هديّة حسين : في قصص جميلة عمايرة، المرأة تتسيّد

hadiya-5تنوع الأفكار، انشطارات الأنثى، لعبة الاختباء والتضليل، قتل الشخصيات مع سبق الإصرار والترصد، هذا ما يمكن أن نلخص به قصص جميلة عمايرة، وهي اسم متميز في القصة الأردنية والعربية، لها صوتها الخاص الذي لا يشبه الا جميلة عمايرة، صدر لها في القصة: صرخة البياض، الدرجات، سيدة الخريف، وحرب لم تقع، ولها رواية بعنوان بالأبيض والأسود.. وفي جميع أعمالها ظلت المرأة شاغلها الأول، المرأة المهمشة المطعونة في عواطفها وأنوثتها.

(سيدة الخريف) المجموعة التي نحن بصددها اشتملت على إحدى عشرة قصة، صدرت في العام 2013 عن وزارة الثقافة الأردنية ضمن مشروع الثقافة للجميع.
تضعنا المؤلفة في قصة “حامي بارد” وجهاً لوجه أمام جريمة قتل، حيث يقوم الأخ الكبير بقتل أخيه الأصغر، لم نعرف الأسباب أول الأمر، لكنها أياً كانت لا تبرر تلك الجريمة البشعة التي تحدث من دون أن تراق نقطة دم واحدة، مع أنها فعلُ قتل ! كيف؟ المؤلفة تتلاعب بمشاعر قرائها من خلال ما ترويه الأخت عن تلك الجريمة، والقتل مصير العديد من شخصيات جميلة عمايرة في منجزها الإبداعي، لأسباب متعددة ولوجهات نظر مختلفة، لكننا ونحن نبحث عن شخصية جميلة عمايرة وعن تكرار القتل في قصصها سنجد الإجابة من خلال حوار أجرى معها ونشر في (الجديد العربي) في نيسان 2015 إذ تقول عن أسباب هذا القتل (كل ما أعرفه أن في أعماقي حنيناً يشبه الانشداد الخفي الى شيء بعيد كان ذات زمن وفُقِد لأسباب غامضة، إذ كثيراً ما أستيقظ وأنا أهم بالقتل وليس من نقطة دم واحدة.. لذلك قتلت من أحب، وخلقت وجوهاً بملامح جديدة وأسماء مختلفة.. لم أحمل السلاح وأقتل، إنما لجأت الى الكتابة، ورحت أنحت ما أشاء وأخلق شخوصي الجديدة كما يطيب لي لأعود وأقتلها جميعاً)
ونعود الى قصة (حامي بارد) ونبحث عن مبررات القتل.. ليس ثمة أسباب واضحة سوى أن الأخ الكبير يشعر بأن العائلة تفضل أخاه الصغير، فيختلق المشاحنات تلو المشاحنات وينتهي الأمر بإطلاق الرصاص.jamila amaira
ومن خلال هذه القصة ندخل الى عالم الأخت التي تحكي لنا قصة القتل وتنحاز لأخيها الأصغر، فهي في نهاية عقدها الثالث، لم تتزوج، تعيش الوحدة داخل أسرتها، وتفاصيل كثيرة تكشف عورات مجتمعنا الذي يقوض حياة النساء فيفقدهن متعة الحياة.
وفي قصة (الرهينة) تسير امرأة عائدة الى البيت عند المساء، فتشعر بخطوات خلفها تتبعها، ثمة رجل يريد قتلها، رجل ليست بينها وبينه سابق معرفة، تسقط المرأة في حالة اضطراب وخوف نجحت الكاتبة في رسمها، لقد أصبحت رهينته، لكنها تتماسك في اللحظات الأخيرة، اللحظات التي يهجم فيها الرجل عليها، وتمسك بسلاحه، فيصبح هو رهينتها، إلا أنها لا تقتله، فبعد شد وجذب معه، وبعد أن رأت ضعفه وهو تحت رحمتها، تقرر أن تطلق سراحه، لأنها لا تريد أن تنتصر على رجل ضعيف.
بين الطفولة وغدر الرجل الذي تحب، تسعى بطلة قصة (يحدث أيضاً) لقتل حبيبها الذي خانها مع امرأة أخرى، فتأتي وتختبىء ليلاً مع أداة الجريمة تحت سلّم العمارة بانتظار عودة ذلك الحبيب الى البيت، وبعد اضطراب وعد أنفاس وظلام دامس تنفذ المرأة جريمتها بدم بارد.. لكنها تكتشف بعد موته بأنه رجل آخر فتهرب من المكان، وفي البيت، وبدم بارد أيضاً تلهو مع ألعابها كما طفلة.. وتتابع أفلام الكاارتون!
في يوم قائظ تماماً لم يمر مثله في البلاد منذ عشرين عاماً، لم تذهب المرأة المكتئبة في قصة (قيظ وقهوة باردة) الى عملها، فضلت البقاء في البيت، كانت تخطط منذ يوم أمس أن تدعو حبيبها الى البيت بغياب امها، يشربان القهوة معاً، تريه كل زاوية في البيت بما في ذلك غرفة نومها.. مر الوقت، حاولت القراءة فلم تفلح، خرجت الى البلكونة ثم عادت، ازدادت كآبة، لاشيء يبدد هذه الكآبة سواه، وضعت القهوة على النار، صبتها في فنجانين، شربتهما معاً، الوقت يمر ثقيلاً خانقاً، تنتظر مجيئه، لكنه لا يجيء.
ترمي جسدها على السرير فتحلم.. إنه يطرق الباب، تهرع وتدعوه للدخول لكنه يعتذر لأنها وحدها في البيت، ويختفي من أمامها فتستفيق، وحينما تنظر الى وجهها في المرآة لا تراها، بل ترى امرأة أخرى هي (زوجته التي لا يرفض الدخول لأنها وحيدة …. كما أنا الان) ص63kh jamila
في كل إصدار لجميلة عمايرة هناك أفكار جديدة وعميقة، فهي لا تكرر نفسها، لكن تبقى قضية المرأة هي المهيمنة على قصصها، المرأة المستلبة التي لا تحظى بفرصتها الحقيقية برغم الجهد الذي تبذله، تجد لها صدىً في قصص جميلة عمايرة حتى وإن ارتكبت الخطايا.

شاهد أيضاً

تجلّيات اللغة في القصيدة السرديّة التعبيريّة
التعبيرية القاموسيّة
غافلة .. للشاعرة “عائشة أحمد بازامة”/ بنغازي–ليبيا
بقلم: كريم عبدالله

يقول سركون بولص : ونحن حين نقول قصيدة النثر فهذا تعبير خاطىء , لأنّ قصيدة …

شوقي كريم حسن: نجاة عبد الله….قصة الشعر!!

*هل يولد الشعر من رحم القهر الاجتماعي الذي يرافق الانسان منذ لحظات الاكتشاف الاولى حيث …

بلقيس خالد: إنطباع أول : رواية (هذيان / أيام فرناندو بيسووا الثلاثة الأخيرة)

ربما مَن لم يقرأ بيسوا، سيكون عمل الروائي أنطونيو تابوكي في روايته (هذيان) عملا ً …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *