زيد الحلي: عندما يظلم الكاتب منجزه؛ “صباح عطوان” نموذجا

الأستاذان زيد الحلي وصباح عطوان

عُرف الأستاذ ” صباح عطوان “ بمنجزه الدرامي من خلال عشرات الاعمال التلفازية والإذاعية والمسرحيات ذات النكهة المتجذرة في الروح العراقية سيما مدينة بغداد المعروفة بإرثها العريق ، وتمسّكها في العادات والتقاليد التي باتت سمتها ، تمسكاً عجيباً ، فهي وأجوائها صنوان لا يفترقان ..!
لكن غير المعروف عند مشاهدي ومتابعي الكاتب الدرامي ، ان بداياته وهوايته المحببة  في مقتبل عمره  كانت  كتابة  القصة القصيرة والرواية ، قبل ان يأخذه المسرح والسيناريو في سنيه اللاحقة .. وقد عرفتُ جزءا من  حكاية بدايته خلال لقاءات عائلية فوق عشب ” متنزه الزوراء ” ببغداد في أوج  عنفوانه حيث كان يلمّنا عند افتتاحه  بداية سبعينيات القرن المنصرم في جلسات بريئة ونحن في الشوط الأول من ارتباطاتنا الزوجية وكان ثالثنا الزميل الطيب  ” قاسم المعمار” وعائلته .. في تلك الفترة  كنا نزرع وعوداً لذواتنا ونقطف منها  أحلاما .. كانت فترة عمر شقي  لكنها ” شقاوة ” ملآى بالطموح النقي لتحقيق ما نصبوا اليه في قطار الحياة .. أليس الزمن .. ساعات تمر وثوان تفلت ؟
كان الصديق ” صباح عطوان ” آنذاك ، يعمل موظفا إعلاميا في الاتحاد العام لنقابات العمال وانا وزميلي ” المعمار” من صحفيي  جريدة ” الثورة ” … كانت بناية الجريدة وبناية اتحاد العمال قريبة لبعضهما ، جمعهما شارع ( أبو نؤاس ) بمحاذاة شارع ( السعدون ) ولا زلت أتذكر حديث السيد ” غازي مجدي ” عضو المكتب التنفيذي للاتحاد، مسؤول  ” الثقافة والإعلام ” معي وبحضور السيد  ” محمد عايش ” رئيس الاتحاد في النصف الأول من عقد السبعينيات ، وهو يشيد بألمعية الصديق  ” صباح عطوان ، قائلا أنه سيكون احد ابرز الكفاءات في الكاتبة المسرحية ، واظن ان هذا الرأي جاء في أعقاب نص كتبه الصديق صباح وأعطاه  للسيد ” مجدي” لقراءته.. واللهم أعلم !..
وربما يسأل البعض عن معنى هذا الاستطراد وهذه الخلفية الأخوانية  ، وهنا أقول أن صديقي الأثير ، أصدر مؤخراً رواية طويلة بـ 366 صفحة من القطع المتوسط بأسم ( المسْ )  أفرحتني في  تماسكها وبنائها الفني وآلمتني في طريقة تسويقها ،  بعد ان كتب أكثر من 70 مسلسلا للتلفزيون منذ العام 1975 من بينها  ( جرف الملح ) و ( الدواسر) و ( فتاة في العشرين ) و( أعماق الرغبة ) و ( ذئاب الليل ) بجزئيه الأول والثاني و ( عالم الست وهيبة ) وهو العمل الذي حاز على الجائزة الذهبية الكبرى لمهرجان القاهرة عام 2000 وغيرها ..  وللإذاعة زهاء الف نص وللمسرح ثلاثين مسرحية ، منها مسرحيته الشهيرة ” المحطة ” وللسينما خمسة أفلام طويلة منها ( يوم آخر)  الذي حاز على جائزتي النقاد السوفييت في مهرجان موسكو السينمائي الدولي عام 1979 ومجلس السلم العالمي عام 1979 أيضاً بأعتباره ( ذو موضوع حيوي يناقش قضية ذات بعد عالمي )  كما جاء في ديباجة الجائزة ..
و( المسْ ) رواية مهمة في كل مقاييس الرواية ، أبرزها تصديها لمرحلة مهمة في تاريخنا المعاصر، من وجهة نظر المؤلف ، ورغم ملاحظتي على وجهة النظر تلك لكني مؤمن ان ( عيناي ليست عينيه وعيناه ليست عيني ) وبهذا أسقط فرضية النقاش بهذا الموضوع رغم أهمية ذلك ، لكني أريد مناقشة موضوع اخر يحمل تساؤلا كبيرا للصديق ” صباح عطوان ” محمولاً على كم هائل من العتاب عن أسباب إصدار حكم االاعدام على الرواية ، بإطلاقه رصاصة رحمة عليها دون مبرر .. كيف ؟
لقد حملت الرواية على غلافها  الأخير كلمات طاردة  للقارئ ذيّلت بأسم الناشر وانا أقول انها يبدو من بنات أفكار الكاتب نفسه فهي تتشابه في الأسلوب مع ما جاءت به مقدمة الكاتب اولأ ، ولإيماني ثانياً ، بأن الناشر ، أي ناشر ، غايته الربح وتسويق كمية أكثر من المطبوع الذي نشره  وليس العكس .. كلمات جعلت من نفسها معلما او مرشدا للرواية ، بدلا من ان تكون مفتاحاً لجدلية القراءة  ، فجاءت بأطناب لا مسوغ  له للرواية  ، رغم كونها هي مبهرة  فعلاً  وتستطيع ان تتحدث عن نفسها بثقة ، والتعكز على أملاءات ( الناشر ) يأخذ من جرف الإبداع الذي جاءت به الرواية ، فالقارئ بإحساسه المرهف سيقول انها ( دعاية من الناشر للرواية بهدف الاقتناء .. الخ ) فيما ان العمل يحمل جواز مرور عالي المستوى ، يجعل القارئ يدخل ويتجول في دهاليز الرواية الجميلة  دون مرشد ، سيما  ان المرشد كان هو (الناشر) ثم هل سمعتم يوما ان أماً ” تفش خلقة ” أبنها ؟ بالتأكيد يكون الجواب لا ، حيث ان المدح يكون ديدنها .. وهكذا هي الدنيا !!
تعالوا نقرأ ما جاء في الغلاف آنف الذكر ، لترو نوعية المدح الثقيل المقحم على الرواية  ، للحد الذي ربما يجعل القارئ ينفر من القراءة ، وكدتُ أكون أنا هذا القارئ لو لا معرفتي بالكاتب الصديق ” صباح عطوان ” مدح يذكّرُ بالإعلانات التي كانت تسبق عرض المسرحيات في ثلاثينيات القرن الماضي !! .. تقول السطور تحت عنوان ـــ هذه الرواية ــ  :  في( المسْ ) تجد نفسك أمام حدث روائي غير عادي البته .. فهي محكمة الصنعة ، بالغة الروعة ، متينة المستوى ، قوية المحتوى ، قلّ ان تقرأ لها في أدب هذه الأيام … دبجها عن حقائق معاشة .. يراع أشهر كتاّب الدراما في العراق وعرابها المميز بلا منازع .. صباح عطوان .
فمن خلال هذه الرواية تسترشف أياماً ، واعدة الظاهر ، جامحة الباطن ، مشرقة ، جاهمة .. حادة التضاريس .. معبرة .. ناضجة .. فاضحة .. تجأر بما وراء الوجوه الإنسانية ، في الدهاليز الخلفية للمجتمع العراقي خلال حقبة زمنية محددة من آلام وآثام .. ورؤى وتطلعات بأسلوب تحليلي متماسك علمي رصين .. بالغ الجرأة .. لا يليق إلا بكاتبه … وبيان عربي مبين … جزل دقيق .. يعبر عن رهافة حس ووعي عميق بالأشياء ، مما يجعل من الرواية إحدى أسفار الحقيقة والتاريخ وشهادة جليّة عليّة عن عصرها دون منازع ، بما فيها وعليها .. وهي تسبر غورا ، سحيقاً لتستكشف عما يجول بذات الإنسان من خفايا .. تجعلك تعيد ترتيب معايير الرؤية .. وتقيم أوزان  أحكامك الأخلاقية والفكرية في إطار فهم جديد للأشياء .. ) وتنتهي كلمة الناشر وهي كما ترون سطور بلهاء مدعاة لخواء لا مبرر له ومدعاة  لفخر هو موجود أصلا في الكاتب ، أنها بمثابة نداء مظلم يجثم على فكر القارئ  يمزق الرؤى الفكرية لديه ، لكن هل تنتهي أسئلتي لصديقي الكاتب عن أسباب إطلاقه رصاصة الرحمة على عمل بديع … بديع !!
اوهنا أدعوا صديقي ” صباح عطوان ” الى، سحب الرواية ان كان وزعها ، من المكتبات وحذف كلمة الناشر النافرة ،  فالرواية وحدها تستطيع ان ترسم خطاها في واحة الإبداع ، وأسم الكاتب وحده يغني وتاريخه ما زال يرفف باعتداد في سماء الدراما والثقافة العراقية … اليس كذلك ؟ وشكراً لألتفافته الانسانية التي اهدى فيها عمله الجزل الى الصديق المشترك الزميل وائل العاني ( ابو سلافة ) طيب الله ثراه ..
ان ماأشرت اليه من ملاحظة ، ينطبق على اصدرات أخرى يعتقد كتابها ان سطور المدح والمديح ، هي صنو الإصدار وهذا خطأ قاتل .. غير ان الأمر يكون مقبولا في الطبعات اللاحقة ، حيث يمكن نشر الأصداء التي رافقت المطبوع .. وعلينا ان نشابك أيادينا ، كي نحضن الآتي في هدهدة  الحلم وتجميع شظايا مرآة .. مكسورة  .. ومعذرة صديق العمر !
zaidalhilly@yhoo.com

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. عايدة الربيعي : الامتداد الإبداعي والطلاقة والمرونة عند الفنان التشكيلي العراقي مهرجان كلاويز الدولي 2022.

يرى البعض من النقاد ان فن التصوير (الرسم الملون) هو فن حسي اكثر مما هو …

| د. فاضل حسن شريف : الهجرة القسرية واللجوء في القرآن الكريم.

صادف خلال شهر يونيو حزيران اليوم العالمي للاجئين. كلمة لجوء مصدرها لجأ، واللجوء تأتي بمعنى الالتجاء. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.