جيد لمعظم الأحداث التي تقع في وطنه، فضلا عن الأحداث التي تقع في محيطه الجديد والغريب.
س 17 ) من “جيسيكا” أو “جمر عراقي على ثلج سويدي” أيضا، وبعد أن قرأت قولك: “لكم أبدو مندهشا وضعيفا كنملة سوداء في حشر جيش من النمل يسحقه قدم فيل .. لا أفغر فاهي عندما يجتاحني الشعور الحقيقي بالنهاية المفزعة .. كما أني لو مت أمس أو متّ غدا .. أو سأموت عند هذه الكلمة فقط .. الذين أعرفهم انتحروا ورحلوا، إذ يقول القانون الطبيعي: العذاب للأقوى .. عفوا البقاء للأقوى .. لكن قيمة البقاء تكمن في قيمة العذاب .. البقاء = العذاب .. هل تريد إقناعنا أن الإبداع ممكن أن يخفّف – كطريق علاجية – من قيمة العذاب تلك؟
ج:
جوابي هو نعم وبكل تأكيد؛ الإبداع بكل أشكاله وأنواعه من موسيقى وفن تشكيلي وآداب إنسانية من شعر ومسرح وقصة ورواية، هو أفضل طرق العلاج النفسي التي تعين البشر على تخطي محنتهم ومشاكلهم النفسية لكي يمارسوا الحياة من جديد كناس طبيعيين. هذا العلاج “الإبداعي” قديم قدم الإنسان. فكانت طرق السحر والشعوذة، وهي أساليب بدائية من خلق البشر تحاول تصحيح المسار النفسي لبعض المرضى النفسانيين من البشر. حتى هذه الأيام تُمارس مثل تلك الطقوس في أصقاع المعمورة، بغض النظر عن حالة التقدم والتأخر العلمي والتقني التي بلغها العالم المتحضر. وهناك مرضى من أوروبا يقصدون بعض القرى القصية في الصين وفي أفريقيا للعلاج على أيدي أشخاص مشعوذين يتمتعون بطاقات إبداعية تتداخل فيها عناصر الموسيقى والكلمات السحرية وغيرها من العناصر المرافقة كالألوان والطقوس الممسرحة الخاصة. المريض يبحث عن العلاج حتى لو كان في المريخ. وهذه غريزة بشرية محمودة تمّيز الإنسان عن الحيوان.
أذكر من التراث العربي أن أبا من الأثرياء ينازع ولده سكرات الموت، فأحضر الطبيب والموسيقي الفارابي، فعزف على آلة العود فاستفاق الصبي وصحا لدقائق وبدا كما لو أنه لم يمرض. وبعد توقف العزف مات الصبي. فقال الفارابي: “تلك هي جذوة الروح الباقية في الجسد”. والناس تقرأ آيات من كتاب الله العزيز ترتيلا بالقرب من المرضى، وللتخفيف عن الأحزان والكآبة في نفوس الآخرين عند موت أحد مقربيهم أو عزيز لهم. وتلك العملية هي في الأخير موسيقى وألحان ونصوص مقدسة. النصوص الإبداعية لها المقدرة الكبيرة والعجيبة على التأثير في النفوس البشرية. وإذا كنت قد اخترعتُ تلك المعادلة المعدّلة من القانون الطبيعي لداروين الذي قال “البقاء للأقوى” فالقوي هو الذي يتحمل القدر الأكبر من العذاب، وإلا ليس من الممكن أطلاق هذا الصفة عليه، صفة القوة. والقوة تأتي من الخلق والإبداع والنصوص والمدونات الفلسفية والأدبية والقانونية.
علم النفس الحديث يقوم بالدرجة الأساس على الكلام والإفصاح والمقدرة على التعبير؛ ويقوم على تحليل النصوص المكتوبة منذ بواكير الدراسات النفسية للمسرحيات الخالدة لشكسبير والتراث الإنساني المكتوب لكي يتوصل إلى حل المشكلات النفسية التي يعانيها البعض من الأفراد المرضى. الكتابة بشكل عام هي نوع من أنواع العلاج النفسي؛ حتى كتابة الرسائل ومواد الخواطر والقصائد البسيطة والقصص الساذجة. الإنسان كائن صعب المراس، وهو يميل إلى صنع الحلول عند الضرورة أكثر من ميله نحو النكوص والانزواء. الأعمال الأدبية تمثل في جوهرها حالة من التعويض حسب نظرية الفيلسوف الألماني “إدلر”. والنص الإبداعي، مهما بلغت درجة قيمته الإبداعية صعودا أو هبوطا، هو عبارة عن مادة فكرية وذهنية تشبه الطعام الروحي والنفسي أو الأدوية الكيميائية التي يمكن لها تعويض الخسائر الروحية التي ألمت بشخصيات العمل لكي يتم تجاوزها من قبل الأشخاص الذين لم يتعرضوا لمثل تلك المطبات الخطيرة في الحياة. عندما تّطلع من خلال القراءة على حالات مدمرة فأنت لا تفضل الوقوع بمثلها. هنا يمكن الحكم على الفرد كونه مثقفا ويستطيع تجاوز الكثير من المشاكل الحياتية نتيجة ثقافته. الفرد غير المثقف يسقط بسهولة في المعاناة النفسية لفراغ خزينته الفكرية والذهنية من التجارب الأدبية التي مر بمثلها السابقون.
أما عملية الكتابة ذاتها؛ عملية الخلق والإبداع، فهي من دون ريب توفر طاقة فريدة لتجاوز السقوط في ظلمات الكآبة النفسية. الفرد المبدع يتجاوز المصير السهل.  قيل في لغة العرب: “مَن يزداد معرفة يزداد ألما”. الإحساس بالألم هو المؤشر الجيد للخلاص منه. فما قيمة الحواس والجملة العصبية إذا لم تنبهك عن المرض قبل فوات الأوان؟ تستطيع القول إن صحة المجتمع العامة تقاس بنسبة ثقافته الأدبية والإبداعية ومستوى وعي أفراده في حقول الثقافة بجميع أشكالها وأنواعها. حتى الطب بجميع صنوفه هو حالة من الإبداع الأدبي والفلسفي والعلمي. تبقى الكتابة، لمن يقدر على ممارستها أفضل علاج للأمراض النفسية المزمنة. هذه ليست أحكام إطلاقية ونهائية؛ بل هي أحكام تخضع في مقدار صحتها للمبدأ النسبي.
 س 18 ) من أهم علماء النفس الذين تخصصوا بأمراض الهجرة والمنافي قوله “المنفيون هم رفاق الزورق الواحد”، المهدد بالغرق طبعا .. هل شعرت بمصداقية هذه المقولة .. أم كان المنفيون العراقيون يأكل بعضهم بعضا؟؟ كيف استثمرت هذه الحالة الصراعية إبداعيا؟
ج:
كتبتُ هذا العنوان بالتحديد في الصحافة السويدية عندما عملت فيها فترة من الزمن؛ وبالتحديد كتبت هذا العنوان للمقال: “نحن في زورق واحد”. ولم أكن قد قرأت أو أطلعت على مقولة عالم النفس الذي لم تذكر أسمه. المنفيون الغرباء هم حقا في قارب واحد بنظر المجتمع المضيف. عندما تقارن شكلنا بشكل السويديين أهل البلاد الأصليين فأننا نبدو متشابهين إلى أبعد الحدود من ناحية الشكل. ومن الصعب عليهم تمييز أحدنا عن الآخر. وهذه معضلة كبيرة نعاني منها بشكل واقعي. وهم بالتالي، كأفراد وكمؤسسات يجنحون لاعتبارنا “حالة متشابهة”. عند رجوعهم لأصولنا وبلداننا الأصلية. فالعراقي له ذات الخلفيات الاجتماعية العامة الموروثة من وطنه، بغض النظر عن الدين والقومية. والصيني له ذات السمات والأصول الثقافية التي تتبع جذوره الأولى، وهكذا دواليك. من الناحية العلمية العامة هذا الحكم الصادر من المؤسسات الاجتماعية الرسمية والطبية يتمتع بقدر كبير من الصحة والحقيقة. فهنالك أمراض يتميز بها اللاجئون الصينيون، وهنالك عادات يتميز بها الشرق أوسطيون، وقس على هذا المنوال. لكن عند الفحص والتدقيق لا يشبه صيني أي صيني آخر، كما لا يشبه عراقي أي عراقي آخر، كما لا يمكن أن تتطابق بصمات الإبهام بين شخص وآخر. لا يتشابه الأفراد في الوعي والمستوى العلمي وغير ذلك من التفاصيل. لكن لا يقدم طبيب صيني أو مثقف عراقي على ارتكاب عمليات السطو والنشل والعراك في الشوارع في حالة من السكر والعربدة. في الوقت ذاته يمكن لأي لاجئ صيني أو عراقي أن يرتكب مثل هذه الحماقات كونهم أفرادا عاديين. نظرة المجتمع والصحافة الحرة بشكل عام ستقول في اليوم التالي: لاجئ من أصل شرق أوسطي أرتكب عملية سطو، أو قام بعملية اغتصاب فتاة قاصر، أو قام بتعذيب زوجته أو ابنته. هنا نختلط جميعا بهذه الأحكام وهذه المفاهيم في نظر العامة والجمهور الهلامي. لذا نعاني الكثير جراء هذه التصرفات والسلوكيات الشاذة التي يرتكبها بعض الحمقى. لكن بوجود القانون والعدالة يتم حسم الأمور ونيل الجزاء لمن يرتكب هذه الجرائم والجنح كما يمكن أن يرتكبها أي مواطن سويدي.
من الطبيعي جدا في مجتمعات المنفى أن تبرز للعيان ظواهر الحسد والتنافس المشروع وغير المشروع بين أبناء الجالية الواحدة. ولأن الحالة مكثفة، بل وشديدة التكثيف خارج الوطن، فإن الأحقاد تنمو بشكل سرطاني بين المنفيين. في ربوع الوطن تضيع مثل هذه المقاييس تبعا لمكانة الأفراد العلمية والاجتماعية والاقتصادية وصلة القربى، لكن في المنفى تتضخم هذه الحالة إلى حدود قصوى ومن دون مبررات لذلك سوى الغيرة والحسد، ذلك عندما يتساوى جميع المنفيين في منزلة واحدة خصوصا في البدايات عندما تجمعهم معسكرات اللجوء. لا يبقى للطبيب أو الأديب من منزلة في نظر الحمال وعامل التنظيف طالما هو يتمتع بوضع اقتصادي ربما يفوق مستوى دخل الأديب أو الطبيب الذي لم يحصل على الفرصة المناسبة للعمل.
استطعت رصد مثل تلك الحالات في أعمالي الأدبية وقدمت مشاهد ساخرة ومبكية عن تلك الظواهر الجديدة والغريبة التي تحدث للمهاجرين والمنفيين. تم الثناء على أعمالي الأدبية التي تناولت هذه الظواهر الاجتماعية في عالم المنفيين من قبل نقاد سويديين طالب البعض منهم بترجمة أعمالي الأدبية ونشرها في المدارس والمعاهد والمؤسسات المختصة من دوائر الشرطة واللجان الاجتماعية المشرفة على سلوك اللاجئين. أعمالي على مقربة من الترجمة في سبيل خدمة المجتمع السويدي وفي خدمة المنفيين الذين يستطيعون تجاوز مشاكلهم إذا ما تمتعوا وتسلحوا بقليل من الحكمة والمعرفة التي توفرها لهم تجارب الآخرين عبر عملية الكتابة والإبداع التي تقدم لهم الحلول وكشف تجارب الآخرين ممن مروا بمثل هذه العذابات. لا يتطلب الأمر سوى الذهاب للمكتبات العامة واقتناء مثل تلك الكتب التي تعالج مشاكلهم السهلة أو الصعبة.
س 19 ) تقول أيضا: “أجثو على الطريق الغريبة تحت ظل لهذه السماء الفسيحة. بنات نعش يقدن خطوتي من سطح بيتنا في “الديوانية” بالعراق إلى تخوم بعيدة أجهلها تقع شمال كرة الأرض.. بالقرب من عرش الرب.. الأحلام القديمة كانت تواسيني، غابت تلك الأحلام، نسيتها ونسيتني، تركت الأحلام موقعها في كياني وأعماق روحي، أفرغته للكوابيس، هكذا أهدي للعام الجديد متاهتي الجديدة.. وفي كل يوم يصبح شرب استكان الشاي في مقهى رث في بغداد أشبه بالمستحيل.. ومشاهدة قبور أجداد أمي العلوية “زهرة” الموسوية؛ الشهداء العظماء.. الحسين بن علي والعباس أبو رأس الحار.. وضريح أبيهم الجليل.. خليفة الله على الأرض الزاهد العظيم علي بن أبي طالب.. هل صار كل هذا من المحال؟ …. )
    تقول أنت معلقا على ذلك: لم أكن أفكر بمثل هذه الأفكار عندما قدمتُ إلى هذه البلاد قبل خمسة عشر عاماً. كان يكفيني ظل شجرة في شارع قرب معسكر اللاجئين؛ أو ضياء القناديل الجميلة المنتشرة في شوارع المعسكر عند المساء. كنت أشعر بالفرح حين يهطل الثلج مبكرا أيام الشتاء الأولى. أما الآن فأنا أكره الثلج؛ واسخر من الأفلام التي تزيف أيام أعياد الميلاد في الكون، وتربطها بسقوط الثلوج في دلالة على اكتمال فرحة العيد. كل هذا كذب. الإنسان يحب أن يكذب على الدوام؛ بل إن أفضل وسيلة تساعده على المضي في هذه الحياة هو الكذب. لا توجد حياة بدون كذب، وكل مَنْ يقول لك عكس ذلك قلْ له: أنتَ كّذاب. ذلكم بالضبط نوع من أنواع “خداع النفس” من أجل العيش كيفما أتفق. يمارسه الإنسان مع نفسه، أو مع الآخرين، لا فرق، كي يصبح معنى العيش مقبولا. أقول ذلك من كثرة ما امتلكت من حكمة في الحياة؛ بالأحرى من كثرة ما تعرضتُ فيه للكذب والغش والخداع في الحياة. ومع ذلك يبدو الكذب جميلاً ، والحياة ذاتها تبدو جميلة كذلك. فماذا بوسع امرأة فقيرة ضائعة مجبرة على ممارسة البغاء، لأنه المهنة الوحيدة المتوفرة لها، غير أن تقول لرجل أحبته بصدق: “أقسم بكل المقدسات أنني مخلصة لكَ”؟
على هذا المنوال يحدّث “معروف البصري” نفسه أكثر مما يتحدث مع أي إنسان آخر عندما يباشر مونولوجه .. دعني أتساءل: هذا القدر من المحلية هل سيتيح لك الوصول إلى العالمية ناهيك عن العربية؟ وهل هو وصول يسير دون ترجمة ودون تنازلات؟ ما الذي قمت به من فعل لترجمة أعمالك وتحقيق الانتشار المطلوب؟ هل فكرت بتقديم أعمالك لجوائز هامة كجائزة سلطان العويس مثلا؟؟
ج:
الفرد المنفي هو كائن حالم بطبيعته الغريزية؛ لا يترك الإنسان موطنه الأول إلا تحت ضغوطات معينة. سياسية أو اقتصادية أو نفسية. لكنه يظل على الدوام، ومهما تنوعت الأسباب يحلم بالمكان الأول والسماء الأولى والسرير الأول والحضن الأول والماء الأول. الأمر الغريب جدا لا تشمل هذه الغريزة جيل الرواد الأوائل من المنفيين فقط، بل تلاحق جيلهم الثاني والثالث أحيانا. تلك ما يمكن أن تفعله الجذور القوية للبشر. البشر،سلوكيا، مكون من مواد معقدة أغلبها ذهنية ونفسية، يضاف لها العامل الجسدي والعنصر الروحي. البشر يشبه النبات عندما تقطعه من الجذور، لكنه يقاوم العوامل الطبيعية أكثر مما يمكن أن يفعله النبات، لأن النبات يفتقد للمخيلة ربما. وكذلك القياس على الحيوان. البشر يستطيع العيش قسريا مع بقية البشر من غير جنسه، لكن الحيوان لا يستطيع فعل ذلك إلا عندما يُرغم على العيش في حدائق الحيوانات. للبشر مخيلة وأدوات عقلية تجعله يعيش على أية بقعة من بقع الأرض. لكن الأمر لا يخلو من التضحيات الجسيمة على الإطلاق.
تعرف جيدا، وأنت الناقد المحترف، والمثقف واسع الإطلاع، أن عالمية الأديب تنبع بالدرجة الأولى من قيمته المحلية ومقدار تعبيره عن عصره وعصر مجتمعه لكي يجسد نموذجا إنسانيا يتطابق، بل ويعبّر عن معاناة الإنسان في كل مكان. التاريخ الأدبي حافلٌ بنماذج كثيرة غُبنت في حياتها ولحق بها الفقر والعوز والتجاهل الكامل من قبل المجتمع والدوائر المعنية. لكن نتاجهم الأدبي الرفيع المستوى تفوق على جميع العناصر المتخلفة والأحكام الجاهلة وأنتصر في نهاية المطاف. وبوسعي سوق عشرات الأمثلة على ذلك وأنت تعرف منها الكثير. الطموح مشروع لأي كاتب جاد أن يطمح للعالمية؛ أشعر نفسي قريبا من هذه الحدود من دون مبالغة. نتيجة التقييم الذي خضعت له أعمالي الأدبية في الخارج. لكن هويتي المحلية باهتة إلى حدٍ ما مما يجعل بعض القراء والنقاد لا يميزون بيني وبين أي كاتب يحمل الهوية الانكليزية أو الفرنسية أو الأمريكية. كتب أحد النقاد السويديين عن بعض نصوصي الروائية والقصصية هذه العبارة: “هذا كاتب عالمي، يمكن لأي قارئ عدم تميزه عن أي كاتب انكليزي أو سويدي”. أقول ذلك بكل تواضع وخجل وعندي الوثيقة الرسمية التي تثبت هذا الكلام بالتاريخ والرقم المقدم لوزارة الثقافة السويدية عندما تقدمت لنيل عضوية إتحاد الكتاب السويديين. وطالب هذا الناقد والمقّيم بترجمة أعمالي للسويدية. لذا أقول إنني اشعر بأنني على مقربة من نيل حقي وحق أعمالي الأدبية التي لاقت عدم الاهتمام عراقيا ردحا كافيا من الزمان، وهذا ناتج عن تقصير شخصي يتلخص بعدم بذلي الجهود اللازمة لإيصال أعمالي إلى العراق على مدى ربع قرن. لكن كن على ثقة أنني لست مستاءً كثيرا من هذا الوضع الذي أنا فيه. أركن للحقيقة وأؤمن بها. الأعمال الأدبية الجيدة تأخذ مجراها الطبيعي في الحياة شئتُ ذلك أم أبيت. شاء الآخرون أم أبوا. عدا ذلك فلتذهب أعمالي للجحيم.
التقدم للترشيح لنيل الجوائز الأدبية العربية والعالمية لا يتم بطرق فردية أو شخصية؛ وإنما يتم عبر ترشيح دور نشر ومؤسسات ثقافية تعني بها الدول المتحضرة التي ترعى أدباءها ومنتجي المعرفة فيها. ليست لي دولة تطالب بمثل هذا الأمر، ولا أمتلك مؤسسات ثقافية ترعاني في السويد وأنا أكتب بلغتي العربية. وبالتالي تقع المهمة على دور النشر التي طبعت كتبي. دار المدى رشحت روايتي “أقمار عراقية في السويد” لمنظمة اليونسكو كأفضل عمل لمهاجر عربي في أوروبا، كما أخبرني المدير العام للدار آنذاك الأستاذ الشاعر بندر عبد الحميد. لكنه أخبرني بعد حين أنه لم يقدم الرواية المذكورة لعدم قناعته بجدوى مشروع اليونسكو. كنت أنتظر مثل هذه الفرصة الذهبية بشغف، لكنني لا أستطيع التدخل بعمل الآخرين بشكل سافر.
   س 20 ) أتوقف الآن عند جزئية فنية تتعلق بالأسماء.. أسماء الشخصيات التي أقرأها في قصصك ورواياتك.. أسماء أشعر أنها حقيقية.. هل شعوري هذا صحيح، أم أنه مجرد تخمين نفسي مُسقط من قبلي؟
ج:
تشخيصك الذكي يقترب من الواقع كثيرا؛ أستطيع لصق أسماء وهمية كثيرة بشخصيات العمل والأبطال في القصص والروايات التي أكتبها؛ بيد أن الأسماء الحقيقية تظل تدور في ذهني حين انهمك بأطوار الكتابة وملاحقة تطور تلك الشخصيات الواقعية. فيراودني شعور بالبعد عن الحقيقة عندما تكون الأسماء التي أستخدمها ليست هي الأسماء الحقيقية. فأعمل على خلق وتوليف أسماء تقرب للأسماء الحقيقية. بحيث كل واحد يعرف اسمه جيدا لكنه لا يستطيع الجهر بذلك، ومن ثم لا يستطيع محاكمتي في القضاء كوني أعنيه هو بالذات. في الوقت نفسه أترك له الفرصة بتصحيح أخطائه وحرية التنصل من كونه هو الشخص المعني بالرغم من تقارب الأسماء. الناس تعرف ذلك جيدا، وها أنت عرفت ذلك بنظرتك النقدية الفاحصة وحس قراءتك المرهف. الاسم عبارة عن العنوان العام الأول للشخص، أيا كان هذا الشخص. لذلك يقول النحاة “اسم علم”. فالاسم علم بغض النظر عن حامله. فتجد من أسمه “صادق” هو من عتاة الكذابين. ومن أسمه “كريم” هو من أعتى البخلاء. ومن أسمه جميل وهو لا يمت للجمال بصلة لا من قريب ولا من بعيد. لذا أعتني جيدا بالأسماء الحقيقية ومقارباتها لكي أصل بالنص إلى درجة معقولة من الواقعية والسخرية والتهكم الذي يبتغي الوصول إلى بلورة صورة واضحة للقارئ عن جوهر تلك الشخصيات.
 س21 ) صدّقني “علي”، لقد شهقت، بعد أن قرأت هذا المقطع من روايتك (أزمان للمنافي) – خصوصا حين أشاركك كقارئ محنة المنفى – حيث تقول:
( .. وعلى الرغم من المعارف الجديدة التي قد يحصل عليها الإنسان من تجارب المنفى المؤلمة ومطبات دروبه الوعرة، يظل يجسد حالة من الاختلال العاطفي الدائم. حكمته الوحيدة في هذه الحياة غير المتوازنة هي: الاختلال المنظّم، إذا وُفقت في ابتكار هذا المفهوم العجيب. ينضج الناس بصورة طبيعية كما الفاكهة التي تنضج بأرضها وتحت شمسها، إلا الإنسان المنفي، فهو يبقى مرّاً لاذع الطعم كحنظل البراري) .. كم ينسرب من ذاتك كمنفي في نسيج إبداعك؟ وهل هذا من دلائل نقض أطروحة “موت المؤلف” البنيوية؟
ج:
أنت يا دكتور حسين سرمك تتمتع، بالإضافة إلى إحساسك النقدي العلمي المؤسس على أصول التحليل النفسي، تتمتع برهافة الشعور الأدبي الذي هو خصلة جميلة من خصالك الأصيلة والجميلة. دعنا نجامل بعضنا بالحق. المنفى موجع يا أبو علي، أكثر وجعا مما تتصور. أنت تعيش الآن تجربة المنفى في دولة عربية. لكن الأمر مختلف تماما عندما تعيش هذه التجربة في المنافي البعيدة. تلك التي لا تتقن لغتها ولا تعرف طبيعة ناسها، في الوقت الذي يتحتم عليك العمل فيها كأجير وليس كعابر سبيل. لم أشعر بذاتي الحقيقية سوى كمنفي عن بلدي الأول. طالما حاولت التأقلم بالمحيط الجديد، وكم من محيط مررت فيه من المغرب العربي وصولا إلى الغرب. لم أستطع التأقلم الحقيقي على الرغم من أنني عملت ودرست وعشت بما يناسب تلك المجتمعات المختلفة. عملت في المغرب أستاذا في مركز تكوين المعلمين في مدينة “تطوان” الشهيرة. وقبلها عملت في الصحافة ردحا طويلا في دمشق في صحافة المقاومة الفلسطينية. وفي السويد عملت في التعليم ودرست الصحافة على نفقتي الخاصة، وعملت في المجال الصحفي السويدي، ومن ثم حصلت على وظيفة لائقة في المكتبة العامة التابعة للبلدية التي أقطن فيها. كل هذه الأعمال والتجارب لم تسد الفراغ الحقيقي الذي كنت أشعر به كإنسان غريب. ذلك الفراغ الروحي الذي لا تردمه الأموال ولا النجاحات الطارئة. كيف لا ينعكس كل هذا العذاب في كتاباتي وفي وجدان شخصياتي القصصية والروائية؟ فوق كل ذلك أجدني أدمنت المنفى كما يدمن الشخص على المخدرات. فلست قادرا على العيش في وطني المؤمل الذي وجدته كومة من الزبائل والخراب الدامي بعد ما ينيف على الثلاثة عقود من الزمن ومن النفي؟ ربما نعيت نفسي في الكثير من الأعمال التي كتبتها لكنني كنت على الدوام أحتفظ بقوة الأمل والقدرة على الإيمان بالمستقبل. صدقني، وبكل بساطة لو كنت أقتني مسدسا لكنت انتحرت من زمان. هكذا أظن، وهو شعور راودني فترات من الزمن على كل حال، كما تراود فكرة الانتحار بعض الأفراد عند بلوغهم مرتبة اليأس والقنوط. لكن عدم توفر مثل هذه الآلة الخطيرة بحوزتي جعلني أنظر للمستقبل نظرة جديدة وجدية أخرى. أنا على يقين الآن أن المستقبل أفضل من الماضي فيما يتعلق بالتجربة العراقية الشاقة والمأساوية.
   س22 ) أرجو أن تجيبني بصراحة الآن: هل تشعر أنك مظلوم نقديا؟؟ وهل لك دور في هذا الظلم الواقع على منجزك الإبداعي؟؟ هل نستطيع إعلان تقصير النقاد العراقيين بحقك بصورة صارخة ومؤثرة؟
ج:
أشكرك على هذا السؤال المنطقي الذي تحفّ به عاطفة نبيلة؛ المفارقة العجيبة تكمن في أني لم أوفق تماما بإيصال منجزي الأدبي للنقاد العرب أو العراقيين، وما وصل من كتبي إليك بكل خجل وحياء جاء عن طريق صديق عابر بيني وبينك شاءت الصدف التي أؤمن بها كحتمية عندما يتعلق الأمر بالحقائق وليس كما يلعب الناس لعبة اللوتو والمراهنات الخاسرة. لم اسع لإيصال كتبي إلى النقاد، بل حتى إلى الصحف لمجرد الإعلان. تطوع بعض الصحفيين الشرفاء بالكتابة عن بعض رواياتي ومجموعاتي القصصية، وكتبوا ما يليق بها. أشعر بالتقصير في هذا المجال لكنني بالوقت نفسه لا أضع اللوم على أحد. أنت أول ناقد جاد يقرأ منجزي الأدبي وقد رحبت به أجمل الترحيب. ربما أكتفي بهذا القدر الواقعي الصادق من التحليل الجاد والعميق لأعمالي. ماذا أبغي أكثر من ذلك. هل ستكون سعيدا وأنت تراني أملأ شاشات التلفزة وتدبج عني المقالات في الصحف؟ أتنمى أن يحدث ذلك الأمر الذي أستحقه عن جدارة، لكنني عاجز عن صناعته. بل وأحتقر تدخلي بهذا الشأن الذي أظن أنه يعود للمهتمين الجادين بمتابعة ما يكتب عربيا وعراقيا وعالميا. تحفل الصحف العراقية بمتابعات نقدية وقراءات لروايات وكتب أجنبية مترجمة من لغات أخرى. لماذا لا يُبذل مثل هذا الجهد لمتابعة الجهد الإبداعي لمثقفين عراقيين يعيشون في المنفى؟
الأمر ملقى على عاتق المؤسسات الثقافية العراقية؛ هل تعتقد أن الدولة العراقية الجديدة آهلة لإنجاز مثل هذه المهام الكبيرة؟ وزارة الثقافة العراقية ليست لديها آليات ولا توجهات ولا برامج لمتابعة أعمال الأدباء لا في الداخل ولا في الخارج. وزارة ورثت جميع مساوئ النظام الدكتاتوري السابق. وبدل الرقابة التي كان يفرضها النظام الحديدي السابق تحولت الوزارة إلى حسينيات للطم والبكاء على الشهيد الأمام الحسين. واستطالت اللحى كبديل عن الزي الزيتوني وحملة المسدسات من المثقفين الرخيصين. وحافظ اتحاد الأدباء العراقيين على هيئته الإدارية الهامشية والمهمشة في عهد الدكتاتورية حتى العهد الجديد الذي ليس لديه الوقت ولا الرغبة الجادة بالنظر إلى تلك المرافق الهامة في حياة كل مجتمع وكل دولة حضارية.
 س 23 ) كلما تعمقت في قراءة وتحليل رواياتك شعرت أن ثمة “فلسفة” عميقة تقف وراء منجزك الإبداعي.. هناك عشرات الشواهد.. دعني أقدم للقاريء شاهدا بسيطا. في قصتك أو روايتك القصيرة – وهذا الالتباس من بين أخطائك الفنية – (إذا أردت أن تصبح سياسيا في السويد، أبحث عن جميل كمّون) تقول متذمرا من لعنة الثقافة والقراءة، لعنة تشملنا نحن المتشدقين بالنقد والإبداع:
(العيش بشرف كدب قطبي ينام ثلاثة شهور، ويصحو نصف نهار لتناول سمكة سلمون، خير من كل ما يفعله الإنسان، من غسل الصحون إلى اختراع آخر نظريات الاستنساخ المخيفة، وتطوير أسلحة الدمار الحضاري الشامل. لكن ماذا نفعل؟ الإنسان كائن سافل مع الأسف. يقول الفلاسفة إن الإنسان حيوان عاقل. ربما قال هذا الكلام أحد فلاسفة الإغريق في فجر التاريخ، وهو يتطلع إلى شكله البهي المنعكس على سطح ماء ساكن لبحيرة جميلة بين جبال الأوليمب. الأحرى، وفي مطلع القرن الواحد والعشرين يستطيعون أن يقولوا إن الإنسان “حيوان سافل”).
أحلتنا إلى تعريف جديد للإنسان يُضاف إلى التعريفات الأرسطية – نسبة إلى أرسطو – مثل “حيوان اجتماعي” و”حيوان ناطق” و”حيوان سياسي”… إلخ. أتساءل أولا عن حدة إدراكك لأهمية هذه التأملات التي تؤسسها على شعار مقتضب كدرس وركيزة في إشادة معمار الرواية؟ ثم أسألك ثانيا عن كثرة هذه الفسح التأملية الرائعة، ومقدار ارتباطها بثقافة الكاتب الموسوعية؟وهل تؤكد هذه الانتباهات ما قلناه من أن القصة فن، والرواية علم، إذا جاز الوصف؟؟
ج:
أظن أننا عرجنا على الموضوع في ما سبق أو ما شابهه ربما؛ لكن السؤال ينطوي على بعض التفاصيل، خصوصا وقد أقرنته بمقاطع من أحد الأعمال. أعود للقول مجددا إن الرواية هي عبارة عن معمار هندسي يستند على العلم وعلى المعرفة بالدرجة الأولى، وأضيف إلى ذلك على التحصيل الأكاديمي للروائي صاحب العمل كتحصيل حاصل. الروايات الخالدة والباقية حتى الآن في ذهن النقاد والقراء الجيدين هي تلك الروايات التي قدمت معايير اجتماعية جديدة مستندة إلى استشراف الواقع القادم وعلى مقدار تقبل الذهن البشري للتجديد، بل مستندة إلى ذلك الطموح البشري المكبوت الذي يعتلج في ضمير الكاتب لبلوغ مرتبة الحرية العظيمة والإنعتاق من القيم الاجتماعية البالية. كان الحديث عن الأديان ونقدها ونقد رجالها يُعد من الجرائم التي تستحق الإعدام والشنق والحرق والتعذيب حتى الموت. لكن الكتاب كتبوا وأحرقوا هذه المسلمات وتلك المفاهيم السلطوية الجائرة بنار أقلامهم الجسورة المبدعة، فضلا عن تضحياتهم الجسدية ومعاناتهم جراء النفي والإقصاء. لكنهم انتصروا أخيرا، وفتحوا الأبواب مشرعة أمام مجتمعاتهم لكي تتقدم نحو المستقبل بثقة وخطى جريئة. الآن يقولون عن علي عبد العال إنه يكب في المحظور، وهو أديب فاحش، وربما ملحد. كل ذلك من أجل مقتضبات عن حياة جنسية فاشلة بين زوج وزوجته. الجرأة في طرح المشاكل الاجتماعية هي الفاتحة لخوض غمار الحرب على المعتقدات البالية التي يحرص على الحفاظ على قدسيتها المزيفة رجال الدين ورؤساء القبائل الحزبية المتخلفون، الذين يقضون معظم أوقاتهم بين أفخاذ الغانيات والراقصات لكنهم يقطعون رأس كل فتاة بجريرة ارتكابها لجريمة الحب. نحن نعيش في عالم متناقض يحل فيه للبعض فعل ما يشاء، ويُحرم على القطيع محاولة فهم الحياة بصورة واقعية.
الفن القصصي يحاول رصد اللقطات السريعة في خضم هذه الحياة المتناقضة والمتضاربة، بينما العمل الروائي يتناول مراحل متدرجة من الواقع عبر شخصيات تغطي شرائح واسعة من المجتمع في عصر وزمن يمر بتحولات جذرية وهو يتطور بغفلة من الوعي البشري. الرواية كما تقول هي علم يستند إلى معرفة الكاتب وسعة مداركه العلمية والثقافية، فضلا عن مداركه اللغوية وأساليبه الفنية المتطورة. الرواية الجيدة تشكل خطوة إلى الأمام في حياة كل مجتمع بشري حيوي.
   س24 ) هناك جانب مركزي في منجزك الإبداعي منذ مجموعة “العنكبوت” يتمثل في ما يمكن أن نسميه “عقدة الأدب السياسي”، فقد وقع كثيرون قبلك في فخ النبرة التعبوية والانحياز الأيديولوجي .. ما هي شروط كتابة الأدب السياسي الناجحة من وجهة نظرك؟
ج:
عندما أصدرت مجموعتي القصصية الأولى “المشي في الحلم” في بيروت عام 1987كتب عنها احد النقاد، وهو في الأصل قاص فلسطيني أحترم نتاجه الأدبي كثيرا وأسمه “حسن حميد” في جريدة تشرين السورية: “هذا قاص يتناول الأوضاع السياسية بعيدا عن الشعارات”. لطالما أفرحني هذا التقييم الذكي والبسيط. اكتب أدبا تدخل فيه السياسة عبر شخوص ورموز خاضت تلك التجارب السياسية وليس كنقد مباشر لأيدلوجية محددة. أن أكتب عن شخصية شيوعية لا يعني ذلك أنني أروج للفكر الشيوعي أو للعقيدة الماركسية. كذلك الأمر عندما أتناول في الأعمال شخصية بعثية أو قومية، الأمر ينطبق على المسار الأول. ليس لي عقدة سياسية في الأدب، أكتب عن الإنسان وجوهره الحقيقي بغض النظر عن معتقده أو معتقدي السياسي. أدين الأفكار المتطرفة كلما سنحت لي الفرصة على لسان شخصياتي وعلى لساني المباشر. شروط كتابة الأدب السياسي الناجحة، وهذا الأمر صعب جدا، أن يتمتع الكاتب بالحرية التامة، وهذا ضرب من المستحيل في ظل الارتهان لجهة سياسية معينة.
تناول الحياة السياسية في الأعمال الأدبية يجب أن تتم بحياد كامل وتجرد يفضي إلى كشف الحالة التي هي موضع الكتابة والتحليل والوصول إلى النتائج المنطقية التي تخدم العمل الأدبي وبالتالي تصلح لأن تكون عبرة للآخرين.
   
س 25 ) من ميزاتك الأسلوبية هي أن لغتك لغة سرد “عملية” لم تسرف في اللغة الشعرية التي أفرط فيها الكثير من روائيي الموجات التي تبعت روائيي الواقعية السحرية إلى درجة خلطت حتى الأجناس الإبداعية.. هل يعود ذلك إلى روحك الواقعية أولا وبساطة شخصياتك ثانيا؟ وكيف توازن بين الطرفين؟، متى تشعر بضرورات التعبير الشعري وهو موجود في نصوصك رغم محدوديته؟
ج:
الكتابة بشكل عام، جميع صنوف الكتابة الإبداعية هي كتابة شعرية بمعنى من المعاني؛ طالما تناولت الكتابة هموم الفرد وهموم المجتمع ومحنة الإنسان في هذا الكون الغامض الغريب الذي نحاول سبر أغواره المجهولة العميقة فنحن نتحدث عن مشاعر الناس وعن ألغاز هذه المشاعر البشرية سواء كان ذلك نثرا أو شعرا. لكن بالمعنى الحرفي لا يمكن خلط الأجناس الأدبية إلا بما تسمح به الضرورات. الشاعر روائي في أعماقه الروحية، والروائي شاعر في بعده التراجيدي والدرامي. العمل الروائي يكون جديرا بالقراءة عندما يجعل القارئ يبكي أو يضحك آو يفكر بعمق، بالضبط كما يمكن أن يفعله الشعر وأن تفعله القصائد الشعرية العظيمة.
كتابة النص الروائي تتطلب حرفية عالية لكي تكون رواية مقروءة من دون أخطاء جسيمة لا تغتفر. تقنيات السرد تختلف بطبيعة الحال عن تقنيات الشعر. بيد أن الإسراف بالشعرية على حساب تقنية النص السردي تؤدي إلى نتائج معاكسة من شأنها إلغاء هوية النص السردي. بالنسبة لمقارنة “روحي الواقعية، وبساطة شخصياتي” فذلك أمر لا أستطيع إبعاده أو التنصل منه، حيث قالوا قديما “الأسلوب الأدبي هو الرجل نفسه”.
ضرورة الشعر قائمة على الدوام في تفكيري وأنا أكتب الأعمال القصصية والروائية؛ أحتاج دوما لقراءة الشعر وأنا أكتب الأعمال القصصية والروائية. الشعر الجيد يمدني بطاقة إضافية لكي أتواصل مع ظروف وحياة وواقع عملي النثري. لا يخلو عمل لي من الاستشهاد بقصيدة أو بشاعر أو مثل أو حكمة جرت على لسان شاعر. يجب بالضرورة مراعاة هذا الميزان الدقيق بين العمل السردي وبين العمل الشعري بحيث لا يطغى أي عنصر على الآخر من دون مبررات تثقل كاهل النص السردي.

أخي علي عبد العال .. في الختام، أجد لزاما علي أن أحييك على جهدك الإبداعي الهائل هذا، وأقول أنك من مفاخر الإبداع العراقي .. فتحية لك ..
بدوري أحييك من القلب والوجدان كونك الناقد العراقي الصبور والمجد والنبيل الذي يلاحق الأدباء العراقيين البعيدين عن الساحة من أمثالي. شكرا لك وأعتذر عن أي خطأ غير مقصود ربما ارتكبته في معمعة هذا الحوار الطويل. وأعتذر للقارئ الكريم عن أي ملل أصابه جراء الإجابات الطويلة.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حوار بين الأديبين عبد الله المتقي وحسن سالمي .

بداية ماذا تقول عن حسن سالمي ساردا تونسيّا؟     قبل كلّ شيء أقدّم لك جزيل شكري …

| عباس محمد عمارة : حوار مع الشاعرة الجزائرية الدكتورة  عفراء قمير طالبي .

 شاعرة جزائرية، تكتب قصيدة النثر و الهايكو. أستاذة بمدرسة الفنون الجميلة، دكتوراه في الفلسفة ٠ …

تعليق واحد

  1. فرعون قوج . السويد

    تحيات للمبدع الناقدالدكتور حسين سرمك الذي يضيئ في حواراته النوعية رؤى جديدة عبر الاسئلة الغنية والمتنوعة لتكون مادة ادبية بحد ذاتها . كمن يضيف الى اللوحات الفنية الجميلة اطرا تناسب اللوحة او تفوقها وما يبهرني صراحة ً الكم والتنوع في المواضيع الادبية التي يتم تناولها نتمنى لكم دوام الصحة والنجاح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.