دراسة نقديّة للمجموعة القصصيّة “التّيه” للأديب التّونسي حسن سالمي
بقلم الكاتب و النّاقد التّونسي شكري مسعي

shokri maseiتصدير :

القصّة القصيرة لون أدبي راق جداً ورفيع المستوى حدّ الدّهشة، فهي لغة تواصل حقيقيّ للنّاس على الأرض بعد الكلام العاديّ واختراع اللّغة ، والجمال في لغتها وتصويرها وتراكيبها وفكرتها، وفي وميض جاذب يلتفّ بمن يسمعها ويصغي إليها، وفي عبقريّة مبدع يمكنه أن ينسجها في منواله ويخرجها تحفة فنيّة وأدبيّة رقيقة جداً …

منطلقات وغايات :

لمّا كان صراع الإنسان الأبديّ ضدّ القوى الخارجة عنه محور مغامرة العيش والوجود، فإنّ الكتابة أحد الشّروط الملازمة لنشوء الوعي وتبلوره للإفلات ،عبرالكتابة والتخييل، من الواقع الصّارم الجاثم بثقله، إلى فتنة العوالم الممكنة، وإعادة تشكيل الواقع وتنظيمه في موازاة الحريّة التي يؤسّسها الوعي في علاقته بالعالم والمجتمع والدّولة، لتكون الكتابة ثورة دائمة على التقليد والجمود والتسلّط والطّغيان.
ولكلّ قراءة نقديّة منطلقاتها وفضاءاتها التي تشرع النّوافذ أمامها وغاياتها التي تستهدف بلوغها، ولعلّ أبرز المنطلقات لهذه القراءة هي ما عرف – نقديّاً – بالعتبات، ونعني بها الهامش الذي يحيط بالنصّ القصصيّ، أو الإضافات اللاّزمة التي تزيد النصّ القصصيّ إبداعاً وتوهّجاً.
وقد قرأت نصوصا سرديّة كثيرة وأقصوصات عديدة وولجت عوالم السرديّة من كوّة عين عديد القصّاصين .. وجدت الكثير ممّا يُمتع ويشدّ البصر والبصيرة ويحمل النّفس على التّطواف البعيد ، لكن عندما قرأت المجموعة القصصيّة (التيه) للروائيّ القاصّ التونسي القدير حسن سالمي توتّرتُ حتّى تحرّك الصّمت من حولي وتركت النّصوص لفترة ، وظللت أفكّر وأبحث عن لحظة هدوء وارفة أدخل من خلالها إلى هذا العالم القصصيّ الفريد عالم الحكي السالميّ.. وعدت أقرأ النّصوص من جديد.. وأصطنع لنفسي طرائق الوصال بين ضفّة القراءة المتبصّرة وضفّة الكتابة النقديّة المسؤولة ، إذ ليس من اليسير أن يحملك نصّ سرديّ على أجنحته الأثيريّة إذا لم يكن ريشه مضمّخا بحنّاء الحياة والواقع ومعجونا بماء الصدقيّة في التّصوير والجِدّة في التّعبير .. فأيّ معنى هو ليس هدف الكاتب ، إنّما هو إمكانيّة قرائيّة لرؤية العالم والواقع والنّاس يؤثّثها القاصّ ويمنحنا شرف العيش فيها .. والقاصّ حسن سالمي لا يكتب نصّا قصصيّا ، إنّه يبني حياة داخل الحياة .. يصنع كونا قصصيّا غزير الرّؤى ..وإنّ كلّ مقاربة لأيّ من نصوصه القصصيّة – قصيرة كانت أم طويلة – هي مجازفة تفترض التمعّن والتبصّر والحذر.. فأن تمنح نصّا قصصيّا حيّا نابضا حياة أخرى ليس بالأمر اليسير أو الهيّن .. سنحاول خلال هذه المقاربة النقديّة أن نستشفّ روح النّصوص ونعاشرها ونحياها ونستأنس بها أملا في منحها بريقا متجدّدا .. hasan salemi
لقد عرف “جيرارجينيت”، العتبة العنوانيّة بقوله: إنها «نقطة ذهاب وإيّاب إلى النَّص..» (1) أيْ إشارات دالّة ورامزة تفكّ مغاليق النَّص و تُبين عن غموضه!! وعرّفها بقوله إنّها «علامات دلاليّة تشرّع أبواب النصّ أمام المتلقّي للولوج إلى أعماقه»(2) أي إنّها مداخل قرائيّة للوصول إلى أعماق النَّص.
اختار الروائيّ القاصّ حسن سالمي التّيه عنوانا لمجموعته ..
تاه تَيْهاً ، وتِيهاً ، وتَيَهانًا وتَوْهًا وتَوَهَانًا ، فهو تائهٌ ..تاه في الأَرض : ضلَّ وذهب متحيِّرًا ، ” يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى القَوْمِ الفَاسِقِينَ” (3) … إنّ العنوان وإن كان حمّالا للمعاني لا يكون صادقا دائما ..فكم من العناوين كانت مخاتلة ، مربكة وأحيانا صادمة .. وكم من العناوين كانت مرآة لمحتوى النّضائد وكم من العناوين كانت تيها بعيدا عن ما تفصح به النّصوص ..لكنّ الروائيّ حسن سالمي –وأعرف أنّه لا يطمئنّ كثيرا إلى العناوين ولا يسمّي مولودا من نصوصه حتّى يراه – كان قد اختبر هويّة المجموعة ووضعها تحت مجهر العيون القارئة المتعدّدة حتّى قبل أن يصدر المجموعة ، إنّه يرى بعيون قرّائه وإن كان لا يفكّر بعقولهم ..لذا كان التّيه بعد اطمئنان وسكينة ..وسنرى إلى أيّ حدّ كان العنوان أمينا لبصر القرّاء وفكر الكاتب وجامعا لتفاصيل القصص والأقصوصات والقصص القصيرة والقصيرة جدّا والنضائد ..
تعطينا هذه النّصوص القِصار، صورة عن محكيّ معيش ملتبس بالحياة ينطلق منها ليبنيَ عالمه الخاصّ و ينبش في ذاكرة الجماعة ويطرق أبواب النّفس يسائلها ويحاسبها ويمعن في نبش خفاياها ..هو محكيّ حسّاس وملتبس ، يحفر التفاصيل السريّة الخاصّة ويتعدّى الخطوط الحمراء. يقتحم التّابو الاجتماعي الأخلاقي والدّيني حينا ويعلن عن نفسه مُكاشفا فاضحا مُفسِّرا أحيانا أخرى ، إنّه محكيّ لا يجيد ارتداء الأقنعة والتخفّي ،محكيّ يصالح القارئ مع ذاته ويأخذ بيده إلى دنيا السرائر النقيّة في غير توجّس أو تردّد أو ارتباك ، هومحكي صريح وواخز وجريء وشجاع ، لا يتورّع عن قول المسكوت عنه، وتسمية الأشياء بأسمائها بجرأة القاصّ حسن سالمي وصراحته، و بذلك ينغمس مباشرة في حمأة الواقع الاجتماعي، ويصدر عن واقعيّة انتقاديّة واعية مسؤولة، واقعيّة فاضحة مبطّنة بالسّخرية السوداء.
إنّ (التيه..) يرصد بدقّة وجرأة ، وفي لقطات حكائيّة سلسة ومركّزة، تيه الذّات / المجتمع، الذي غرّته أدواء ومظاهر اجتماعية طارئة وجديدة ، كالبطالة والعنف والجريمة والسّكر الخيانة والفساد وتفسّخ العلاقات الأسريّة وتفشّي الظّلم والاستغلال والنّفاق والاستبداد والتمرّد، والاختلال العقليّ والعصبي… تلك هي التّيمات والهواجس القصصيّة المهيمنة على نصوص التيه والمنـزرعة عبرها والمصوغة دائما، بسلاسة سرديّة ذكيّة وجريئة وساخرة، تقول ما يجب أن يقال بما قلّ ودلّ، أي تقول وتكتب نمطا جديدا من القصّ .
التيه يمتدّ على ثمانٍ وعشرين قصّة منها ما هو قصير يتراوح بين إحدى عشرة صفحة( التميمة من الصفحة 31 إلى الصفحة 41) وتسع عشرة صفحة ( العنكبوت من الصفحة 34 إلى الصفحة 82) ومنها ما هو قصّة قصيرة جدّا أو ومضة أو شذرات تتراوح بين صفحة واحدة (غيمة وخمس صفحات (طلّقني من الصفحة 42 إلى الصفحة 46) .. قبل ذلك لابدّ أن نلقي الضوء – و لو بإشارات سريعة – على مفهوم القصّة والقصّ وما يتّصل بهما من حقائق حتّى إذا ما رُمنا ربطها بتجربة الكاتب حسن سالمي القصصيّة نجد ما يجعل أحكامنا تتنزّل ضمن خانة الموضوعيّة ..
يبرز السّؤال الأكبر، وهو: ما القصّة القصيرة إذاً؟ والجواب كما يقول (امبرتو ايكو ): “هي عبارة عن سرد نثريّ موجز يعتمد على خيال قصّاص فرد، برغم ما قد يعتمد عليه الخيال من أرض الواقع، فالحدث الذي يقوم به الإنسان، أو الحيوان الذي يتمّ إلباسه صفات إنسانية، أو الجمادات، يتألـّف من سلسلة من الوقائع المتشابكة في حبكة، حيث نجد التوتّر والاسترخاء في إيقاعهما التّدريجي من أجل الإبقاء على يقظة القارئ، ثمّ تكون النّهاية مُرْضيَة من الناحية الجماليّة “. (5).
ومن عناصر القصّة القصيرة، العنوان. ويمثّل العنوان عنصراً هاماً من عناصر تشكيل الدّلالة في القصّة، وجزءا من أجزاء استراتيجيّة أي ّنصّ أدبيّ. وتتنوّع العناوين، من حيث وظيفتها في القصّة، فثمّة عناوين تحيل إلى مضمون القصّة، أو تُسْتَمَدّ من مغزاها، وعناوين لها طبيعة إيحائيّة، وعناوين لها وظيفة تناصيّة، وعناوين لها طبيعة استعاريّة، وعناوين يؤتى بها لتشوّش الأفكار.
ومهما يكن الشأن، فإنّ القصّة القصيرة العاديّة يحسن بها أن تجمع حسن العرض إلى نموّ الحدث إلى المشهديّة المسرحيّة، كما يتوخّى من كاتبها أن يحكم بناءه ويحذق حبكته، ويختار مفرداته دونما ترخّص في الفصحى ودونما إغراق في التقعـّر، مراعياً اللّغة الوسطى، وذلك لأنّ تضحيته بما سبق، أو انحرافه إلى لغة شاعريّة مفعمة بالتأنّق والزّخرف والصّنعة، يجعله بعيداً عن السّمت المقصود، وقريباً من فنون أخرى، قد لا تحتمل القصّة أعباءها. ولا بدّ أخيراً من التّكثيف والتركيز اللّذيْن يجعلان من القصّة القصيرة لقطة سينمائيّة أو قطعة من نسيج أو ومضة من ضوء، تكتنز المعنى والمتعة معاً…وتُفضي قراءة القصص في مجموعة التيه للقاصّ حسن سالمي إلى الوصول إلى أنّ معرفة مظاهر السّرد (السالمي) يمكن أن تتمّ من خلال فحص ثلاثة عناصر هامّة، هي: الإيقاع، والسّخرية، والشخصيّة القصصيّة، مع الإشارة الباكرة إلى أنّ هذه العناصر قد نجدها في قصّة واحدة جميعاً، وقد نجد واحداً منها أو اثنين، وقد يغيب واحد أو اثنان و سنكشف ذلك خلال الدّراسة .
فالقصّة القصيرة كنصّ مكتوب هي تلك التّجربة الكشفيّة، التي يقوم بها الفنـّان حين يحاول أن ينظر إلى الأشياء بطريقة جديدة ، وهنا تحوّل القلم في يد حسن سالمي إلي جهاز أشعّة يكشف بؤر الفساد والأمراض المختبئة في تلافيف المجتمع.. بل تحوّل سنّ قلمه إلي إبَرٍ لِوخز النتوءات الضارّة في جسم المجتمع لحقنها بالأمصال بعد كشفها.
سنحاول استجلاء ذلك من خلال معاشرة نصوص مجموعته ولعلّ الخيط الذي يمسك النسيج تجلّى فى عنصر المفارقة التصويريّة الذي ظلّ قاسما مشتركا فى معظم نصوص المجموعة حيث المفارقة تقدّم الواقع الاجتماعي والسّياسي والنفسيّ للشّخوص والأبطال وانعكاسات ذلك على المكان والزّمان بطريقة تبعث على السّخرية من كلّ هذا ، وفى نفس الوقت ترسم ابتسامة ربّما تكون ابتسامة باكية في أغلب أحوالها وأحيانا تُغرقنا في بوتقة من الشّفقة والتّعاطف مع بعض الشّخصيّات .. وكما عرفت المفارقة بأنّها تعبير بلاغيّ يركّز على تلك العلاقة الذهنيّة بين الألفاظ ، تصدر هذه المفارقة عن وعي شديد للذّات بما حولها. لذا فإنّها حسب النّاقدة نبيلة إبراهيم، اتصال سرّي بين الكاتب والمتلقي(6) ..
في عتبة الإهداء يخصّ الكاتب القابضين على جمر الكلمات في زمن الغربة ..والحالمين بأن لا تذهب كلماتهم جفاء ، وكلّ قارئ ذكيّ ..هكذا يكون الإهداء مسبوغا بلون من الخصوصية التي لا ترقى إلى مستوى الفرادة بل تكون خصوصيّة مألوفة يسعى كلّ كاتب إلى استدعائها ..من هم القابضون على جمر الكلمات في زمن الغربة ؟ إنّهم بلا شكّ هؤلاء الذين ينحتهم الكاتب من عجينة نفسه وينسج هويّاتهم من نسغ روحه .. هم الحالمون بأن لا تذهب كلماتهم جفاء ؟ هم بلا ريب فئة من الذين يعانون حرقة الكتابة ولهيب السّير على جمر الشقاء ووجع المكابدة ..مكابدة الحلول الرّوحي في كون الكاتب وملكوته .. إذن من هو القارئ الذكيّ الذي يستحقّ أن يُمنح شرفَ القراءة و وجيعتها؟ هنا يمنح القاصّ حسن سالمي عهدة مجموعته لمن يستحقّ أن يقرأها ..
تمكّن حسن سالمي في (التيه) من استيفاء عناصر المكان الوراثيّ.. والاعتضاء بمعطياته في تجسيد الدّلالة السرديّة، وإلحاحها على مقوّمات الفضاء المكاني لمدّ الحركة السرديّة بآفاق تكوّنها وتجلّيها، وعبر شخصيّات مستلّة من الهامش الاعتباريّ للحياة، تستعاد في حركة السّرد تمكيناً فنّياً ورؤيويّاً لإنسانيّتها، واستجلاء لمكامن توتّرها الاجتماعيّ، في ترابط ونظام سرديّ مُتقَن يأنس لاشتراطات التلقّي، ومساحة استيعاب الذّائقة، لتجربة حقـّقت نجاحها الإبداعيّ ومعيارها الفنّي مستوفيةً شروط الرّؤية القصّيّة، بوصفها موازاة جماليّة تحقّق عبراللّغة والحدث والشخصيّات والحوار والمخيّلة الجماليّة، نسقاً يساهم في التّعبير عن تجلّيات الكتابة في توظيف سياقات الحوار والدّلالة الفنيّة لإثراء المشهد النصّي والتّنويع في مسارات الحدث وتنامي حضور الشخصيّة وكشف تداخلات علاقتها بالواقع وبُناه، في حركة ارتداديّة، تنبثق إشاراتها السرديّة الأولى في الطبيعة الشكليّة لحضور (البطل) وتوالي تشكيل ذلك الحضور في فصول حياة متوتّرة، تتقاطع فيها المفاجآت القدريّة..! وهذا ما يبدو جليّا في العتبة النصيّة الثانية (التيه من الصفحة 8 إلى الصفحة 10) حيث يعيش البطل معركة الحياة وتجاوزالموت والتشبّث بالوجود والنضال للبقاء بعد صراع دراميّ مع المكان (الصحراء) والوقت (الظهر)والظرف(الخوف والمتاهة والعطش ) يقول السّارد : ” فلمّا بتّ منها قاب قوسين أوأدنى أنزل العطش على عينيّ غشاوة ، وأشعل في جوفي نارا ، وصبّ في عظامي وهنا ، وجلب عليّ بدوار أرعن لم أر مثله في حياتي..” أليس هذا صراعا مع الموت ..؟ (7)
وفي الحبكة التي استنطق القاصّ إمكاناتها، على نحو يؤصّل رؤيته السرديّة، وتمكّنه من خيوطها، محقـّقاً من خلالها منجزاً فنيّاً تجلّى في استظهار العناصر المُضمَرة في النّسيج الاجتماعيّ متعدّد النّماذج، والإفضاء بالمحدّدات العامّة للمنظومة الثقافيّة والاجتماعيّة للمكان في هذا النصّ، والصّحراء عند حسن سالمي “جحيم الحريّة”. لا سبيل إلى النّجاة من قسوتها وأخطارها إلاّ بالموت الذي يتربّص بالإنسان والحيوان. إنّه حسب وصف سعيد الغانمي “مجتمع الضرورة”(8)، الذي يعيش على حافّة الحياة، ويكرّر وجود نفسه المقاوم للموت، فلا بدّ من استثمار أيّ شيء متاح للدّفاع عن الحياة: إنّ صراع الحدود القصوى هو علامة الوجود الوحيدة في الصّحراء.. يقول السّارد في قصّة ( التيه ) : تشابهت عليّ الأرض والسّماء ، وتراءت لي الصّحراء متاهة تنبت في أصل الجحيم ..ضربت في الأرض ولم أحمل معي الماء .. استوت الشّمس في قوس السّماء ، وحينها خرجت عليّ ريح سموم من كلّ مكان ..الأرض تحتي جمر ملتهب ، والآفاق من حولي خالية من أشباح الإنس والجنّ ..( 9)
تنهض المجموعة القصصيّة ( التّيه ) على تقنية أساسيّة من تقنيّات القصّة والقصّة القصيرة جدّا، ويتعلّق الأمر بتقنيّة الحذف الذي شغله المؤلّف في كلّ نصوصه. فالحذف هنا دالّ، يساهم في تحقيق التّكثيف الجماليّ، ويخلّص النصّ من التفاصيل والجزئيّات، التي لم تعدّ مقبولة في ظلّ عصر ينبذ الحشو والبطء، ويبدو المؤلّف واعيا بهذا التّغيير الذي لحق نظريـّة الأجناس الأدبيّة، ويبدو هذا جليّا في عديد الأقصوصات.. نأخذ على سبيل الاستشهاد أقصوصة “الدّجّال” .. هذه الأقصوصة تشظّت لتـُكوِّن لوحاتٍ من التّصوير الانسانيّ الكاشف لظواهر مجتمعيّة مُغرقة في “الجهل الواعي” أي ذلك الذي يصدر عن فئة مثقّفة تنقاد إلى مساراتِ الجهل أو التجاهل أو العتمة الإدراكيّة كما يسمّيها فرويد .. من جهة أخرى يفتح هذا الحذف الذي جسّدته نقط الحذف الكثيرة النصّ على التأويل اللاّمتناهي كما دعا إلى ذلك التفكيكيـّون الذين قوَّضوا مركزيّة المعنى الواحد. فالنصّ تتخلّله بياضات بالجملة، وما على القارئ سوى ملئها، ما دام النصّ آلةً كسولةً سرعان ما تتوسّل بالقارئ ليقوم بجزء من مهامّها على حدّ تعبير السيميائي الإيطالي، أمبرتو إيكو (10). وهذا نجده في بعض النضائد المبثوثة في المجموعة مثل نضيدة ” نذير” حين قال الكاتب : ” هو حنش طوله ذراعان.. رقيق كقلم رصاص.. رأيته يطير في الهواء متّجها نحوي.. فما هي حتّى انغرز برأسه في زندي كإبرة مدرّبة.. ومضى يشقّ طريقه بين لحمي وجلدي.. حاولت الإمساك به لكنّه تفّلت من بين أصابعي كسمكة في الماء.. وواصل رحلته في جسدي يريد أن يتّخذ منه سكنا…
لمّا أصبح الصّباح قلت في نفسي: مرض عضال يوشك أن يحلّ بي !(11 ) .
غير أنّ تأويل هذا النصّ الذي يحتشد فيه الهامشيّ بأسلوب مكثّف، ليس سهلا، بل هو أمر يحتاج إلى قارئ رصين محصّن بمعرفة فلسفيّة أوإلى ذخيرة-بمفهوم منّظري نظرية التلقّي-تمكّنه من مزاولة فعل القراءة بالطريقة الأمثل.

العوالم الحيّة في التّيه :
تقودنا نصوص حسن سالمي القصصيّة إلى عوالم زاخرة بالحركة والحيويّة، فهو يكتب عمّا يعرف، ولا يختلق حكايات لم يشهدها ، ولا يستعير شخصيّات من المخيّلة ، لأنّه ابن الحياة المترعة بالمفارقات العجيبة ، لذلك يمكنك بسهولة أن تعثر على مفاتيح تلك العوالم خاصّة وأنّه يُحسن تجسيدها ، فتراها أمامك شاخصة ، تائهة تهذي.. يقول الكاتب في قصّة العنكبوت ص 64: ” كان يشعر أنّه يمشي على الجمر ، وأنّ الطريق التي يسلكها إلى بيته تقع في أرض مسحورة ، يحسب الماشي فيها يتحرّك قُدُما وهو ثابت في مكانه كالوتد ..” ( 12) .. أو متورّطة في عذاب سحيق يقول الكاتب في قصّة الموءودة ص 56 -وهو يصف البطلة التي تعاني الشقاء والمعاناة -: “عضّني الجوع وبنيّ في البداية ، والمشؤوم زوجي لا يحرّك ساكنا .. ينام حتّى فزات الزوال ، ثمّ يخرج فلا يعود إلا آخر اللّيل ، سكرانا مترنّحا لا يمسك طوله .. يطلب عشاءه فلمّا لا يجده يجلدني ويضربني حتّى تنزّ الدّماء من جلدي..” (13) ، أومتوجّعة صارخة بصمت صاخب :ص57″ عملت في البيوت زمنا غير أنّ لوثة الرّجال – قطع الله الرّجال – ضيّقتْ عليّ سبل الرّزق ، وجعلتني أمام مقايضة قبيحة ..إمّا الرّغيف ، وإمّا أن أبيع لحمي ” ( 14 ) .
هي عوالم تُظهر لنا بجلاء مأزق الوجود الانساني ، وحيرة المرء إزاء قوى ضاغطة تحاول أن تسـلبه السّعادة ، أو تشوّش عليه فكره .. يقول الكاتب في قصّة قبض الرّيح ص 92 يصف واقع الاعتقال في سجون السّلطة الطّاغية : ” كان وزيرا للدّاخليّة ..بل كان وزيرا للعذاب والتّنكيل .. في عهده وأنا الذي قضى نصف عمره في سجون الوطن، كانت أفكار التّعذيب تتوالد وتتناسل كأبناء الشّياطين ..كان يشهد تعذيب الخلق بنفسه ..” ( 15 ) ، وفي أغلب الأحيان يرصد لنا القاصّ الواقعة دون أن يعلّق عليها ، فهو يكتفي بأن يزيح عنها غبار الزّمن كي نشاهد بأعيننا الأحداث كما جرت بالضّبط كما في قصة ” حكاية منبر ” حين كشف الكاتب عن وضع منبثق من واقع مأزوم عاشته البلاد بعد الثّورة ..إنّه واقع المساجد التي أصبحت حلبة للصّراع و الفِتَنِ .. حين يدخل جماعة من المسلّحين بالهراوات والسلاسل والآلات الحادّة ليُنزلوا الإمام من منبره وينصّبوا إماما آخر على هواهم ..: ص (116)” … فجـأة انفتح باب جانبي في المسجد ، دلف منه رجال أشدّاء في أيـديهم الـهراوات ، يُرى في وجوهـهم البأس و القـوّة .. فقال أشـدّهم ، وكان رجلا طـِوالا، كـثّ اللّحية ، عريضا ما بين منكبيـه ، عليـه ثوبان من بلاد الخليج ، قميص أبيض وبرد خمريّ ..
– أنت ..انزل ..سوّد الله وجهك .. لا يجلس على هذا المنبر إلاّ تقيّ ..” ( 16 ) . والمتابع لهذا النصّ يلمح إدانة خفيّة لسلطة التطرّف الدّيني في مجتمع يحاول أن يكون معتدلا ، وقد أجاد الكاتب رصد اللّحظات الرّجراجة التي تشظّت مع فعل الخرق لكلّ الأصول الدينيّة ولبيت الله ، أمّا في قصّة العنقاء فإنّ القاصّ حسن سالمي تميّز -باقتدار -في رصد عالم الذات التي تعيش صراعا مع جزء له صلة بالوجه ..إنّه اللّحية التي تصبح كابوسا يطارد الشخصيّة ويؤرّقها ولا يكشف القاصّ عن سرّها إلا بعد الوصول إلى نهاية الأقصوصة في محاولة للمناورة واللّعب بانتظار القارئ وتشويقه وشدّه إلى مواصلة القراءة ..عندما يتحدّث السّارد عنها ويرسم تعاريج علاقته بها يتفنّن في عرض حضورها ويبني لها عرشا من السّطوة والنّفوذ ويمنحها بصمة وهويّة فريدتيْن يقول في أقصوصة العنقاء ص(60): ” … تظلّ ملتصقة بي، لا تفارقني ولا تغادرني .. أطردها في الصّباح فتعود في المساء ..أنتف شعرها ، لكنّها تظلّ على ودّها وإخلاصها ..لا تنتقل إلى غيري ولا تبدّلني .. ” (17) وفي ص (62) يقول : ” قلت ساخرا :
– سيّدتي ..آن أن تزولي من حياتي .
خيّل إليّ أنّها امتلأت رهبا وهي تقول :
– أأهون عليك؟
– بعد الذي رأيت من أصحاب بنات جنسك، فـأنت شبهة..” ( 18 ) .
هنا تظهر قدرة الكاتب على الاستثمار الفنّي، للدّلالات الرمزيّة للّحية التي يفكّ النصّ رمزيّتها، تتضافر مع المحدّدات القيميّة للشخصيّة الوهميّة المفترضة لإثراء المضمون النصّي الحدثي .
ومن العوالم الحيّة أيضا – وهي كثيرة – عالم المرأة الضحيّة التي تنفق من جسدها وأعصابها وروحها وحريّتها لتكون ضحيّة في أكثر من مناسبة ، في أقصوصة ( الموءودة ) المرأة هنا مستباحة من الرّجل أبا عندما زوّجها بعربيد سكّير مثله ص (54)” : ” قطع الله أبي .. زجّ بي في زيجة لو خيّرت بينها وبين الجحيم لاخترت الثاني ..قطعني عودا من دوحته ، ورمى بي في جحر الثعبان (زوجي) ..كان من خلصائه وخلانه ..” (18) ، وزوجا فاسدا عديم الرجاء والفائدة لا يطاق ، يقول الكاتب في الصّفحة(55) من المجموعة ” زوجي ، رجل شديد الأدمة كخشبة محروقة، دميم الخلقة..نحيف مثل الرّمح ..طويل كسارية ..شديدة رائحة عرقه ..اختلط لحمه و عظمه بماء الكسل و الخمول ، فلا يضرب في الأرض إلا قليلا ..” ( 19 ) .
هي عوالم فاضحة كاشفة حينا ساخرة مندّدة أحيانا أخرى ، ومخاتلة في كثير من المناسبات السرديّة .. والقارئ للنّضيدة (وجهان) بالصفحة (49) يلمس بوضوح قدرة الكاتب على توصيف النّفاق الشّعبي والتّواطؤ الحقير الذي يسلكه كثير من النّاس في تعاملهم مع السّلطة وتحديدا مع رمز السّلطة إذ بعد تمرّد و”ثورة ” متكَلّفة ينخرط عامّة الشّعب في تمجيد الرّمز والتصفيق له ، وينقلب التمرّد مبايعة وتمسّحا وتزلّفا .. و هذا حال عديد الشعوب العربيّة التي تربّت على تقبيل اليد التي تصفع .. ” قال السيّد اكس بصوت خفيض :” إذا اختلط الحابل بالنابل حرّضوا النّاس على رشق الشّرطة بالحجارة ، فإنّه إذا تزعزع كرسيّ السّلطان كان في أيدينا ..”( 20 ) ..خطب السيّد اكس : ” إنّا ندين العنف بكلّ أشكاله وألوانه ..” (21) ، هكذا نجح القاصّ التّونسي حسن سالمي – باقتدار – في رسم ملامح الحياة ومنعرجاتها وأغوارها ونقل لنا الصّور المعيشة في لوحات نابضة بريشة الكاتب الفنّان على أنّه من المهمّ التصريح أنّ بعض النّصوص القصيرة – وإن جاءت منسوجة بخيوط التّكثيف وأثارت في أذهاننا الدّهشة – فإنّها احتاجت إلى شيء من العمق والغوص أكثر في تجاويف الواقع ..

بعض تقنيات السّرد في التّيه :
* التكثيف والإدهــاش وبناء العبارة :

التّكثيف مظهر من مظاهر النظم والصّياغة، يتحقّق عندما ينجح المؤلّف في التعامل مع اللّغة وتطويع مفرداتها وعلاقاتها بمهارة تؤدّي إلى إنتاج عبارة لها مظهر الجملة الواحدة وسلاستها وانسيابيّتها، ولكنّها في حقيقة الأمر تحمل خلاصاتِ جمل عدّة. إنّها تشبه الضّفيرة أو الحبل المحبوك من حبال أصغر منه وأرقّ وذات ألوان مختلفة، ثمّ أصبحت بتأثير مهارة الصّانع جسداً واحداً يختلف في متانته و صلابته ، وهومن أهمّ العناصر التي اتّفق عليها كلّ النّقاد والكتّاب, رغم الاختلاف في درجات التـّكثيف وهو الإشكال الذي ولـد من إشكاليّة أخرى وهي تحديد سقف حجم القصّة القصيرة جداً، رغم ذلك لعلّ الكثير من الكتـّاب لا يستطيعون التّفريق بين جملة من المصطلحات نظرا لتقاربها أو تداخلها من بينها ” التقطير – الايماض – الاختزال – الاختصار… ” وما يقابلها من مصطلحات معاكسة لها ” الإسهاب – الإطناب – الحشو…”. إنّ الفنيّة الإبداعيّة الأدبيّة سواء في السّرديات أو في الشّعر لا تتأتى إلا بالنّسق المناسب . في القصّة لا بدّ من اللّغة القصصيّة ، و في الشّعر لا بدّ من اللّغة الشّعريّة . وهذا يعني ، ألا محلّ للّغة العاديّة langage naturelle الإخباريّة التقريريّة الخِطابيّة المباشرة … إذاً نحن أمام لغة مختلفة ، ذات خصوصيّة ، قد تصبح قيمتها في نفسها لأنّها فنيـّة . على عكس اللّغة العاديّة ، التي قيمتها فيما تحمله من أخبار . و لكي تكون اللّغة فنيّة ( قصصيّة أو شعريّة ) ينبغي للمبدع الإلمام قدر الإمكان ( بكمياء اللّغة) : قواعد النحو والصّرف و ضروب البلاغة . و( فزياء) اللّغة : علم المعنى أوالدّلالة sémantique والأسلوبيّة stylistique وعلم العلامات sémiologie فضلا عن علم اللّغة science du langage وعلم السّردromanesque وتضاف إلى كلّ هذا الخبرة الشخصيّة التي يكتسبها المبدع من خلال مـطالعاتـه الخاصة لإبداعات الآخرين .(19 ) و هذا نجده مبثوثا كثيرا في عدّة قصص قصيرة جدّا أو ما سمّيتها نضائد ممّا نسج القاصّ حسن سالمي ولنأخذ عيّنات من التيه تؤكّد توجّهنا ..في القصّة القصيرة جدّا أو النّضيدة ( سمّ الخياط ) ص : (51) تتميّز بتدرّج منطقيّ وسرديّ حيث يعمد حسن سالمي إلى تهيئة مخيّلة المتلقّي ثمّ يبدأ ببثّ بعض الإشارات التي تحيل تفكيره إلى القضيّة التي يريد أن يزجّ بالقارئ في معمعانها وهنا يثير القاصّ قضيّة العمى ومعضلتها [ أرسل بصره إلى بعيد /تراءت له الدّنيا غائمة في سراب / نظر إلى كفّه / تنهّد تنهيدة عميقة / قال بصوت محشرج /الموت أحبّ إلى من العمى ..] هنا يبرز التّكثيف بجلاء كبير وتمطرنا الأقصوصة بنهاية غير متوقّـَعة أوحتّى متخيّـَلة ..وفي نضيدة ( غيمة ) ص :(50) يتجلّى التّكثيف إلى درجة التّماهي المعنويّ من خلال تركيب اللّغة الاستعاريّة المكثّفة : [ نظر إلى غيمة في سماء خياله / جهّز ورقه و قهوته / تجهّم وجه السّماء / ثمّ ابتسم / ، ثمّ تجهّم / ثمّ ابتسم / الغيمة مرّت على أكفّ ريح مجنونة / مزّق ورقه / تلك غيمة كاذبة كغمام هذه المدينة .] هنا تبرز لعبة التّماهي والمفارقة المعنويّة في نسيج النصّ الذي تشدّه وشائج لغويّة متينة.. قد جسّد القاصّ حسن سالمي ثنائيّة الأنويّة -إن جاز التعبير-(أنا/ أنا ) و(أنا /هو ) في بوح وجداني شفيف ومكثّّف حتّى بات من الصّعب حذف أيّ جملة من قصّته وكأنّه قد اشتغلها بأزميل نحّات يجيد صنعة تمثال قصصيّ، فاللّغة بقدر ما حافظت على قصصيّتها ، استطاعت أن تستخدم الرّمز والصّورة والإيقاع بأنماطه المتنوّعة، النّفسي، والتّكراري… وجاء الحدث والموضوع والفكرة في كثافة تتناغم مع مكوّنات أخرى.. وهو ما بدا حاضرا بشكل واضح في النّضيدة ( صفعة) ص : (114) ، في هذه القصّة القصيرة جدّا ترقى اللّغة إلى مقام التّرميز الأخلاقيّ السّلوكي الذي يتأسّس على حضور الحوار المترجم لانفعالات الشّخصيّات وميولها .. ويحضر الدّرس القيَمي الذي ينبني عليه هدف القاصّ . هنا يكون للقدر أن يجسّد العدالة السّماويّة : أب يصفعه ابنه في موكب من النّاس و يعترف هو أنّه فعل ذلك بأبيه من قبل في نفس المكان .. فكأنّما القدر يحقّق العدل ..عملا بالحكمة القائلة: ( كما تكونون يُولّى عليكم ) .. والتّكثيف أنواع منه الدّلالي والبنائيّ والتجريديّ والسيكولوجيّ .. وقد حضرت كلّ هذه الأنواع في “التّيه” بدرجات متفاوتة سنأخذ من التّكثيف البنائيّ نموذجا خطّه حسن سالمي باقتدار كبير ..في نضيدة ” قبض الرّيح ” ص (89) يقول السّارد : ” آه لو كان مرضي جسما أراه بعيني و أمسّه بيدي Ị ” (20) . في هذه الجملة حكاية تغري بتأويلات عديدة ومختلفة ، وفيها نبرة شعريّة وجدانيّة وأبعاد ايحائيّة ومعاني دلاليّة كثيرة ..ارتهنت إلى لعبة الحذف المقنع والاختصار المغني بعيدا عن الإسهاب و الحشو و الإطناب الممجّ ..

* الانزياح :

يعني الانزياح عند “جان كوهين ” الانحراف عن التعبير ، وهو خرق منظّم مدروس لقوانين اللّغة . وهو الذي يحدّد شعريّة النصّ على أن يحافظ على التواصل ولا يؤدّي إلى الإبهام .. والملاحظ أنّ القصّة القصيرة عند القـاصّ حسن سالمي فيها الكثير من الحيلة المخادعة، حيث توهمك ظاهرياً أنها بلا حبكة وأنّها ساكنة وغير مكتملة فنيّا ..وهذا نوع من أساليب الكتابة الحديثة يتطلّب متلقياً متأنيًا في متابعة مجرى حلقاتِها؛ ليكتشف عناصرها التقليديّة ..الصّراع والتطوّروالحلّ النهائيّ في أعماق المتن السّردي عمّا يلملم آلياتها فنيـّاً وجمالياًّ وقصديـّا ، حقيقة النصّ تمّ بناؤه على خارطة من الانزياحات النّاجحة التي صوّرت الانفعالات والمشاعر والأفكاروالأخيلة والأمكنة بصوراستعاريّة وبلغة مخاتلة حينا صادمة أحيانا ، موغلة في الشعريّة أحيانا أخرى ..والانزياح في قصص”التيه” يرقى إلى مستوى جعل النصّ لوحة فنيّة تشكيليّة وأحيانا قصيدا شعريّا بديع البناء .. والأمثلة على ما نقول كثيرة نأخذ بعضها لنعضد ما ذهبنا إليه من حديث عن الانزياح اللّغوي والدّلالي : ” الذاكرة تفتح كرشها ..” / الوجه قطعة ليل مظلم / صمتّ قليلا، وقد طافت بي ذكريات مرّة ، أطلّت منها أشباح من الجوع والفاقة / كذلك الانزياح الدّلالي مثل ما هو موجود في أقصوصة العنقاء ..من يقرأ الصفحات الأولى ويتابع توصيف السّارد الشخصيّة لا يعتقد أنّ الكلام يخصّ اللّحية .. :
– سيّدتي ..آن أن تزولي من حياتي .
خيّل إليّ أنّها امتلأت رهبا وهي تقول :
– أأهون عليك؟
– بعد الذي رأيت من أصحاب بنات جنسك، فـأنت شبهة.. ص 62″ ( 21 )
ثمّ يكتشف القارئ أنّ المقصودة هنا هي اللّحية .. نعم اللّحية التي لا تفارق السّارد الشخصيّة و من خلالها يمرّر القاصّ موقفا ضمنيّا من الذين يعتبرون اللّحية علامة للتطرّف أو السلفيّة أو ما شابه ، في حين يعتبرها البعض الآخر علامة على التديّن الصّحيح .. و بعض آخرون يتّخذونها اختيارا شخصيا لا علاقة له بالدّين ..والانزياح كثير في التيه ..العتبة العنوانيّة بحدّ ذاتها تشكّل انزياحا جميلا ..

* الحدث وتدفق السّرد :

كثيرة هي القصص في مجموعة ” التيه ” ليس بها حدث رئيس بمعنى أنّها وردت في شكل نتف متفرّقة من الأحداث الجاهزة تنثال عبر خطوط الزمن من ذاكرة السّارد ، لتعبّر عمّا يعتمل في صدره من أشكال الصّراع الدّاخلي مع منغّصات الواقع ومثيرات الأحداث المعيشة .. وتفتقر هذه النتف من الأحداث أحياناً إلى الحياة والحركة والصراع الدرامي ، وهذا في ظني أمر بدهي في قصّة هي أقرب ما تكون إلى شريط وثائقيّ يعرض أوضاعا متردّية حينا وأحيانا مأساويّة ويُنطق المسكوت عنه ويكشف عورات الوجود من خلال فضح عديد السلوكيات في مجتمع يفتقر إلى التوازن النفسي والاجتماعي والقيَمي .. لقد أنضج السّرد بتقنيّاته اللّغويّة التي ترتكز بصورة موفّقة على ألوان المجاز بعض هذه الأحداث حتى باتت الحياة تدبّ فيها ، ذلك ما نراه في وصف حادثة “الصوّال” ذلك الجمل الجموح الذي يعكس صورة الفرد المقهور من قبل السّلطة داخل المجتمع .. يسعى للانتقام لكرامته المهدورة ..في هذا النصّ لوحات سرديّة متفرّقة ..تحكمها لغة مترادفة ذات مرجعيّة قرآنيّة تتوالد من رحم واحد ، هو الحيرة والخوف ..:
-إنّ هذا الجمل صوّال ..
– اصمتي يا امرأة .. فأل الله ولا فألك ..
***
-يا أبت إنّ الجمل صال علينا .طاردنا نحن عصبة..
– اصمتن ، إنّكنّ لكاذبات ..
***
-يا بعلي إنّ الجمل صال علينا .. و لولا أن غلّقنا علينا الأبواب لمسّنا السّوء .
– اخسؤوا ، إنّكم لكاذبون ..( 22 ) .
إنّ عدسة السّارد تجول في جنبات مسرح الحدث ، تتابع مجرياته ، وتستقصي أدقّ تفاصيله ، لتقدّم للقارئ شريطاً سينمائياً يعرض صورة حيّة تعكس مشاعر وأحاسيس أبطال المشهد ، قسمات وجوههم ، الجاني والضحيّة ، وتغوص في دخيلة نفس الضحيّة لتسمعنا أنينها والأفكار التي تصطرع في دخيلتها ، من خلال توظيف واع للمونولوج الدّاخلي ، وقد تنفلت عدسة السّارد في مسرح الحدث بسرعة عالية تواكب سرعة وقوع الحدث ، وتعبّر عن موقفه وأحاسيسه تجاه أبطاله ، وقد رأينا ما يعضد ذلك في اختيار القاصّ الجمل الوصفيّة القصيرة ، وفي تنويع الضمائر العائدة على السّارد أو المتكلم الضحيّة وتداخلها ، وفي إسقاط الرّوابط وإقامة علامات التّرقيم مقامها ..

* تقنيةُ الـحـوارِ:

تعتبر لغة الحوار في النصّ أو العمل الأدبي جداريّة يستند إليها العمل وينطق عبرها الشّخوص بكلّ مفردات الحبّ والألق المخزون داخل مكنونات القضيّة وحكاية النّفس الإنسانيّة, والأداة اللّغويّة في الحوار بمفرداته ومستواه ووظيفته رمزيّا وتقنيـّا كلّها قضايا شغلت الباحثين في حقل الكتابة القصصيّة بسبب ازدواجيّة اللّغة أي استخدامنا للعاميّة في الحديث اليوميّ والفصحى في الكتابة, هذه القضايا شكّلت محور عدد من الكتابات التي أثارت إشكاليّة الحوار داخل النصّ القصصي, والتي تعتبر المركز الرئيس والعماد والنّافذة التي تبرز من خلالها شخصيّات القصّة التي تشكّل حال الكلمة ووجع الحال… يفيد الحوار في كسر رتابة السّرد وجذب المتلقّي إلى جوّ النصّ وتحويله إلى مشاهد وكأنّه يواصل عرضا مسرحيّا وفضلا عمّا ذكر فإنّ الحوار يقوّي البنية السرديّة للقصّة إلى جانب التقنيّات الأخرى كالوصف والحلم.. أضف إلى ذلك قدرة الحوار على الكشف عن حضور البيئة في النصّ القصصي كاللّغة والعادات والتقاليد ونحو ذلك…. والحوار الجيّد هو الذي يكون معبراً “ويتمثّل هذا النوع من الحوار فيما حسُن تركيبه، وسهُل قوله، واتّضح معناه، وعبّر تعبيراً ملائماً، ويجب التّضحية بزخرف الكلام وأناقته في سبيل المعنى، فلقد كان “سومرست موم” يفضِّل الكلمة القويّة المحدّدة للمعنى في الحوار على الكلمة ذات الجرس والرّنين” (23) .. والحوار في المجموعة القصصيّة ( التيه ) للقاصّ حسن سالمي لم يكن مجرّد إجراء فنّيّ أو تقنيّة في الكتابة بل كان هيكلا إبداعيّا يحكم نسيج النصّ و يُبين عن بؤر الحكي و يقدّم لنا الشخصيّات برسم ملامحها :
-أجّل هذا التّقريع إلى حين ..
-إنّه نذل ..لا ذمّة له و لا ضمير ..
-فتحت له بيتي وصدري .. و كنت سنده الوحيد في المحنة .. ( 24 ).
و انفعالاتها و طرق تفكيرها :
– جرّبتها مرّة و أنا أعاني البطالة مثلك .. فكان الفرج أقرب إليّ من شربة ماء ..
– لا أصدّق أنّ فتاة جامعيّة أنهت مراحل تعلّمها بنجاح ، تسقط فيما تسقط فيه ناقصات العقول ..
– لمْ أكفرْ بربّ السّماء Ị
– هذا ، والله ، أشدّ من الكفر .. وإنّ من الكفّار علماء ( 25 ).
و العلاقات التي تربط بينها :
– طلّقني Ị
-أنت مجنونة .
-عمّاه أعنّي على ابنتك .
-طلّقها ỊỊ ( 26 )
ويقوم الحوار في مجموعة التّيه القصّة بدور هامّ، حيث بإمكانه أن يخفّف من رتابة السّرد الطّويل، والذي قد يكون مبعثاً للسّأم والملل، وبتدخّل الحوار الخفيف السّريع يقترب النصّ من لغة الواقع أكثر .. ومن الشّروط الفنيّة للحوار القصصي أيضاً التركيز والإيجاز والسرعة في التّعبير عمّا في ذهن الشخصيّة، من أفكار حيويّة، أمّا طول الحوار فإنّه يضرّ بالبناء الفنّي للقصّة القصيرة ، وقد اتّسم الحوار في جلّ قصص التيه بالقصر والتّركيز و الدقّة :
– أمهلني أربعا و عشرين ساعة ، بعدها أعيد إليك مالك مع ربح وفير Ị
– حالك مضحكة يا صاح ..
-العمليّة مضمونة .. لا ينقصها إلا رأس المال ..
-إنّ ما تدعوني إليه هو الوهم ..
-تأكّد أنّك خلال شهر واحد .. يمكنك أن تجنيَ أرباحا تعادل راتبك وزيادة ..
– لو عقدت قمحة ، ما اقتلعت منّي شيئا ..( 27).

* الخــاتمة /
وجدنا أنفسنا في رحلة رائقة ، نمشي في فيحاء نصوص الأديب التّونسي القدير حسن سالمي بخطى ثابتة محاولين إضاءة الدّرب في التّيه أمام قصص قصيرة وقصص قصيرة جدّا، تخلق أسئلة كثيرة ومُقلقة لدى متلقّيها، وبذلك تكون هذه القراءة النقديّة المتواضعة التي أنجزناها بها لهذه النّصوص الشيّقة والممتعة مجرّد قراءة من ضمن قراءات أخرى متعددة يُتيحها النصّ الذي يطرح أسئلة إشكاليّة وشائكة يُنتظر منّا، كمتلقـّين، أن نجيب عنها… قد كنّا في قراءتنا النقديّة أمام تجربة قصصيّة واعية وملتزمة تجاه قضايا واقعها المصيريّة ومستوعبة لتأثير الماضي في تشكيل الحاضر لقاصّ مقتدر يمتلك وعياً عميقاً بجماليّات السّرد القصصيّ مع اقتدار كبير و تمكّن واضح من تشكيل اللّغة التي استطاعت أن تحكم معاني قصصه وبنيانه ، فضلاً عن الوصف والخيال اللّذيْن يجعلان القارئ ينخرط في مسارههما ويشكّل وجوداً ملموساً للوجود المقروء في القصص ، ممّا أضافَ للإبداع رافداً جديداً محتفظا بنكهة القصص الأصيل ناقشا اسمه في تيارات السّرد وأشكاله الجديدة ..
حسن سالمي عنوان متفرّد لكتابة قصصيّة فريدة ، عصيّة و مربكة ..

الهـــوامــش /

1و2 : عتبات جيرار جينات ..من النصّ إلى المناصّ / د. عبد الحق بلعابد ص 286 .
3 : سورة المائدة ..الآية 26 .
4 : القصّة القصيرة لأمبرتو ص 52 .
5 : نبيلة إبراهيم، فن القصّ، في النظرية والتطبيق، دار قباء للطباعة، ص:197.
6: إيكو ، أمبرتو. ست نزهات في غابة السرد. ترجمة : بنكراد، سعيد. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2005، ص.20.
7 : التيه ص 9 .
8 : سعيد الغانمي “ملحمة الحدود القصوى” ص13.
9 : التيه ص 8 .
10 : عتبات جيرار جينات ..من النصّ إلى المناصّ / د. عبد الحق بلعابد ص 280 .
11: التيه ص 85 .
12 : نفس المصدر ص 64 .
13 : نفس المصدر ص 56
14 : نفس المصدر ص 57
15 : نفس المصدر ص 92
16 : نفس المصدر ص 116
17 : نفس المصدر ص 60
18 : نفس المصدر ص 62
19 : التكثيف في القصّة القصيرة جدّا شوقي بالحاج .
20 : نفس المصدر ص 82
21 : نفس المصدر ص 62
22 : نفس المصدر ص 14
23 : د. طه عبد الفتاح مقلد: الحوار في القصة والمسرحية والإذاعة والتليفزيون، مكتبة الشباب، القاهرة 1975م، ص10.
24 : التّيه ص 67 .
25 : نفس المصدر ص 37
26 : نفس المصدر ص 24
27 : نفس المصدر ص 73

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طالب عمران المعموري : سريالية القص في “مريم البلقاء” للقاص علي السباعي .

صور عفوية بتقنية قصصية وبأسلوب يخرج عن المألوف على طريقة السورياليين بهواجسهم في ما يتعلق …

| مهند النابلسي : جزيرة الكلاب” لـ”ويس أندرسون”: تحريك تجريبي مجازي آخاذ…(Isle of Dogs 2018).. فانتازيا تحريكية فريدة وطريفة تناقش مواضيع القمع والفساد والبيئة وتضافر مقاومة “الكلاب المضطهدة البائسة” الناطقة مع تعاطف المراهقين الشجعان! .

*استهلال: فيلم خيالي تحريكي حول الكلاب التائهة “المنبوذة” الناطقة في اليابان، يمثل انعكاسا واسقاطا مجازيا …

تعليق واحد

  1. جميل جدا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *