الرئيسية » نصوص » مسرحية » طلال حسن : الساحرة (قصة للفتيان)

طلال حسن : الساحرة (قصة للفتيان)

talal hasan” 1 “

ـــــــــــــــــــ
فتحت ميزاتوم الباب بهدوء ، وعبرت العتبة ، وبهدوء أغلقت الباب ، رغم أنها واثقة ، أن سيدتها ايلي قد سمعت الباب يُفتح ثمّ يُغلق .
صحيح إنها لا ترى ، لكن سمعها مرهف للغاية ، وكما تقول ، فإنها ترى بأذنيها ، حتى إنها ترى وتسمع النملة ، وهي تدب على مقربة منها .
ومضت ميزاتوم تسير إلى السوق ، حاملة سلتها ، التي نسجتها بنفسها من الخوص ، لقد طلبت منها سيدتها ، قبل أن تأوي إلى فراشها ، ليلة البارحة ، أن تذهب مبكرة إلى السوق ، وتأتيها ببعض الحاجيات ، وها هي تلبي رغبة سيدتها ، وتذهب إلى السوق .
وسارت في الطريق ، دون أن تتلفت حولها ، لكن أحاسيسها المرهفة ، كانت تترصد ما يدور حولها ، فريماني سيحاذيها كما يفعل كل يوم ، وكأن الأمر صدفة ، وسيهمس لها بصوته العذب الدافىء : طاب صباحكِ .
وسترد وكأنها فوجئت : طاب صباحكَ .
ويسيران معاً إلى السوق ، ويشتري كلّ منهما ما كلف به ، فتشتري ميزاتوم ما كافتها به سيدتها ايلي ، ويشتري ريماني ما كلفه به سيده الشاعر ، وغالباً ما يساعدها ريماني في حمل بعض حاجياتها ، ويوصلها إلى الباب ، ثم يودعها .
وصلت السوق هذا اليوم ، دون أن يكون لريماني أثر ، من يدري ، ربما جاءت اليوم مبكرة ، فلتتباطأ في الشراء ، إنها ليست مستعجلة ، وكذلك سيدتها ، وكادت أن تتم شراء ما أرادت شراءه ، حين شعرت به يقف على مقربة منها ، ويهمس لها بصوته العذب الدافىء : طاب صباحكِ .
جفلت ، وبدا وكأنها يئست من حضوره ، والتفتت إليه ، وقالت : طاب صباحك َ .
وقال ريماني : يبدو أنكِ جئت اليوم مبكرة .
فردت ميزاتوم قائلة : نعم ، جئتُ مبكرة ، وقد انتهيت من شراء ما أريده .
ومدّ ريماني يده ، وأخذ بعض ما اشترته ، وهو يقول : دعيني أساعدكِ .
ورمقته ميزاتوم بنظرة سريعة ، وقالت : لم تشتر ِ أنت شيئاً بعد .
وردّ الفتى قائلاً : لن أشتري شيئاً اليوم ، هيا .
وسارا جنباً إلى جنب ، مبتعدين عن السوق ، بخطى غير متعجلة ، وقال الفتى : عملك كثير ومتعِب ، مع هذه الساحرة العجوز .
فقالت ميزاتوم : سيدتي ايلي ليست عجوزاً ، وهي تعاملني وكأني ابنتها الصغيرة .
وتجاهل ريماني ما قالته ، وقال : زوجة سيدي الشاعر ، امرأة طيبة ، وهي تبحث عن خادمة شابة .
وردت ميزاتوم قائلة : خادم سيدتي ، رجل عجوز مريض ، وسيترك العمل بعد أيام ، ويعود إلى قريته ، وقد تحتاج سيدتي إلى خادم شاب .
وقال ريماني ، وهما يقتربان من البيت : ها قد وصلنا ، سأذهب إلى سيدي الشاعر .
وعند الباب ، توقفت ميزاتوم ، وأخذت ما حمله عنها ريماني ، وقالت : أشكرك ، لقد أتعبتك .
وردّ ريماني قائلاً : عفواً .
ثم مضى مبتعداً ، بعد أن قال لها : أراكِ غداً .

” 2 “
ـــــــــــــــــــ
دفعت ميزاتوم الباب برفق ، الفناء خال ٍ ، هذا يعني أن سيدتها مازالت راقدة في فراشها ، فلتبقَ مرتاحة ، وتسللت إلى المطبخ ، ووضعت فيه ما اشترته من السوق من خبز ولحم وخضار .
ثم مضت بخطوات خافتة إلى غرفتها ، واستلقت فوق فراشها ، وومض في داخلها ريماني ، كما يومض البرق ، وأضاء أعماقها الظامئة .
كلا ، لن تترك سيدتها ايلي ، وتعمل عند زوجة سيده الشاعر ، فايلي ربتها منذ أن كانت طفلة صغيرة ، وهي لا تعاملها كخادمة ، بل ابنة صغيرة مدللة .
لقد حدثها ريماني مراراً عن سيده الشاعر ، وقال لها مرة : إنه شاعر كبير معروف ، وقد ألف قصيدة طويلة مؤثرة عنوانها ” المعذب والحكيم ” .
وردت ميزاتوم وقتها قائلة : هذه القصيدة تحبها سيدتي ايلي ، وهي تقرأ لي أحياناً مقاطع منها ، إنها حقاً قصيدة مؤثرة .
ونظر ريماني إليها ، وقال : البعض لا يحبها ، بل إن أحد الكهنة هاجمها بشدة .
وقالت ميزاتوم : لا أدري ، إن سيدتي نفسها تقول ، إنها تشكك في عدالة السماء .
وابتسم ريماني ، وقال : ربما هذا صحيح ، وأنتِ ماذا تقولين ، يا ميزاتوم ؟
ونظرت ميزاتوم إليه حائرة ، وقالت : لا أدري ، لكني أظن أن الإلهة عشتار عادلة تماماً .
وردّ ريماني قائلاً : لكن ليس من العدالة ، أن تعطيك عشتار هذا الجمال ، وتحرم الكثيرات منه .
والتمعت عينا ميزاتوم ، لكنها قالت وكأنها تحتج بشيء من الدلال : ريماني .
فنظر ريماني إليها ، وقال : أنت جميلة جداً .
وبشيء من الدلال احتجت ثانية : ريماني .
فقال ريماني ، وكأنه يدافع عن رأيه : بينما هناك الكثيرات متواضعات الجمال .
وسحبت ميزاتوم الغطاء فوق وجهها المتورد ، تخفي في طياته ، التي تحمل عبقها ، ابتسامتها المشرقة ، وفرحتها التي أضاءت أعماقها .
” 3 “
ــــــــــــــــــــ
هذا الصباح ، هجست ايلي في داخلها ، ورغم عتمة الخارج ، بأن الباب الخارجي ، سوف يُطرق بعد قليل ، ورأت الطارق ، أو بالأحرى رأت الطارقة الشابة تقترب وتقترب وتقترب .
وتلفتت حولها ، فخادمتها ميزاتوم ليست هنا ، فقد ذهبت إلى السوق ، ولن تأتي إلا حوالي منتصف النهار ، من سيفتح الباب للطارقة إذن ؟
وتحاملت على نفسها ، ونهضت بشيء من الصعوبة ، وتلمست طريقها إلى خارج الغرفة ، واجتازت الفناء بخطوات بطيئة حذرة ، وحين لمسست الباب ، رفعت السقاطة ، وواربت الباب قليلاً ، ثم قفلت عائدة ، وجلست تحت الشجرة ، وسط الفناء .
وأرهفت سمعها ، ها هي الطارقة تقترب ، وتقف مترددة ، سيطرق الباب الآن ، وعلى الفور طرق الباب الخارجي ، فرفعت وجهها قليلاً ، وبدل أن تصيح ، من بالباب ، صاحت : ادخلي .
وسمعت الباب يُدفع برفق ، وتناهى إليها وقع أقدام خجولة مترددة تقترب منها ، فقالت : تعالي ، إنني هنا تحت الشجرة .
وتوقفت الفتاة أمامها مذهولة ، وقالت : كيف عرفتِ أنني فتاة ، يا سيدتي ؟
وردت ايلي بصوت متنبيء : وأعرف منذ أيام ، أنك ستطرقين الباب .
ولاذت الفتاة بالصمت ، فتابعت ايلي قائلة : ترددتِ أياماً وأياماً ، حتى جئتني هذا اليوم ، أما هو فما زال متردداً ، لكنه سيأتي .
وتساءلت الفتاة مذهولة : من هو ؟
فردت ايلي مبتسمة : من جئتِ من أجله .
وتمتمت الفتاة : سيدتي ..
ونظرت ايلي إليها ، بعينين جامدتين ، وقالت : اطمئني ، إنني أراه ، كما رأيتك ، أنت وهو تسيران يداً بيد ، على طريق محفوف بالأزهار .
وهتفت الفتاة فرحة ، وهي تستدير ، وتمضي إلى الخارج ، سيدتي .. أشكركِ .. أشكركِ .
سمعت الباب يُغلق ، ومعه هجست بقلبها ينقبض شيئاً فشيئاً ، فوضعت يدها المرتعشة على صدرها ، وتمتمت : آه .. عشتار .
” 4 “
ــــــــــــــــــــ
خلال الأيام القليلة الماضية ، لا تدري ايلي ، أكان ذلك في الحلم ، أم في الحقيقة ، رأت الإله تموز ، يهرب خائفاً ، يطارده سبعة من شياطين الكالا .
ويوماً بعد يوم ، تزايد قلقها ليس على تموز فقط ، بل على زوجته الإلهة عشتار أيضاً ، فعشتار تحب تموز حدّ العشق ، وقد فضلته على المزارع انكمدو ، واختارته ليكون زوجاً لها .
وعاشت معه حياة هانئة ، ولعل هذا ما أثار إلهة العالم الأسفل ، شقيقتها ايرشكيكال ، فأرسلت سبعة من شياطينها الكالا ، وطاردوه حتى القوا القبض عليه ، واقتادوه إلى العالم الأسفل .
آه ، وتأوهت ايلي متألمة ، وقلبها يزداد انقباضاً ، لقد رأت بعيني بصيرتها ما جرى ، لكن يصعب عليها أن تصدق ذلك ، فهذا أمر خطير للغاية ، قد يهدد الحياة برمتها ، في كلّ مكان .
وحوالي منتصف النهار ، سمعت الباب يدفع بهدوء ، وتناهى إليها وقع أقدام تعرفها جيداً ، فرفعت رأسها قليلاً ، وقالت : ميزاتوم .
وتوقفت ميزاتوم أمامها ، وقالت بصوت باكٍ : تموز .. يا سيدتي ..
تمتمت ايلي : أعرف ..
وتابعت ميزاتوم قائلة : أخذته شياطين الكالا ..
وتمتمت ايلي ثانية : أعرف ..
وقال ميزاتوم باكية : أخذته إلى العالم الأسفل .
وقالت ايلي : الويل لنا من الآتي .
ومرت عدة أيام ، والباب صامت ، لا يطرقه أحد ، لا الفتاة عادت ، ولا الفتى اقترب من الباب ، لقد بدأ زمن القلق والصمت .
وميزاتوم نفسها ، ولعدة أيام متتالية ، تذهب إلى السوق ، حتى ولو لم ترسلها سيدتها لشراء شيء ما ، لعلها ترى فتاها ريماني ، لكن دون جدوى .
ومع سيدتها ، كانت ميزاتوم تتساءل : ترى ما الذي ستفعلع عشتار ، بعد أن اختطف شياطين الكالا السبعة ، الإله تموز إلى العالم الأسفل ؟
” 5 ”
ــــــــــــــــــــ
على عادتها ، استيقظت ميزاتوم مع شروق الشمس ، ودخلت على سيدتها ايلي ، وكانت كالعادة في مثل هذا الوقت ، تتمدد مستيقظة في فراشها .
فمنذ أن غيّب تموز ، في العالم الأسفل ، بدأ النوم يغيب عنها ، إلى ساعة متأخرة من الليل ، ويغادرها مبكراً ، قبل شروق الشمس .
واقتربت ميزاتوم منها ، وقالت : طاب صباحك ، يا سيدتي .
وردت ايلي قائلة : طاب صباحك .
وقالت ميزاتوم : حان وقت ذهابي إلى السوق ، يا سيدتي .
وبدل أن تقول لها كالعادة ، اذهبي ، أنصتت لحظة ، ثم قالت : ميزاتوم .
فردت ميزاتوم : نعم ، سيدتي .
فقالت ايلي : لا أسمع زقزقة العصافير .
ونظرت ميزاتوم ، عبر نافذة الغرفة الصغيرة ، إلى الشجرة وسط الفناء ، وقالت : لعلها ذهبت إلى البساتين القريبة ، يا سيدتي .
وهزت ايلي رأسها ، وقالت : لا ، إنه تموز ، آه عشتار ، قلبي معكِ أيتها الإلهة .. الزوجة .
ولاذت بالصمت لحظة ، ثم قالت : اذهبي إلى السوق ، مادمتِ تريدين الذهاب .
وتساءلت ميزاتوم : ماذا تريدين أن أشتري من السوق ، يا سيدتي ؟
فردت ايلي قائلة : اشتري ما تريدين ، اذهبي .
ومضت ميزاتوم إلى السوق ، حاملة سلتها الخوص ، على أمل أن ترى ريماني ، لكنها ولليوم الثالث على التوالي ، لم تقع له على أثر ، لا في الطريق ، ولا في أي مكان من السوق .
وهمت أن تنتقي بعض الخضار ، من البائع الذي تعودت أن تشتري منه ، لكن الخضار لم يعجبها ، ولاحظ البائع ذلك ، فقال لها : الخضار كله هكذا ، في السوق اليوم .
وتساءلت ميزاتوم مندهشة : لماذا ؟
فردّ البائع قائلاً : هذا ما نسأله للبستانيين ، فيجيبوا بكلمة واحدة ، تموز .
وصمتَ لحظة ، ثم قال : والآتي أسوأ ، أنصتي .
وأشار إلى رجل ، يقف وسط الناس ، وهو يُنشد :
كان قلبه يفيض أسى
فهام على وجهه في المروج
ومزماره يتدلى من رقبته
وهو يبكي ، ويقول ..
النواح ..
النواح أيتها المروج
لتذرف عيناي الدموع على المروج
وأخذت ميزاتوم بعض الخضار ، رغم ذبوله ، ووضعته في سلتها البوص ، وقفلت عائدة إلى البيت ، وهي تتلفت لعلها ترى ريماني ، في مكان ما .
وتراءى لها ، وهو يهمس لها ذات يوم ، وهما يقفان في السوق : حدثتُ سيدي الشاعر عنك ، فقال لي ،سأعطيك حريتك إذا أرادتك هذه الفتاة .
” 6 ”
ـــــــــــــــــــــ
تمددت ايلي في فراشها ، هادئة ، كئيبة ، جامدة العينين ، وكما تذوي شجيرة ورد ، يشحّ عنها الماء ، بدأت تذوي ، وتذبل أزهارها شيئاً فشيئاً ، وتشحب ألوانها ، ويتلاشى شذاها .
مع الأيام ، غدا كلّ شيء حولها صامتاً ، بعد أن كان يضجّ بالحياة ، الريح ساكنة ، الشجرة لا تتحرك أغصانها ، العصافير لا تزقزق ، والباب الخارجي نفسه ، ظلّ معظم الوقت مغلقاً ملفعاً بالصمت .
ماذا يجري ؟
ميزاتوم تستيقظ كالعادة كلّ صباح ، لكنها تستيقظ كما الشمس في سماء غائمة ، شاحبة ، باردة ، كئيبة ، يلفها الحزن والصمت ، تأخذ سلتها البوص ، وتذهب كالشبح إلى السوق ، وكالشبح تعود إلى البيت ، وسلتها البوص تكاد تكون فارغة .
وخلال ذهابها وعودتها ، وهي تسير ببطء ، لا تلتفت يميناً ولا يساراً ، لا يقترب منها أحد ، في الطريق أو في السوق ، ولا تسمع أحداً يقول لها بصوت دافىء : طاب صباحكِ .
وتأوهت ايلي ، وهي راقدة في فراشها : آه ..
لقد أخذوا تموز ، أخذه شياطين الكالا السبعة ، بأمر من ايرشكاكيل ، إلى العالم الأسفل ، إلى أرض اللاعودة ، حيث لا تشرق الشمس ، أخذوه من عشتار ، وذهبوا به إلى ايرشكاكيل ، إلهة العالم الأسفل .
ترى أين عشتار ؟
وماذا تفعل الآن ؟
ورأتها ايلي بعيني بصيرتها ، وهي راقدة في فراشها ، يلفها الصمت والذبول ، رأت الإلهة عشتار ، بعد اختطاف تموز ، غاضبة ، منهارة .
لقد غيّب عنها تموز ، غيب زوجها وحبيبها ، غيّبه شياطين الكالا ، وأخذوه إلى أختها ايرشكيكال ، في العالم الأسفل .
فما العمل ؟
وسمعتها بعين بصيرتها ، تصيح بأعلى صوتها مستنجدة : ننشوبر .
وننشوبر هذا هو وزيرها المخلص ، جاء في الحال ، وقال : مولاتي ..
وحدقت عشتار فيه ، وهي لا تكاد تراه لشدة غضبها ، وقالت : سأذهب إلى العالم الأسفل .
وردّ ننشوبر يحذرها قلقاً : لا يا سيدتي ، إنه عالم لا تشرق فيه الشمس ، ولا يعود منه من يدخله .
وبإصرار تقول الإلهة عشتار : سأنزل مهما كلفني الأمر ، تموز في العالم الأسفل ، ولا حياة لي في الأرض دون وجوده .
ويصمت ننشوبر ، فتقول عشتار : حين أنزل إلى العالم الأسفل ، اذهب إلى آبائي الآلهة انليل وننا وانكي ، واطلب منهم أن يعيدوني إلى الحياة ، ويخرجوني أنا وتموز من العالم الأسفل .
فيقول ننشوبر بصوت تغرقه الدموع : أمرك يا مولاتي ، سأذهب إلى الآلهة ، وأنقل رسالتك إليهم .
ونزلت عشتار إلى العالم الأسفل ، حيث لا تشرق الشمس ، وحيث تشرق الشمس ، وقد غابت عشتار ، بدأت الحياة تذبل ، وتميل إلى الأفول .
وايلي نفسها ، التي ظلت في فراشها ، الصمت يلفها والذبول ، الريح ساكنة ، والشجرة لا تتحرك أغصانها ، والعصافير لا تزقزق ، والباب الخارجي نفسه ، ظلّ مغلقاً يلفه الصمت .
” 7 “
ـــــــــــــــــــــ
أشرقت الشمس هذا اليوم ، كما لم تشرق منذ أسابيع عديدة ، هذا ما هجست به ايلي ، وهي راقدة في فراشها ، وعيناها الجامدتان تتطلعان إلى أعماقها .
ربما كان ضوء النهار ، أكثر دفئاً وسطوعاً ، هذا ما أبصرته ايلي في أعماقها ، وما تسمعه الآن ، شيء آخر ، لم تسمعه منذ فترة طويلة .
وأرهفت سمعها المبصر جيداً ، الريح لم تعد ساكنة على ما يبدو ، إنها تهب محركة أغصان الشجرة ، وزقزقة العصافير ترتفع شيئاً فشيئاً ، يبدو أن لديها عرساً ، وهذا ما غاب فترة طويلة .
ماذا جرى ؟
لا يمكن أن يجري هذا ، وتموز في العالم الأسفل ، وهذا ما لا يمكن أيضاً أن يجري أيضاً ، وعشتار بعيدة ، مغيبة ، في العالم الأسفل .
آه إنه ننشوبر ، وزير الإلهة عشتار ذو الكلمات الطيبة الصادقة ، والآلهة العظام ، وخاصة الإله انكي ، وهذا ما تأكدت منه ايلي فيما بعد .
لقد أمر الإله انكي ، أن يُنثر على عشتار ، التي علقتها ميتة ايرشكيكال على وتد ، ماء الحياة وطعام الحية ستين مرة ، فعادت إلى الحياة .
وعلى الفور ، أخذت الإلهة عشتار ، زوجها الحبيب تموز ، وخرجت من العالم الأسفل ، إلى حيث تشرق الشمس ساطعة دافئة .
وأشرقت الشمس ، كما لم تشرق منذ أسابيع ، وعادت الحياة إلى مجراها السابق ، وكأن تلك الأيام والأسابيع السابقة ، لم تكن في يوم من الأيام .
وهنا دُفع باب الغرفة برفق ، ورفعت ايلي رأسها ، إنها ميزاتوم ، فبادرتها قائلة : خذي سلتك الخوص ، واذهبي إلى السوق .
وتوقفت ميزاتوم مندهشة ، على مقربة منها ، فتابعت ايلي قائلة : اذهبي ، والتقي بالقمر .
وابتسمت ميزاتوم حائرة ، وقالت : نحن في رابعة النهار ، يا سيدتي .
فقالت ايلي : أنا أعرف ، وأنت تعرفين ، قمر النهار والليل ، اذهبي بسرعة .
وبسرعة أخذت ميزاتوم سلته الخوص ، ومضت على عجل إلى السوق ، وبعكس الأيام المنطفئة الماضية ، كانت مشاعرها متوقدة ، تنتظر وتتوقع ما تحبه ، مع كلّ خطوة تخطوها على الطريق .
وعلى مقربة من السوق ، سمعت قمرها بصوته الدافىء ، يقول لها : طاب صباحكِ .
والتفتت إليه مبتسمة هذه المرة ، وردت قائلة : طاب صباحكَ .
ومال ريماني عليها قليلاً ، وقال : ذكرتُ سيدي الشاعر بما وعدني مرة .
وتوقفت ميزاتوم ، وعيناها متعلقتان بشفتيه ، تنتظر ما قاله الشاعر ، فتابع ريماني بصوته الدافىء الفرح : فقال أنا عند وعدي .
وصاحت ميزاتوم بصوت جعل بعض المارة يلتفتون إليها : أنتَ حرّ !
ابتسم ريماني ، وقال : إذا كنتِ تريدينني .
ومدت ميزاتوم يدها بشكل عفويّ ، وأمسكت يده مبتسمة ، وهي تقول : أريدكَ طبعاً .
وتلفت ريماني محرجاً ، وقال : ميزاتوم ، نحن نقترب من السوق .
فقالت ميزاتوم ، وهي تواصل السير ، ويده في يدها : ليعرف الجميع .. أنكَ قمري .
وفي فراشها ، داخل غرفتها المغلقة ، ابتسمت ايلي ، رغم أن شعورها بالوهن ، لم يزايلها تماماً ، فهاهي ميزاتوم ، التي تحس أنها ابنتها ، تسير وسط السوق ، ويدها في يد قمرها ، و ..
وسمعت طرقاً على الباب ، وأنصتت ملياً ، ونظرت جيداً بعيني بصيرتها الحادتين ، ثم شاعت ابتسامة فرحة ، في أعماقها ، التي بدأت الحياة تعود إليها ، كما لو كانت شابة في مقتبل العمر .
فها هي ترى عند الباب ، تلك الفتاة ، ومعها فتاها هذه المرة ، وتنهض ايلي من فراشها ، لتفتح الباب الخارجي ، وتبارك لهما سعادتهما ، التي رأتها منذ أن طرقت الفتاة الباب أول مرة .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *