الرئيسية » نصوص » مسرحية » طلال حسن : ما أرادته عشتار (قصّة للفتيان)

طلال حسن : ما أرادته عشتار (قصّة للفتيان)

talal hasanشخصيات الرواية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ انبري

2 ـ الأم

3 ـ الفتاة دامكا

4 ـ الكاهن

” 1 ”
ـــــــــــــــــــ
منذ أيام ، وأم انبري ، تبدو مهمومة قلقة ، فابنها الوحيد انبري ، الذي لم تنجب غيره من زوجها الراحل ، لا يبدو لها أنه على ما يرام .
صحيح إنه يذهب مبكراً ، كلّ يوم ، للعمل في البستان ، الذي تركه له أبوه الراحل ، ويعود متعباً مساء إلى البيت ، وقلما يخرج مع أترابه ، لكنها بدأت تلاحظ صمته ، وشروده فيما لا تعرفه .
وتساءلت في أعماقها ، أكثر من مرة ، أهي عشتار بدأت تتراءى له ؟ وفي أعماقها ، تتمنى لو أن عشتار تتراءى له فعلاً ، فهو شاب وسيم ، ممتلى بالقوة والحيوية وحب الحياة ، وتريده أن يتزوج باكراً ، ليملأ بيتهم الصامت بالحياة والأطفال .
وصباح اليوم ، وعلى عادتها كلّ صباح ، أنصتت إلى ما يدور في غرفة نوم ابنها انبري ، لعلها تسمعه ينهض من فراشه ، ويستبدل ملابسه ، استعداداً للذهاب والعمل في البستان .
ورغم شروق الشمس ، لم يتناهَ إليها صوت من غرفة إبنها ، فمضت إلى غرفته ، ودفعت الباب برفق ، وعلى العكس مما توقعته ، رأت انبري راقداً في فراشه ، وعيناه شاخصتان إلى الأعلى .
وبدا وكأنه لم ينتبه إليها ، فأسرعت إليه ، وقالت : بنيّ ، لقد أشرقت الشمس .
ونظر انبري إليها ، وكأنه أفاق تواً من حلم كان مستغرقاً فيه ، ثم قال : لا عليكِ ، يا أمي ، ليس لدينا عمل ملح في البستان هذا اليوم .
فقالت الأم : حسن ، ابقَ اليوم معي في البيت ، وسأعدّ لك غداء تحبه .
واعتدل انبري ، وقال : لا ، سأذهب إلى المعبد .
وابتسمت الأم فرحة ، وقالت : لابد أن الإلهة عشتار ، قد نادتك الليلة في الحلم .
ونظر انبري إليها مندهشاً ، لكن لم ينبس بكلمة واحدة ، ترى كيف عرفت أمه بأنه حلم ؟ من يدري ، لعلها مجرد صدفة .
ونهض انبري من فراشه ، ثم بدأ بتغيير ملابسه استعداداً للخروج ، فغادرت أمه الغرفة ، وهي تقول : الفطور جاهز ، تعال نفطر معاً .
” 2 “
ـــــــــــــــــــــ
على غير عادته ، تناول انبري طعام الفطور على عجل ، وهبّ من مكانه ، ولحقت به أمه حتى الباب ، وقالت له : انبري ، حاول أن لا تتأخر ، سأنتظرك على الغداء .
ومضى انبري في طريقه ، متوجهاً إلى معبد الإلهة أشتار ، الذي يقع في طرف المدينة ، ورغم شروده ، انتبه إلى فتاة شابة ، بدا له أنه رآها ، في مكان ما ، غاب عن ذاكرته .
وخلال لحظات قليلة ، غابت الفتاة الشابة ، بين حشود الناس ، الذين كانوا يسيرون في الشارع ، حتى اختفت ، وغابت عن أنظاره .
واجتاز انبري مركز المدينة ، حيث الدكاكين والأسواق ، وبدأ يقترب من طرف المدينة ، الذي يقع فيه معبد الإلهة عشتار .
وتوقف أكثر من مرة ، فكلما اقترب من موقع معبد الإلهة عشتار ، الذي يعرفه جيداً ، لاحت له معالم ، بدا له أنه لم يرها من قبل .
وفي نهاية الطريق ، توقف مذهولاً ، أمام حوض واسع من المياه العميقة الشفافة ، تنعكس فيها ظلال معبد غريب ، جديد ، لم يره من قبل .
وعند حافة الحوض ، لمح الفتاة الشابة ، التي رآها في الطريق ، تتطلع إلى المعبد ، ثم ما لبثت أن مضت بخطوات ثابتة ، ودخلت ذلك المعبد .
وتلفت انبري حوله حائراً ، ماذا يجري ؟ تلك الفتاة ، التي رآها مرتين ، والتي بدا له إنه رآها من قبل ، من هي ؟
ثم هذا المعبد ، متى بُني في هذا المكان ؟
إنه يزور هذه المنطقة ، القريبة من معبد الإلهة عشتار ، مرة أو أكثر في الأسبوع ، فلم يسبق له أن رأى هذا المعبد من قبل .
وحدق انبري في المعبد ، ووجد نفسه يسير نحوه ، دون تردد ، واجتاز الباب ، وتوغل داخل المعبد ، الخالي من الناس ، وتوقف أمام الإلهة عشتار ، ورفع عينيه إليها ، وكأنه يرجوها أن توضح له حقيقة ما يرى .
وهنا انتبه إلى فتاة ، تتقدم منه ، وتقف إلى جانبه ، لكنه لم يلتفت إليها ، حتى سمعها تحييه قائلة : طاب صباحك ، يا انبري .
والتفت انبري مندهشاً إليها ، وازدادت دهشته عندما عرف أنها الفتاة الشابة نفسها ، التي رآها في الطريق ، وعند حافة الحوض ، فردّ قائلاً : طاب صباحكِ .
ومالت الفتاة عليه قليلاً ، وهمست قائلة : دامكا ، اسمي دامكا .
ونظر انبري إليها ، وقال : أظن أنني رأيتك اليوم في الطريق ، وعند الحوض أمام المعبد .
فقالت داماكا : وها أنت تراني هنا .
وأطرقت رأسها ، وأضافت بصوت حيي فرح : وستراني إلى جانبك ، كلّ يوم .
ولاذ انبري بالصمت ، ثم تراجع قليلاً ، وقال : عفواً ، آن أن أعود إلى البيت .
فاستدارت دامكا نحوه ، وقالت : هيا ، فأمك تنتظر .
وتوقف انبري محدقاً فيها ، فقالت : أنا زوجتك .
اتسعت عينا انبري ، وقال : زوجتي !
فقالت دامكا : هذه إرادة الإلهة عشتار .
سار انبري ، وسارت دامكا وراءه ، وحين خرج من العبد ، حثت دامكا خطاها ، وراحت تسير إلى جانبه ، وقالت : إرادة عشتار لا راد لها .
وخفق قلب انبري فرحاً ، وقال : المجد لعشتار .
” 3 “
ـــــــــــــــــــــ
فكر انبري في أمه ، وهو يسير في الطريق إلى البيت مع دامكا ، ستفرح أمه كثيراً ، فطالما تمنت أن يتزوج ، ويملأ حياتها بالفرح والأطفال .
وخلال الطريق ، المزدحم بالسابلة ، استوقفه أكثر من صديق ، يسلم عليه ، ويحاول أن يتجاذب معه أطراف الحديث ، لكن انبري ، كان يتملص منهم بلباقة ، ويواصل سيره مع دامكا .
وفي مدخل الحي ، الذي يقع فيه بيتهم ، مال انبري على دامكا ، وقال لها : بيتنا في نهاية هذا الحيّ .
فردت دامكا قائلة : أعرف .
لم يتوقف انبري عند ردها ، بل قال : ستتعرفين إلى أمي ، وستعجبين بها .
وردت دامكا قائلة : أعرفها .
وثانية لم يتوقف انبري عند ردها ، وقال : وسيعجبك طبخها ، إنها طباخة ماهرة .
لم تعلق دامكا بشيء ، فقال انبري : واليوم ستأكلين معي ، ما أعدته من طعام أحبه .
وقالت دامكا : سمك شبوط .
وتوقف انبري عند باب البيت ، والتفت يتأمل دامكا ، فقالت دامكا : انبري ، اطرق الباب .
وابتسم انبري ، وقال : سأطرقه ، وستأتي أمي في الحال ، وتراك .
وبالفعل ما إن طرق انبري الباب ، حتى أطلت الأم متلهفة ، وقالت : انبري ، تأخرت يا بنيّ ، ولابد أن السمك قد برد الآن .
ومدّ انبري يديه الشابتين المحبتين ، وعانق أمه ، وهو يقول : ليبرد السمك ، يا أمي ، جئتك بما يفرحك ، جئتك بهدية العمر .
وضحكت أمه فرحة ، وقالت : فرحة العمر عندي ، أن تتزوج ، وتملأ البيت بالفرح والأطفال .
فقال انبري ، وهو يطبع قبلة على وجنة أمه الذابلة : جئتك بمن ستملأ بيتنا وحياتنا بالفرح والأطفال ..
ثم أشار إلى الوراء ، وقال : أنظري .
ونظرت أمه ، لكن بدل أن تفرح ، لاذت بالصمت ، وراحت ضحكتها تتلاشى ، حتى اختفت ، والتفت انبري إلى الوراء ، ليقدم دامكا إلى أمه ، ويقول لها ، هذه زوجتي ، لكن .. أين دامكا ؟
ونظرت أمه إليه ، فقال حائراً : جاءت معي ..
وصمت لحظة ، أمام نظرات أمه الحزينة ، وتابع قائلاً : أهدتها لي ، الإلهة عشتار نفسها .
وتوقفت على مقربة منهما ، امرأة من الجيران ، وقالت : أم انبري ، أراكِ مهمومة ، ما الأمر ؟
وأمسكت الأم بيد انبري ، وسحبته إلى الداخل ، وقالت وهي تغلق الباب : لا شيء .. لا شيء .

” 4 “
ــــــــــــــــــــ
جلست الأم ، على سفرة الطعام ، قبالة ابنها انبري ، وراحا يتناولان طعام الغداء ، السمك المقلي ، صامتين ، وبدون شهية تذكر .
ورمقت الأم ابنها انبري ، بنظرة خاطفة ، وقالت : السمك لم يبرد تماماً .
واستمر انبري على تناول قطعاً صغيرة من السمك المقلي ، دون أن يردّ ، فوضعت الأم قطعة في فمها ، وقالت : إنه مازالا لذيذاً .
وسكتت لحظة ، ثم قالت : طبعاً ، لو لم تتأخر ، لتـناولته ساخناً ، ولكان أكثر لذة .
ونهض انبري ، دون أن يتفوه بكلمة ، فنظرت الأم إليه ، وقالت : لم تأكل شيئاً .
فقال انبري : شبعت .
ومضى انبري إل غرفته ، واستلقى على فراشه ، ونهضت الأم ، ولملمت سفرة الطعام ، ووضعتها جانباً ، ثم مضت إلى غرفة انبري .
واقتربت الأم من الفراش ، وجلست على مقربة من انبري ، وقالت : بنيّ ، أنت اليوم ، تبدو غير مرتاح ، أخبرني ، ما الأمر ؟
فاستدار انبري بعيداً عنها ، وقال : لا شيء .
ولبثت الأم في مكانها لحظة ، ثم نهضت متحاملة على نفسها ، واتجهت إلى الخارج ببطء ، وهي تقول : نم قليلاً ، يا بنيّ ، لعلك ترتاح .
وجلست الأم على مقعد وسط الفناء ، رغم برودة الجو ، لتكون قريبة من ابنها انبري ، عند نهوضه ، وخروجه من غرفته .
وحوالي العصر ، خرج انبري من غرفته ، واتجه نحو الباب الخارجي ، دون أن يتوقف عند أمه ، فنهضت ، واقتربت منه عندما فتح الباب ، وقالت : انبري ، ليتك تبقى اليوم في البيت ، فأنت مازلت متعباً .
وخرج انبري ، دون أن يلتفت إليها ، وهو يقول : لن أتأخر ، سأعود قبل غروب الشمس .
ولبثت الأم واقفة عند الباب ، تتابع بنظرها ابنها انبري ، وهو يمضي مبتعداً ، حتى اختفى في نهاية الشارع ، وهزت رأسها ، ترى ماذا يجري ؟
وأغلقت الباب بهدوء ، ثم عادت أدراجها بخطوات ثقيلة متعبة ، وجلست في مكانها وسط الفناء ، دون أن يغيب عنها ابنها انبري لحظة واحدة .
وسار انبري متلفتاً ، وسط الشوارع المكتظة بالمارة ، لعله يلمح الفتاة الشابة دامكا ، كما لمحها صباح هذا اليوم ، لكن دون جدوى .
وعند حدود طرف المدينة ، القريبة من معبد الإلهة عشتار ، توقف حائراً ، إذ لم يرَ أثراً ، لا لبركة الماء ، ولا للمعبد الجديد ، الذي رآه صبح اليوم .
ومن بعيد ، لاح معبد الإلهة عشتار ، فداخله شعور ممض ، بأن ما رآه صباح اليوم ، كان مجرد وهم ٍ ، لا أثر فيه للحقيقة .
وثارت أعماقه على هذا الشعور ، فإذا كانت البركة وهماً ، وكذلك المعبد الجديد ، فكيف يمكن أن تكون الفتاة الشابة دامكا وهماً ؟
وهزّ رأسه ، حزيناً حائراً ، إذا لم يكونوا وهماً ، البركة .. والمعبد .. والفتاة الشابة دامكا ، إذا كانوا حقيقة ، فأين هم الآن ؟
وبدل أن يواصل انبري ، طريقه إلى معبد الإلهة عشتار ، استدار محبطاً ، وقفل عائداً إلى البيت .
” 5 “
ـــــــــــــــــــــ
عند غروب الشمس ، وقبل حلول الظلام تماماً ، دُفع باب البيت ، ودخل انبري مقطباً ، ووقع نظره على أمه ، لكنه لم يقف عندها طويلاً .
ونهضت الأم من مقعدها ، وسط الفناء ، واقتربت منه ، بخطواتها الثقيلة المتعبة ، وقالت بصوت منهك : انبري ، بنيّ ، تأخرت .
وردّ انبري ، دون أن يتوقف : ها أنا عدت .
ومضى متجهاً نحو غرفته ، فلحقت أمه به ، وقالت : سأعد لك طعام العشاء .
ومرة أخرى ، لم يتوقف انبري ، وقال : لا أريد أن آكل أي شيء .
واحتجت الأم قائلة : لا يا بنيّ ، أنت لم تأكل على الغداء شيئاً يذكر .
وتوقف انبري عند باب الغرفة ، وكأنه يسدّ عليها الطريق ، وقال بصوت حاسم : أمي ، إنني متعب ، وأريد أن أرتاح .
وتوقفت الأم ، ثم تراجعت ، وهي تقول : كما تشاء ، يا بنيّ ، تصبح على خير .
ودخل انبري غرفته ، وأغلق الباب ، ولبثت الأم في الفناء ، مغالبة دموعها ، ثم دخلت غرفتها ، وأغلقت الباب ، واستلقت في فراشها ، وراحت عيناها تسحان الدموع .
لم تنم الأم ، رغم أنها أطبقت عينيها الغارقتين بالدموع ، ماذا يجري ؟ يا لعشتار ، إن الكلّ يمتدحون نضج انبري ، وعقله الراجح ، فما حديثه عن دامكا ؟ ومن هي حقيقة ؟ لابد أن امرأة حقودة حسودة سحرته ، وذهبت بعقله .
وانبري نفسه ، لم يغمض له جفن ، رغم تقدم الليل ، ولم تكن تساؤلاته بأقل من تساؤلات أمه ، من دامكا ؟ وهذا المعبد الجديد ، وتلك البركة ، كيف نبعا فجأة ؟ وكيف اختفيا فجأة ؟
صحيح إن الإلهة عشتار كلية القدرة ، وتستطيع أن تفعل ما تشاء ، لكن .. دامكا .. والبركة .. والمعبد .. أشياء لم يحدث ما يماثلها من قبل .
وحوالي منتصف الليل ، والقمر يطل بدراً من بين الغيوم ، تناهى إليه طرق على الباب الخارجي ، فاعتدل في فراشه ، وأنصت ملياً ، لعله مخطىء ، فمن يطرق الباب ، في مثل هذا الوقت ؟
طرق الباب ثانية ، كما طرق للمرة الأولى ، فنهض انبري من فراشه ، ورفع الستارة المطلة على الفناء ، وهو ينصت ، إن أمه مرهفة السمع ، رغم تقدمها في العمر ، وكان لابد أن تنهض ، لو أن الباب الخارجي قد طرق فعلاً .
وهنا طرق الباب للمرة الثالثة ، ولم تخرج الأم لفتح الباب ، ترى من الطارق ؟ من يدري ، لعل أمه مستغرقة في نوم عميق .
وفتح بهدوء باب غرفته ، وتسلل على رؤوس أصابع قدميه عبر الفناء ، ثم فتح الباب ، ورأى شبحاً خارج الباب ، لم يتبين ملامحه جيداً ، فقد اختفى القمر ، في تلك اللحظة ، وراء إحدى الغيوم .
تساءل انبري : من أنت ؟
فردّ الرجل ، بصوت هادىء : الحكيم يريدك الآن .
وفتح انبري فمه ، وهمّ أن يتكلم ، لكنه قبل أن يتفوه بكلمة واحدة ، اختفى الرجل ، وكأن الأرض انشقت وابتلعته .

” 6 “
ــــــــــــــــــــــ
لم يلبث انبري ، في مكانه عند الباب ، بعد أن اختفى الرجل ، بل تحرك على الفور ، وكأن قوة مجهولة تجذبه ، وسار عبر الشوارع المقفرة ، متجهاً نحو معبد الإلهة عشتار .
وتباطأت خطواته ، حين اقترب من طرف المدينة ، حيث يقع المعبد ، إذ راحت المعالم ، التي رآها صباح اليوم ، تتراءى له وكأنه في حلم .
وتوقف مذهولاً ، فعلى ضوء القمر ، الذي أطلّ من بين الغيوم ، لاحت له بركة الماء ، والمعبد الجديد ، كما رآهما صباح اليوم .
وانتبه انبري إلى رجل ، كان يتقدم نحوه ، وبدا له أنه ربما كان نفس الرجل ، الذي طرق بابه الليلة مراراً ، ودعاه لمقابلة الحكيم .
وهنا اختفى القمر ، أخفته غيمة قاتمة ، أم أنه من فعل الرجل الغامض ، حتى لا يرى انبري وجهه ، حين يقترب منه ، ويتحدث إليه .
وقال الرجل ، دون أن يتوقف : الحكيم ينتظرك داخل المعبد .
وقبل أن يردّ انبري بكلمة ، اختفى الرجل ، وعلى الفور اختفت الغيمة القاتمة ، وأطل القمر ، وأضاء بنوره الشاحب بركة الماء والمعبد الجديد .
وعلى ضوء القمر ، سار انبري بمحاذاة البركة ، متجهاً نحو المعبد ، وتوقف قليلاً عند باب المعبد ، ثم مضى إلى الداخل .
وأمام الإلهة عشتار ، رأى انبري شيخاً في ملابس بيضاء ، يقف ساكناً كأنه يصلي ، وتوقف على مقربة منه ، دون أن يتفوه بكلمة واحدة .
والتفت الشيخ إليه ، وقلب : انبري .
فردّ انبري : نعم ، انبري .
وقال الشيخ : اقترب ، يا انبري .
واقترب انبري ، متأملاً إياه ، فقال الشيخ : من عالمي ، العالم الآخر ، كنتُ أتابعك ، فأنا أعرفك جيداً ، منذ أن كنت فتياً .
ولاذ انبري بالصمت ، فتابع الشيخ قائلاً : بعد أن رحلت ، من هذا العالم ، تركتُ طفلة في رعاية الإلهة عشتار ، وقد كبرت الآن ، أصبحت صبية جميلة ، وسأتركها لتكون في رعايتك مدى العمر .
وقال انبري متسائلاً : سيدي .. ؟
وقاطعه الشيخ قائلاً : إنها زوجتك ، هذه إرادة الإلهة عشتار أيضاً .
وصمت الشيخ ، وبقي انبري صامتاً ، ومن عمق المعبد ، لاحت فتاة شابة ، فقال الشيخ : ها هي قادمة ، زوجتك .
وتوقفت الفتاة إلى جانب انبري ، الذي رمقها بنظرة خاطفة ، خفق قلبه على أثرها بشدة ، يا للإلهة عشتار ، إنها دامكا .
ونظر الشيخ إليهما ، وقال مخاطباً الفتاة : دامكا .. ورفعت دامكا نظرها إليه ، فأضاف قائلاً : هذا زوجك .. انبري .
وأطرقت الفتاة ، وقد احمرّت وجنتاها ، فتابع الشيخ قائلاً : ضعي يدكِ في يده ، واذهبي معه حيث تعيشين معه العمر كله .
ووضعت الفتاة يدها في يد انبري ، فقال الشيخ : والآن اذهبا ، رافقتكما السعادة .
وسار انبري بدامكا ، وخرج بها من المعبد ، وسار على الطري المحاذي للبركة ، ويدها في يده ، دون أن ينبس أحدهما بكلمة واحدة .
وفجأة اختفى القمر ، ومعه اختفى نوره الشاحب ، فرفع انبري رأسه إلى أعلى ، كانت السماء صافية ، تتغامز في أعماقها آلاف النجوم ، وحانت منه التفاتة إلى الوراء ، وشهق مذهولاً ، فقد اختفت بركة الماء ، واختفى معها المعبد الجديد .
والتفت إلى دامكا ، وكأنما خاف أن تختفي هي الأخرى ، فخاطبها قائلاً : دامكا ، عزيزتي ، لنمض ِ ونعش حياتنا ، كما أرادها الحكيم والإلهة عشتار .

22 / 6 / 2015

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *