الرئيسية » مقالات » عادل علي عبيد : سامي تومان ، سيرة بحجم الامل *

عادل علي عبيد : سامي تومان ، سيرة بحجم الامل *

adel-ali-obaid*الورقة التي قدمت لمناسبة الذكرى التابينية الثالثة للفنان الراحل سامي تومان

منذ وعينا المربدي الاول كنا ننشر ذلك النظر المُسّمر الى اللاشيء ، ونتغالى من اننا كسرنا عقدة اقليدس التي تؤكد ان الخطين المتوازيين لا يلتقيان ، ولكننا وبفضول وفورة الطفولة المتأرجحة بين التحدي والاستجابة لمحنا اشراق ذلك اللقاء البعيد الذي تحدد في نقطة التلاشي التي ضمها ذلك الافق المنطبق ، حينها سلمنا ان القاعدة لا تخلد مادام شغف البحث قائما فينا . كان ذلك الحلم الرملي الاول يعيد علينا حقيقة تلك البداوة التي تتلبسنا نحن المهووسون بالصحارى ، المغرمون بالكثبان التي تحيطنا ، فكانت كل العابنا وهواياتنا صحرواية النزعة وكذلك ثقافتنا وحبنا للمطولات وملاحم الشعر واسفار الادب واراجيز القريض ومعلقات الشعر .. كل ذلك كان يحدث على الرغم من المحاولات التي بذلها المهندس الانكليزي جونتس الذي اشرف على بناء محلتنا الحالمة في العام 1952 تيمنا بنقل تجربة احدى احياء مدينة لستر سيتي ، ومحاولاته الحثيثة لإضفاء الطابع الانكليزي على هندسة وبناء بيوتاتنا ذات الطراز الغريب . حتى ان وشم الرجل ما زال قائما في اسيجة تلك البيوت التي كان الزبيريون ينعتونها بالمقابر ، ولكنه اصر من خلال نائبه الحازم جون كركجي على ان يوزع قاعة للسينما الصيفي والشتوي وملعبا لكرة القدم وآخر للتنس ومضمارا للألعاب وحوضا للسباحة و شوارع منحها تسميات شبه شاعرية مثل : شارع الزيتون والشجرة والفرح والقرنفل.. والزمنا نحن الاطفال بالتهندم والتأنق القسري مجارات لأقراننا من المسيح الكلدان الموصليين والاكراد القادمين من اربيل وزاخو والتركمان الكركوليين الفيليين والعمارتليين القادمين من حقل البرزكان والحلفاية الذين جمعهم ناد ترفيهي توزعت في اروقته آلات الارغن والاوكرديون والجيتار الحر ، وتكون ذلك النسيج الغريب في محلة صغيرة جدا اجتمع بها اهل العراق ، بل اجتمعت بها ثقافات العراق فكانت علاقاتها تصطدم بتقاليد اهل الزبير الذين اطلقوا علينا لقب الانكليز .sami-toman
ضمت مكتبة نادي المربد الترفيهي العامرة كبرى الروايات العالمية والعربية فلطالما جالت ابصارنا وسحنا وتهنا وحلقنا في عوالم فكتور هيجو وهمنغواي واوسكال وايلد وبوشكين وبلزاك وشتاينبك ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم والعقاد والمازني وسلامة موسى ، بل رحنا نتسابق على قراءة الاعمال الكاملة لفيودور دستويفسكي وتولستوي واندرييف ولوكاش ومحمد عبد الحليم عبد الله وذو النون ايوب وفؤاد التكرلي ، وكنا نتبارى بعرض شخصيات جان فالجان والسا وجاتسبي العظيم وسي السيد ونعرضها في ساحة النقاش وحلبة الحوار ومضمار الجدل .. وعرضت سينما المربد كبرى الافلام العالمية التي عرفتنا على المخرجين والممثلين وشركات الانتاج والتوزيع والتسويق السينمائي وكبار المترجمين.. فكان الواحد منا يؤلف موسوعة سيمية لا تجارى ، وتكونت في ذاتنا الجمعية بدايات التوق الى صناعة النص والتمرد عليه ونشر الابداع والاجهاز على تراتبية المتن وتفعيل الوجدان بطرق ادبية متفاوتة ، فأقام الاستاذ مجيد الكعبي صالونه الادبي اليساري على الهواء الطلق مستقطبا الشعراء والادباء ، وعقد حلقات الحوار والاماسي التي توالى على احيائها نجم عبد الله وصباح شرهان ومحمد علي وفاضل حسن غيلان .. وعقد البعثيون والفاطميون وحزب الدعوة والمستقلون تجمعات ومنتديات مناهضة ومعارضة ، الامر الذي شجع مجموعة من الشباب على تقليد او تقمص بعض من تلك التجارب وكان من ابرزهم الراحل المحتفى به والفنان القدير الدكتور كريم عبود والفنان ناهي عبد السادة مهدي ونجم عبد شهيب وطلال خشان وعضيد حسين وسعد الثعالبي وصباح كامل حسن ومحمود شاكر كنوش وآخرين ، في وقت نشطت فيه فعاليات فرقة مسرح الزبير بزعامة الرائد الكبير الفنان حسن العنزي وجودي خميس وعبد الرضا صكبان وصولا الى ابداعات الفنان القدير الدكتور عبد الستار عبد ثابت وفلاح شاكر وكفاح محمود عبيد وآخرين يطول المقام بذكرهم ، وهكذا انصهرت التجربة الغضة لفناني المحلة مع الاساتذة الرواد في الزبير، الامر الذي شجع على انبثاق فرقة المسرح في المربد والتي احيت مجموعة من الفصول المسرحية المتواضعة في مناسبات الاعياد وعيد العمال العالمي وراحت تلازم سفرات الاثل التي تنظمها نقابة النفط وتحرص عليها ، فتخطت حدود المحلة الى مسارح الفاو وبورت كلاب والعشار وتداخلت المناظرات النقدية التقويمية لصالون المربد الادبي الذي كان حريصا على تهذيب وتقويم هذه التجربة التي حاول من خلالها تمرير بعض اهدافه وهو ما تجسد فعلا بمسرحية ( نمثل بلا خوف في قطار الجوف ) التي ادخلت الفرقة ضمن دائرة الرقيب السلطوي ، حقق الراحل بعدها مسرحيات ناجحة مع المبدع كريم عبود من خلال نجاح (مسرحية بائع الدبس الفقير ) ومسرحيات اخرى معنية في القضية الفلسطينية . لكن الحدث الاكبر الذي اذكره هنا هو ان دائرة السينما والمسرح حلت ضيفا على محلتنا لإنتاج فلم الباحثون واتذكر ان كبار نجوم المسرح والسينما العراقية توالوا على الحضور الى مركز المحلة الترفيهي وحققوا علاقات ومقاربات مع مثقفي المحلة وادبائها ، واتذكر من اننا كنا نعقد جلسات حوار ومناظرة مع كبار النجوم تصل حتى ساعات متأخرة من الليل الامر الذي اذهل أولئك النجوم وهم يجدون نزعة فنية حملها شباب المحلة تحدثوا عنها باسهاب وتحروا اسبابها ومنابعها ، وهنا اتذكر موقفا مر بي شخصيا فقد كنت في حديث عام مع الدكتور سعدي يونس وكان رجلا مؤدبا ورصينا ، لكنني استوقفته مرة قائلا : اولم تكن ابن يونس بحري الذي اعتمده ادولف هتلر في تفعيل اعلامه وكان مؤسسا رائدا لإذاعة مونت كارلو ؟ فاحتضنني وقال لأول مرة يطرح علي مثل هذا السؤال ، ولقد جبت مدن كثيرة وخضت نقاشات وحوارات ، ورد علي ولكن كيف اهتديت الى هذا الامر ، قلت لقد قراءة مذكرات يونس بحري باجزائها الستة . اقول : استثمر الراحل سامي تومان وبعض الفنانين من مجاليه هذه اللحظات ليفيدوا من عمل الفرقة البغدادية ويعملوا معها بالمجان من اجل الاستزادة والخبرة ، وتحققت فعلا ثمار تلك الخبرة وترسخت اوليات احداثها وغرة توجهاتها الامر الذي اتذكره باعتزاز من ان الراحل راح يطور ادواته المسرحية ويزورني لأعيره كبرى كتب المسرح لبرخت وستانسلافسكي وستندبرغ وجميع مسرحيات شكسبير ، ولا انس انه جاءني يوما مذهولا وقد اتم قراءة مسرحية الزنزانة للسيد الشوربجي والتي ولف على غرارها مونودراما اخرى مثلها بالفعل . من هنا انطلقت اهتمامات الراحل بخوض فعالية المسرح بمهنية وهمة استثنائية فعاش فيه وتغلغل بكيانه واصبح شغله الشاغل ، حتى اتذكر من انهم اقاموا مسرحا رمليا في الصحراء المجاورة للمحلة واصبح مكانا وشاخصا ومحجا لتلبية رغباتهم في فضح القول الممنوع وما لم تجزه السلطة في حينه ، فكانت جل مسرحياتهم موليرية النزوع وكوميدية الهوية لكن سامي كان معارضا لأقرانه في خوض المسرح الجاد وفعلا نجح ونقل المسرح المربدي من مشهده التهريجي الى المشهد المونودرامي الجاد الذي ابتدأ بمسرحيات رصدت القضية الفلسطينية بأسلوب تحفيزي ، وفعلا عرضت هذه المسرحيات وهي لا تتعدى ثلاث مسرحيات في مناسبات يوم العمال وعيد الاكراد وكان لدور الاستاذ الفنان كريم عبود اثره الواضح في هذه الانعطافة ليتكلل ذلك الجهد بالعمل المسرحي الناجح والجريء (نمثل بلا خوف في قطار الجوف) مع نخبة معروفة من فناني الزبير ، لكن المسرحية لم تنج من مجسات واعين السلطة الراصدة الامر الذي جعل سامي في دائرة الرصد والمراقبة ولكنه توج تجربته الجادة بمسرحية (بائع الدبس الفقير) لسعد الدين ونوس مع المبدع كريم عبود وآخرين . انتقل بعدها سامي وبعد تعيينه في وزارة التربية الى المسرح المدرسي حيث احيا مجموعة من الفعاليات والانشطة المسرحية الخاصة بإعداديات الصناعة حتى ان واحدة من مسرحياته قد حصدت جوائز معروفة ، فضلا عن مشاركته بكل المواسم المسرحية التي اقامتها نقابة الفنانين في البصرة والفعاليات المستقلة التي اقامها الفنان الراحل يعرب طلال والمواسم المسرحية لكلية الفنون الجميلة بجامعة البصرة ومعهد الفنون الجميلة في البصرة .
يحسب للراحل سامي تومان انه في مرحلة يصعب فيها ان يلتقي المثقفون بمكان فتح محله الخاص بتصليح المسجلات معرضا نفسه لتساؤلات وشكوك السلطة ورقيبها فكان محله ملتقى الادباء والفنانين والشعراء والموسيقيين وبقي هذا الدكان الابداعي يستقطب مجتمع الزبير المثقف حتى انني اودعت اكثر خمسمائة نسخة من كتابي المعارك البحرية في الاسلام والذي طبع على نفقة اكاديمية الخليج العربي للدراسات البحرية وقدمه الي المؤرخ الراحل حامد علي البازي تورط الراحل بتوزيعها شخصيا . ولم انس ان هذا الصالون الادبي قد احيا سلسلة طويلة من اللقاءات والحوارات على الرغم من مساحته المتواضعة ، واتذكر هنا حديثا مطولا للأستاذ الدكتور عبد الستار عبد ثابت عن شخصية ابي حيان التوحيدي ومحاضرتي مقدمة في الاقيونوغرافيا وبعض الدروس الموسيقية التي قدمها الصديق احمد منصور ..كما وانطلقت من هذا المكان مسابقات في القصة والمسرح والقصيدة وكان طموح الراحل ينحصر في تأسيس اذاعة ميدانية محدودة البث وهو ما يعزز تخصصه الفني الالكتروني الا اننا توقفنا امام الابعاد السلبية لهذا المشروع والذي يحتمل تأويلات وتفسيرات خاصة بالسلطة .
وبعد سقوط الصنم الصدامي البغيض انتقلت فعالية الراحل الى تفعيل ادواره الموسساتية فعمل في منظمات المجتمع المدني واعتمد حقوق الانسان مطية لتمرير طموحاته وتطلعاته ، فزج المسرح في هذا العمل وانتقل الى الاخراج السينمائي ورصد ظاهرة الموت المجاني وعمليات القسر والاستخفاف بمنظومة المرأة وادوار الطفولة والشباب فعقد الورش والدورات والمؤتمرات واحيا المهرجانات الواسعة ومد قنواته الى منظمات ومؤسسات ومراكز محلية واقليمية وعربية ودولية ونقل المنظمة من حلقتها الضيقة في البصرة الى آفاق اوسع ، وصارت لها مكانة معروفة من بين منظمات المجتمع المدني التي تعنى بحقوق الانسان حتى انني اتذكر قولا لأستاذنا الراحل الناقد الكبير علي عباس علوان رئيس جامعة البصرة وقد حضر فعالية اقامها الراحل قال : ( منذ قصر شابو ما زالت الماجنجارتا تشكو من الانسان وغياب حقوقه ، فانت يا ولدي تضطلع بعمل انساني كبير يحتاج اولا الى تفعيل ادوار الثقافة لدى الانسان ) . كما لا بد لي ان اذكر هنا الدور الاستثنائي الكبير الذي اضطلع به الراحل في تفعيل منظومة الخدمة العامة وخصوصا الارامل واليتامى والمطلقات والعانسات فافرد برنامجا خاصا ورصد مساعدات دورية واعانات مجزية فضلا عن دورات في الخياطة والصناعة البيتية والترتيب المنزلي ومنح للمحتاجين آلات وعدد تعينهم على شظف العيش ومواجهة الحياة .
ولا انس انني وبعد ترأسي جريدة (سنام) والاستاذ الشاعر حسين فالح والشاعر علي الهمام والفنان كاظم المشرفي قد استكملت العمل الاعلامي بانبثاق جريدة صدى الزبير ولما كانت مهمة سنام في حينه عسيرة عليّ والاستاذ حسين فالح نجم اوكل الامر الى الراحل سامي تومان ليرأسها بجدارة ومهنية الامر الذي عزز الفعل الاعلامي لديه والذي استكمله بإصدار جريدة اشراقة والتي كانت توثق لعمل وبرنامج الجمعية ، لكنه كان مباركا ومشاركا وداعما لانبثاق اتحاد الادباء والكتاب في الزبير والذي تأسس رسميا من قبل الاتحاد المركزي وكان احد اعضاءه الفاعلين وللأمانة اقول ان اغلب صرفيات الفعاليات والاماسي والانشطة التي اقمنا كانت تدفع من جيب الراحل دون ان يشير ولو لمرة واحدة الى دوره في هذا المجال .
رحم الله ابا مهند واسكنه فسيح جنانه ولم يمت الانسان ما حيي الذكر .

تعليق واحد

  1. ابوعبد الله صبري الجميلي

    لست اديبا انا – ولاتتملكني الجراة الدنو من عادل علي عبيد -ولكن حدوثتي الان بين اناسي – – ما ان نتكلم عما يجول بخواطرنا الا وتتسارع الالسن من اي المدن انت – اقول حينها من الشرقاط انا – – يقال حينها ما جعبتك منا – اقر حينها ترعررت في المربد القديم انا – ياتيني الرد هذا هو الحق وعين الصواب –

    عاشقكم على البعد
    صبري الجميلي وهل عذرا على الفضول فمنكم الكرم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *