ميساء نبيل عبد الحميد : الغربة والاغتراب في روايات (غائب طعمة فرمان) (ملف/6)

ghaeb 4إشارة :
تمرّ الذكرى الخامسة والعشرون على رحيل المبدع العراقي الكبير غائب طعمة فرمان بلا احتفاء يليق بقامته الروائية العظيمة . تفتتح أسرة الناقد العراقي هذا الملف كمساهمة في هذه الذكرى ، وتدعو الأخوة الكتّاب والقرّاء إلى المساهمة فيه بما لديهم من بحوث ودراسات ووثائق وذكريات عن الراحل الكبير .. وسيكون الملف مفتوحا من الناحية الزمنية حيث لا حدود زمنية للإبداع العظيم.

رسالة تقدمت بها ميساء نبيل عبد الحميد إلى مجلس كلية التربية ـ جامعة تكريت وهي جزء من متطلبات نيل شهادة الماجستير في اللغة العربية وآدابها

غائب طعمة فرمان – النشأة والتكوين الثقافي

ابتداءً عليَّ أنْ أُنَبِّه إلى أنَّ الأديب – الروائي (غائب طعمة فرمان) لم يخلفْ لنا سرداً تفصيلياً لسيرة حياته، يتضمَّن الإشارة لأبرز المؤثرات التي ساهمت في تشكيل ملامح ثقافته، ممّا يعني أنَّه ينبغي عليَّ أنْ أبذل جهداً من أجل تحقيق ذلك من خلال استخلاص سيرة حياته وتكوين ثقافته من الشذرات التي وردت في سياق المقابلات التي أُجريت معه، وكذلك من (المقالات) و(الدراسات) التي كتبت عنه، وعن تجربته الروائية، وعن أبرز القضايا والمسائل التي شغلت اهتمامه. ويمكن القول أنَّ محاولتي لاستخلاص المعطيات من تلك المصادر قد أفادتني على النحو الآتي عن (غائب طعمة فرمان):

ينحدر (غائب طعمة فرمان) من “عائلة كادحة وبسيطة”( 1) على حدِّ تعبيره، إذ كان والده يعمل (سائق سيارة) ينقل الركَّاب بين (الحيّ) و(الكوت) و(بغداد)، ولأنَّه كان (غائباً) دائماً عن عائلته فإنَّه سمّى أول أولاده (غائب)( 2) الذي ولد في بغداد عام (1926)(3).
وفيما عدا “فترة قصيرة جداً”(4 ) قضاها في (الحي) و(الكوت)، فإنَّ (غائب) عاش سنوات حياته في (بغداد) وفي (حيّ المربعة) بالتحديد(5 ).
تلقّى (غائب) تعليمه الابتدائي في إحدى المدارس الواقعة في الحيّ الشعبي الذي ترعرع فيه، وهو يذكر أنَّ اهتمامه بالأدب قد بدأ في وقت مبكر، في أواخر دراسته الابتدائية، ويعزوه إلى “سبب عاطفي”، إذ على الرغم من كون مستواه في مادة اللغة العربية متدنياً حينذاك، فقد استنجدت به ابنة الجيران “بنت مسيحية سيئة في اللغة أيضاً”( 6)، وطلبت منه تدريسها (قواعد اللغة العربية)، مما دعاه إلى مضاعفة جهده من أجل فهم تلك القواعد؛ حتى يتسنى له الظهور بمظهر المعلم الملم بعلوم اللغة العربية، والقادر على تعليمها وتلقينها.

الجواهري وغائب طعمة فرمان في براغ 1986
الجواهري وغائب طعمة فرمان في براغ 1986

ويبدو أنَّ اهتمامه باللغة العربية وقواعدها قد قاده إلى الاهتمام بالأدب المدون باللغة العربية، ذلك الأدب الميسَّر والمتيسر له حينذاك، وتبعاً لذلك فأنَّ قراءاته الأولى التي يفترض أنَّها بدأت مع السنة الأخيرة من دراسته الابتدائية، قد أنصبت على “روايات الجيب العالمية” التي كان مغرماً بها، وتشمل: (روكان بول)، و(سيف بن ذي يزن)، و(ألف ليلة وليلة)(7 ).
وبعد إنهائه الدراسة الابتدائية التحق (غائب) بمدرسة (الرصافة) المتوسطة، وخلال هذه المرحلة زامل كلاً من (فؤاد التكرلي) و(عبد الوهاب البياتي)، الذي كان (غائب) يزوره بين الفينة والأخرى وظلَّ على صلة به حتى أثناء دراسته الثانوية.
وخلال دراسته في المرحلة الثانوية، أيضاً، تسنَّى له التعرف على (ذو النون أيوب) الذي كان يتولى تدريسه مادة (الجبر)، فضلاً عن كونه حينذاك كاتباً معروفاً(8 ).
ويمكن القول إنَّه تضافرت على تشكيل ثقافة (غائب) خلال مرحلة دراسته الثانوية مؤثرات عديدة ومتنوعة نستطيع أنْ نصنفها إلى:
أ‌. مؤثرات عربية.
ب‌. مؤثرات أجنبية.
والمؤثرات العربية يمكن تصنيفها من حيث الزمان إلى:
أولاً: مؤثرات تراثية.
ثانياً: مؤثرات حديثة أو معاصرة.
وهذه المؤثرات يمكن تصنيفها إلى:
1. مؤثرات محلية عراقية.
2. مؤثرات عربية – مصرية.
أما المؤثرات الأجنبية فيمكن تصنيفها إلى:
أولاً: مؤثرات أوروبية غربية.
ثانياً: مؤثرات منبعها الأدب الروسي الحديث.
وسأحاول الوقوف قليلاً عند كل واحد من هذه المؤثرات لأبيّن مدى مساهمتها في تكوين ثقافته في أولى مراحل حياته.

أ. المؤثرات العربية: منظوراً إليها من حيث القِدَم والحداثة:

أولاً: المؤثرات التراثية:
ثمة إشارات إلى أنَّ (غائب) قد سنحت له الفرصة للاطّلاع على مصادر الأدب العربي القديم بشقّيه: النثري والشعري( 9)، وكان استمداده المعرفة بالأدب الكلاسيكي التراثي العربي ليس فقط من أمهات الكتب التراثية المنشورة، وإنما من بعض المجلات العربية المصرية التي تُعنى بالتراث، إذ يقول (غائب) بخصوص ذلك: “هناك مجلة (…) كانت تنقل لنا الأدب الكلاسيكي التراثي العربي… مجلة الكتاب… إضافة إلى غذائنا الأسبوعي (الرسالة)، و(الثقافة)”(10 ).
وتدل كتاباته في مرحلة النضج على مدى استفادته واستمداده من مناهل التراث اللغوي والأدبي العربي، بل يمكننا القول أنَّ ذخيرته اللغوية والأدبية التراثية كانت معينه الأساس في المهمة التي شاءت الظروف أنْ يكرس شطراً مهماً من نشاطه الأدبي لها، أي: الترجمة إلى اللغة العربية. وهناك ثمة دلائل على ذلك( 11).

الراحل الكبير غائب طعمة فرمان والرئيس الفيتنامي المناضل هوشي منه
الراحل الكبير غائب طعمة فرمان والرئيس الفيتنامي المناضل هوشي منه

ثانياً: المؤثرات الحديثة أو المعاصرة:
لقد تزامن إنهاء (غائب) دراسته (الابتدائية) والتحاقه بعدها بالدراسة (المتوسطة) مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، وقد انعكست تأثيرات هذا الحدث على سائر أنحاء العالم، بما في ذلك منطقة الشرق الأوسط، وكان من جملة تلك التأثيرات تشكيل معسكر (الحلفاء)، الذي كان يضم: بريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفيتي ودول أخرى صغرى، في مقابل معسكر (المحور)، الذي كان يضم: ألمانيا النازية، وإيطاليا الفاشية، واليابان(12 ).
ويمكن القول إنَّ اصطفاف كلاً من بريطانيا والاتحاد السوفيتي في صف واحد في تلك الحرب كان له تأثير كبير على الأوضاع السياسية في العراق – الذي كان خاضعاً آنذاك كما هو معروف – للهيمنة البريطانية؛ ذلك أنَّ المعارك التي تخوضها قوات (الحلفاء)، ومحاولة تتبع مجرياتها صارت (هماً) يشغل بال المثقفين والمتابعين العراقيين – المنحازين لبريطانيا والمناهضين لها (وبالأخص الشيوعيين) – على حدٍّ سواء، بل إنَّ السلطة الحاكمة في العراق، وعلى وجه التحديد مديرية الأمن العامة – التي كانت تأتمر بأوامر السلطات البريطانية، صارت تغض النظر عن الكثير من نشاطات الشيوعيين العراقيين بمختلف أجنحتهم وتياراتهم(13 )، وإزاء هذه الخلفية التأريخية والسياسية قدر لـ(غائب) أنْ يخطو أولى خطواته الجدية من أجل بناء أو تكوين ثقافته الأدبية والسياسية المنسجمة مع ظروف ومتطلبات المرحلة التأريخية التي يواكبها أو يعاصرها، والواقع أنَّ (غائب) أشار في سياق المقابلات الصحفية التي أُجريت معه، إلى تأثير بعض الأفراد المنتمين إلى الكتل السياسية، وبالأخص (جماعة الأهالي) و(جماعة وحدة النضال) الشيوعية في تشكيل ملامح ثقافته السياسية والأدبية، خلال هذه المرحلة، فهو يقول في إحدى تلك المقابلات:
“إحدى كتل الحزب (الشيوعي) كانت تصدر جريدة (وحدة النضال)، مجموعة مسيحية قريبة من حيّنا، كانوا يعطونني كتباً ومنشورات، واحد منهم اسمه جورج، صار يعمل في (الأهالي) ويكتب تعليقات عن مجرى معارك الجيش الأحمر، وكانت شيقة… صرنا أصدقاء ساسون دلال أيضاً…. أحمد نعمان (محامٍ من حزب التحرر الوطني) – المحامي عبدالله مسعود”( 14).
ولم تقتصر قراءات (غائب) خلال مرحلة دراسته المتوسطة والثانوية على الكتب والمنشورات التي كان (الماركسيون) يعملون على تزويده بها، وإنما شملت الاطّلاع على كتابات لكتّاب عراقيين متنورين وليبراليين، لعل أبرزهم (عبد الفتاح إبراهيم) أحد أقطاب (جماعة الأهالي)( 15).
إذ يذكر (غائب) انَّ “أحسن كتابين” قرأهما خلال تلك المرحلة كانا من تأليف (عبد الفتاح إبراهيم)، أولهما: كراس (أزمة التموين) الذي حاول (إبراهيم) أنْ يشرح فيه نظرية فائض القيمة، أو على حد تعبير غائب “القيمة الزائدة، الأجور، سبب الأزمة”.
أما الكتاب الثاني فكان كتاب (على طريق الهند) الذي يتحدث فيه المؤلف (إبراهيم)عن الاستعمار واستغلال الشركات الأجنبية، ويقول (غائب) عن هذا الكتاب: “كنت مولعاً بالكتاب، فلخصته لمدرس التأريخ، وقرأت التلخيص في الصف، وحين وصل الحديث إلى المستغلين الإنجليز لنفطنا، قاطعني المدرس قائلاً: غايب… تريد تحبسني؟! أكعد”. ولم يدعني أكمل قراءة التلخيص”(16 ).
فضلاً عن ذلك، كان لبعض المجلات العراقية التي كانت تصدر حينذاك دور في تنمية ثقافته وتوسيع آفاقها، ويشير (غائب) إلى اثنتين منهما: مجلة (المجلة) ومجلة (الرابطة) التي كانت “تطرق مواضيع فلسفية – سياسية، كانت مهمة لجيلنا”(17 ).
غير أنَّ هذا لا يعني أنَّ المجلات الصادرة في العراق كانت الرافد الوحيد لثقافته؛ لأنَّ المجلات العربية الأخرى – وتحديداً المصرية – كان لها تأثير كبير على تشكيل وعيه الأدبي وتعميق جذور ثقافته الأدبية، ويقول (غائب) في هذا الصدد: “مجلة (الكاتب المصري) طه حسين، كنت أقرأها بشغف، الفرنسيون كانوا يسندونها وينفقون عليها، طغى عليها الأدب الفرنسي، وكانت تصدر ترجمات عن الفرنسية: اندريه جيد، مورياك، كامو، أرض البشر لأكزوبري التي أعجبنا بها كرائعة أدبية، صورة دوريان غراي لأوسكار وايلد…” ( 18). ghaeib 12
بل أنَّ متابعته لما كان ينشر في المجلات المصرية، وبالأخص مجلة (الرسالة) ومجلة (العالم العربي)، قد أتاحت له فرصة التواصل مع بعض الكتاب الذين ينشرون كتاباتهم فيها، لعل أبرزهم (سيد قطب) الذي راسله (غائب) من بغداد. يقول (غائب) في هذا الخصوص: “كانت لي علاقة مع (سيد قطب)، كان ناقداً بارزاً، وكان يكتب في مجلة (الرسالة)، وكنت أُراسله، كان من مدرسة (العقاد)، وطورها، وكان يميل إلى القصة ويكتبها، اتصلت به وقلت إنَّ في نيّتي أزور مصر، فكتب قائلاً: إننا نُرَحِّب بك في مصر…”. وقد استمرّت مراسلات (غائب) مع (سيد قطب) حتى بعد أنْ أصدر الأخير مجلة أسماها (العالم العربي) وترأسَ تحريرها، إذ يقول (غائب): “وكان لقطب مجلة اسمها (العالم العربي)، وهي مجلة تنادي بالقومية، وكنت أُراسل هذه المجلة من بغداد”(19 ).
وعلاوة على ما كان يستمدّه (غائب) من ما كان يُنشر في تلك المجلات، فأنّ مؤلفات بعض الكتّاب البارزين في تلك المرحلة كان لها تأثيرها على جيله، وعليه بصورة خاصة، يقول (غائب) في هذا الصدد: “طبعاً، طه حسين كان موجوداً، والمازني، ونجيب محفوظ كان له تأثير”( 20).
كما أنَّ شعر بعض الشعراء العراقيين والعرب المعاصرين قد لقي هوىً في نفسه فأقبل على قراءة دواوينهم والتفاعل مع مضامين القصائد التي احتوتها، ويذكر (غائب) من هؤلاء الشعراء: معروف الرصافي، وعلي محمود طه، وبعض شعراء المهجر، مثل: الياس أبو شبكة، عمر أبو ريشة، جبران خليل جبران، ايليا أبو ماضي(21 ).
ب – المؤثرات الأجنبية:
والواقع أنَّ مطالعات (غائب) الأولى في هذه المرحلة لم تقتصرْ على متابعة قراءة الكتب التراثية وما تنشره المجلات المصرية عن الأدب العربي الحديث ودواوين الشعراء العرب المعاصرين، وإنما شملت أيضاً قراءة ترجمات مبسطة لبعض كتابات المؤلفين الأجانب ولاسيما (مكسيم غوركي) و(تولستوي)، يقول (غائب) في هذا الخصوص: “أذكر انّي قرأتُ (في روسيا) و(في الناس) أو (بين الناس) لمكسيم غوركي، وأنا طبعاً لا أذكر بالضبط أسماء هذه الكتب، واعتقد أنَّ مترجمها هو عبد المجيد المويلحي، بل قد يكون اسمه المليجي، وكذلك أذكر إنّي قرأت (أهوال الاستبداد) لألكسي تولستوي (…)، وأنا تأثَّرْتُ بهذه الكتب، وما زالت انطباعاتي الأولى عنها باقية حتى الآن في ذاكرتي”(22 ).
ولكن يبدو أنَّ (غائب) ما لبث أن اهتدى إلى معين آخر يتيح له التعرُّف على مظاهر الثقافة الأوروبية – الغربية منها والشرقية، إذ شهدت بعض مكتبات العراق ورود طبعات شعبية باللغة الإنجليزية لمؤلفات العديد من عمالقة الأدب الغربي، أمثال: تشيخوف، وغوركي، ودستويفسكي، وتولستوي، وديكنز، وهيمنغواي، وشتاينبيك، وكولدويل، وغراهام غرين. واستجابة لرغبته في التعرف على نتاجات هؤلاء عمد (غائب) إلى تطوير لغته الإنجليزية، ممسكاً بالقاموس، محاولاً فهم نصوص كتابات أولئك الكُتّاب والمؤلفين(23).kh ghaeib 11
ومن بين هؤلاء الأدباء الأجانب كان لاثنين منهم تأثيرعميق ومستديم، وهما: (غوركي) و(تولستوي). أما الأول – (غوركي) فيعزو (غائب) تأثيره العميق فيه إلى أنَّه “لأول مرة يطرَّق غوركي أشياء قريبة من واقعنا بأناسه البسطاء المتسكّعين، بعكس الأدب الروائي الفرنسي والإنجليزي السائد… بعكس القصص التي ترجمها المنفلوطي، وما ترجمه الزيات…” ( 24). بل أنَّ (غائب) لا يلبث أنْ يعود للحديث عن تأثير (غوركي) المستديم والعميق فيه في مناسبة أخرى، ومن ثمَّ نراه يعزو هذا التأثير إلى أسباب ثلاثة:
“أولاً: إنَّ الكتب التي يقرأها الإنسان في بداية حياته المبكرة تبقى عالقة في الذاكرة، وتصمد الانطباعات المتكونة عنها أمام النسيان. ثانياً: إنَّ مكسيم غوركي طرح عالماً جديداً بالنسبة للحياة القديمة التي كنا نألفها. مكسيم غوركي قدَّم لنا أمثلة نموذجية لحياةٍ من نوعٍ آخر، إضافة إلى عظمة غوركي الأسلوبية، أقصد عظمة لغته، وأسلوبه المليء بالتشابيه، وتعابيره التي كانت جديدة بالنسبة لنا. كذلك يجب ألاّ ننسى ذخيرته العميقة، ومعرفته القوية بالحياة، ولهذا يسحرك غوركي عندما يتحدث عن شخصية معينة، وتحس بحب كبير لها، وتعاطف معها؛ ذلك لأنَّ شخصياته مستمدة من الواقع، يأخذها من المجتمع الذي عرف كل تفصيلاته. غوركي لا يلفّق بأعماله، وهذا سر نجاحه، إنّه يجمع مادة دقيقة وكبيرة عن المجتمع والناس ويبني على هذه المادة ما يريد أنْ يقدِّمه من الشخصيات الاجتماعية في أعماله الأدبية. اعتقد أنَّ التأثير برز من هذا المنطلق”( 25).
أما الأديب الروسي الثاني فهو (تولستوي)، فإنَّ (غائب) يعترف صراحة بإعجابه الشديد بكتاباته وتأثره بأسلوبه، فهو يقول: إنَّ “تولستوي عندي دنيا كاملة”، كما يقول: “إنَّ تولستوي… هو السهل الممتنع… هو البساطة العبقرية… وأنا دائم الرجوع إلى تولستوي، لأعرف أنَّ العبقرية ليست بإتيان أشياء خارقة مبالغ فيها، ولكنها صف لبنة إزاء لبنة بمهارة، واللبن معروف من أي شيء يصنع، معروفة مادته، ولكن البناء المعماري، الهيكل الصرح… لا يعرف سره إلاّ رجل مثل تولستوي”( 26).
ولقد كان من الطبيعي أنْ تتمخّض قراءاته ومطالعاته الأدبية والسياسية المتنوعة هذه عن محاولة للتعبير عن ما يجيش في نفسه من أفكار وخواطر وصياغتها بشكل مكتوب، ولسبب ما اتّخذتْ كتاباته الأولى شكل (الشعر)، ويحدّثنا (غائب) عن قصته مع الشعر قائلاً:
“نشرت قصيدة شعرية، بل أكثر من قصيدة واحدة في صحيفة (الشعب) العراقية و(السياسة) و(الثقافة)، وقد أكون نشرت في (الرسالة) أيضاً”.
“وأذكر أيضاً انّي أرسلت قصيدة (ليلتان من ليالي شهريار) إلى محطة (إذاعة) الشرق الأدنى وأذاعها (عبد الرحمن الخميسي) بصوته واذكر منها:
مل طول السرى بليل عذابه
وانطوى بين كأسه وشرابه”( 27).kh dhaeib 10
والواقع أنَّ الباحث (زهير شليبة) قد أبدى اهتماماً بتجربة (غائب) الشعرية المبكرة، هذه وحاول أنْ يسلِّط الضوء عليها ويستقصي الآثار التي تركتها على أعماله القصصية والروائية اللاحقة. وقد وقف بشكل خاص عند قصيدتَيْ (صمت) و(طفلة) اللتين نشرهما (غائب) في مجلة (الثقافة) المصرية، وهو يرى “أنَّ أهم ما يلاحظه القارئ هو أنَّ فرمان الشاعر الشاب يعبِّر عن حالته الذاتية وطبيعته النفسية، فهو ينوء بهموم وإرهاصات روحية ونفسية كثيرة. ولهذا نرى تكرار مفردات مثل: الليل، أحضان، الحلم، الحنين، الطير، السكون، الكآبة، الحنون، الصمت الرهيب، الروح الكئيبة، الهواجس (فإن أسكرك الصمت فلا يرعبك السكر)، الشفق الباكي، العشب الظامي، الحب”.
ويرى (شليبة) أنَّ (فرمان) الشاعر إنما ينشد الحرية والهدوء وراحة البال، كما لو أنّه تعب من هموم الحياة “فيقارن نفسه التوّاقة للهدوء والحرية بالطير”. ويعتقد (شليبة) أنَّه في هذه المقارنة يمكن أنْ نرى روح الشاعر الشاب ونلمس فيها في الوقت نفسه النزعة النثرية والصورة القصصية، فهو يقول:

“والطير في عشّ السكينة هادئ… متنعِّمُ
غاف على سرر الأمان وبالسعادة يحلمُ
قد أطبق الشفتين في صمت فلا يترنَّمُ
أتراهُ تاه مع الخيال كما يتيه المُلْهمُ؟”

ويرى (شليبة) أنَّ الكآبة لا تلبث أنْ تطْغى على الشاعر، حيث يقول:
“كم مرةٍ عصفت أعاصيرُ الكآبةِ في دمي
وترنَّحتْ نفسي بديجور الحياة المظلم
وشعرتُ أنَّ دمي تضجّر في وجودي المعتمِ
وظللتُ أنشد للوجود كآبتي وتألمي( 28)”

والواقع أنَّ هذه التجربة الشعرية عند (غائب) قد استمرت حسب قوله: “ما بين 1945 – 1946″( )، وأنَّه بنشره قصيدتَيْ (صمت) و(طفلة) في مجلة (الثقافة) المصرية قد أنهى تجربته الشعرية( )؛ لأنَّه – كما بدا له – قد فشل في هذه التجربة، لذا حاول أنْ يلتمس شكلاً أدبياً آخر يصب فيه معاناته وخلجات تفكيره. يقول (غائب) في هذا الصدد: “ويوم فشلت في تجربتي الشعرية قلت: وداعاً يا دنيا الكتابة… يا حبي الأول والأخير! ولكنّي حاولت محاولات أخرى وأحببت حوريات أُخر…”(29 ).
وكانت المحاولة التالية له للتعبير عن خلجات روحه ومعاناته هي: (المقالة)، ومما يلاحظ أنَّ (غائب) حتى عندما عزم على الانتقال من التعبير عن أفكاره بالشعر إلى التعبير عنها نثراً، فإنَّ ما كتبه (نثراً) كان بوحيٍ من الشعر، فمن جراء تأثره بقصيدة الشاعر العراقي (معروف الرصافي) عن (اليتيم في العيد) كتب أول (مقالة) له تتضمّن خواطر عن العيد، وبعث بها إلى جريدة (الشعب)، ويحدِّثنا (غائب) عن ذلك الحدث الهام في مسيرته الأدبية، فيقول: “ما زلت أذكر ذلك اليوم، وكان مِنْ أسعد الأيام بالنسبة لي؛ لا لأنَّه أحد أيام العيد، بل لأنَّ مقالتي نشرت يومها وفرحت بها فرحاً كبيراً، وهي في الحقيقة خاطرة أكثر مما هي مقالة. وأذكر إلى الآن انّني ذهبت إلى زميل لي في محلتنا، وكنت فخوراً وسعيداً وأردتُ أنْ أحتفل بهذه المناسبة رغم انَّ ملابسي كانت عتيقة”(30).kh fatema ghaeib
والواقع اننا يمكن أنْ نعد سعي (غائب) لكتابة (المقالة) بمثابة مرحلة (انتقالية) أو (وسطية) تمهيداً لانتقاله إلى كتابة (القصة)، إذ إنَّه يقول بخصوص تلك (المقالة) التي أشرنا إليها في سياق إحدى المقابلات التي أُجريَتْ معه: “اعتقد أنَّ لغة المقالة التي حدثتك عنها كانت قصصية، كنت أفكر بصورة قصصية، أو بلمحةٍ قصصية…”(31 ).
ثمّ انتقل حبه إلى “حورية أخرى”، وهي (القصة) التي كتبها على مستويات مختلفة منذ عام (1945)، وكانت أول قصة كتبها ونشرها، قبل إكمال دراسته الثانوية، في إحدى المجلات التي كانت تصدر في مدينة (القدس)، وهي (مجلة الزهراء)، ويقول (غائب) عن تلك القصة إنها كانت “قصة ساذجة حول حفار قبور، هناك فكرة سيطرت عليّ، وهي أنَّ بيوت أحيائنا القديمة ستنهار مع المطر لعدم وجود البالوعات، وكنت أخشى سقوط بيتنا… كنت أرتعب من تلك الهواجس، فكتبت قصة عن حفار قبور ينتظر الأموات، بينما ينهدم بيته إثر المطر وتموت عائلته”( 32).
ومنذ ذلك الحين صارت (القصة) هي (الحورية) التي يعشقها دون سواها، ويتطلع إلى أنْ يصب فيها ما يختلج في ذاته من مشاعر وانفعالات وعواطف، ويعبِّر من خلالها عن ما يتطلع إليه من أمانٍ وآمال. وهناك ثمة إشارة إلى أنَّ نموذجه ومثاله للقصة قد استقر على قالب القصة المصرية كما جسدها وعبّر عنها أبرز كتاب القصة المصريين آنذاك، مثل: محمود تيمور، وعبدالحميد جودة السحّار، ونجيب محفوظ، وتوفيق الحكيم، ناهيك عن قصص طه حسين، مثل: الأيام، والمعذَّبون في الأرض، والحبّ الضائع( 33).
وفي عام 1947 أكمل (غائب) دراسته الثانوية في بغداد، ونظراً لإصابته بمرض (السل الرئوي)( ) فقد نُصح بالسفر إلى (مصر) للاستشفاء ولمواصلة دراسته الجامعية والالتحاق بكلية الآداب في جامعة القاهرة، غير أنَّه ما لبث أنْ واجه صعوبة في الحصول على (جواز سفر)؛ إذ نُمي إليه أنَّ اسمه مدرج في (تانكي المي) الشهير، وهو تعبير مجازي اعتاد النشطاء السياسيون العراقيون استخدامه للدلالة على وضع اسم شخصٍ في القائمة السوداء، أو قائمة الممنوعين من السفر. ويبدو أنَّ علاقاته وصلاته ببعض الشخصيات (المشبوهة) إذا جاز التعبير، وكتاباته التي نشرها خلال الحرب العالمية الثانية وبعدها، قد أدّى إلى إدراج اسمه في قوائم المحظور عليهم السفر إلى خارج العراق، ولم يكن أمام (غائب) من حل لهذا الإشكال سوى مراجعة (مكتب التحقيقات)، وهذا ما حصل. يقول (غائب) في هذا الخصوص: “راجعت بهجت العطية في مكتب التحقيقات، (…) أعطيت ربع دينار للفراش حتى يسمح لي بالدخول، قلت لبهجت العطية: آني طالب، وأريد الدراسة وقيل لي انك من جماعة (فهد)**، وأنا لا أعرف هذا الرجل، لماذا تعدمون مستقبلي؟ كان عمري حينها عشرين سنة. ورحت ناديت الضابط الذي طلبه بهجت العطية، فقال للضابط: أشطب الملاحقة عن غايب، أخذتها لوزارة المعارف، فقبلوا أوراقي…”( )، وبذلك انفسح المجال أمامه في أواخر عام 1947 للسفر إلى (القاهرة) والالتحاق بكلية الآداب، وبذلك انتهت حقبة من حياة (غائب)، وبدأت مع حلوله في القاهرة حقبة أخرى.
عندما حلَّ (غائب) في مدينة (القاهرة)، عاصمة الثقافة العربية التي كانت تحتضن أقطاب الفكر والثقافة والأدب، حلَّ فيها حلول المفتون، الولهان، الراغب في التهام الحياة، الساعي إلى معرفة كل شيء، وتجربة كل شيء، من خلال عقد صِلات واسعة ومتنوعة مع أطراف عديدة، قد تبدو متعارضة ومتناقضة. ولم يكن سبيله إلى ذلك عسيراً؛ لأنَّه ما فتئ منذ أنْ كان في (بغداد) يمهِّد ذلك السبيل، من خلال التراسل مع المجلات المصرية، وبالأخص مجلة (العالم العربي) التي كان يرأس تحريرها (سيد قطب). وكان (غائب) مراسلاً لها في (بغداد). وقبل سفره كتب (غائب) إلى (قطب) يبلغه “إنَّ في نيتي أنْ أزور مصر، فكتب قائلاً: إننا نرحّب بك في مصر”(34 ). وعندما وصل (غائب) إلى (القاهرة) كان (قطب) قد قطع علاقته بهذه المجلة لاختلاف بينهما، وأصدر مجلة أخرى، إلاّ أنَّ ذلك لم يحل دون أنْ يلتحق (غائب) بالعمل في مجلة (العالم العربي)، وذلك “براتب شهري قدره ستة جنيهات، وكان مبلغاً جيداً بالنسبة لي كطالب في السنة الأولى بكلية الآداب”(35 ). وفي تلك الأثناء كان (قطب) قد أصدر مجلة أخرى، وقد تردد (غائب) عليها ونشر فيها قصة واحدة. وما لبث (غائب) أنْ وسع دائرة علاقاته، وعقد صلة مع جريدة وفدية اسمها (البلاغ)، وأرسل إليها قصة باسم (فاطمة)، وكانت هذه الجريدة سبيله للتعرف على شخصية فكرية وأدبية بارزة تمثَّلت في الدكتور (زكي مبارك) الذي سبق له العمل في العراق، فقد “كان زكي مبارك ينشر هناك (في جريدة البلاغ) اسبوعياً تحت عنوان (حديث ذو شجون)… لقد درَّس زكي في العراق، وأنا عراقي، فوجدنا ما هو مشترك، وسألني: هل أنت كاتب قصة (فاطمة أو مظلومة)، وقال أنت مازلت صغيراً وينبغي أنْ تكون لك معرفة بالحياة لكي تكتب القصص”(36 ). وفي موضع آخر يتوسع (غائب) في ذكر تفاصيل هذه المحادثة مع الدكتور (زكي مبارك)، إذ يقول: “قال لي: من هي فاطمة التي كتبت قصتها في البلاغ؟ قلت: إنها خيالية، قال: لكي يكون لك خيال يجب أنْ تكون لك تجربة حياتية… الخيال لا يأتي لإنسان حبيس جدران أربعة… يجب أنْ تجرّب، أنْ تغامر، أنْ تشتبك في معارك، أنْ تكون حياتك قصة تستحق أنْ تكتب… عند ذلك يمكن أنْ يكون لك خيال… وأشياء رائعة ليس من صنع الخيال وحده…
“وأنا ما أزال أحفظ نصيحته. إنَّ القصاص يجب أنْ يخوض غِمار الحياة، لكي يكتب يجب أنْ يشترك في كل شيء، يتحمل هموم عصره كله…”(37 ).

وعلاوة على ذلك سنحت الفرصة لـ(غائب)، بعد فترة، للعمل في مجلة (الثقافة) التي كان يصدرها (أحمد أمين)، اذ تولّى فيها تحرير (باب) بعنوان (في دوائر الأدب والفن)، وهو “عبارة عن تعليقات أدبية وفنية، واستمر ذلك حتى عام 1950″( 38)، إلاّ أنَّ اشتغاله في مجلة (الثقافة) لم يحل دون أنْ يتعامل مع مجلة مصرية مشهورة أخرى هي (الرسالة) التي كان يصدرها (أحمد حسن الزيات)، فقد نشر فيها أيضاً “…أربع أوخمس قصص”( 39).
ويدلل تعامل (غائب) مع الصحف والمجلات المصرية، المختلفة التوجهات الفكرية، المتباينة الاهتمامات الأدبية، تدلل على انفتاحه على كل التيارات الفكرية والثقافية والأدبية، بل وحتى السياسية، ذلك انَّه كان لا يتردد في أنْ ينهل من أي منهل، طالما انَّه يرفده ويزوّده بمعرفة جديدة، تغني رصيده المعرفي وتثريه، فهو يقول: “كنت في ذلك الوقت غير متبلور وكانت لي رغبة في الاطلاع، حزب (حدتو)** كان يصدر جريدة (الجماهير) وكان البائع يخاف من عرضها علناً، لكن البائع المتجول كان يعرضها على الطلاب والشباب، وكلما عرضوها عليَّ آخذها وأقرأها، وهذا يشير إلى أنَّ لي علاقات مختلفة في مصر، مع قطب، الزيات، كانت عندي رغبة في التهام الحياة، معرفة كل شيء، وتجربة كل شيء”( 40).gh osama ghaeib
إنَّ هذا الانفتاح على منابر الثقافة والأدب، وهذا التواصل مع مراكز استقطاب المفكرين والأدباء، قد فسح المجال لـ(غائب) للتعرف على العديد من أقطاب الفكر والثقافة والأدب العرب – المصريين. وتبعاً لذلك فانَّه مضى إلى عقد أواصر التعارف والصداقة والتلمذة مع العديد من أولئك الأقطاب، على اختلاف توجهاتهم وميولهم الفكرية. ويذكر (غائب) منهم: (محمود أمين العالم)(41 ) و(عبد الحميد جودة السحار) و(علي أحمد باكثير) و”الزيات كنا نزور مجلسه في (الثقافة)، وكذلك أنور المعداوي”(42 )، غير أنَّ اثنين من أقطاب الأدب والفكر في مصر كان لهما أعمق التأثير في (غائب) من خلال حضوره للندوات التي كانا يعقدانها وهما: نجيب محفوظ، وسلامة موسى، يقول (غائب) في هذا الصدد: “فسرعان ما تعرفت بنجيب محفوظ، كنت أذهب إليه… لقد كان لنجيب محفوظ تأثير كبير كليَّ كأديب واقعي وكإنسان وصديق، وكنت خلال وجودي في مصر أحضر ندوتين: ندوة سلامة موسى حيث التساؤل والاحتكام للعقل المحورين لكل أحاديثه، وندوة الأوبرا أو مجلس الأوبرا حيث كان نجيب محفوظ يتصدرها. كانت ندوة مراجعة للأسبوع الثقافي كلّه. لقد كان نجيب محفوظ في ذلك الحين يشكل بقصصه ورواياته الواقعية الأولى تحدياً لقصص المجلات البرجوازية المولعة بالفضائح الغرامية والفورات الرومانسية. إنَّ شخصياته المقتطعة من الطبقات المتوسطة وما دونها تصطرع في عالم آخر له شكله وطموحاته وكانت أقرب إلى نفسي وإلى الناس الذين كنت أعايشهم في وطني”( 43).

والواقع أنَّ (فرمان) يفرد لـ(نجيب محفوظ) بالذات مكانة خاصة في صياغة توجهه الأدبي، وتأثيراً فاعلاً في تكوينه الثقافي، إذ يقول: “نجيب محفوظ أستاذي وصديق صِباي، إذا تجاوزت وقلت ذلك. عام 1948، وأنا طالب في السنة الأولى في كلية الآداب في القاهرة، كنت أحمل كتبي الجامعية، وأذهب إلى ندوته الأسبوعية يوم الجمعة، واستعذب مجلسه الذي لم يكن الحاضرون فيه يتعدون الستة أو السبعة من كُتَّاب ومثقفين، كنت أنا أصغرهم سناً، وفي هذه اللقاءات كان يُطرح ويُناقش معظم ما يصدر آنذاك، ويفرز ما هو صحفي للاستهلاك اليومي ودغدغة عواطف الجمهور، وبين الجاد المصور لواقع قائم نحياه وتتشبع كل حواسنا به، فكيف لا أتأثر بنجيب محفوظ، وأنا في مرحلة التلقي والاستيعاب؟”( 44).

والواقع أنَّ التأثيرات التي تلقاها (غائب) خلال إقامته في (القاهرة) كانت أعمق وأوسع مدىً، فعلاوة على مصاحبته الأدباء وتوسع قراءاته وتشعبها، كانت دراسته في جامعة القاهرة ذات تأثير مهم، من حيث تعميق معرفته باللغة والتمييز بين الأساليب المتنوعة من الناحية البيانية، ولاسيما وأنَّ قسم اللغة العربية بكلية الآداب كان يضم أساتذة أكفاء كل منهم صاحب مدرسة، يقول (غائب) بهذا الخصوص: “دراستي في كلية الآداب أثرت عليَّ (خاصة تعاملي مع اللغة)… أذكر أنَّه كان يدرسنا مادة البلاغة أمين الخولي، وهو أستاذ كبير وصاحب مدرسة، وكان يزن كل لفظة ومدلولها الإيحائي وعلاقاتها، كان يُدرّس البلاغة بطريقة جديدة ليست البيانية، بل الطريقة النفسية، الترابط، الجو النفسي الذي تخلقه الكلمة، وكان يهتم بالإيجاز”(45 ).
وعندما يستذكر (غائب) تلك المعطيات والمؤثرات، فإنه يحاول أنْ يقوِّمها في إطار المرحلة التي عايشها. وتبعاً لذلك فإنه يرى أنَّ طريقة الأستاذ (أمين الخولي) كانت تمثل نوعاً من “ردّ الفعل على مدرسة طه حسين التي هي تطوير لمدرسة الجاحظ”(46 ). وعليه فإنَّ (غائب) يؤكِّد أنَّ دراسته في (كلية الآداب) قد أمدته “بالكثير من المعرفة، منها (التمييز) بين الأساليب، بين أسلوب طه حسين، أحمد أمين … ، مصطفى صادق الرافعي، وبين المازني، في مصر شاهدت وقرأت أساليب مختلفة من الناحية البيانية”، ومن ثم يخلص (غائب) في ختام استذكاره لما أفادته مصر من تأثيرات، إلى القول: “مصر أفادتني في تنوع الأساليب، فضلاً عن النغمة الواقعية الموجودة في الأدب المصري، وعلى رأسها نجيب محفوظ…”( 47).

وعلى الرغم من أنَّ إقامة (غائب) في (القاهرة) ودراسته فيها كانت لها تأثيرات عميقة وواسعة في تكوينه الثقافي، فهي قد أتاحت له فرصة التعرف على أقطاب الأدب العربي الحديث في مصر عن كثب، وكذلك العمل في المؤسسات الثقافية – المجلات الأدبية المشهورة التي كانت تصدر في القاهرة، ناهيك عن زيادة وتعمق معرفته بالأدب العربي – القديم والحديث من خلال النهل من معين الأساتذة الذين تولوا تدريسه في كلية الآداب – بجامعة القاهرة – أقول: على الرغم من ذلك كله، إلاّ أنَّ حياته في (القاهرة) لم تكن سهلة مُيسرة، بل كانت تشوّبها صعوبات جمّة. ولقد عبَّر (غائب) عن حالته في القاهرة من خلال وصف حالة إحدى شخصيات قصة (صورة) التي ضمّنها مجموعته القصصية (حصيد الرحى)(48 ). وقد أكّد (غائب) لـ(زهير شليبة)(49 ) أنَّ تلك الحالة كانت تحكي عن حالته هو أيام كان طالباً في جامعة القاهرة يحمل على كاهله هموماً ثقافية كبيرة، وتتسلط عليه رغبة شديدة في القراءة والاطلاع، وقد عبَّر عنها بقوله: “… وظل ساهماً يطوف من غير غاية، سكران بخمرة همومه، حاملاً مشاكل الدنيا كلها على كتفيه … ورأى مكتبة تعرض الكتب بشكل مغر وجذاب يقرأ عناوين الكتب ويستلذ بترديد أسماء من أحبهم من الكُتَّاب والشعراء، وتمنَّى أنْ يدخل إلى المكتبة ويتربع على أرضها النظيفة الباردة لأنَّه تعب جداً… يمسك كتاباً من تلك الكتب التي أحبها من أعماق قلبه وينغمر في أجوائها… وتذكر انّه جائع… وترك المكتبة وقواه منهارة… ولمح من بعيد محلاً للفول المدمس”( 50).

الراحل غائب طعمه فرمان مع د. زهير ياسين شليبه، موسكو 1982
الراحل غائب طعمه فرمان مع د. زهير ياسين شليبه، موسكو 1982

وكما هو واضح من الحالة التي يعرضها (غائب) هنا، أن حياته لم تكن سهلة ولا ميسرة، فهو كان يعاني من ضيق ذات اليد، وقلة الموارد المالية التي تمكِّنه من أنْ يوفِّر مستلزماته، يقول (غائب) بهذا الصدد: “… كنت بلا مورد، والدي تعهَّد بأن يبعث لي خمسة جنيهات شهرياً، إذن خرجت من العراق وأنا غير مضمون مادياً.. قال الوالد إنه مستعد لإرسال خمسة دنانير في الشهر، لكنه أرسل المبلغ لمدة ثلاثة أشهر ثم توقف. قال: أنا غير قادر، فلجأت إلى الكتابة في الصحف، عملت في الصحف الثقافية بجنيهين عن المقال، ثم خفض المبلغ إلى جنيه واحد أي من 8 إلى 4 جنيهات شهرياً، سيد قطب وعدني ثم لم يدفع شيئاً… صاحب مجلة (العالم العربي) كلمني وذهبت إليه، فوقع لي شيكاً، ولكن بثلاثة جنيهات…”(51 ).

ومع مرور الأيام تزايدت معاناة (غائب) من الحرمان والجوع ولم يكن يملك وسيلة لدرئها سوى استجماع طاقاته الأدبية وتسخيرها من أجل سد جوعه “… عندما كنت جائعاً في مصر، في عام 1948 كنت أطرق أبواب جريدة (البلاغ) وفي يدي المرتجفة قصة….”(52).
ولكن محاولات (غائب) من أجل حل مشكلة توفير مورد مالي يضمن توفير مستلزماته مالبثت أنَّ اصطدمت بجدار صلب لا يمكن تجاوزه، كما أنَّ حالته المرضية – المتمثلة في معاناته من الالتهاب الرئوي – مالبثت انه تفاقمت هي الأخرى، لذا وجد (غائب) أنَّ بقائه في (القاهرة) صار في حكم المستحيل، فلا مورد، ولا علاج، وتبعاً لذلك فإن الحل الوحيد والنجاة من المأزق كان في العودة إلى العراق، رغم أنَّه لم يكمل من سني دراسته إلا ثلاث سنوات، فاضطر تحت وطأة الضغوط الشديدة التي فرضت نفسها عليه أنْ ينقل دراسته إلى (جامعة بغداد) ليكمل السنة الرابعة من دراسته في كلية الآداب فيها.
وفي رسالة كتبها (غائب) إلى (أنور المعداوي) أحد النقاد المصريين الذين عرفهم في القاهرة مؤرخة في (17 نوفمبر سنة 1951)( 53) يقول (غائب): “إنني دخلت المستشفى عقب وصولي إلى بغداد مباشرة” وأنه “الآن نزيل مستشفى الأمير عبدالإله للأمراض الصدرية لأتم علاجي … والظاهر ألا مفر من عملية (قص الضلوع) لي لأن الانسكاب البلوري قد عمل عملاً سيئاً … و مع ذلك فأنني أكره حياة مريضة، فلهذا سوف لا أمانع في إجراء العملية عند الضرورة.
“أمر رجوعي إلى مصر متوقف على تحسن صحتي وعلى حصولي على ما أحرقه قرباناً لحياتي في مصر من مال، وهو أمر عسر بالنسبة لي وفي هذه الظروف بالذات… إنني لا أملك شيئاً آخر أضحّي به في حياة متزعزعة غير مستقرة، بعد أن ضحيت في سبيل أبسط حق من حقوق الإنسان وهو العلم…”(54 ).
وبعد أن غادر (غائب) المستشفى، حرص على إكمال إجراءات نقل دراسته من كلية الآداب بجامعة القاهرة إلى كلية الآداب بجامعة بغداد؛ وذلك لغرض مواصلة دراسته وإكمال السنة الرابعة من دراسته الجامعية.
ويبدو أن (غائب) قد ضاعف جهوده من أجل إكمال تلك السنة الرابعة والأخيرة من دراسته بتفوق، والتخرج بتقدير (جيد جداً)، إلا أن عقبة لا تخطر على البال ما لبثت أن كادت أن تحرمه من هذا الطموح، فقد حاول “أحد أزلام السلطة” على حد تعبيره “أن يعيق تخرجي بدرجة جيد جداً، فجعلني في السنة الأخيرة (مكملاً) في درس غير أساسي، هو اللغة الفارسية؛ لأن ليس للمكمل الحق في الحصول على درجة جيد جداً” إلا أنه تمكن في نهاية المطاف من إثبات حقه وتجاوز هذه العقبة المدبرة، والحصول على شهادة البكالوريوس بتقدير (جيد جداً)(55 ).
بيد أنَّ هذا النجاح بتفوق لم يشفع له، ولم ييسر له إمكانية الحصول على وظيفة في الحكومة، ومن ثم فأنه لم يجد أمامه سوى فرصة العمل في صحيفة (الأهالي)، الصحيفة الناطقة بلسان الحزب الوطني الديمقراطي. والواقع أن صلة (غائب) بهذه الصحيفة لم تكن بنت وقتها، وإنما تعود إلى عام (1949) أيام كان يدرس في جامعة (القاهرة)، يقول (غائب) في هذا الخصوص: “كنت في زيارة إلى بغداد عام 1949 حين تعرفت بكامل الجادرجي وعبدالمجيد الونداوي للمرة الأولى، أذكر أنني كنت قد كتبت مقالة عن سلامة موسى، أعجب بها الجادرجي فطلب مني أن أكون مراسلاً لجريدة (الأهالي) في مصر”(56 ) وبالتالي، حين ضاقت بـ(غائب) سبل العمل، لجأ إلى العمل في (الأهالي).kh ghaeb 2
والواقع أن (الأهالي) لم تكن في ذلك الحين مجرد صحيفة ناطقة بلسان حركة أو حزب سياسي معين، وإنما كانت مركز استقطاب للعديد من التيارات والقوى السياسية الديموقراطية والتقدمية – الوطنية التي تنشط في الساحة العراقية وقتذاك. ويقول (غائب) عنها: “كنت أشاهد كثيراً من الشخصيات البارزة تتردد على الدوام على مقر (الأهالي) سواء من المحامين أو السياسيين أو الأدباء والمفكرين”(57).
وتبعاً لذلك يمكن القول أن مقر (الأهالي) قد أحيا في ذهن (غائب) الأجواء التي كانت تحفل بها مقرات الصحف المصرية التي كان يعمل فيها ابان فترة دراسته في القاهرة وكيف أنها هيأت له فرص اللقاء والتعارف مع الشخصيات السياسية والفكرية والأدبية العربية – المصرية، فاستمد منها ما استمد من مؤثرات. فما حصل هناك في مقرات الصحف والمجلات المصرية البارزة، قُدّر له أن يحصل في مقر (الأهالي)، فلقد تهيأت لـ(غائب) الفرصة في (الأهالي) لأن يعقد صلات، ويتعرف بشخصيات سياسية وفكرية وأدبية، ويتأثر بها، وينهج نهجها، حسب ما تحقق له من قناعات وقتئذ.

ولعل أولى تلك الشخصيات السياسية والفكرية البارزة التي استوقفت (غائب) ولفتت انتباهه فتأثر بها: شخصية رئيس (الحزب الوطني الديموقراطي)، الذي تنطق (الأهالي) بلسانه، وأعني الزعيم الوطني المعروف (كامل الجادرجي)، فقد ظل (غائب) يعده (معلماً) في الحياة والسياسة، رغم أنه (أقصد: غائب) ابتعد عن طروحات الجادرجي الايديولوجية وانتقل إلى مواقع أكثر راديكالية. وبالمقابل فأن نظرة (الجادرجي) إلى (غائب) لم تكن أقل شأناً وقيمة، ذلك أن (الجادرجي) قد توسم في (غائب) كاتباً سياسياً باهراً حتى أنه أوكل إليه لمرات عديدة كتابة افتتاحيات جريدة (الأهالي)، رغم الخلافات الايديولوجية بينهما(58).
ولقد أتاح له عمله في جريدة (الأهالي) أيضاً فرصة التعرف على بعض الأدباء الشبان الذين كانوا يشقّون طريقهم نحو الإبداع الأدبي، أمثال (بدر شاكر السياب) و(حسين مردان) و(عبدالملك نوري)، الذين لا ينكر (غائب) مساهمتهم في توجيهه؛ ذلك أنه بتحريض وحثّ من (عبدالملك نوري) الذي يقول عنه (غائب) أنه كان نهماً بالقراءة، ويروج للأدب العربي والنماذج الجريئة منه، اتجه نحو القراءة باللغة الإنكليزية. ويقر (غائب) أن “القراءة الجدية بدأت عام 1952 للأدب بالإنجليزية: دستوفسكي، مدام بوفاري، كنت أشتري هذه الكتب من مكتبة (أوروزدي باك) التي يجتمع فيها عدد من الأدباء، وكذلك مكتبة (مودرن ليبراري)”. كما أن (حسين مردان) هو الذي تكفل بنشر أول مجموعة قصصية له بعنوان (حصيد الرحى)( )، كما أنه ليس من المستبعد أن يكون مقر جريدة (الأهالي) هو المكان الذي أتاح لـ(غائب) فرصة التعرف واللقاء بشخصية مثقفة، يعترف (غائب) بأنه مدين لها بالفضل في تكوينه الثقافي، إلا أنه مما يثير الاستغراب أن غائب لا يكشف النقاب عن اسم تلك الشخصية. ففي سياق حديثه عن بدايات توجهه نحو الأخذ بالفلسفة الماركسية، يقول غائب:
“ولقد عاونني في ذلك أحد المثقفين الذين كان لهم وعد كبير في الحركة الماركسية – وكان اطلاعه الواسع على اللغتين الفرنسية والانكليزية وآدابها يبهرني، وكانت معاونته لي بتوضيح تلك القسمات التي لا تبرز خلال الشكل التعبيري فقط وإنما من خلال تجربة حياتية… لقد عرّفني على منابع الصدق التي كانت تزخر بها كتابات الذين أرشدني إليهم. كان يدلني على القطاعات التي تناولوها في كتاباتهم. وكان يدفعني إلى أن أحذو حذوهم بفهم ومعرفة دقائق الحياة وتفاصيلها…”.
ويتحدث (غائب) عن عمق التأثير الذي تركه من يصفه بأنه معلمه ومُثَقِفُه في تفكيره وكيف أنه زوده بمعيار يصوغ كتاباته الأدبية وفقاً له، فيقول:
“أذكر أنها كانت فترة خصبة أثرت في حياتي تركتني فترة طويلة أختلي بنفسي متجولاً كالهائم في أحياء بغداد القديمة محاولاً استيعاب كل نتوءات الأرض وقسمات الناس. وكنت أعرض على معلمي ومثقفي كتاباتي الأولى هذه المشاهدات والأوصاف التي أخضعتها لملاحظات محددة”.
“كان يقول لي: هذا الخليط يجب أن يكون له شيء يشده… يجب أن تكون هناك فكرة تشد كل هذا… ماذا تريد أن تقول وأنت تقدم هؤلاء الناس وهذه الأوصاف؟ وقتها عرفت منه أوليات الماركسية وأوليات الأفكار الاشتراكية والإنسانية”( 59).

واستناداً إلى ذلك كله يمكن القول أن فترة عمله في جريدة الأهالي التي تمتد بين عام 1951 إلى 1954، كانت على المستوى الشخصي، فترة إعداد وتأهيل امتد تأثيرها على تكوينه الثقافي إلى المراحل اللاحقة من حياته، ناهيك عن كونها شهدت انجاز الجزء الأكبر من مجموعته القصصية الأولى (حصيد الرحى) ونشرها (عام 1954)، كما أنها أثمرت واحدة من أهم أعماله الروائية (خمسة أصوات)( 60).kh ghaeb 9

غير أن الجو السياسي في العراق ما لبث أن اكفهر، اذ شهد منذ منتصف عام 1954 توتراً متزايداً بسبب الخطط السياسية التي كانت السلطة الحاكمة في العراق تنوي تطبيقها على العراق، بما ينسجم مع المتغيرات الدولية – ولاسيما الإعداد للمشروع السياسي الذي اختارت القوى الدولية الكبرى تنفيذه في منطقة الشرق الأوسط، والذي عرف لاحقاً باسم (حلف بغداد)(61 ). وقد انعكس تأثير ذلك على سلوك الحكومة العراقية، وإجراءات قواها الأمنية تجاه النشطاء السياسيين، والعاملين في حقل الصحافة السياسية المعارضة، وفي خضم هذا الجو السياسي المكفهر، لم تقتصر إجراءات الحكومة العراقية على حل البرلمان، وإصدار قرارات بمنع الأحزاب السياسية المجازة – العلنية، وغير المجازة – السرية من ممارسة أي نشاط سياسي، بل تعدت ذلك إلى غلق الصحف السياسية، وتعقب العاملين فيها. وقد شملت تلك الاجراءات – فيما شملت – جريدة (الأهالي) التي كان (غائب) يعمل فيها. وهو يحدثنا عن تفاصيل إغلاقها فيقول: “كان ذلك في الضحى، وكنا جالسين في غرفة التحرير، وهي سرداب قديم، وإذا بالشرطة تهجم علينا شاهرة مسدساتها وتقول: عندنا أمر بإغلاق الجريدة اتصلنا بكامل الجادرجي تلفونياً فجاء على الفور ثم صدر الأمر إلينا بمغادرة السرداب، ورأينا أفراد الشرطة وهم يقلبون محتويات أدراج مناضدنا ويضعونها على شكل كومة في وسط السرداب”( 62).
وإزاء هذا الجو المتوتر، المكفهر، وبعد أن سُدّ بوجهه باب الرزق الوحيد والمتمثل في العمل في جريدة (الأهالي)، لم يجدْ (غائب) بعد إغلاق جريدة (صوت الأهالي) أمامه سبيلاً سوى مغادرة العراق، ناهيك عن احتمال تعرضه للاعتقال بتهمة الترويج للمبادئ الهدامة، لاسيما وأن واقعة (تانكي المي) لم تكن قد اختفت من ذاكرته تماماً، لذا فأنه قرر النفاذ بجلده والسفر إلى (لبنان). وما أن حل في (بيروت) فأنه عمل لفترة قصيرة في مجال التعليم. ثم مالبث أن عمل في مجال الصحافة، محرراً في مجلة (الثقافة الوطنية)، دون أجر؛ ربما لأنه “كان يعتبر أن مجرد النشر في هذه المجلة التقدمية المكافحة هو الأجر العظيم…” ( 63).
وأثناء عمله في هذه المجلة نشر (غائب) إحدى قصصه بعنوان (عمى عبّرني) التي تدور حول طفلة في ضفة إحدى شوارع بغداد، التي أغرقتها مياه الأمطار، تريد العبور إلى الضفة الأخرى. وقد استخدم (غائب) في هذه القصة الحوار باللهجة الدارجة العراقية، غير المفهومة لدى الكثيرين مِن العرب خارج العراق، الأمر الذي أثار نقاشاً حادّاً، شارك فيه أكثر من كاتب وأديب عربي، على صفحات مجلة (الثقافة الوطنية) اللبنانية، حول مسألة استخدام الحوار باللهجة الدارجة (أو العامية)، وقد طالبه النقاد بالكف عن كتابة الحوار باللهجة العامية البغدادية. وكان رد (غائب) أن الحوار جزء من الشخصية الانسانية، ولا يمكن التعبير عن المزاج والتكوين النفسي للشخص دون استخدام اللهجة به.
ولعل من المناسب الإشارة هنا إلى أن هذه (السابقة) لا تلبث أن تتكرر لاحقاً في كتابات (فرمان) اللاحقة بل وتشكل إحدى ملامح أسلوبه في كتابة رواياته، وبالأخص روايته الشهيرة (النخلة والجيران).
وفيما كان (غائب) يعمل في بيروت، تلقى دعوى للمشاركة في (مؤتمر الكتاب العرب)، الذي عقد في دمشق، في نفس العام، كممثل لأدباء العراق. وقد أشير في مجلة (الثقافة الوطنية) إلى اسم (غائب طعمة فرمان) و(محمد غني حكمت) كمشاركين، ممثلين للعراق، في (مؤتمر الكتاب العرب)، الذي عقد في (دمشق) للفترة من 11 إلى 16 أيلول/ سبتمبر 1954.

وقد انتخب (غائب) عضواً في (لجنة الأدب الجديد)، التي ضمت كلاً من: سعيد حورانيه، رضوان الشهال، صميم الشريف، فاتح المدرس، علي سعد، شوقي بغدادي، أحمد أبو سعد، وعادل أبو شنب. وقد ألقى (غائب) ضمن نشاطات ذلك المؤتمر، عموماً، وفي سياق عمل تلك اللجنة بشكل خاص، بحثاً بعنوان (قضايا الأدب الجديد)، ما لبث أن نشر في العدد (64) من مجلة (الثقافة الوطنية)( 64).

وبعد مكوثه عقب انتهاء المؤتمر، مدة قصيرة في سوريا، ما لبث أن سافر (غائب) إلى (رومانيا) حيث مكث في عاصمتها (بخارست) مدة (26) يوماً، “… ثم سافرت إلى بودابست فبقيت 14 يوماً… وبعدها سافرت إلى فيينا، وهناك لم تقبل الحكومة النمساوية منحي فيزا، فسافرت إلى ألمانيا وهناك استطعت الحصول على فيزا ورجعت إلى فيينا…” (65 ). ونظراً لافتقار (غائب) إلى المال الكافي أثناء وجوده في (فيينا)، فأن استمرار بقاءه فيها بات متعذراً جداً، أو على حد تعبيره: “… فأن وضعي مزرٍ جداً وبائس (…)، أن بقائي في أوروبا في هذه الحال متعذر جداً، فكل شيء هنا يحتاج إلى مالاً أملكه.. إلى الفلوس!” ( 66)، لذا فكر (غائب) في البحث عن (ملاذ) له في إحدى الدول العربية، التي يمكن أن تقبل أن تحتضنه، ولقد بدت له (مصر) الأقرب إلى عقله وقلبه، فلقد عاش فيها وعايش مناخها الثقافي وعرف فيها أناس كثيرين، فهو يقول في رسالة شخصية له إلى (محمد دكروب): “أنا أفكر الآن في السفر إلى مصر، ولعلني أحصل على فيزا مصرية في فرنسا أو إيطاليا، فالمفوضية المصرية في فيينا لم تقبل منحي فيزا…”(67 ). ويبدو أن (غائب) قد نجح أخيراً في الحصول على سمة دخول (فيزا) إلى مصر فسافر إلى القاهرة ووصلها في 16 تشرين الأول (نوفمبر) 1955، اذ أنه بعث في اليوم التالي رسالة إلى زميله (محمد دكروب) ليعلمه بذلك، قائلاً: “لقد وصلت من فيينا البارحة على أمل أن أقضي بعض الوقت هنا، وسأمكث مدة في القاهرة، لقد تركت فيينا لأن البقاء فيها صعب جداً”( 68). ويبدو أن (غائب) قد اقتنع تماماً أن اختياره السفر إلى (مصر) كان اختياراً صائباً؛ إذ أنه سيجد في (القاهرة) لا محالة (الملاذ) الذي ينشده، فهو يقول في رسالة شخصية مؤرخة في 24 كانون الأول/ ديسمبر 1955، بعثها إلى زميله (محمد دكروب): “الظاهر أنني سأبقى في مصر…” ( 69).

الراحل الكبير غائب طعمة فرمان والكاتب المسرحي فاروق أوهان في منزل الأخير في التسعينات
الراحل الكبير غائب طعمة فرمان والكاتب المسرحي فاروق أوهان في منزل الأخير في التسعينات

ويبدو أن (غائب) ما أن حلّ في (القاهرة) للمرة الثانية، حتى عمد إلى استنهاض همته، والسعي إلى إحياء أو تجديد علاقاته مع الشخوص والمؤسسات التي تعامل معها ابان حقبة تلمذته ودراسته في جامعة القاهرة، وعمله في الوقت نفسه في مجال الصحافة، وكان هدفه من ذلك: ايجاد سبيل للرزق يوفر له مورداً كافياً يكفل له العيش، وكذلك ايجاد متنفس يعبر من خلاله عن آرائه وأفكاره وتطلعاته.
ويمكن القول أن سعي (غائب) في هذا السبيل قد أسفر عن جملة نشاطات قام بها في (القاهرة) خلال هذه المدة. ولعل أولى تلك النشاطات كانت اشتراكه مع (محمود أمين العالم) في إصدار كتاب بعنوان (قصص واقعية من العالم العربي) في عام 1956، عن (دار النديم) القاهرية وقد أعدّ كل من: (محمود أمين العالم وغائب طعمة فرمان) للكتاب (مقدمة) مهمة جداً ليس بالنسبة لحياة الأديب ونشاطاته الابداعية فحسب، بل وبالنسبة للنقد العربي الحديث بشكل عام.
وقد ضم الكتاب مجموعة قصص قصيرة لكتاب عرب من مختلف الأقطار العربية، وهذا يعني أنها محاولة لتوحيد الأدب العربي الحديث، والتعريف بأدباء عرب من أجزاء مختلفة من الوطن العربي.

ولعل مما يلفت الانتباه أن (دار النديم) قد كتبت (مقدمة) قصيرة للكتاب أشادت فيها بدور (فرمان) و(العالم) باعتبارهما “أثنين من نقادنا اللذين برزا في عالمنا العربي خلال المعركة…”( 70). مما يعني أن (فرمان) قد غدا في هذه المرحلة “ناقداً معروفاً ومعترفاً فيه من قبل الأوساط العربية”( 71).
والواقع أن اللهجة المتحمسة التي اتسمت بها (المقدمة) التي صدرت بها (دار النديم) الكتاب، تعكس الصراع الحاد الذي كانت تعيشه البلدان العربية في الخمسينات. ولعل من المفيد أن ننقل هنا انطباعات (غائب طعمة فرمان) في حواره حول هذا الموضوع، مع (غالب هلسا) بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود من الزمن على تلك الأحداث اذ قال:
“…إلى أن جاءت الخمسينات التي اعتبرها بداية الأشياء، الخمسينات مُضمّخة بأعز ذكريات العمر… في الخمسينات كنا نحس بأننا نستطيع فعلاً أن نغير العالم. كان لدينا زخم ثوري شديد، ولم يدر في أذهاننا قط أننا سنجابه في يوم من الأيام بشيء ما غير ما نطمح إليه”.
“تحضرني هنا تجربتي مع محمود أمين العالم، تجربة جمعنا لقصص عربية من مختلف أقطار العالم العربي، لأول مرة تربط بين التيارات الواقعية في العالم العربي ونقدمها للقارئ، لأول مرة نتلمس وحدة الثقافة العربية، وحدة النضال العربي المشترك…”(72 ).

غائب طعمة فرمان وفلاح الجواهري وبينهما حسب الشيخ جعفر
غائب طعمة فرمان وفلاح الجواهري وبينهما حسب الشيخ جعفر

والواقع أن (غائب) حاول، علاوة على نشاطاته السابقة التي أشرنا إليها، التوسع في قراءاته للأدب الأوروبي باللغة الانكليزية، وقد استأثر باهتمامه خلال هذه المدة (عام 1956) بشكل خاص، الكاتب الايطالي (إينازي سيلوني) الذي قرأ له روايته (الخبز والنبيذ)، وكذلك روايته (فونتمارا)، بل أن أعجابه الشديد بهذه الرواية الأخيرة قد دفعه إلى ترجمتها إلى اللغة العربية. وبعد انجاز الترجمة سلم المخطوطة إلى (دار المكتب الدولي للنشر والتوزيع)، الذي بادر بنشر (اعلان) في “الصفحة الثانية من غلاف مسرحية (موت بائع جوال) للكاتب الأميركي آرثر ميلر”، وذلك على سبيل التنويه بقرب صدور الترجمة، وكان مضمون الاعلان: “فونتمارا قصة صراع الشعب الايطالي المرير ضد الفاشية والإرهاب والاستبداد: بقلم اينازي سيلوني – تعريب غائب طعمة فرمان، مقدمة بقلم الدكتور عبد العظيم أنيس”(73 ).
غير أن الترجمة لم تصدر، والسبب فيما يقول (غائب): “ومن المؤسف حقاً أنني فقدت النسخة المترجمة، ولم احتفظ بنسخة أخرى، في الحقيقة لا أذكر كيف فقدتها، وصدرت فيما بعد بترجمة عيسى الناعوري(*)، عن الايطالية بينما أنا ترجمتها عن الانكليزية…” ( ). والواقع، أن (غائب) يقرّ، دون مواربة، بإعجابه الشديد، وبالتالي تأثره برواية (فونتمارا)، سواء في (لغة) الرواية، أو (أجوائها)، أو (أبطالها) وصفات (شخصياتها)، وقد “انعكس هذا التأثير في روايتي الأولى (النخلة والجيران)” (74 ).

والواقع أن المناخ السياسي الذي كان يهيمن على (القاهرة) حينذاك، وهي في مواجهة (مشروع) التمهيد لإقامة (حلف بغداد)، قد حثَّ بعض أقطاب الأدب السياسي على استدراج (غائب) للمساهمة بجهد ما في المشروع المناهض لحلف بغداد. وإذا كانت (بغداد) قد قُدر لها أن تغدو القطب الراعي لـ(حلف بغداد)، فان (القاهرة) قُدر لها أن تغدو قطب جبهة المعارضة لذلك الحلف.

ويبدو أن أولى الأمر في جبهة معارضة (حلف بغداد) قد وجدوا في (غائب طعمة فرمان) ذلك العراقي المهاجر من العراق، والمناهض لأسلوب الحكم الذي تتبعه الدولة العراقية تجاه مواطنيها، أداة مناسبة يمكن تسخيرها ضد السلطة العراقية.

ومن ثم فقد تم استدراجه أو إقناعه بالعمل على إعداد (كتب) تفضح الأساليب القاسية التي تتبعها الحكومة العراقية تجاه معارضيها السياسيين. وفيما كان (غائب) يعمل في جريدة (الشعب) فإنه عمل على إعداد كتب تفضح الأساليب التي تتبعها الحكومة العراقية تجاه معارضيها السياسيين. ومن هذه الكتب (الحكم الأسود في العراق) الذي كرسه لفضح الحكم الملكي وممارساته. كما ساهم في إعداد كتاب (من أعماق السجون في العراق)، وهو كتاب يتحدث عما كان يجري في السجون العراقية آنذاك(75 ).kh ghaeb 3

ويمكن القول إنّنا نواجه نوعاً من الضبابية، إذا جاز التعبير، في مسار حياة (غائب) خلال عام (1957)، إذ ثمة إشارة إلى انه عندما كان في القاهرة سافر ضمن وفد للمشاركة في مهرجان (فرصونيا) العالمي للشباب (في رومانيا).
وعند نهاية المهرجان غاب (غائب) عن وفده، وعند الاستفسار عنه قيل إنَّه ضاع، ويبدو انه تأخر عن موعد إقلاع الباخرة، ويقال إنَّ (غائب) قد أُركب لاحقاً سفينة متجهة إلى إحدى الأقطار العربية، ولكن سلطــات ذلك القطر رفضت استقباله، لأنه أضاع أوراق اعتماده، وبالتالي فقد شرّقت به السفينة وغرّبت حتى عادت إلى مرساها بعد شهرين، ومن بعدها استقر المقام بـ(غائب) في (الصين)، حيث استطاع (غائب) أنْ يجد عملاً في (وكالة أنباء الصين الجديدة)(76 ).
ويبدو انه كان من أوائل العاملين في مجلة (الصين المصورة) في عددها الأول، وأثناء مكوثه في الصين أصابه عارض صحي استدعى نقله إلى مستشفى الأمراض الصدرية، حيث استئصلت إحدى رئتيه، وأمضى فترة نقاهة امتدت إلى عام كامل(77 ).
وعندما كان (غائب) في الصين، اندلعت (ثورة 14 تمموز/ 1958) في العراق، فبادر بالعودة إلى بغداد. ويبدو أنه قد اتفق مع المؤسسة التي كان يعمل فيها في الصين على أن يواصل عمله فيها بعد انتقاله إلى العراق، إذ يذكر (شليبة) أن (فرمان) عمل “في هذه الفترة في وكالة الأنباء الصينية”(78 )، ربما بوصفه (مراسلاً) لها. إلا انه انغمر في الوقت نفسه، في حمأة النشاط الصحفي الذي رافق التحول السياسي الكبير الذي شهده العراق، عقب سقوط النظام الملكي وبروز نشاط الأحزاب السياسية المتنوعة التوجهات والأهداف سواء منها اليسارية (الشيوعية)، أم القومية، أم المحافظة ذات التوجه الديني الإسلامي، كلها تتصارع من أجل فرض هيمنتها وتسلطها، وعلى الرغم من أن (غائب) قد نشر خلال هذه المدة العديد من المقالات السياسية، والقصص القصيرة، إلا أنه، بمرور الأيام بات يشعر أن (المناخ السياسي) الذي يتحرك خلاله لم يعد مريحاً، لذا فانه فكر في الابتعاد عنه.
يقول أحد المقربين من (غائب) بخصوص موقفه آنذاك: “وبعد عام من الثورة تحول العراق إلى حقل للتجارب الإرهابية من كل صنف ولون ضد الديمقراطيين والحركة الديمقراطيية عموماً، فجاءني غائب بحكم الروابط السياسية التي كانت تربط بيننا، آنذاك، ليفضي إليَّ بنبأ عزمه على مغادرة البلاد للاشتغال مترجماً في موسكو، فأسفت لذلك و أغرورقت عيوننا بالدموع”(79 ).
ومن ثم فقد سافر (غائب) مع بداية عام (1960) إلى (موسكو) اذ بدا له انه سيجد المقام المريح والعمل المناسب.kh khaled ghaeib
عندما حلَّ (غائب) في (موسكو)، كان من الطبيعي أنْ يُبادر أولاً إلى البحث عن (وسيلة رزق) تكفل له توفير ما يُقيم أوده ومتطلبات حياته. ويبدو انَّ أقرب (عمل) إلى هواه يمكن أنْ يضطلع به ويمارسه هو: (الترجمة) من الإنجليزية إلى العربية، فقد سبق له أنْ تمرَّس على قراءة الأعمال الأدبية الأوربية باللغة الإنجليزية، كما أنَّه سبق له أنْ عمل في مجال الترجمة عندما كان في (الصين). لذا تسنَّى له الانتساب إلى دار نشر معروفة هي (دار التقدّم). فعمل فيها على ترجمة بعض الأعمال الأدبية لأُدباء روس من اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية، لكي تتولّى (دار التقدم) نشرها. ويبدو أنَّه عكف، في الوقت نفسه، على تعلّم اللغة الروسية وإتقانها. ومن ثمَّ عندما بلغت معرفته بهذه اللغة مستوىً يستطيع معه أنْ يفهم ويستوعب النصوص الأدبية المكتوبة بها، فإنَّه عاد – على حد تعبيره – إلى “منابعي الأولى التي قرأت أغلبها بالإنجليزية، عُدتُ إلى غوركي وتشيخوف ودوستويفسكي وتولستوي”( 80). ومن ثم ما لبث أنْ تحوَّل (عمله) في (دار التقدم) إلى ترجمة الأعمال الأدبية من اللغة الروسية مباشرة إلى اللغة العربية.
وعلى الرغم من أنَّ (غائب) قد قدّم للمكتبة العربية عدداً كبيراً من الأعمال الأدبية الروسية، (أكثر من أربعين رواية وقصة)(81 )، إلاّ أنَّه لم يكن مبتهجاً بالجهود التي بذلها في هذا الإنجاز، وتدلل أقواله في هذا الخصوص على التبرم والضجر، فهو لم يكن يحب (مهنة الترجمة)، وهو إنما يمارسها لمجرّد أنْ يحصل على أسباب العيش. كما أنَّه كلما مضى في ممارسة هذه المهنة كبّلته أكثر آلية العمل وبيروقراطية العلاقة ضمن دار النشر التي يعمل فيها، ثم لا يلبث أنْ ينتهي به المطاف إلى دوامة لا تنتهي من السعي المتواصل – الآلي – لزيادة انتاجية عمله، الذي لا يحبه، من أجل زيادة المردود المادي لهذا العمل المضجر أساساً( 82).
وإذا أردنا تحرّي سبب التبرّم والضجر الذي كان يلازم (غائب) وهو يؤدي (عمله) مترجماً، فإننا يمكن أنْ نشخِّص (منغصات) عديدة كانت تجابه (غائب) أو تحدُّ من نشاطه، فهو لم يكن (حراً) في عمله، ولا يحق له اختيار نص أو رفض نص آخر، ومن ثم فإنه لم يتمكن من نقل أعمال روسية عديدة بالغة الأهمية على الصعيدين الأدبي والفكري إلى اللغة العربية “إذ كان كسائر زملائه في (دار التقدم) ثم (رادوغا) يعمل في إطار خطة موضوعة على أساس آيديولوجي ووفق مفاهيم مغلوطة عن اهتمامات القارئ العربي، إذ أنَّ ترجمة أي عمل لكاتب مغمور في آسيا الوسطى كانت تعد ضرورة بسبب انتمائه إلى (الفضاء الإسلامي)، في حين أنَّ أدباء مثل ليونيد أندرييف اعتبروا (معقدين) قد لا يفهمهم العرب…” (83 ).
وعلاوة على ذلك، كان هناك على الدوام (رقيب) يراجع ما يترجمه (غائب) ويطلب أنْ تكون مطابقة للأصل إلى حد الحرفية أحياناً، وإذا لم يستسيغوا كلمة استخدمها المترجم رفضوها. وعلى الرغم من أنَّ القيمين على (الدار) أدركوا، بعد لأي، أنَّ اسم (غائب) كفيل بتسويق الكتاب، ومنحوه ، بعد صراع، بعض (الامتيازات) في مجال عمله، منها السماح له بـ(تحريف) عناوين بعض الأعمال الأدبية التي يقوم بترجمتها، ويذكر أحد زملائه من العاملين معه في (الدار) أنَّ (غائب) في إحدى المرات “دارى دمعة كادت تطفر من عينه حينما أصرّ محرر على ترجمة رواية أليكسي تولستوي حرفياً (السير عبر الآلام)، ولم يوافق على ترجمة غائب: (درب الآلام) إلاّ بعد تدخل (مراجع عليا)!!” (84 ).
كلّ هذه (المنغصات) وأخرى غيرها جعلت (غائب) يضجر من عمله في مجال (الترجمة) أواخر حياته، بل ويفضل التحول إلى مهنة (المراجع) للنص العربي بعد ترجمته. يقول أحد اصدقائه (د. ضياء نافع) في هذا الخصوص( 85):
“إلاّ انَّ غائب ضجر من عمله في مجال الترجمة أواخر حياته، وأخبرني أنّه يريد أنْ يترك هذه المهنة (…) وأذكر اني قلت له مرة بعدم اقتناعي بترجمته لأحد الكتب التي جاءت تحت عنوان: (البقسماط الأسود) فقال لي (…) أن البيروقراطيين الروس لا يوافقون على تحوير الترجمة وفق الذوق العربي، وأنه يعاني من تدخلاتهم الفظة، وتحدث بمرارة عن صعوبات تلك المهنة، وذكر لي أنّه فقد حبّه الكبير لمكسيم غوركي عندما ترجم أعماله، وقال إنّه يريد أنْ يتحول إلى مهنة المراجع للنص العربي بعد ترجمته ليس إلاّ، وقد انعكس هذا الرأي في روايته (المرتجى والمؤجل)”.kh ahmad ghaeib
ويمكن القول إنَّ انغمار (غائب) في هذا (العمل) وانشغاله بترجمة الروايات الروسية إلى اللغة العربية واضطراره خلال ذلك، إلى التعايش مع أجواء الروايات التي يترجمها وتفاصيلها و(تكنيكها)، كان عاملاً مؤثراً في (تخمّر) – إذا جاز التعبير – (فكرة) أو بالأحرى (مشروع) عمل أدبي من إبداعه و تأليفه. ويبدو أنَّ نيته قد استقرت على أنْ يكون عمله الأدبي على شكل (رواية).
وثمة إشارة إلى أنَّه في مدة ما (لا يذكر تأريخ ذلك) بدا له أنَّه لابد من أنْ يُعدّ نفسه من أجل كتابة رواية، والتعرف على متطلباتها والإلمام بأساليب صياغتها و(تكنيكها)، فهو يقول في هذا الصدد: “ذات مرة أردت أنْ اتفقه بالفن الروائي فاشتريت كتباً عديدة تبحث فن الرواية من مثل (صنعة الرواية) لبرسي لوبوك، و(موضوعة عن الرواية) و(مبادئ الرواية) لروبرت دول، و(أوجه الرواية) لفورستر، و (الروائيون عن الرواية) لمريم الوت. وعندما بدأت بقراءتها أحسست بأنني أقرأ كتباً مثل (شرح المعلقات السبع) عندنا في الأدب العربي. إنَّ (صنعة الرواية) أحسن هذه الكتب، ولكن لا يعدو أنْ يكون تحليلاً أو شرحاً لروايات عظيمة…”(86 ).
إنَّ ما يهمنا في هذا المقام انَّ (غائب) قد قرر أخيراً ترك كتابة (القصة) والتحول إلى كتابة الرواية “لأنّه يستطيع أنْ يتنفس فيها بحرية وأنْ يعبِّر عن أفكاره على نحوٍ كامل”( ). ويبدو أنَّه بعد أنْ كيَّف نفسه مع ظروف عمله كمترجم، عمد إلى توزيع جهوده، بشكلٍ متناوب، بين الترجمة وتأليف رواية، إذ يذكر أحد أصدقائه المقربين أن (غائب) كان معتاداً على الجلوس فوق أريكته اللصيقة بطاولة تغطيها زجاجة سميكة “في السابعة والنصف… يكتب لنفسه نحواً من ساعتين ثم يستريح ليبدأ (رزقه) بترجمة (2 – 5) صفحات من رواية كلف بترجمتها…”(87 ).
وعلى هذا النحو، وفي (موسكو) أتم (غائب) في عام (1964)( ) كتابة أولى رواياته (النخلة والجيران) التي كانت نواتها الأولى قصة قصيرة كان قد نشرها في عام (1960) في مجلة (المثقف) ببغداد، بعنوان (سليمة الخبازة)(88 )، وقد أفلح في نشرها في (بيروت)، حيث صدرت في عام (1966).
وعلى الرغم من أنَّ هذه الرواية قد لاقت استحساناً واسعاً ونصّبته (رائداً) للرواية العراقية، إلاّ أنَّه كان مما (نغّص) عليه محاولة الناقد العراقي (فاضل ثامر) بمطابقة هذه الرواية برواية (زقاق المدق) لنجيب محفوظ( 89).
وأياً كان الأمر، فقد واصل (غائب) كتابة رواياته ونشرها. فنشر، بعد عام، روايته (خمسة أصوات) التي صدرت أيضاً في (بيروت) عام (1967)، وفي عام (1970) فرغ من كتابة رواية (الجرح)، إلاّ أنَّه ما لبث أنْ اضطرّ إلى تغيير اسمها وجعله (المخاض)(90 )، وقد أشار (غائب) إلى معاناته المريرة في سعيه إلى نشر هذه الرواية، اذ قال: “روايتي الأخيرة (المخاض)، كتبتها منذ ثلاثة أعوام، ومنذ عامين وأنا أتجول بها من دار إلى دار لنشرها، إلاّ أنها كانت توضع على الرف لسببٍ أو لآخر غير السبب الحقيقي.
وأخيراً فهمت عن طريق غير مباشر، إنَّ الرواية جيدة، ولكن بطلها – كما فهمه بعض الناشرين – يساري أو يميل إلى اليساريين. وذلك يجعل مستقبلها قاتماً، وستمنع – لا محالة – في بعض البلدان العربية…”(91 )، وقد أفلح (غائب) في نشرها، أخيراً وبعد تغيير عنوانها، في (بيروت)، حيث صدرت عام (1974).
وفيما كان (غائب) يسعى جاهداً من أجل نشر رواية (المخاض) كان ماضياً في كتابة رواية اخرى، أسماها (القربان) نشرها في (بغداد) في عام (1975)، وفي عام (1979) نشر في (بيروت) أيضاً روايته (ظلال على النافذة). ولا يخفي (غائب) انزعاجه الشديد من الظروف التي رافقت نشر هذه الرواية، فهو يقول: “لا أكذب عليك انني أتألم عندما أرى (ظلال على النافذة)، وهي رواية تعبت عليها طيلة سنة من عمري، ولم يكتب عنها إلا مقالة أو مقالتين، والأدهى أنْ تمنع في بلدٍ عربي كان هو مسرحها لأسباب أقل ما يقال عنها أنها سخيفة، وبالمناسبة أريد أنْ أضحككم فأقول أنها مُنعت من دخول العراق حال صدورها، معترضين على ستة مواضع من ستة صفحات، أولها الإهداء، فقد أهديتها إلى زوجتي أينا (وهي روسية)، وربما اعتبروها شيوعية كبيرة في الأممية الثالثة أو مسؤولة قسم خطير منها. ومن ضمن الاعتراضات أيضاً التلخيص العاطفي لمستهل الرواية وهي اقل من صفحة. أما الاعتراض الآخر فكان عدا استشهادي بستندال حين قال: (لو أنَّ كاتباً فرنسياً وصف الفرنسيين في عام كذا وكذا وهم لا يتحدثون في السياسة، فهؤلاء ليسوا فرنسيين على الإطلاق) وعلى غرار ذلك قلت لو أنَّ كاتباً عراقياً كتب رواية في أي زمن من الأزمان ولم يجعل أبطاله يتحدثون في السياسة، فهؤلاء ليسوا بعراقيين على الإطلاق. ولم أعرف ما وجه الإغاضة في هذا الطرح. وأما الاعتراضات الأخرى فكانت أتفه. إضافة إلى كل ذلك فأنَّ الرواية تصف مرحلة ليس لها علاقة مباشرة او غير مباشرة بالذين منعوها”( 92).

وبعد ثلاث سنوات (أي في عام 1982) نشر (غائب)، في (بيروت) أيضاً، رواية (آلام السيد معروف)، ثم نشر في عام (1986) رواية (المرتجى والمؤجل)، في (بيروت) أيضاً، وكان آخر عملٍ روائي بعنوان (رحلة إلى أم الخنازير). ومعروف لدى البغداديين أنَّ (أم الخنازير) جزيرة في وسط نهر (دجلة) تقع في ضواحي (بغداد) أقيمت عليها بعض المنشآت السياحية. ولكن عندما أتصل (غائب) ببعض الناشرين في (بيروت) لغرض الاتفاق معهم على نشرها، جوبه باعتراض على عنوانها. ويبدو أنَّ الناشرين يمتلكون (حاسة شم قوية) تمكّنهم من حدس دلالات عناوين الروايات، وإذا كانت رواية (غائب) تحمل اسم (جزيرة أم الخنازير) التي تشكل مسرح وقائعها، وإن هذه الجزيرة قد أُقيمت عليها منشآت سياحية راقية، فإنَّه من الطبيعي أنْ تجتذب تلك المنشآت السياسية كبار رجالات السلطة الحاكمة في (بغداد)، ومن ثم فقد أفضت (حاسة الشم) الدقيقة التي يمتلكها الناشرون إلى نتيجة مفادها: أنَّ الرواية تنطوي بشكلٍ أو بآخر على الغمز من قناة كبار رجالات السلطة الذين يمضون أمسياتهم في جزيرة (أم الخنازير).ghaeib 11

وتبعاً لذلك، فقد اشترط الناشر على (غائب) تغيير عنوان الرواية ولم يملك (غائب) سوى الانصياع لشرطه، فجعل العنوان: (المركب)، وقد نشرت في (بيروت) في عام (1989).

وكما هو واضح فأنَّ (غائب) كان يُعاني معاناة مريرة في نشر مؤلفاته، وكان يضطر، أحياناً، إلى تغيير (اسم) أو (عنوان) الرواية، رغم عدم قناعته بذلك، نزولاً عند رغبة (الناشر).
وقد يكون هذا الأخير معذوراً، إذ إنَّه يحرص بدوره على سد كل الثغرات، وتحاشي كل احتمالات التأويل التي يمكن أنْ تنطوي عليها (الرواية)، مما قد تجده دوائر (الرقابة) على المطبوعات في الأقطار العربية مبرراً لمنع دخولها أو مصادرتها، فيتكبد (الناشر) خسارة مالية لن يستطيع (غائب) بالتأكيد تعويضه إياها.
كما أنَّه كان، في أحايين أخرى، يغدو (ضحية) لتفسير الناشرين أو فهمهم لأجواء الرواية، أو (بطلها) واعتقادهم أنَّ مسلكه أو أقواله الواردة في سياق الرواية تنطوي على (دلالات يسارية)!!.
وعلى الرغم من أنَّ حياة (غائب) في (موسكو) كانت حافلة بالنشاطات الأدبية المتنوعة والمنتجة، ما بين ترجمة للنتاجات الأدبية الروسية إلى اللغة العربية، وتأليف الروايات والسعي الدائب إلى نشرها، إلا أنها لم تكن على ما يبدو، حياة سهلة، ميسورة. فقد كانت، على العكس من ذلك، تتخللها منغصات عديدة، ومعاناة في توفير متطلبات الحياة الأساسية. ولعل في مقدمة تلك المتطلبات الأساسية: السكن.
يقول (كاظم السماوي)( 93): أحد أصدقائه أنّه عندما زاره في (موسكو) عام 1980، اصطحبه (غائب) في جولة في شوارعها، فإذا به “يقف بي أمام مجموعة سكنية جديدة.. وعد – بعد أعوام طويلة – أنْ يكون له فيها دار ستحتويه… ومنذ أعوام وهو ينتظر! ولولاها – البيروقراطية – لكان له داره منذ أعوام خلت… أنها طبيعة الواقع الراهن يومذاك…”.
كما أنَّه كان يعاني من شحة المواد التموينية والحاجات البيتية، فهو كان يمضي ساعات طويلة “للدوران على المخازن بحثاً عن الحاجات البيتية”(94 )، جائلاً، أحياناً “بسيارته المهمومة في شوارع موسكو للبحث عما يشح في هذا الشارع أو ذاك من المواد الغذائية.. فيضطر أنْ يدور أو تدور به موسكو!”(95 ).

ويمكن القول أنَّ المعاناة الأشد من ذلك كانت معضلة الحصول على الأدوية التي كان (غائب) في حاجة ماسة إليها للحفاظ على حالته الصحية، لاسيما وأنه يعيش بـ(رئة) واحدة. وكان ذلك يضطره لتحمل نَفَقَات باهضة لما تقتضيه من سفر إلى عاصمة إحدى الدول الأوربية الغربية – وبالأخص (باريس) من أجل الحصول على الدواء اللازم له(96 ).
وثمة معاناة أخرى كانت تنغص عليه حياته في (موسكو) أحياناً، ألا وهي: مشكلة (الإقامة)، إذ يبدو أنَّ السنوات الطويلة من الجهد الدائب، التي أمضاها (غائب) لم تشفع له في الحصول على تسهيلات في تجديد (إقامته).

ويذكر أحد أصدقائه – كاظم السماوي – أنَّ “السوفيت حرنوا على تمديد إقامته!..”(97 )، وقد ظل (غائب) حائراً في كيفية حل مشكلة حرمان (السوفيت) له من (الإقامة)(98 ) إلى أنْ

“أعادها له (عزيز محمد)”(99 ).

ويمكن القول: انَّ تلك المعاناة، لم تكن المعاناة الوحيدة التي جعلت (غائب) يشعر بضآلة الشأن وخيبة الأمل، ذلك أنَّ حياته العملية، أو الوظيفية، في دار النشر، قد اختتمت بشعور تغلب عليه المرارة، عبَّر عنها في سياق آخر رسالة بعث بها إلى (زهير شليبة)، حيث قال بأسلوب تشوِّبه السخرية: “في هذا الصيف سأنفك من دار النشر والعمل فيها واتقاعد براتب محترم قدره 120 روبلاً نول نول. هذه نتيجة 30 سنة خدمة متواصلة … فهل عرفت كيف يجاز الإنسان هنا؟ ومع ذلك فإنَّ التفاؤل يمر بي من حين لآخر كالطيف، واتذرع بالصبر والقناعة، وهما من نعم الله المجانية أيضاً…”(100 ).
ولكن، على الرغم من كل تلك الإحباطات، فإنه يبدو أنَّ الجهود العظيمة التي بذلها (غائب) من أجل التعريف بالأدب الروسي أو السوفيتي – كما كان يُسمَّى – لم تذهب سُدى. وإنما لقيت نوعاً من الاعتراف والتقدير. ذلك أنَّ (غائب) قد تمَّ (تكريمه) من قبل السلطة الثقافية (السوفياتية) بمنحه (وسام شارة الشرف) وهو (وسام) يُعطى عادة للعاملين في حقول الثقافة والأدب من السوفيتيين والأجانب في مناسبات خاصة. وقد مُنح (غائب) هذا (الوسام) في عام (1967) بمناسبة الذكرى الخمسين لثورة (أكتوبر) الاشتراكية، مع عدد من الكتاب والمترجمين والأجانب الذين ساهموا مساهمة طيبة في تعريف الأدب (السوفيتي) للقارئ الأجنبي؛ وبالنسبة لـ(غائب)، للقارئ العربي(101 ).
والواقع، أن ثمة نقطة أخيرة جديرة بالإشارة، ونحن نتتبع مسيرة حياة (غائب) وتطوره الثقافي، وهي: حرصه على عدم الانكفاء على ظروف حياته في (موسكو)، والركون إلى الاعتكاف في تلك المدينة القصية، وإنما، على العكس سعيه من أجل التواصل مع المستجدات، والانفتاح على بقية أنحاء العالم، من خلال السفر إلى الدول الأوربية، وهناك في الواقع، إشارات إلى سفرات قام بها إلى (باريس) في عام (1967)( 102)، وكذلك في عام (1968)(103 ).
كما أنَّ هناك إشارات إلى زيارته لمدينته الحبيبة (بغداد) في أواخر الستينات (ربما في عام 1969)( 104)، وكذلك في أوائل السبعينات(في عام 1972)( 105)، ناهيك عن زيارات قام بها في عام (1981) إلى (بيروت)(106 )، وزيارة – بناء على دعوة – قام بها إلى (ستوكهولم) في صيف عام (1989)(107 ).

ضريح الراحل الكبير غائب طعمة فرمان في موسكو (توفي عام 1999)
ضريح الراحل الكبير غائب طعمة فرمان في موسكو (توفي عام 1999)

ويمكن القول، استناداً إلى ما عرفناه عن سيرة حياة (غائب)، والمشاكل، والمنغصات، والإحباطات التي شهدها خلال حياته، خلال مراحلها المتعاقبة – إنَّ (غائباً) قد عانى طويلاً من (السقم): السقام الجسمي والسقام الروحي.
فأما السقام الجسمي فقد تمثل في معاناته، في وقتٍ مبكر من حياته، من مرضٍ في رئتيه، كان أحد أسباب سفره للقاهرة لإكمال دراسته الجامعية فيها، ولقد استفحل المرض عنده، حتى أنَّ الأطباء اضطروا، عندما كان يعمل في (الصين)، إلى استئصال إحدى رئتيه، الأمر الذي جعله يعيش بقية حياته برئة واحدة، في ظروف مناخية قاسية، قارصة البرد، مثل ظروف (موسكو).
وأما السقام الروحي فقد تمثل في استمرار (غربته) وتحرقه شوقاً للعودة إلى وطنه، بعدما تغدو أحوال الوطن وفق ما يتمنى، لكي يعيش فيه ويستقر.
وبمرور الأيام استفحل السقامان وتفاقما، فسقامه الجسمي تفاقم من جراء عدم مراعاة (غائب) لصحته وعدم إلتزامه بنصائح الأطباء. وسقامه الروحي تفاقم، لأن غربة (غائب) طالت، وأحوال الوطن لم تصر مثلما كان يتمنّى.
وليس من المستبعد أنْ يكون للحادث الخطير المتمثل في اتخاذ قيادة العراق السابقة قراراً باجتياح دولة (الكويت) الجارة، وما يمكن أنْ يترتب على ذلك من تداعيات ونتائج تمس مستقبل العراق – أقول: ليس من المستبعد أنْ يكون لذلك الحادث تأثير عميق في روح (غائب)، إذ إنَّه لم يمض على ذلك الحادث سوى اسبوعين حتى ساءت حالة (غائب) الصحية، وتم نقله إلى المستشفى. وفي يوم 18/8/1990 ودّعَتْ روحه الحياة( )، وكان أقرب أصدقائه (جلال الماشطة) أول مَنْ أبلغ بوفاته.
وعندما اتصل (د. ضياء نافع) هاتفياً بـ(جلال الماشطة) كي يتفق معه بشأن زيارة (غائب) في المستشفى، أبلغه (جلال) وهو يبكي: “مات غائب، مات أبو سمير، وهو الآن يرقد في ثلاجة المستشفى”. فما كان من (د. ضياء) إلاّ الاتصال مباشرة بـ(الدكتور غالب التميمي – مستشار سفارة العراق في موسكو) وإبلاغه بوفاة الأديب العراقي الكبير (غائب طعمة فرمان)، طالباً منه أنْ تأخذ السفارة العراقية على عاتقها مهمة نقل جثمانه إلى بغداد. فوافق على ذلك، وما لبث أنْ استحصل موافقة السفير العراقي أيضاً، على هذا الإجراء. غير أنْ تنفيذ هذا الإجراء ظلّ منوطاً بموافقة (طليقة) غائب – أُم سمير*، التي لم تكن متواجدة حينذاك في موسكو، وقد أصر (جلال الماشطة) في هذا الخصوص على “أنَّ القرار لعائلته وحسب”(108 ).
ويبدو أنَّ الظروف الدولية التي كانت تحيط بالعراق، عند وفاة (غائب) كان لها تأثير في قرار (الزوجة – الطليقة). ذلك أنَّ (غائب) قد توفي في يوم (18/ 8/ 1990)، وأنَّ (مجلس الأمن) أصدر قراره بفرض (الحصار) على العراق، وعلى إثر ذلك، فانَّ الطائرة العراقية الأخيرة المتوجهة من (موسكو) إلى (عمان) تقلع في 20/ 8/ 1990، وما لبثت أنْ وصلت إلى (بغداد) في 21/ 8/ 1990، هذا فيما كان جثمان (غائب) لا يزال في ثلاجة المستشفى في موسكو( 109). وتبعاً لذلك فإنَّ الظروف قد حتمت أنْ يتم تشييع جثمان (غائب) ودفنه في أرض الغربة.

والواقع أنَّه ما أنْ ذاع خبر وفاة (غائب) حتى تجمع العراقيون، وأبناء الجالية العربية، وزملاء وأصدقاء المرحوم (غائب) في قاعة دار النشر (بروغريس = التقدم)، الدار التي عمل فيها (غائب) مترجماً لعدة سنوات، فترجم خلالها العديد من نتاجات الأدب الكلاسيكي الروسي إلى اللغة العربية.
كان نعش (غائب) تغطيه الزهور، ويحيط به أربعة من (حرس الشرف)، ناهيك عن حشد كبير من مودعيه إلى مثواه الأخير. وفيما كان الحزن والوجوم يخيم على المكان، أُلقيت كلمات التأبين من قبل عدد من المثقفين والمبدعين العراقيين، والعرب، والروس.
وبعد انتهاء مراسم التأبين، تم نقل النعش إلى حافلة، أقلت أيضاً (طليقته) وأصدقائه المقربين.
ولقد شكلت مسيرة التشييع قافلة تضم عشرات السيارات تسير وراء الحافلة التي تضم جثمان الفقيد. وقادت القافلة سيارة شرطة المرور، وفتحت الأضواء الخضراء في كل الشوارع والتقاطعات التي مرت بها القافلة، بدءً من (دار بروغريس = التقدم) الواقعة بالقرب من (بارك غوركي) وحتى (مقبرة نوويه كوروفا) المخصصة للعظماء وكبار الفنانين والكتاب، وجنرالات الجيش السوفيتي – أبطال الحرب العالمية الثانية، أبطال الاتحاد السوفيتي.
وقد ووري نعش (غائب) الثرى في تلك المقبرة، وسرعان ما تحول قبره إلى هضبة صغيرة من الزهور.
وقد ثبتت على قبر (غائب) المعمول من الغرانيت الأسود (لافتة) مرمرية كُتب عليها باللغة العربية: (غائب طعمة فرمان) وكتاب مرمري أيضاً مكتوب على غلافه الأول: (النخلة والجيران)(110 ).
وهكذا قُدّر لـ(غائب) مثلما عاش أكثر من نصف حياته في الغربة أنْ يموت ويدفن في الغربة…
يتبيّن لنا مما سبق أنَّ (غائب) بغدادي المولد والنشأة، ينحدر من أسرة فقيرة، استقرت في أحد أحياء بغداد الشعبية القديمة. ساهمت في تكوين ثقافته عوامل ومؤثرات عديدة، عبر مراحل حياته المتعددة، إذ يمكن أنْ نميز في مسيرة حياته بين المراحل الآتية:

أولاً/ المرحلة العراقية الأولى (1926 – 1947): وتمتد من ولادته، حتى مغادرته العراق إلى مصر للالتحاق بجامعة القاهرة – كلية الآداب.

ثانياً/ المرحلة المصرية (1947 – 1951): وتشمل سنوات الدراسة التي أمضاها في القاهرة.

ثالثاً/ المرحلة العراقية الثانية (1951 – 1954): وتمتد من عودته من القاهرة، حين أنهى في جامعتها السنة الثالثة من دراسته الجامعية، لحين اضطراره لمغادرة العراق، بحثاً عن عمل، واتجاهه إلى سوريا ثم لبنان.

رابعاً/ مرحلة التشرُّد (1954 – 1960): وتمتد من مغادرته إلى لبنان، وتنقله أو على حد تعبيره تشرده، من دولة إلى أخرى حتى استقر به المقام في الصين، التي غادرها بعد قيام ثورة (14تموز/1958) عائداً إلى بغداد، حيث أمضى فترة من حياته فيها اتصفت بعدم الاستقرار، مما اضطره إلى معاودة السفر إلى موسكو عام 1960.

خامساً/ المرحلة الروسية (1960 – 1990): وهي آخر مراحل حياته وأكثرها أهمية من حيث تبلور ثقافته وبروز إبداعه الأدبي.

ففي كل مرحلة من تلك المراحل، تلقى (غائب) مؤثرات وعوامل معينة ساهمت، في حينها في تكوين ثقافته وتشكيل توجهه الأدبي، لتصبّ كلها في سياق المرحلة الأخيرة، التي شهدت أثمار تلك العوامل والمؤثرات في شكل روايات كرسها لمعالجة معاناته للاغتراب عن وطنه.

ويمكن أنْ نلحظ أنَّ حياة (غائب) برمتها كانت تتسم بالقلق وعدم الاستقرار. ويمكن أنْ نعزو ذلك إلى التوجس المتبادل، من قبل السلطة الحاكمة في العراق آنذاك تجاه (غائب) من جهة، وتوجس (غائب) نفسه تجاه السلطة من جهة أخرى. فقد تعرض، منذ إكماله تعليمه الثانوي إلى مضايقات من الأجهزة الأمنية، على الرغم من انَّه لم يكن ذا نشاط سياسي معارض يستدعي ذلك، وظل هذا موقف تلك الأجهزة منه عبر العهود السياسية المتعاقبة. كما أنَّ (غائب) نفسه في توجسه من نوايا الأجهزة الحكومية تجاهه، كان يميل إلى التضخيم، أو المبالغة في، تفسير دلالات الإجراءات التي تتخذها السلطة، بل يمكن القول إنَّه كان يهيمن عليه خاطر بأنَّ السلطة تقتفي خطاه وتطارده، وتسعى لترويعه والنيل منه بشتّى الوسائل( 111). الأمر الذي أطال من غربة (غائب) عن وطنه، وجعل شعوره بالاغتراب يستفحل حتى بات محور سائر رواياته.

هوامش : 

(1 ) ماجد السامرائي: في عالم غائب طعمة فرمان الروائي – أفق آخر للواقع، مجلة (الأقلام)، العدد (4-5-6/ نيسان – مايس – حزيران)، 1995، بغداد، ص49، (أعيد نشره في كتاب: د. أحمد النعمان، غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، دار المدى، دمشق، 1996، ص281). وانظر أيضاً: ماجد السامرائي: الطموح والتعطش إلى الامتلاك – إحساس دائم ومتأصل في كل فنان، مجلة (ألف باء)، العدد (285)، شباط، 1974، ص44، (أعيد نشره في كتاب: د. أحمد النعمان، غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، مصدر مذكور سابقاً، ص494).
( 2) هيئة تحرير مجلة (الثقافة الجديدة): البدايات، التكوّن، الغربة – لقاء مع الروائي غائب طعمة فرمان، مجلة (الثقافة الجديدة)، العدد 189، 1987، ص101، (أعيد نشره في كتاب: د. أحمد النعمان، غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، مصدر مذكور سابقاً، ص423).
( 3) محمد دكروب: مقالة عن غائب بقلمين اثنين، مجلة (البديل)، العدد (17)، دمشق، 1991، ص46، (أعيد نشره في كتاب: د. أحمد النعمان، غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، ص 491).
( 4) ماجد السامرائي: الطموح والتعطش إلى الامتلاك – إحساس دائم ومتأصل في كل فنان، مصدر سابق، ص44، (أعيد نشره في كتاب: د. أحمد النعمان، غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، مصدر مذكور سابقاً، ص 153).
(5 ) د. زهير شليبة: النخلة والجيران – بغداد صايرة مراحيض مال إنكليز، مجلة البديل، العدد (17)، دمشق، 1991، ص59، (أعيد نشره في كتاب: أحمد النعمان، غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، مصدر مذكور سابقاً، ص313).
( 6) هيئة تحرير مجلة (الثقافة الجديدة): البدايات، التكوّن، الغربة – لقاء مع الروائي غائب طعمة فرمان، مصدر مذكور سابقاً، ص 99، (أعيد نشره في كتاب د. أحمد النعمان: غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، ص421).
( 7) م.ن
( 8) م.ن
( 9) انظر مثلاً: زهير الجزائري: محطة في رحلة غائب طعمة فرمان الطويلة، مجلة (البديل)، العدد (17)، دمشق، 1991، ص 83، (وقد أُعيد نشره في كتاب: غائب طعمة فرمان: أدب المنفى والحنين إلى الوطن، ص 401).
( 10) انظر: هيئة تحرير مجلة الثقافة: البدايات، التكوّن، الغربة – لقاء مع الروائي غائب طعمة فرمان، مصدر مذكور سابقاً، ص 104، (أعيد نشره في كتاب د. أحمد النعمان: غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، ص426).
( 11) انظر:جلال الماشطة: النخلة المرتجاة والمخاض المؤجل، دراسة نشرت ضمن كتاب: النعمان: غائب طعمة فرمان – ادب المنفى والحنين الى الوطن، ص97-98.
( 12) انظر: جورج لنشوفسكي، الشرق الأوسط: الشؤون العالمية: ترجمة: جعفر خياط، مكتبة المثنى، بغداد، 1964، جزءان ، ج2، ص339-361
( 13) هيئة تحرير مجلة (الثقافة الجديدة): البدايات، التكوّن، الغربة – لقاء مع الروائي غائب طعمة فرمان، مصدر مذكور سابقاً، ص 103، (أُعيد نشره في كتاب د. أحمد النعمان: غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، ص425).
( 14) كاظم السماوي: وفي ليالي المنفى يرحلون، مجلة (الحرية)، العدد (378)، بيروت، أيلول (سبتمبر)، 1990، ص 46.
( 15) جورج لنشوفسكي، الشرق الأوسط في الشؤون العالمية، مصدر مذكور سابقا، ج2، ص16.
( 16) هيئة تحرير مجلة (الثقافة الجديدة): البدايات، التكوّن، الغربة – لقاء مع الروائي غائب طعمة فرمان، مجلة الثقافة الجديدة، مصدر مذكور سابقا ، ص103 (اعيد نشره في كتاب /النعمان ، ص 425 )
( 17) المصدر نفسه، ص 100، 102 (أُعيد نشره في كتاب د. أحمد النعمان: غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن ص 422 – 424)
( 18) هيئة تحرير مجلة (الثقافة الجديدة): البدايات، التكوّن، الغربة – لقاء مع الروائي غائب طعمة فرمان، مجلة الثقافة الجديدة، العدد 189، ص104، (وقد أعيد نشره في كتاب د. أحمد النعمان: غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، ص426).
( 19) هيئة تحرير مجلة (الثقافة الجديدة): البدايات، التكوّن، الغربة – لقاء مع الروائي غائب طعمة فرمان، مجلة الثقافة الجديدة، العدد 189، ص107، (وقد أعيد نشره في كتاب د. أحمد النعمان: غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، ص429).
( 20) جورج الراسي: (لسان حال الأديب العربي اللّهم لا تدخلني في تجربة)، مجلة (البلاغ)، العدد 99، 26، تشرين الثاني/ نوفمبر، 1973، ص 47، (وقد أعيد نشره في كتاب د. أحمد النعمان: غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، ص452).
( 21) هيئة تحرير مجلة (الثقافة الجديدة): البدايات، التكوّن، الغربة – لقاء مع الروائي غائب طعمة فرمان، مجلة الثقافة الجديدة، مصدر مذكور سابقاً، ص100 – 101، (وقد أعيد نشره في كتاب د. أحمد النعمان: غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، ص 422 – 423).

( 22) د. زهير شليبة: حوار مع الروائي العراقي (غائب طعمة فرمان)، مجلة (الهدف)، العدد 789، بيروت، 1985، ص53 (وأعيد نشره في كتاب د. أحمد النعمان: غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، ص507).
( 23) جورج الراسي: (لسان حال الأديب العربي اللّهم لا تدخلني في تجربة)، مجلة (البلاغ)، العدد 99، 26 تشرين الثاني/ نوفمبر، 1973، ص 46 – 47، (وقد أعيد نشره في كتاب د. أحمد النعمان: غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، ص451 – 452). وانظر أيضاً: ناظم الديراوي ومحمد العراقي: (الروائي الكبير غائب طعمة فرمان ل- (الأفق): “مَنْ ليس له وجدان فلسطيني ليس له وجدان قومي”، مجلة (الأفق)، العدد 116، سبتمبر، أيلول، 1986، ص 39، (وقد أعيد نشره في كتاب د. أحمد النعمان: غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، ص462).

( 24) هيئة تحرير مجلة (الثقافة الجديدة): البدايات، التكوّن، الغربة – لقاء مع الروائي غائب طعمة فرمان، مجلة (الثقافة الجديدة)، العدد 189، ص 102، (وقد أعيد نشره في كتاب د. أحمد النعمان: غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، ص 424).
( 25) د. زهير شليبة: حوار مع الروائي العراقي (غائب طعمة فرمان)، مجلة (الهدف)، العدد 789، بيروت، 1985، ص53 – 54، (وأعيد نشره في كتاب د. أحمد النعمان: غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، ص507 – 508).
( 26) إبراهيم الحريري: لقاء مع القاص والروائي العراقي غائب طعمة فرمان، مجلة (الطريق)، العدد 5، بيروت، ص119، (أعيد نشره في كتاب د. أحمد النعمان: غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، ص 473).
( 27) د. زهير شليبة: حوار مع الروائي العراقي (غائب طعمة فرمان)، مصدر سابق، ص 54، (وأعيد نشره في كتاب د. أحمد النعمان: غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، ص 514).
( 28) زهير شليبة: غائب طعمة فرمان – شاعراً، مجلة (الاغتراب الأدبي)، العدد 17، 1991، لندن، ص75، (وأعيد نشره في كتاب د. أحمد النعمان: غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، ص 171 – 172).
( 29) د. زهير شليبة: حوار مع الروائي العراقي (غائب طعمة فرمان)، مجلة (الهدف)، مصدر سابق، ص 54، (وأعيد نشره في كتاب د. أحمد النعمان: غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، ص 514).
( 30) زهير شليبة: غائب طعمة فرمان – شاعراً، مجلة (الاغتراب الأدبي)، ص75، (وأعيد نشره في كتاب د. أحمد النعمان: غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، ص 171).
( 31) إبراهيم الحريري: لقاء مع القاص والروائي العراقي غائب طعمة فرمان، مجلة (الطريق) اللبنانية، العدد 5، بيروت، ص116، (وأعيد نشره في كتاب د. أحمد النعمان: غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، ص 475).
( 32) هيئة تحرير مجلة (الثقافة الجديدة): البدايات، التكوّن، الغربة – لقاء مع الروائي غائب طعمة فرمان، مجلة (الثقافة الجديدة)، مصدر مذكور سابقاً، ص 101، (وقد أعيد نشره في كتاب د. أحمد النعمان: غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، ص 423)، وانظر أيضاً: د. زهير شليبة: حوار مع الروائي العراقي (غائب طعمة فرمان)، مجلة (الهدف)، مصدر مذكور سابقاً ، ص 54، (وأعيد نشره في كتاب د. أحمد النعمان: غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، ص 513). ولعلَّ مما تجدر الإشارة إليه أنَّ (غائب) لا يبدو موقناً، واثقاً من تأريخ هذا (الحدث) الهام في مسيرته الثقافية، فتارة يرجعه إلى عام 1942، وتارةً أخرى يُرجعه إلى عام 1944، انظر: هيئة تحرير مجلة (الفكر الجديد): غائب طعمة فرمان وذكريات العمل الصحفي، مجلة (الفكر الجديد)، بغداد، 1977، ص22، (وقد أعيد نشره في كتاب د. أحمد النعمان: غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، مصدر مذكور سابقاً، ص 479).
( 33) د. زهير شليبة: حوار مع الروائي العراقي (غائب طعمة فرمان)، مجلة (الهدف)، مصدر مذكور سابقاً، ص 54، (وقد أعيد نشره في كتاب د. أحمد النعمان: غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، ص 513).
( 34) هيئة تحرير مجلة (الثقافة الجديدة): البدايات، التكوّن، الغربة – لقاء مع الروائي غائب طعمة فرمان، مجلة (الثقافة الجديدة)، مصدر مذكور سابقاً، ص 100، (وقد أعيد نشره في كتاب د. أحمد النعمان: غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، ص 422)، وانظر أيضاً: إبراهيم الحريري: لقاء مع القاص والروائي العراقي غائب طعمة فرمان، مجلة (الطريق) اللبنانية، مصدر مذكور سابقاً، ص116، (وأعيد نشره في كتاب د. أحمد النعمان: غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، مصدر مذكور سابقاً، ص 475). وانظر كذلك: د. زهير شليبة: حوار مع الروائي العراقي (غائب طعمة فرمان)، مجلة (الهدف)، مصدر مذكور سابقاً ، ص54، (وأعيد نشره في كتاب د. أحمد النعمان: غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، ص513).
( 35) هيئة تحرير مجلة (الثقافة الجديدة): البدايات، التكوّن، الغربة – لقاء مع الروائي غائب طعمة فرمان، مجلة (الثقافة الجديدة)، مصدر مذكور سابقاً، ص 106، (وقد أعيد نشره في كتاب د. أحمد النعمان: غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، ص 428).
( 36) د. مجيد الراضي: غائب طعمة فرمان الإنسان والكاتب، مجلة (الثقافة الجديدة)، العدد 12، 1990، دمشق، ص 219، (وقد أعيد نشره في كتاب د. أحمد النعمان: غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، مصدر مذكور سابقاً، ص 251).
 كان (بهجت العطية) مديراً لمكتب التحقيقات حينذاك، ومنصبه يقابل في أيامنا منصب مدير الأمن العام.
** فهد: هو الاسم الحزبي ل-(يوسف سلمان) الذي كان حينئذٍ سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي.
( 37) هيئة تحرير مجلة (الثقافة الجديدة): البدايات، التكوّن، الغربة – لقاء مع الروائي غائب طعمة فرمان، مجلة (الثقافة الجديدة)، مصدر مذكور سابقاً، ص 103، (وقد أعيد نشره في كتاب د. أحمد النعمان: غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، ص 425).
( 38) هيئة تحرير مجلة (الثقافة الجديدة): البدايات، التكوّن، الغربة – لقاء مع الروائي غائب طعمة فرمان، مجلة (الثقافة الجديدة)، العدد 189، ص 107، (وقد أعيد نشره في كتاب د. أحمد النعمان: غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، ص 429).
( 39) هيئة تحرير مجلة (الفكر الجديد): غائب طعمة فرمان وذكريات العمل الصحفي، مجلة (الفكر الجديد)، بغداد، 1977، ص23، (وقد أعيد نشره في كتاب د. أحمد النعمان: غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، ص 480).
( 40) هيئة تحرير مجلة (الثقافة الجديدة): البدايات، التكوّن، الغربة – لقاء مع الروائي غائب طعمة فرمان، مجلة (الثقافة الجديدة)، مصدر مذكور سابقاً، ص 107، (وقد أعيد نشره في كتاب د. أحمد النعمان: غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، ص 429).
( 41) إبراهيم الحريري: لقاء مع القاص والروائي العراقي غائب طعمة فرمان، مجلة (الطريق) اللبنانية، العدد 5، بيروت، ص117، (وأعيد نشره في كتاب د. أحمد النعمان: غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، ص 470 – 471).
( 42) هيئة تحرير مجلة (الفكر الجديد): غائب طعمة فرمان وذكريات العمل الصحفي، مجلة (الفكر الجديد)، مصدر مذكور سابقاً، ص23، (وقد أعيد نشره في كتاب د. أحمد النعمان: غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، ص 480).
( 43) هيئة تحرير مجلة (الثقافة الجديدة): البدايات، التكوّن، الغربة – لقاء مع الروائي غائب طعمة فرمان، مجلة (الثقافة الجديدة)، مصدر مذكور سابقاً، ص 101، (وقد أعيد نشره في كتاب د. أحمد النعمان: غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، ص 423).
 أغلب الظن أنَّ (غائب) يقصد بقوله: “غير متبلور” انَّه لم تكن قد تشكلت لديه بعد قناعات آيديولوجية محددة.
** حدتو: اختصار لعبارة: الحركة الديمقراطية للتغيير الوطني، وهي حركة سياسية يسارية كانت ناشطة في مصر قبل عام 1952.
(44 ) هيئة تحرير مجلة (الثقافة الجديدة): البدايات، التكوّن، الغربة – لقاء مع الروائي غائب طعمة فرمان، مجلة (الثقافة الجديدة)، مصدر مذكور سابقاً، ص 107، (وقد أعيد نشره في كتاب د. أحمد النعمان: غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، ص 429).
( 45) جلال الماشطة: النخلة المرتجاة والمخاض المؤجل، كتاب د. أحمد النعمان: غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، ص 96.
( 46) هيئة تحرير مجلة (الثقافة الجديدة): البدايات، التكوّن، الغربة – لقاء مع الروائي غائب طعمة فرمان، مجلة (الثقافة الجديدة)، مصدر مذكور سابقاً، ص 101، (وقد أعيد نشره في كتاب د. أحمد النعمان: غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، ص 423).
( 47) زهير الجزائري: محطة في رحلة غائب طعمة فرمان الطويلة، مجلة (البديل)، العدد 17، دمشق، 1991، ص84، (وقد أعيد نشره في كتاب د. أحمد النعمان: غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، ص402).
( 48) أحمد فرحات: الاستطرادات ورم في العمل الروائي، مجلة (الكفاح العربي)، بيروت 10 – 16 مايو/آيار، 1982، ص41، (وقد أعيد نشره في كتاب د. أحمد النعمان: غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، ص 503).
( 49) هيئة تحرير مجلة (الثقافة الجديدة): البدايات، التكوّن، الغربة – لقاء مع الروائي غائب طعمة فرمان، مجلة (الثقافة الجديدة)، العدد 189، بغداد، 1987، ص 106، (وقد أعيد نشره في كتاب د. أحمد النعمان: غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، ص 428).
( 50) هيئة تحرير مجلة (الثقافة الجديدة): البدايات، التكوّن، الغربة – لقاء مع الروائي غائب طعمة فرمان، مجلة (الثقافة الجديدة)، العدد 189، بغداد، 1987، ص 106، (وقد أعيد نشره في كتاب د. أحمد النعمان: غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، ص 428).
( 51) المصدر نفسه.
(52 ) وقد نشرها (غائب) لاحقاً عام 1954 بعد عودته إلى بغداد.
( 53) د. زهير شليبة: حول المؤثرات الأجنبية في أدب غائب طعمة فرمان، دراسة منشورة ضمن كتاب: د. أحمد النعمان: غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، مصدر مذكور سابقاً، ص 104.
( 54) غائب طعمة فرمان: حصيد الرحى، (د. ن) ، بغداد، 1954، ص 67.
( 55) هيئة تحرير مجلة (الثقافة الجديدة): البدايات، التكوّن، الغربة – لقاء مع الروائي غائب طعمة فرمان، مجلة (الثقافة الجديدة)، مصدر مذكور سابقاً، ص108، (وقد أعيد نشره في كتاب د. أحمد النعمان: غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، ص430).
( 56) إبراهيم الحريري: لقاء مع القاص والروائي العراقي غائب طعمة فرمان، مجلة (الطريق) اللبنانية، العدد 5، ص116/ (وقد أعيد نشره في كتاب د. أحمد النعمان: غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، ص470).
(57 ) رسالة من (غائب طعمة فرمان) إلى (أنور المعداوي)، مجلة (الأقلام)، بغداد 4 نيسان، 1986، ص25 – 26 (وقد أعيد نشره في كتاب د. أحمد النعمان: غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، ص161 – 162).
( 58) رسالة من (غائب طعمة فرمان) إلى (أنور المعداوي)، مجلة (الأقلام)، بغداد 4 نيسان، 1986، ص25 – 26 (وقد أعيد نشره في كتاب د. أحمد النعمان: غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، ص161 – 162).
( 59) هيئة تحرير مجلة (الثقافة الجديدة): البدايات، التكون، الغربة – لقاء مع الروائي غائب طعمة فرمان، مجلة (الثقافة الجديدة)، العدد 189، 1987، ص108 – 109، (وقد أعيد نشره في كتاب النعمان: غائب طعمة فرمان – أدب المنفي والحنين إلى الوطن، ص430 – 431).
( 60) هيئة تحرير مجلة (الفكر الجديد): غائب طعمة فرمان وذكريات العمل الصحفي، مجلة (الفكر الجديد)، 1977، بغداد، ص23 (وقد أعيد نشره في كتاب النعمان: غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، ص480).
(61 ) المصدر السابق ص24 (وقد أعيد نشره في كتاب النعمان: غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، ص481).
( 62) جلال الماشطه: النخلة المرتجاة والمخاض المؤجل، مقال في: كتاب د. أحمد النعمان: غائب طعمة فرمان: أدب المنفى والحنين إلى الوطن، ص96.
( 63) هيئة تحرير مجلة (الثقافة الجديدة): البدايات، التكون، الغربة – لقاء مع الروائي غائب طعمة فرمان، مجلة (الثقافة الجديدة)، العدد 189، ص100 – 101 (أُعيد نشره في كتاب/ النعمان، ص422 – 423).
( 64) زهير الجزائري: محطة في رحلة غائب طعمة فرمان الطويلة، مجلة (البديل)، العدد (17)، دمشق، 1991، ص82.
( 65) هيئة تحرير مجلة (الفكر الجديد): غائب طعمة فرمان وذكريات العمل الصحفي، مجلة (الفكر الجديد)، بغداد، 1977، ص22 – 23، (وقد أعيد نشره في كتاب/ النعمان: ص 479، ص481).
(66 ) للتعرف على تفاصيل تلك الخطط والمتغيرات يمكن الرجوع إلى: أ- د. جعفر عباس حميدي: التطورات والاتجاهات السياسية الداخلية في العراق (1953 – 1958)، ساعدت جامعة بغداد على نشره، دار النشر (بلا)، سنة النشر، بغداد، 1980، ص82 – 131، ب- وأنظر أيضاً: جورج لنشوفسكي: الشرق الأوسط في الشؤون العالمية، ترجمة: جعفر خياط، مراجعة: د. محمود حسين الأمين و د. ابراهيم أحمد السامرائي، تصدير: د. حسن علي الذنون، مكتبة المثنى، بغداد، 1964، (جزءان)، الجزء الثاني، ص34 – 35.
( 67) هيئة تحرير مجلة (الفكر الجديد): غائب طعمة فرمان وذكريات العمل الصحفي، مجلة (الفكر الجديد)، مصدر مذكور سابقاً، ص23، (وقد أعيد نشره في كتاب النعمان، ص 481). وينظر أيضا”/جريدة صوت الأهالي، العدد الصادر بتاريخ 2/9/1954، نقلا” عن جعفر عباس حميدي، التطورات والاتجاهات السياسية الداخلية في العراق(1953- 1958)، مصدر مذكور سابقا”، ص109.
( 68) محمد دكروب، مقالة عن غائب بقلمين اثنين، مجلة (البديل)، العدد (17)، عدد مزدوج، دمشق، 1991، ص43، (وقد أعيد نشر المقالة في كتاب النعمان: غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، ص148 – 149).
( 69) غائب طعمة فرمان، قضايا الأدب الجديد، مجلة (الثقافة الوطنية)، العدد 64، بيروت، 15 تشرين الأول 1954، ص7 – فما بعد، (نقلاً عن د. زهير شليبة، غائب طعمة فرمان – دراسة مقارنة في الرواية العراقية، دار الكنوز الأدبية، بيروت، 1996، ص65 – 66).
( 70) غائب طعمة فرمان في رسالة شخصية له مؤرخة في 17 تشرين الأول (نوفمبر) 1955 بعث بها من القاهرة إلى زميله الذي كان يعمل معه في مجلة (الثقافة الوطنية). أنظر: محمد دكروب، مقالة عن غائب بقلمين اثنين، مجلة (البديل)، العدد 17، عدد مزدوج، ص43 – 46، (وقد أعيد نشر هذه المقالة في كتاب النعمان: ص 148 – 151).
(71 ) المصدر السابق.
( 72) رسالة شخصية من (غائب) بعثها من فيينا إلى (محمد دكروب) مؤرخة في 27 أيلول/ سبتمبر 1955، أنظر: محمد دكروب، مقالة عن غائب بقلمين أثنين، مجلة (البديل)، العدد 17، 1991، ص46، (وقد أعيد نشر المقالة في كتاب النعمان، ص151).
( 73) رسالة شخصية من (غائب) بعثها من فيينا إلى (محمد دكروب)، مجلة (البديل)، ص45 (كتاب: النعمان، ص150).
( 74) المصدر نفسه، مجلة (البديل)، ص47 (كتاب النعمان، ص152).
( 75) د. زهير شليبة، غائب طعمة فرمان – دراسة مقارنة في الرواية العراقية، دار الكنوز الأدبية، بيروت، 1996، ص67.
( 76) المصدر السابق.
(77 ) المصدر نفسه، ص68.
( 78) د. زهير شليبة، غائب طعمة فرمان – دراسة مقارنة في الرواية العراقية، دار الكنوز الأدبية، بيروت، 1996، ص322.

(*)صدرت ترجمة (عيسى الناعوري) لرواية (فونتمارا) لـ(اينازي سيلوني) عن اللغة الايطالية، في عام (1963). ألا أنه مما يثير الاستغراب والدهشة أن (د.زهير شليبة) يذكر أنه عثر “على ترجمة أخرى لنفس الرواية صدرت عام 1957 لمترجم مصري فقدنا اسمه الكامل بالضبط. “!!! أنظر: د. زهير شليبة، غائب طعمة فرمان ـ دراسة مقارنة في الرواية العراقية، مصدر مذكور سابقا”، ص32.
( 79) د. زهير شليبة، غائب طعمة فرمان – دراسة مقارنة في الرواية العراقية، دار الكنوز الأدبية، بيروت، 1996، ص322.
( 80) المصدر نفسه.
( 81) جورج الراسي: لسان حال الأديب العربي اللهم لا تدخلني في تجربة، مقابلة معه نشرت في مجلة (البلاغ) العدد 99، 26 ت2 /نوفمبر، 1973، بيروت، ص47 (اعيد نشره في كتاب النعمان/ مصدر مذكور سابقا”، ص453).
( 82) د. زهير شليبة، غائب طعمة فرمان – دراسة مقارنة في الرواية العراقية، مصدر مذكور سابقاً، ص66. وانظر أيضاً سعيد حورانية: فرمان: مؤسسة ثقافية، مجلة (البديل)، العدد17 دمشق، 1991، ص10، (اعيد نشره في كتاب: أحمد النعمان، غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، ص190).
( 83) كاظم السماوي: وفي ليالي المنفى يرحلون، مجلة (الحرية)، العدد 378، سبتمبر / أيلول – 1990، بيروت، (وقد اعيد نشره في كتاب: د. أحمد النعمان، ص532).
(84 ) د. زهير شليبة: مصدر سابق، ص66 – 67.
( 85) د. مجيد الراضي: غائب طعمة فرمان – الإنسان والكتاب، مجلة (الثقافة الجديدة)، العدد (12) والعدد (1)، دمشق، 1990، ص224 (وقد اعيد نشره في كتاب: النعمان، ص256).
( 86) زهير الجزائري: محطة في رحلة غائب طعمة فرمان الطويلة، مجلة (البديل)، العدد (16 – 17)، عدد مزدوج، دمشق، 1991، ص83 (وانظر أيضاً كتاب/ النعمان، ص 402). وانظر أيضاً في هذا الخصوص: جلال الماشطة: النخلة المرتجاة والمخاض المؤجل، منشور ضمن كتاب: أحمد النعمان: غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، مصدر مذكور سابقاً، ص 98، وانظر كذلك: د. ضياء نافع: سبعة أصوات حول غائب طعمة فرمان، مجلة (الأقلام)، العدد (4 – 5 – 6)/ (نيسان – مايس – حزيران)، بغداد، 1995، ص 54، (وقد أعيد نشره في كتاب: النعمان، ص539).
(87 ) ناظم الديراوي، ومحمد العراقي: الروائي الكبير غائب طعمة فرمان: مَنْ ليس له وجدان فلسطيني ليس له وجدان قومي، مجلة (الأُفق)، العدد (116)، سبتمبر/ أيلول، 1986، بيروت، ص 38، (وقد أعيد نشره في كتاب: النعمان، ص 461).
( 88) محمد دكروب: مقالة عن غائب بقلمين اثنين، مجلة (البديل)، العدد (16 – 17)، عدد مزدوج، دمشق، 1991، ص48، (وقد أعيد نشره في كتاب: النعمان، ص 155).
( 89) جلال الماشطة: النخلة المرتجاة والمخاض المؤجل، دراسة نشرت ضمن كتاب: أحمد النعمان، غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، مصدر مذكور سابقاً، ص99.
( 90) المصدر السابق، ص98.
(91 ) د. ضياء نافع: سبعة أصوات حول غائب طعمة فرمان، مجلة (الأقلام)، العدد 4 – 5 – 6/ نيسان – مايس – حزيران، 1995، بغداد، ص55.
( 92) إبراهيم الحريري: لقاء مع القاص والروائي العراقي غائب طعمة فرمان، مجلة (الطريق)، العدد (5)، بيروت، ص120.
( 93) د. ضياء نافع: سبعة أصوات حول غائب طعمة فرمان، مجلة (الأقلام)، العدد 4 – 5 – 6/ نيسان – مايس – حزيران، 1995، بغداد، ص55، (وقد أعيد نشره في كتاب: النعمان، ص 540).
( 94) جلال الماشطة: النخلة المرتجاة والمخاض المؤجل، منشور ضمن كتاب: أحمد النعمان، غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، مصدر مذكور سابقاً، ص101.
(95 ) سعود الناصري: كنت في صيرورة وما أزال، والحرية والواقع هما مجال الكاتب الحيوي، مجلة (البديل)، العدد (16-17)، عدد مزدوج، دمشق، 1991، ص89، (أعيد نشره في كتاب: النعمان، ص 449).
( 96) غائب طعمة فرمان، سليمة الخَبازة، مجلة (المثقف)، العدد (13)، بغداد، 1960.
(97 ) انظر: فاضل ثامر: بين زقاق المدق والنخلة والجيران، مجلة (الكلمة)، العدد (4)، آذار، 1969.
( 98) د. ضياء نافع: سبعة أصوات حول غائب طعمة فرمان، مجلة (الأقلام)، العدد 4 – 5 – 6، نيسان – مايس – حزيران)، بغداد، 1995، ص56، (وقد أعيد نشرها في كتاب: النعمان، ص541).
( 99) جورج الراسي: لسان حال الأديب العربي اللهم لا تدخلني في تجربة، مجلة (البلاغ)، العدد (99)، بيروت، 26 تشرين الثاني/ نوفمبر، 1973، ص49، (وقد أعيد نشره في كتاب: النعمان، ص455).
( 100) علي طالب، ناهض السعدي: الروائي غائب طعمة فرمان – أزمة الرواية العربية صورة لأزمة ثقافية شاملة، مجلة (الهدف)، العدد (578)، بيروت، آذار، 1983، الصفحات غير مرقمة، (وقد أعيد نشره في كتاب: النعمان، ص 485).
( 101) كاظم السماوي: وفي ليالي المنفى يرحلون، مجلة (الحرية)، العدد 378، بيروت، سبتمبر/أيلول 1990، ص45 (وأعيد نشره في كتاب/ النعمان، ص533).
( 102) محمد دكروب: مقالة عن غائب بقلمين اثنين، مصدر مذكور سابقاً، ص48.
( 103) كاظم السماوي: وفي ليالي المنفى يرحلون، مجلة (الحرية)، مصدر مذكور سابقاً، ص46، (وقد أعيد نشره في كتاب/ النعمان، ص533).
( 104) د. ضياء نافع: سبعة أصوات حول غائب طعمة فرمان، مجلة (الأقلام)، مصدر مذكور سابقاً، ص54.

( 105) كاظم السماوي: وفي ليالي المنفى يرحلون، مجلة (الحرية)، مصدر مذكور سابقاً، ص46 (اعيد نشره في كتاب/النعمان، ص533).
( 106) م. ن، ص46،(النعمان، ص533).
( 107) عزيز محمد، قيادي عراقي في (الحزب الشيوعي العراقي)، شغل منصب سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي منذ أواخر عام (1963)، ويبدو أنَّه كانت له حظوه لدى القادة السوفيت. انظر: حنا بطاطو: العراق، ترجمة: عفيف الرزاز، ط1، منشورات فرهاد، قم، 2006، ج3، الجدول رقم (6 – 7)، ص163.
( 108) غائب طعمة فرمان، رسالة إلى زهير شليبة، منشورة في كتاب: د. أحمد النعمان، غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، مصدر مذكور سابقاً، ص169.
( 109) مجلة العلوم، 1973، ص 50 – 53، وقد أعيد نشره في كتاب: د. أحمد النعمان: غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، مصدر مذكور سابقاً، ص413.
( 110) د. ضياء نافع: سبعة أصوات حول غائب طعمة فرمان، مجلة (الأقلام)، العدد 4 – 5 – 6، (نيسان – مايس – حزيران)، بغداد، 1995، ص55، (وقد أعيد نشرها في كتاب: النعمان، ص541).
(111 ) المصدر السابق، ص55، (وقد أعيد نشرها في كتاب: النعمان، ص541).
( 112) د. مجيد الراضي: غائب طعمة فرمان – الإنسان والكاتب، محاضرة أُلقيت في حفل تأبيني أقامته رابطة المثقفين الديمقراطيين العراقيين في/براغ. وقد نشر مضمونها في: مجلة (الثقافة الجديدة)، العدد 12، والعدد1، دمشق، ص225، (وقد أعيد نشرها في كتاب/ النعمان، ص257).
( 113) ماجد السامرائي: في عالم (غائب طعمة فرمان) الروائي – أفق آخر للواقع، مجلة (الأقلام)، العدد 4 – 5 – 6/نيسان – مايس – حزيران، 1995، بغداد، ص49، (وقد أعيد نشره في كتاب: النعمان، ص281).
( 114) كاظم السماوي: وفي ليالي المنفى يرحلون، مجلة (الحرية)، العدد 378، سبتمبر/أيلول 1990، ص48، (وأعيد نشره في كتاب: النعمان)، ص534.
( 115) أحمد السيد علي: يظل غائب حديث النخلة والجيران، مجلة (المنار)، العدد 11 – 12، استوكهلم، 1991، ص37، (وقد أعيد نشره في كتاب: النعمان)، ص561.
( 116) ليلى عثمان: الكاتب الذي احتمل الغربة وعانى منها – غائب طعمة فرمان، جريدة (القبس) الكويتية، العدد (7956) الصادر بتأريخ 17/ 8/ 1995، (وقد أعيد نشره في كتاب: أحمد النعمان، غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن – مصدر مذكور سابقاً، ص524).
* تزوج (غائب) أثناء إقامته الطويلة في موسكو من فتاة روسية اسمها (اينا بتروفنا)، أنجبت له ولداً واحداً أسماه (سمير)، غير أنَّ هذا الزواج ما لبث أنْ انتهى إلى الانفصال، حيث طلقها غائب في المحكمة ولكن علاقتهما ببعضهما البعض لم تنقطع نهائياً، فقد سكنا في العمارة نفسها ولكن في شقتين منفصلتين، وكانت طليقته تساعده في توفير بعض احتياجاته اليومية. انظر المصدر السابق، ص541 – 542.
( 117) د. ضياء نافع: سبعة أصوات حول غائب طعمة فرمان، مجلة (الأقلام)، العدد 4 – 5 – 6، (نيسان – مايس – حزيران)، بغداد، 1995، ص53، (وقد أعيد نشرها في كتاب: أحمد النعمان، غائب طعمة فرمان – أدب المنفى والحنين إلى الوطن، مصدر مذكور سابقاً، ص538).
( 118) المصدر السابق.
( 119) د. أحمد النعمان: رحلة (المركب) الأخيرة (ضمن كتابه: غائب طعمة فرمان، أدب المنفى والحنين إلى الوطن، مصدر مذكور سابقاً، ص519 – 521.
( 120) وللتدليل على ذلك ينظر مثلاً: هيئة تحرير مجلة (الثقافة الجديدة) البدايات، التكون، الغربة، لقاء مع الروائي غائب طعمة فرمان، العدد (189)، 1987، ص103، (أعيد نشره في كتاب: النعمان، ص425، وص431). وكذلك ينظر: أحمد السيد علي: يظل غائب حديث النخلة والجيران، مجلة (المنار)، العدد (11) و(12)، السويد، 1991، ص39، (وقد أعيد نشره في كتاب: النعمان، ص562).

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *