آخر الأسرار.. كواليس التّركيب (قراءة في رواية لمحمّد الغزالي)
بقلم حسن سـالمي

hasan salemiإشارة
ليس من طموح هذه القراءة أن تصنع مقاسا على النّص، حتّى إذا فارقته وانتهى دورها، دخلت غياهب النّسيان.. تحاول في جملة ما تحاول أن تفتح بابا في الرّواية يطلّ بنا على أرض مشتركة قابلة للضّبط والتّحديد، آمل أن تفضي بنا إلى نتائج محدّدة، يستفيد منها هذا النّص، مثلما تستفيد منها نصوص أخرى وتجارب أخرى..
بتعبير آخر لن تفتّش هذه القراءة في ضمير الرّواية ونواياها.. ولن تجعل أولوياتها في مناقشة دلالاتها والرّسائل التي توجّهها إلى المتلقّي.. ليس لعدم أهميّة هذا الجانب، إذ يظلّ هو الرّوح التي يستمدّ منها النّص حياته واستمراره.. إنّما لغاية منهجية، لعلّ أوكدها الاستفادة أكثر ما يمكن من الوقت الممنوح لهذه المداخلة.. ذلك أنّ عالم الأفكار والدّلالات، عالم واسع بلا شطآن، خوض غماره قد ينزاح بنا إلى أرض متحرّكة، ليس من السّهل أن نخرج منها.. من هنا اختارت هذه القراءة أن تركّز أساسا على الطّريقة الرّوائية التي توخّاها النّص في تبليغ معانيه، لا على معانيه في خدّ ذاتها.. سنحاول الدّخول إلى ورشته السريّة، لنتعرّف من قريب إلى الأدوات التي صنع بها عالمه.. عالم آخر الأسرار…
عرض النّصّ:
قد لا تشدّك هذه الرّواية كثيرا.. وقد تقرأ بعض أسطرها ثمّ تمرّ عليها مرور الكرام.. لكنّك إن أمعنت النّظر فيها لاحظت جمالها المستتر، الذي يتأبّى عن المساحيق وأدوات الزّينة.. إنّها كامرأة لا تفتنك لمجرّد أن تنظر إليها.. لكن ما إن تخالطها وتتعرّف على همومها حتّى تنقلب إليها معجبا.. ومن ثمّ يبدأ اكتشافك الرّصين لسجاياها..
امتازت هذه الرّواية بتعدّد خيوطها وتشابكها وتمازجها، وانتشارها على جملة من الثنائيات، لعلّ أهمّها ثنائيّة الرّمز والواقع.. وإذا كان البيّن فيها قيامها على حكاية رحلة قام بها رجل حالم أسوة بأجداده القدامى، عندما كانوا عشّاقا للمعرفة واكتشاف الحقائق.. فإنّها أيضا قامت على محاور كثيرة، حسبي أن أذكر منها مراهنتها على تعددّ الشخوص التي كاد كلّ منها أن يحتلّ محورا بمفرده.. كل شخصيّة لها حكايتها الخاصّة ومسارها المستقلّ.. تتباين حينا، وتلتقي حينا آخر في الأحلام وعذاب الغربة والإحساس المشترك بالمصير..
وكما بدأ الكون برتق ثم تفتّق إلى هذا العالم، بدأت آخر الأسرار.. إلاّ أنّ إرادة هائمة على وجهها قادتها الصّدفة إلى رسم صورة بالحاسوب،لم تلبث أن تلقّت نفخات من روح الحلم، فانفجرت إلى تلك الخيوط التي كنت أحدّثكم عنها:
علاقة العربي بالآخر.. نظرة الآخر إليه.. إسرائيل تلك الشّوكة العالقة.. الوضع العربي المتردّي ونظرة بعضنا إلى الإسلام.. هبوب رياح الحبّ مع صقيع الغرب.. تناقض الذّات العربيّة و تمزّقها.. رمزيّة اللّقاء العاطفي بين “السّندباد” العربيّ و”ألبان” الاسبانيّة ودلالات أخرى كثيرة.. إلاّ أنّ سؤالا يظلّ عالقا بذهني كلّما قرأت نصّا من النصوص.. هل استطاع فعلا أن يحمي نفسه من النّسيان، وهل خبّأ بين طّياته دواعي البقاء؟…mohammad alghazali
خطّة النّص.. الممكن والمستحيل
الحركة والسّكون، الثّابت والمتغيّر، الواقع والرّمز، الرّاهن والحلم، وثنائيّات أخرى قام عليها النّص، استعارة ولا شكّ لروح تلك السنّة الكونيّة التي نهض عليها العالم.. وأن يضع المبدع يده على سرّ من أسرار الخلق، قصد تفجيره واستثماره يعدّ في حدّ ذاته مكسبا مهمّا.. لكنّ اكتشاف المنجم لا يعني بالضرورة انتهاء الرّحلة معه، مادامت خباياه ملفوفة بعد في دهاليز الغيب والمجهول.. فهل استطاعت آخر الأسرار تفجير السرّ تفجيرا يضيف إلى النّص، ويكسبه ميزة خاصة ؟
ألاحظ أنّ ثنائيّة الحركة والسّكون – مثلا- حضرت في النّص بشيء من الثّقل والرّتابة.. بل طغى السّكون على الحركة، فإذا سواد الرّواية يقوم على موت الحدث وتباطئه دونما وظيفة تجمّل الّنص، وتفتح في وجهه أسئلة ذوقّيه وجماليّة طموحة.. ذلك أنّ استثمار القوانين والمبادئ أنّى كان مصدرها، يستوجب إعادة التّشكيل بما يناسب الفنّ الذي نمارس، وإلاّ فقد الأخير سمته وبصمته، وضاع في زحمة فنون أخرى تشاركه الاستلهام من تلك المصادر..
وإذا كان للسّكون وظيفته – وهو في نظري الاستثناء الذي يؤكّد القاعدة من حيث أنّ الحركة هي الأصل- فإنّه من الضّروري أن يُصحب بتعدّد الأدوات والتّقنيات وطرائق التّعبير.. ويقدّم بلغة مجاوزة للمعتاد، تستلهم من الشّـعر طرافته وجماله وإشعاعه..
فهل وفّقت آخر الأسرار في إحداث تلك المعادلة ؟
من جهة أخرى ألاحظ أنّ النّص حين تناول ثنائيّة الواقع والرّمز، أقامهما على جسر فد يقنعك حينا، لكنّه يجعلك تقف أمامه طويلا.. فأن يصنع حدثا وفق منطق الواقع، ثمّ يجعل له ضلاّ يجوز إليه التّأويل وهو يضع بين أيدينا بعض المعطيات، كرحلة “السّندباد” في زمن الهزائم والانكسارات، وكعلاقته العاطفيّة “بألبان” فإنّه هاهنا يصنع رمزا غير عصيّ عن الفهم، وما على المتلقّي إلاّ أن يكمل بناءه على ما يراه.. وهو من هذه النّاحية يجنح إلى أسلوب شائع لا غبار عليه.. لكن أن يتحوّل النّسر كصورة.. مجرّد صورة ولدتها فأرة الحاسوب أثناء حركتها العشوائية إلى مغيّر لمصائر الشّخوص، ودافع لها على الخوض في غمرة الأهوال عبر فيافي العالم و وهاده.. فإنّي هاهنا أسأل عن طبيعة الرّمز أساسا..
هل هو الأصل أم هو الظّـل ؟
أعتقد أنّ الرّمز لن يكون إلاّ ظلاّ مهما تعدّدت مداراته.. قد يختلف عن الشّيء الذي انعكس منه في الامتداد والشّكل.. لكنّه يظلّ تابعا لحركته ولقوانينه التي نهض عليها..
بعبارة أخرى.. الواقع لا يتغيّر إلاّ بقوّة من جنسه، ويظل الفنّ يؤثّـر فيه من حيث تفسيره له، والعمل على تعريته وكشفه و فضحه والإشارة إلى مواضع عافيته ودائه.. أمّا تغييره وتحويل مجراه فمنوط بمعادلات أخرى أكثر حسما وصرامة..
الرّاوي.. ذلك الظلّ.
غالبا ما كان يتصدّر كلّ فصل من فصول الرّواية.. يمهّد تمهيدا وجيزا، ثم يتوارى ولا يظهر إلاّ كما يظهر البرق، ينير زاوية ما، ثمّ يختفي، ثم يعود كرّة أخرى.. تطغى عليه صفة العلم المطلق، ويتميّز بإدراك الأشياء وغاياتها، مطّلعا على ظاهرها وباطنها وتفاصيل حركتها الصّغيرة والكبيرة.. إلاّ أنّه أحيانا ولسبب غامض ينقلب إلى راو متكلّم.. ولا أقصد في هذا المقام، الفرصة التي تتاح للشّخوص حتى تعبّر عن مكونات ذاتها بأنفسها، فذلك ممّا يحسب للنصّ، إذ يلعب المونولوج دور التّخفيف من سلطة الرّاوي لحساب سلطة الشّخوص.. إنّما المقصود ظهور الرّاوي المتكلّم فجأة، بعد أن انقلب على ذاته العليمة المحيطة بالأشياء.. فهل هذا دليل على أن النّص كان يحكمه عفو الخاطر أكثر ممّا يستند إلى التّصميم المسبق؟
وهل كان ذلك من قبيل تعديد الرّواة؟
عموما لا بدّ أن أسجّل أن الرّاوي ليس مجرّد أداة للتّعبير، لا يفرق معه تبديل الضّمائر، يخضع إلى المزاج أكثر ممّا يخضع إلى الضّرورات الفنيّة.. هو زاوية ينظر منها السّرد إلى ناحية معيّنة على حسب الوظيفة التي يتطلّبها الموقف.. من أجل ذلك كان تعدّد الرّواة ضروريا في الفنّ الروائي، ضرورة اختلافها في الطّبائع والخصائص والأدوار والسّلطات والمساحات التي تنبغي لها.. قد تتجاور وتتقاطع وتتدافع وتتكامل.. ولكن لا تخرج عن ذواتها ولا تذوب في ذوات أخرى..
وبالعودة إلى النّص.. إلى الفصل الخامس على سبيل المثال، نلاحظ أنّ الرّاوي كان عليما في البداية، محيطا بأجواء وظروف الشّخصية وعالمها الدّاخلي، لكنّه انقلب فجأة إلى راوٍ متكلّم دون وظيفة تذكر، إلاّ الإشارة إلى أنّ الزّائر هو أحد الأصدقاء الغامضين.. ما يهّمني هنا، أنّ الرّاوي المتكلّم ليس بمقدوره أن يحيط بالأشياء إحاطة كاملة مثلما يحيط بها الرّاوي العليم.. ليس له إلاّ أن يقف على ظاهرها، ولا يلج إلى الخفيّ إلاّ ما كان من ذاته.. ولا ينقل إلاّ ما سمع و رأى..
اقرأ مثلا ما جاء في الصّفحة (29): ” قاطعته أنا أشدّ على يديه:
– إلى اللّقاء.
– إلى اللّقاء القريب.
وعاد إلى الشّاشة يدندن بمقطع أغنية…”
فكيف علم الراوي المتكلم – وهو شخصيّة من الشّخوص- بعودة صديقه إلى الشّاشة، وبالأغنية التي دندن بها، وبالدّموع التي فاضت من عينيه عندما تذكّر قريته بجدرانها القديمة؟ كيف علم بذلك وقد غادره ووعده باللّقاء؟

الحوار وطغيان السّلطة..
لا شكّ عندي أنّ الرّواية حاولت أن تعدّد من طرق تعبيرها، وأن تجد لنفسها فضاءات متنوعة.. إلاّ أنّها راهنت على الحوار أكثر مما يجب، وحاصرت طرائق تعبيرية أخرى ولم تستفد منها.. لقد كان الحوار يحتلّ فيما أقدّر أكثر من سبعين بالمائة من مساحة الرّواية، في حين كانت مساحة السّرد محدودة عموما (باستثناء بعض الفصول كالفصل 19)..
لقد ناب عن السّرد في أدوار عديدة.. قدّم الشّخوص وأطّر زمانها ومكانها وأحداثها.. ووصف عالمها وصوّره، وافتكّ أدوارا وسّع بها من سلطته ونفوذه.. ممّا أفقد النّص بعض التّوازن والجمال، وأربك مساحاته وأوقعه في هنات سآتي على ذكر بعضها سريعا.. لكن قبل ذلك أحبّ أن أشير إلى أنّ النّظام الذي يقوم عليه النّص، شبيه بالنّظام الذي تقوم عليه الدّولة.. ومن ثمّ فهو إمّا أن يكون نصيرا لنظام يقوم على الاستبداد والتعسّف وانحصار الفعل في جهة واحدة.. وأمّا أن يكون مبشّـرا بنظام جديد يحدث توازنا بين مكوّناته، و يؤمن بالاختلاف والتعدّد وتقاسم الأدوار والتّداول على عروة الحلّ والعقد.
أعود الآن إلى آثار الحوار في النص و اكتفي بذكر النقاط التالية:
• فقدت اللّغة أحيانا توهجّها وقوّتها وطرافتها وقدرتها على التّحليق، واقتراب كثيرا من العاميّة.. ذلك أنّ الحوار لا يستطيع أن يستوعب جنون اللّغة وسحرها، لارتباطه الوثيق بطبائع الشّخوص وظروفها، واستمرار ذلك في النّص عرّضها إلى الذّبول وافتقاد البريق..
• عطّل حركة الرّاوي، ومنعه من التعدّد، وحرمه من التحرّك في مساحاته المشروعة، وحوّله إلى مجرّد ظلّ في بعض الأحيان.. ومن ثمّ انحصرت مساحة السّرد وفقدت قدرتها على الابتكار وتقديم أدوات وتقنيات أخرى، مناخ الرّواية عموما قادر على استعابها.
• غيّب ملامح الشّخوص الخارجيّة -أو على الأقل السّواد الأعظم منها- ممّا أدّى إلى تداخلها واختلاط أصواتها.. ووفرة المطّـات كعلامة بداية الحوار دليل على ذلك.. انظر مثلا الصّفحة 42-43
• أوقع النّص في الرّتابة، وبعث على تعطيل خيال القارئ، وحرمه من توليد الصّورة وتأليف ما هو مواز للرّواية..
• أدّى طغيانه إلى اختناق أسلوب الكتابة، ممّا جعله يميل إلى الطّول نسبيّا في بعض الأحيان، على اعتبار أنّه الوسيلة الوحيدة للتّعبير، ولا يوجد غيره لإستعاب الخطاب.
الشّخوص.. الضّباب والتّـشظّي..
كنت قد ألمحت إلى أنّ الشّخوص فقدت ملامحها نسبيّا، نتيجة انسداد بعض أبواب السّرد في وجوهها، لكنّ ملامحها الدّاخليّة كانت على قدر بيّن من الوضوح.. فكأنّ الرّواية من خلال إنشائها هذه المفارقة أرادت أن تبرق إلينا بانتصارها للجوهر على حساب الشّـكل.. وهنا أفتح قوسا وأسجّل أنّ الشّكل ليس مجرّد ترف فـنّي، غيابه لا يؤثّر على نسيج الرّواية في عمومها.. ففضلا عن أنّه الأرض الخصبة التي تحتاج إلى مزيد البحث والحفر.. وفضلا عن أنّه البوّابة الأولى لخلفيّة النّص، والمؤتمن على رؤيته للعالم.. فإنّه أيضا الضّامن الأساسي لهويّته، والقائم على عدم ذوبانه في زحمة فنون أخرى وطرائق تعبيريّة كثيرة، ما انفكّت تتوالد وتتناسل وتنتشر مع انفجار وسائل الاتّصال الحديثة..
ولأنّ الرّاوي كان يدير سلطته باحتشام بالغ، فإنّ الشّخوص استطاعت أن تتفرّد بسلطة طاغية، مكّـنتها من الحضور والاستحواذ على أغلب مساحات النّص.. ولقد تميّزت بالتّباين فيما بينها من حيث ملامحُها الدّاخلية، إذ كان لكلّ شخصيّة منها همومها ومشاغلها، إلاّ أنّها كانت تلتقي جميعا في دائرة واسعة، عندما يتعلّق الأمر بالجرح العربيّ والمصير المشترك، ونحوهما.. فهل نفهم من هذا إشارة ما؟
أمّا من حيث وظائفها الفنيّة فلقد كانت تسلّط الضّوء على ذواتها، وعلى بعضها بعضا.. ثمّ تلتقي جميعا على إضاءة جوانب من شخصيّة البطل الرئيسيّ للرّواية، ورحلته التي قام عليها النّص وبشّر بها العنوان من البداية..
وما لفت انتباهي أنّ عددا من الشّخوص “كألبان” و”السّندباد” – مثلا – كانتا تقدّمان على مكث بأسلوب برقيّ سريع.. لمعة فاختفاء.. ثـمّ لمعة فاختفاء.. ومضات قصيرة خاطفة متناثرة، تحرّض الذّهن على إطلاق الخيال، وتوليد الصّور، وإحياء النّص بتعدّد قرّائه على اختلاف طاقاتهم ومشاربهم..
من جهة أخرى لاحظت أنّ أغلب الشّخوص لم تستكمل حظّها وافرا من جانبها الخارجي.. بل أنّ وفرة المطّات (كعلامة لبداية الحوار) واطّـرادها المستمرّ من دون تدخّل السّارد، جعلها تتداخل فيما بينها تداخلا دمّر ملامحها، واختزلها في مجرّد جوقة من الأصوات تنبعث من منا وهناك.. ولقائل أن يقول: إنّ التّـشظّي والتفكّك وما ينتج عنهما قيمتان جميلتان، يلجأ إليهما التّـجريب لإكساب النّص مذاقا خاصّا وجمالا مختلفا.. هذه كلمة حقّ، ولكن لا تنطبق على شخوص رواية آخر الأسرار.. ذلك أنّ همومها ومشاغلها وأحلامها ليست على تلك الحدّة التي تجعلها تنفجر وتتحوّل إلى شظايا أو إلى أصوات وأطياف..
التّـصوير والسّرّ الضائع..
بلغ التّصوير درجة متقدمة من الإبداع.. كرسم المشهد الرّومانسي الذي جمع بين “غريب” و”ألبان” في الفصل (12).. لكنّه في أحايين كثيرة تنازل عن تألّقه وجنح إلى المباشرتيّة والاختزال، وركن إلى الكسل والشُحّ رغم سناحة الفرصة.. فرحلة البحث عن السرّ، نالت من الرّواية اهتماما بالغا، وشكّلت منها مغزلا رئيسيّا دار حوله غزلها. إلاّ أنّ هذا الجانب منها كان أميل إلى التّقرير والإخبار.. وهاهنا أسجّل مرّة أخرى أن المباشرتيّة بوجوهها العديدة ليست هي القاعدة في الفنّ عموما، وفي فنّ الرواية خصوصا.. تظلّ دائما الاستثناء الذي يؤكّد القاعدة، لا تستمدّ شرعيتها إلاّ من وظائف محدّدة يقتضيها المقام.. فأن يقول المبدع مثلا: الوردة جميلة، فحينئذ لا يختلف عن غير المبدع في هذا التوصيف.. لكن لو أحسن رسم جمال الوردة وأحال الاستنتاج إلى القارئ دون أن فرضه عليه أو يصرّح له به، فثمّة يكمن تميّـزه.. وربّما تفرّده وإبداعه..
كان يمكن لآخر الأسرار أن تستعين بتقنيات السّينما العديدة، وتنفتح على عالمها السّاحر في هذا الجانب وغيره…
إضاءات
• فجائية ظهور الشّخوص1 في نسيج الرّواية وضبابيّة الأماكن وتشابه المواقف أدّى إلى تعتيم النّص تعتيما مربكا للفهم، ملبسا على تلمّس الخيوط.. فهل من وظيفة فنيّة أو دلالية وراء ذلك؟
• الرّوابط بين بعض الشّخوص كانت تكتنفها شيء من الغرابة.. أنظر مثلا الفصل (8) عندما أصيب فارح ودخل في حالة خطيرة كيف قابله أصدقاؤه بعدم الاكتراث، إذ استمرّوا في سمرهم حتّى النّهاية، وتأخّروا عن الوقوف معه في الإبّان.. فعل هو التـّضاد مع منطق الأشياء..أم هو الإشارة إلى خيط ما ؟ وهل سكوت النّص عن إبداء موقفه من هذا الجانب وما شابهه، هو نوع من ألاعيب السّرد، أم هو إخفاق في التّـوظيف؟
• ألاحظ أنّ الصدّفة لعبت أدورا مهمّة في أكثر من موضع.. و ترتّب عن الحادث الذي ولد من رحمها محورا جوهريّا، حوله دار غزل الرّواية ونسيجها، كولادة النّسر مثلا على شاشة الحاسوب و كالتقاء غريب “بألبان”.. فهل تكرر الصّدفة والتّـعويل عليها هو من قبيل النّفخ في رماد الأيدلوجية..إذا كان الجواب نفيا، فهل هو الدّليل على أنّ خيوط الرّواية كانت خارج السّيطرة.. وإذا كان الجواب إثباتا، فهل ترون معي أنّ الأيدلوجية مهما كان لونها ووجهها هي مشنقة للإبداع ؟
• الوصف، كان يقوم على التّهويل والمبالغة عندما يتعلّق الحديث بالنّسر الملكيّ.. الحلم مثلا ص (8) هل هو التّـشويق المجانيّ لشدّ الانتباه.. أم وراء ذلك وظيفة لا تلحقها إلاّ أعين الخبراء؟
• تميز الحوار بالانزياح في كثير من المواضيع.. ويحمد للنّص أن اعتمد هذه الوسيلة،إذ تمكنّه من تعديد أغراضه وتدويلها تدويلا متدرجا، هي أشبه بدفقة الضّوء، تنطلق حزمة أشعّتها في وقت واحد، لكنّها تنتشر قي نواحي كثيرة..
• جاء على هامش الرّواية ” بدأت كتابة هذه الرّواية يوم 10 جوان 2001 وانتهيت منها يوم 4 فيفري 2002″ أي أنّ مدّة خروجها إلى الورق استغرقت سبعة أشهر ونيفا.. ومع اعتبار فترات الانقطاع عن كتابتها، فإنّ السّؤال هنا يكون ضرورياّ.. ماذا لو تأخّرت كتابة آخر الأسرار لفترة أطول.. أكانت كما هي عليه الآن؟
وأخيرا
الرّحلة مع هذا النّص كانت مرهقة وممتعة في نفس الوقت.. وما شدّني حقّـا قدرته على إثارة الجدل في بعض القضايا الفنيّة.. ممّا زرع في رأسي شبكة معقّدة من الخيوط، تطلبت منّي زمنا لفكّها، فكان مثلي في تجنّب ظلمها والتّجنّي عليها، كمثل الماشي في أرض ملغومة.. فهل وفـّقت و نجوت؟
عموما أضاف لي هذا الأثر الكثير.. واستطعت أن أقتبس من عالمه ما يعينني على الرّحلة.. فرحم الله مبدعها الدّكتور محمّد الغزالي.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فراس حج محمد : رغبات ذاك الخريف [*] رغبات مكبوتة وأحلام قتيلة في واقع مرير.

لم أقاوم نعاساً جريئاً صادماً بعد انتهائي من قراءة رواية “رغبات ذاك الخريف” للكاتبة الأردنيّة/ …

| جمعة عبدالله : وجع  الاغتراب  في المجموعة الشعرية “إمرأة من كرزٍ وعسل” للشاعرة ذكرى لعيبي.

التجربة الذاتية التي تنطلق من صدق أحاسيس  الوجدان , بدون شك انها تلعب دوراً هاماً …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *