اعترافات الحاج باولو كويلو
حوار: خوان ارياس
ترجمة :خضير اللامي (الفصل الأول)

kh khudier allami 3إشارة :
يقدّم لنا الناقد البارع الأستاذ “خضيّر اللامي” ترجمة لوجه مهم غير معروف لنا من وجوه الروائي “باولو كويلو” هو المحاور الشاعري المؤثر بأسلوب لا يقل روعة عن أسلوبه الروائي خصوصا أن محاوره هو الصحفي الأسباني المعروف خوان إيرياس المختص باللاهوتيات وعلم النفس والمطلع بعمق على أدب كويلو. في أحد عشر فصلا يقدّم اللامي بترجمة رائقة وحميمة رحلة ممتعة مع كويلو سمح للموقع بنشرها فشكرا له.

خوان ارياس

إعترافات الحاج باولو كويلو

” نحن جميعا حجيج نبحث عن المجهول “

ترجمة : خضير اللامي*
باولو كويلو

باولو كويلو ، هو واحد من افضل المؤلفين مبيعا في العالم . ولد في بوتافوغو،المجاورة لمدينة ريودي جانيرو ، تحت علامة فيرغو في الرابع والعشرين من اب ، 1947وهويشعر بالاعتداد انه ولد في نفس اليوم ، وفي نفس الشهر ، وتحت ذات العلامة . وبعد سنوات من من ولادة معبوده الاديب خورخيه بورخس .

وعندما كان شابا ، حفظ معظم اشعار بورخس الاولى. وعندما ارا د ان يلتقي به ، قطع مسافة 48ساعة الى بوينس ايرس . وقد واجه صعوبات جمة منها ، انه عند وصوله منزل بورخس ، وقف امامه باجلال وصمت ‘ نظر اليه وفكر : “المعبودون لا ينطقون ..” ثم عاد ادراجه الى ريودي جانيرو .
وكويلو لا ينكر، ان بورخس طبع بصماته على اعماله . ابتداء من رواية ” الخيميائي ” التي جلبت له شهرة عالميةواسعة. ودون شك ، ان بورخس الارجنتيني الالمعي ، هو الذي وضع فكرة في راس ابن المهندس بيدرو كيوما كويلوفي يكون كاتبا ، بينما اراد والده في ان يكون كويلو محاميا ، وادى هذا الصراع بين اصرار الاب وعناد الابن ان يودع الاخير في مشفى عقلي .
وفي الواقع، فان الصبي باولو ــ الذي قُذُف في هذا العالم ، من خلال ولادة عسيرة ، قادت امه ليجيا اراريب كويلو ان تعمده في احدى العيادات التي ولد فيها-ــ كانت ليجيا غالبا ما تحلم في ان يكون وليدها فنانا ، ولكن ثمة من كان في منزله المنحدر من الطبقة الوسطى يعبس في وجه هذه الرغبة . وربما لهذا السبب، واجه مشاكل في المدرسة ، مما دفعه الى حب القراءة ؛ ليس لاعمال بورخس حسب؛ انما لاعمال هنري ميلر . ثم ترعرع مغرما بالمسرح . ورات اسرته انه يفتقر الى الدراسة الاكاديمية ، مما دفعها الى ارساله الى مدرسة يسوعية صارمة التعاليم. يطلق عليها : كوليجيو دي سان اغناسيو ، في ريودي جانيرو . حيث تعلم فيها الانضباط في حياته . لكنه في الوقت ذاته ، فقد قناعاته الدينية . وعلى كل حل، لم يفقد ولعه في الادب ، بل ، فاز باول جائزة في مناقشة شعرية في المدرسة.

المؤلّف خوان إيرياس
المؤلّف خوان إيرياس
المترجم الأستاذ خضير اللامي
المترجم الأستاذ خضير اللامي

كان كويلو، دائما ما يجنح الى الانشقاق والعصيان ، باحثا عن الجديد ، وهاتان الميزتان قادتاه الى ان يجرب كل شيء جديد ، وكل شيء سيء خلال مسيرة حياته.
وحينما تواصلت حركات المتمردين وحركات الهيبز في ثورة ” 68″ في فرنسا ، فان كاتب المستقبل وقع في حب ماركس وانجلز وتشيفارا ، واسهم في الانتخابات والمظاهرات ، كما اسهم في معظم انشطة الحركات التقدمية ، وكان ناشطا في حركة السلام ا وما يسمى بجيل الحب.
وبعد ذلك ، شرع كويلو في مواجهة ازمة ايمانه ، ورحل الى البحث عن التجارب الروحية الجديدة ، والعودة الى ملاذ الخمرة والهلوسات والطوائف والسحر الاسود. وسافر الى جميع بلدان اميركا اللاتينية مقتفيا في ذلك اثار كارلوس كاستاندا .

ولكن ، في نهاية المطاف ، عاد الى تنفيذ رغبة والده ، والتحق في كلية الحقوق في جامعة ريودي جانيرو . ولكنه ، سرعان ما تخلى عن ذلك ، وعمل في المسرح ، حلمه الجديد . وقد حصل على مبلغ من النقود جمعها اثناء التمثيل ، وبعد هروبه من مشفى الامراض العقلية ، ذهب الى الولايا ت المتحدة الامريكية، حيث ساعده زملاؤه الهيبز بعدما نفدت نقوده .
بيد ان الكتابة بقيت تشكل هاجسا وهما لديه ، وهكذا‘ انخرط في العمل الصحفي ، اذ عمل في مجلة تسمى ، والتي استمرت في الصدور لعددين حسب. ولكن‘ كانت تشكل لديه اهمية كبيرة . ونتيجة نشره احد المقالات فيها ‘ حدث ان اقام اتصالا مع المنتج الموسيقي راؤول سياكس ، الذي تعاون معه فعلا بوصفه شاعرا غنائيا . وكان ذلك ‘ لحظة مجد ه الاول . وكان المغني يتجول في بلدان عدة . وراح كويلو يجمع ثروة من المال ، استطاع ان يشتري خمس شقق ، وتعامل ايضا مع مجلة El Globo في ريودي جانيرو. وفي عام 1974، طبع اول كتاب له عن المسرح التعليمي.
كانت تلك السنوات التي شكلت تجربته المكثفة مع السحر الاسود، الذي كان يمارسه اليستر كراولي ، وهي من اقسى واصعب التجارب في حياته . والتي تحدث عنها بعمق في هذا الكتاب. وعندما استطاع ان يحرر نفسه من قيود السحر الاسودالذي جره الى حافة الهاوية ، دخل في تجارب اخرى لا تقل قساوة عن تجاربه السابقة في حياته . فقد اختُطف وعذُب من قبل مجموعة من الميليشيات العسكرية خلال عهد الدكتاتورية البرازيلية.
وبطريقة خارقة للعادة ، استطاع ان يهرب من الادمان والعذابات في حياته. اذ قرر ان يضع حدا الى جنون المخدرات والسحر الاسود ، وباشر حياته الاعتيادية ، وعمل في عدة شركات لتسجيل الاشرطة . ولكن ، في عام 1976، تحرك شيطان الكتابة في داخله مرة اخرى ، وسافر الى انجلترا بوصفه مراسلا لعدة مجلات برازيلية ، وفي هذه الاثناء كتب سيرة حياته ، والتي استغرقت منه وقتا قارب السنة ، وقبل ان يعود الى البرازيل ، ترك مخطوطته في لندن في احد النوادي الليلية ، وهكذا بقيت سيرته الذاتية ثمة دون ان ترى النور. borkhes 2
وبعد ثلاث زواجات فاشلة ، تزوج في عام 1981، من كرستينا اونيسيكا الفنانة التشكيلية التي شاركته نجاحاته العظيمة ، في حياته بوصفه كاتبا مشهورا . وما زالا يتمتعان بحياتهما الزوجية السعيدة . بيد ان شغفه بالسفر والبحث عن رسالته الشخصية لا يحدهما حدود . ساعدهما في ذلك ‘ النقود التي جمعها ، وانطلقا حول العالم ، حتى وصلا مخيم الاعتقال في المانيا ، وهناك ، عانى كويلو من تجربة روحية عميقة ومكثفة شكلت لديه بعدا جديدا في حياته ، اعاده الى القناعات الكاثوليكية التي كان يؤمن بها ابواه . ومع مرشده الروحي ، انفق خمسة وخمسين يوما مشيا على الاقدام ، قاطعين فيها 700‘ كيلو متر ، على الطريق العام القديم المؤدي الى سانتياغو على طريقة الحجيج في القرون القديمة .
وتجربة الحج الى سانتياغو دفعته الى طبع نصه الادبي الاول ” يوميات مجوسيDairy of Magus “، وبعد ذلك ، اطلق عليه عنوان” الحاج ” “Pilgrimage The ” . ثم جاءت كتبه الاخرى ، من ” الخيميائي ” الى اخر رواية ” فيرونيكا تقرر الانتحار” ” Veronica Decides to Die” ، التي ارست له ارضية بوصفه واحدا من اهم عشرة كتَُاب هم الاكثر انتشارا في العالم . وكمؤلف اثار جدلا وتطرفا عاطفيا في العالم . لكنه استمر واثقا ومتفائلا في طريقه ، ليوقظ الذوق المفقود في الغموض والسحر لدى الرجال والنساء في بداية الالفية الجديدة . متغلبا على السام والياس في احضان مجتمع الي ورتيب.
وغالبا ما يذكر كويلو ، انه يملك ثروة حصل عليها من جعالة مردودات مبيعات كتبه ، وقد اودع 400الف دولار اميركي لدى مؤسسة تحمل اسمه وتديرها زوجته كرستينا . وتوظف هذه الثروة للعناية بالاطفال المعوقين في اسوا احياء الفقراء وكبار السن في ريودي جانيرو، فضلا عن العناية بالترجمة الىاللغات الكلاسيكية البرازيلية ، والتنقيب عن الاصول الحجرية لبلده البرازيل والذي يعده من اكثر البلدان سحرية في العالم . وليس ثمة من يخجل من الايمان بالارواح.

الحوارات

اجريت حوارات هذا الكتاب ، مع باولو كويلو في منزله ، في ريودي جانيرو . المطل على ساحل كوبا كاباناالمدهش، في بداية تموز 1998، في ذروة العاب كاس العالم في فرنسا . وتقطع هذه الحوارات عندما يريد الكاتب مشاهدة اللعبة الذي يقوم بتغطيتها لصالح صحيفة فرنسية.
وخلال هذه الحوارات الطويلة ، فتح كويلو نفسه ، وبدت على سيمائه اللحظات المريرة لماضيه . مثل السنوات التي انفقها على تناول الخمر والمخدرات ، وممارسة السحر الاسود ، والعبادة الشيطانية ، ومشفى المجانين ، وحياة السجن والتعذيب .
وفي نهاية جلسات بدت له امنية، الا يتكرر مثل هذا الحديث عن حياته.في العشرين سنة القادمة .
واسهمت رفيقتي ، الكاتبة والشاعرة البرازيلية ، روزينا ميوري في هذه المقابلات . بداية تجرى هذه الحوارات ، غالبا في اوقات الظهيرة ، بعد انتهاء كويلو من ممارسة هوايته اليومية في المشي على الشاطيء ، حالما يستيقظ من نومه . وبما انه يكتب اثناء الليل ، فانه يذهب الى فراشه فجرا ، ينام في الصباحات ، ويقضي المساءات في مقابلة الناس . ثم يستمر في مراسلاته المكثفة – رسائل ، فاكسات، بريد الكتروني ، نداءات تلفونية – من جميع انحاء العالم .
وبسبب هذا، فان احاديثنا غالبا ما تنقطع مع وصول الرسائل ، واحيانا نسمع جهاز الالة التي ترد على الرسائل . يصغي كويلو ، وينهض ، او يعير اهتماما ، او يجيب اعتمادا على
اهمية الموضوع . فمثلا ، قال لنا مرة: اعذروني ، ان بوريس يلتسن على وشك ان يرسل لي رسالة يدعوني فيها الى موسكو .وذات ظهيرة ، اراد ان يفتح حزمة كبيرة من الرسائل بحضورنا ، ليخبرنا عن محتواها ، وغالبا ما يتسلم رسائل من اناس غرباء ، واحيانا ، تبلغ تلك الرسائل صفحات طويلة يخبرونه فيها عن شعورهم ، حينما يقرؤون كتبه ، ويطرحون عليه اسئلة متنوعة ويعترفون له ، بانها تباشير سحر خير ، ومن بين مجموعة رسائل ، كانت ثمة رسالة من وزير القوات البرازيلية ‘ يقول فيها ، انه قرأ روايته: يوميات محارب النور” Manual 0f the Warriors of Light” يعلق كويلو : هذا ليس امرا عاديا ، الناس المهمون لا يزعجون انفسهم عادة بالكتابة . وحينما اقابلهم فانهم غالبا ما يخبرونني ، انهم قد قرؤوا رواياتي ، امثال شمعون بيريز في سويسرا خلال حضوره منتدى دافوس الاقتصادي العالمي ، الذي دعيت اليه لالقاء خطابا هذا العام .
ومضمون الحديث عن اجتماع دافوس الذي دعي اليه كويلو ، ورئيس الجمهورية البرازيلية فرناند كاردوس ، يريد الكاتب ان يوصل لنا رسالة ان الخدع السحرية الحقيقية ، ينجزها في هذه الايام رجال المال والاقتصاد ، وليس السحرة المحترفون من الفقراء .
المشهد عبر البحر على شاطيء كوبا كا بانا ، يلقي بظلاله الزرق عندما تتحول العشية الى المساء ، ليمنح كويلو ملاذا في صور البحر للاجابة عن تساؤلاتنا ، وغالبا ما يجيب في الاسبانية ، اللغة التي يحبها ويتحدثها بطلاقة . ومؤلف رواية ” الخيميائي ” هو رجل صارم وعاطفي في الوقت ذاته، ومعتاد على ما يسميه ” المعركة الجيدة ” وهو رجل لا يهتم للنقاش ، وهو دائما ما يكون صريحا ‘ لدرجة لا تصدق ، رغم انه غير متاكد من اي شيء ، وحدث ثمة انقطاع في الحوار دام ساعة تقريبا ، بسبب وصول ممثل ناشر كتبه البرازيلي ،مع المصور المحترف لالتقاط سلسلة الصور المناسبة لتدشين روايته ” فيرونيكا تقرر الانتحار”واراد كويلومنا ان نبقى لغرض التقاط الصور معه ، وكان من عادته ان يوشي اعماله بالصور ، وعلى كل موقع بما في ذلك الاقدام العارية ، او الجلوس بسيقان متقاطعة ، على منضدة الة الانترنيت . وفي هذه الاثناء يبقى يراقب تحركات المصور الغامضة . الى ان يتاكد ان هذه الصور هي الافضل التي التقطت حتى الان. بعدها يعلق المحرر ” حسن ، ماذا نفعل بالصور الاخرى؟” ويجيب كويلو” يمكنك ارسالها الى الصحف المحلية ..” واخبرته زميلتي روزينا بتكلف : ” يا باولو ‘ انك تفعل تماما ، كما فعلت بنا الحرب العالمية الاولى .” ويبدو ان كويلو لا يفكر مرتين ، اذ قال : انك على صواب يا روزينا .” وقرر عدم استخدام الصور القديمة ، ويجب ان ترسل الصور الجديدة الى الصحف المحلية”
وبعد ايام قليلة ، اخبرت اللاهوتي ليونارد بوف ، عن تلك الصور التي التقطت لنا في منزل كويلو ، الذي يقع في وسط غابة اتايبافا ، بالقرب من البتروبولس ، وكان بوف هذا غالبا ما يدافع عن صديقه كويلو ضد نقاده ، لانه يعتقد ان كتبه توقظ حب الغموض ونهوض الروح في عالم بارد ومذهل ، وقد علق بوف عن الصور التي التقطت :” انني دائما ما اقُيم الناس الذين يخشون من الاعتراف ،
اجريت الحوارا ت ليلا ، اذ اعتاد كويلو العمل تماما في الوقت الذي يبدا معظم الناس الذهاب الى النوم وهذا يبعث في نفسه الطراوة ، مثل زهرة الربيع . ويكون اكثر صراحة مع ذاته. وقد توقفنا عن الحوارعندما تغلب النعاس على بعضنا ، وهنا تبدا يقظته ، وينبغي علينا ان نستمر معه طول الليل . وثمة لحظة واحدة ، يتوقف عندها كويلو وهي بمثابة استراحة له. ففي منتصف الليل‘ يحين وقت الطقوس ، وفي السادسة مساء ، وعندما تكون الشمس عند الافول ، فانه يطلب من ان نمنحه ثوان قليلة من الصمت لكي يؤدي صلاته.
واحيانا يسهم اخرون، في هذه الاحاديث الليلية ، وتكون اكثر حميمية ، واكثر حوارية ، خاصة زوجته كرستينا ، التي تتمايز باالحساسية واللباقة ، وغالبا ما تلتمس الاصغاء .. وفي احدى المرات قال كويلو :” اصغ جيدا يا كرستينا ، انك ستسمعين اشياء لم تكوني قد سمعت بها من قبل ‘ لانني قررت ان اعري روحي ، لكم ‘ لكي يفهم كل واحد منا ، ماذا كنت انا ، ومن انا ، اذ انني لا اريد ان ابتدع الاكاذيب .”
في الليل كما ذكرت ‘ نعقد حواراتنا ، في غرفة الاستقبال ، في الجانب المقابل من البيت ، وثمة منضدة وضعت عليها اطباق من اللحم وجبنة تاباس ، المصنوعة على الطراز الاسباني ، مصحوبة بالنبيذ الايطالي الرائع، مما يضفي على ذلك جو من الثقة‘خاصة ‘وان ليس هناك من يقطع حواراتنا الليلية ، ويكون فيها الفاكس والهاتف ومنظومة الانترنيت قد لفهم الصمت ، كما ان المنزل يبدو انه هو الاخر، قد لفه صمت عميق . كان غائبا خلال النهاربسبب مطاردة العالم لكاتبه المشهور .
وقد شارك ثلاث طالبات اسبانيات في احد هذه الحوارات الليلية ، هن الشقيقتان بولا واناّ ، وصديقتهما مارياّ . واللائي يدرسن في جامعة مدريد ، وياتين لزيارة ابائهن الذين يعملون في شركة عالمية في ريودي جانيرو . وقد التقيتهن على متن الطائرةالقادمة من مدريد.ودار الحديث عن باولو كويلو ، وعندما سمعن بانني اؤلف كتابا مع كويلو اشرقت عيونهن بالاعجاب . وشرعت كل واحدة منهن تذكر لي الرواية التي قراتها . وكما يلي : ” بريدا” Bridaو “الجبل الخامس ” The Fifth Mountain ” ” و” الى جانب نهر البيدرا جلست باكيا ” By the River Piedra I Sat down and Wept” “واستطيع ان ارى في عيونهن ان ثمة حلما يتحقق عند مقابلتهن الكاتب كويلو.kh kwelo 3
وكويلو ‘ الحساس جدا من علامات معينة ، فسر لقائي بالطالبات الشابات الثلاث ، اللائي قران رواياته وهن في طريقهن الى ريودي جانيرو. بانه نذير خير لمهمة في اليد. ومقابلة باولو للطالبات لم تكن مسالة عاطفية حسب؛ ولكنها نوع من الجراة والاخلاص والنشاط ، وكانت ايضا حضورا استثنائيا لمدير الاعلانات والمثقف والشاعر والشخصية المرموقة جدا في البرازيل موريس سالس ، الذي يعده كويلو الاب الروحي له . ودائما ما يظهران في نيويورك معا ‘ ومعهما زوجتيهما في عزلة غار لوروز . وكان سالس حاضرا مقابلة كويلو مع الطالبات الثلاث . اذ كان جالسا وهو يدون ملاحظاته عما كان يقوله باولو.
ان كويلو الكاتب والساحر، هو مخلص جدا لطقوس خاصة ، ولا يحاول اخفاء هذه الحقيقة . وعند هبوط الليل ، يكون في تماس مع تجاربه الماضية المؤلمة ، مع السحر ، والطقوس
الشيطانية ، فهو يطفيء كل مصابيح المنزل ، ويضيء الغرفة بنور الشموع .. ” انني اشعر بالحديث بطريقة افضل عن هذه الاشياء.” قال لنا ، وغالبا ما يقول ذلك ، دون ان يسمح لي بطرح اي سؤال ، كما لو انه يتحدث مع نفسه حسب‘ متذكرا الام جروحه القديمه..
وفي احدى لحظات التوتر العاطفي الشديد حدث، عندما اشار الى التجربة الروحية التي عانى منها في داشاو ، Dachau ، التي غيرت حياته جذريا . فقد انبجست دموعه ، وبعد لحظات صمت ، اراد ان يسجل ذلك على شريط ، قال : ربما انني افرطت كثيرا في الشراب .” وكانت لحظاته الممتعة العظيمة عندما التقطت زوجته كريستينا ، ريشة بيضاء اللون ، من تحت المنضدة وقدمتها الى زوجها ” ” انظر ، يا باولو ، ماذا يوجد في الاسفل ؟! ” ثم وضعتها على المنضدة . اشرق وجه كويلو ، اخذ بيد زوجته ، تحرك بصعوبة قائلا : شكرا لك يا كرستينا .” ويعد كويلو ظهورهذه الريشة بمثابة مصادفة ، وعلامة تنذر بميلاد جديد . وفي هذه اللحظة وصلنا نهاية هذا الكتاب .
وطلب منا ان ننجز في محاوراتنا و في نفس المكان الذي ابتدانا فيه في غرفة نومه التي تواجه شاطيء كوبا كابانا ، المواجهة لاشعة الشمس الرقيقة لشتاء ريودي جانيرو.
وقد سالته ، ان كان يعد نفسه ساحرا وكاتبا في الوقت ذاته . اجاب: نعم ، انني ساحر ، بالاضافة الى كوني كاتبا.” ثم اردف: ولكن ، على كل انسان ان يعرف كيف ان اللغة الباطنية تطارد قدرها الشخصي .”
وفي هذا الكتاب ، حاولت ان اضفي نغمة غير رسمية لحوارات ودية مع الكاتب . ان الحوارات تلك ، في ذلك الزمن ، تملك لحظاتها الجدلية . وفي حوارات اخرى ، كانت تقليدية

إلى اجواء ودية بعد ذلك .. الى علامة من الثقة . وكويلو لا يريد هنا ، ان يحقق نصا، وترك الامر، على مسؤوليتي الكاملة .وهكذا، فان اي خطا ْ ربما يتضمن ذلك بالنتيجة خطئي التام.
شكري العميق الى ماروسالس ، الانسان الذي يعرف كويلو افضل من اي انسان اخر ، اخلاقه ودعمه المعرفي . وهكذا ، وبطريقة سخية جدا. ساعدني فيها ‘ ان افهم بعمق ، تركيبة كويلوالبرازيلية وشخصيته الغنية وهنا اريد ان اؤكد ‘ لقراء كويلو ، وبخاصة الجدد منهم ، انهم وفي كل الاوقات ، كانوا هم مادة ذلك الكاتب ‘ فهم يتحركون في وقت يلفظ فيه، او يعرض مظهرا لحياته الغنية ، وبعد ذلك ‘ فهم مادة الكتاب الاصيلة..
الفصل الاول
نذر الشؤم

” نذر الشؤم هي الالف باء او العلامات ،التي يمكن ان نطورها للحديث عن روح العالم”

ٍ باولو كويلو

هو كاتب متعدد الاوجه ، ومتعدد الرموز ، عسير الفهم على كثير من نقاده في مجال الادب. ومن هنا ، تطلق رواياته الصادقة عنان الام الصراع ، والقيود العصية على الانحناء ، فضلا عن ذلك ، ان علاقته مع قرائه لم تكن علاقة كاتب نمطي بقاريء . وكان كويلو يجب ان يُقرا ابتداء من رواية ” الجبل الخامس ” كواحدة من سلسلة قراءات ، وبشكل عام ‘ فان الاف المتلقين يطرحون تساؤلاتهم ، وبهذا وفي ذات الموضوع ، فان الحالة الثقافية تحولت الى مجموعة من جلسات العلاج النفسي . وكانت تلك التساؤلات ، تطرح على الورق ، ولكن بمواجهة مباشرة مع الكاتب ‘ معترفين بشكل عام ، ان كتبه قد غيرت مجرى حياتهم ، انهم يريدون ان يعرفوا المزيد، وكل شيء عنه . انهم يحيطون به. وهو يوقع لهم على نسخ من كتبه ، وقد يستمرهذا ساعات طويلة.
وحياة كويلو ، تنحصراصلا كونه كاتبا مبدعا ، واحيانا كان يصارع ازاء ذلك كل حياته . وقد انجز ذلك عبر اماله . لانه كاتب يجب ان يغمر ذاته في خضم الحياة ، ويمعن النظر فيها ، فضلا عن انه، قرا سر الف باء العالم ، والنذر التي ترسل الينا . تشبه الرسائل المشفرة.
ومن الغريب جدا ان مقابلتنا له بدأت مع واحدة من هذه النذر ، في ريودي جانيرو. وهي اول لقاء ينظم لنا في الساعة الثانية بعد الظهر . وكنا نخطط للحوارات منذ ستة اشهر ، عندما وصلنا منزله ، اخبرنا البواب انه لم يعد بعد من رياضة المشي الصباحي ، عبر شاطيء البحر . وهي الرياضة التي يقوم بها كل يوم ، ليستمتع بها في شرب حليب جوز الهند ، وخلالها يحيي الناس الذين يعرفهم ، او الذين ياتون بهدف الحديث معه . جلست بانتظاره في بار مجاور لمنزله . وقد وصل بعد نصف ساعة ‘ مبتسماَ ‘ لكنه قلق بعض الشيء . وقبل ان اهيء شريط التسجيل بادر ليخبرني ما قد حدث له الان ، لانه يعد ذلك نوعا من ” نذير شؤم ” الذي يرغمك على التامل في الحياة. ويخلق انطباعا عميقا في داخلك . وقد اراد كويلو ان يستخدم هذه الحادثة موضوعا لاحد اعمدته اليومية في صحيفة O Globo ، وعنوانه ” رجل يضطجع على الارض “. وهو كما يلي:
في الاول من تموز يوليو ، وفي الساعة الثالثة وخمس دقائق ، كان ثمة رجل في الخمسين من عمره مضطجعا على رصيف قرب شاطيء كوبا كابانا ، كنت اسير قربه ، القيت نظرة سريعة عليه . وتجاوزته باتجاه مقعد خشبي ، حيث اجلس عليه كل يوم لشرب حليب جوز الهند ،ولانني من ريودي جانيروفقد رايت المئات ، ربما الالاف من الرجال والنساءوالاطفال ينامون على الارض ولكوني سافرت كثيرا ورايت مثل هذه المشاهد في كل بلد زرته – من سويسرا الغنية الى رومانيا الفقيرة- وقد رايتهم في كل فصل من فصول السنه ، وفي شتاءات مدريد الباردة ، ونيويورك ، وباريس ، حيث يسكنون قرب الهواء الدافيء الذي ياتي من مداخل الشارع الفرعي ، في الارض المحترقة في لبنان ، بين البنايات المدمرة نتيجة الحرب . يضطحع الناس على الارض – يشربون ؛ ويمارسون حياتهم ويستعرضون ما في دواخلهم ولم يكن ثمة شيء جديدا في حياتنا.
شربت حليب جوز الهند . قلت ‘ يجب ان اعود حالا ، لانه لدي موعد مع خوان ارياس ، من جريدة ” البايس ” الاسبانية .وعند عودتي ، رايت الرجل ما زال نائما هناك تحت اشعة الشمس ، يمر به الناس كما مررت به انا . يلقون نظرة عليه ‘ ثم يستمرون في طريقهم . kh kwelo 4
حدث ذلك – رغم انني لم الحظ – انني شعرت بالانقباض النفسي لرؤية المشهد مرات عديدة . عندما اجتزت ذلك الرجل للمرة الثانية‘ كان ثمة شيء قويا في داخلي دفعني الى ان انحني واحاول ان اساعده.
ما استجاب لي . ادرت راسه ، الى جانب ورايت دما قرب صدغيه ، وانه كان شيئا خطيرا ؟ نظفت الدم بقميصي ، بدت لي العملية قاسية جدا .
وفي اللحظة التي بدا فيها ذلك الرجل يدمدم بكلمات قليلة : اخبرهم الا يضربوني …” اذا ‘ كان حيا . كان علي ان انهضه ، واستدعي الشرطة.
اوقفت اول رجل مر من امامي ، وطلبت منه ان يمد يد المساعدة لانهاضه واسناده تحت الظل بين الرصيف ورمل الشاطيء .
ترك الرجل كل شيء وهبّ لمساعدتي . ربما ان روحه قد تعبت من رؤية هذه المشاهد ايضا.
وضعنا الرجل في الظل ، واتجهت انا الى اقرب مركز للشرطة ، وطلبت منهم النجدة ، ولكن قبل ان اصل الى هناك ‘ اتجهت الى ضابطي شرطة ، قلت لهما ، ثمة رجل جريح في مقدمة كذا ، وكذا. واوضحت لهما انني نقلته الى ظل وطرحته على الرمل ، وعليكما ان تستدعيا سيارة اسعاف . قالا لي انهما سيتدبران الامر.. وهكذا شعرت بالارتياح ،وانني قمت بانجاز واجبي قلت.. هذا يوم عمل جيد.. بيد ان المشكلة – هكذا شعرت- بيد اناس اخرين ، ويجب عليهم الاهتمام به . وفكرت في ذات الوقت ؛ ان الصحافي الاسباني لا بد وانه قد وصل منزلي .
لم اخطو اكثر من عشر خطوات ، حتى اقبل عليّ رجل غريب ، تحدث بلغة برتغالية ركيكة قائلا : قد بلغت الشرطة الان ، عن ذلك الرجل ، بيد انهم قالوا لي : اذا لم تكن سرقة فان الامر لا يعنيهم”
لم ادع الرجل يكمل كلامه ، فقد عدت الى الشرطة مقتنعا انهم قد عرفوني ‘ انني الشخص الذي يكتب المقالات في الصحف ، وتظهر صورته على شاشات المحطات الفضائية . وقد عدت اليهم بانطباع خادع ؛ ان النجاح يمكن ان يحل كثيرا من المشاكل . لكن احدهم سالني عندما راني انني التمس المساعدةبطريقة جادة ، ويبدو انه لا يملك ادنى فكرة عن هويتي ، قال: هل تملك تخويلا ؟” كلا ، دعونا نهتم به حالا . قلت .
كنت ارتدي ملابس رثة ، سروال جينز ، وقميص نصف ردن ، ملطخا بدم ذلك الرجل . وانا اتصبب عرقا ، وكنت بالنسبة لهم رجلا عاديا حسب. قلت لهم : كلا ، لا املك تفويضا سوى انني رجل قادم من شاطيء البحر نتيجة ساْمي لرؤية اناس نائمين على ساحل ذلك الشاطيء؛ وكنت لسنوات عديدة غير قادر في حياتي على القيام باي شيء مهم.
وفجاْة ‘ تغير كل شيء ، وحان الوقت لتجد نفسك بمناْي عن اي خوف ، وجاءت اللحظة ‘ لتكون فيهاعيناك ترى الاشياء بطريقة مختلفة . ويدرك الناس انك تتحدث بلغة جادة. عند عودتي الى المنزل ‘ فكرت بثلاثة دروس لاستخلاص تلك التجربة.
أ ــ نستطيع ان نوقف حدثا عندما نكون انقياء .
ب ــ ثمة نداء داخلي سيقول لك ‘ حسن ، انك قد ابتدأت ، استمر حتى النهاية .
ج ــ جميعنا مسؤولون ، عندما نكون متاكدين تماما مما نقوم به .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ــ موضوع النذر ، ذلك من النوع الذي عشته من خلال حادثة الشااطي ، قبل ان نلتقي كيف تشخص تلك النذر ، وما ذا تعني في حياتنا . هل هي مواضيع تتكرر في كتاباتك ، ولكن كيف تعرف ، عندما تكون نذرا حقيقية ؟ اذ انه من السهولة بمكان ، ان تقرا اشارات في كل شيء ؟

ــ انك مصيب ، لانه في محاولة قراءة النذر قبل كل شيء ، فاننا بذلك ، نستطيع ان نضع حدا للريبة . انظر ! انني ارى الان ، وردة مطرزة على الحقيبة اليدوية لروزينا . وهناك بالقرب من جهاز الانترنيت ارى القديسة تيريزا و ثمة وردة . وانني استطيع ان ارى ايضا ، علامة واضحة ، بمثابة جريمة قد تقع لتيريزا. ولكن ، يمكن ان تصاب بالجنون ، لانك ربما ترى شعاع مجرة ، ثم تفكر في الحديث عن المجرات ، وربما غير ذلك.

ـــ اذن،‘ ما هي النذر بعد ذلك؟

ــ النذر هي لغة . هي علامات نطورها للحديث عن روح العالم ، او الكون ، او الاله . مهما كان الاسم الذي نلفظه ، مثل اي علامة ؛ انها مسالة ذاتية ، يتعلمها الانسان عن طريق ارتكاب الاخطاء ، وهذا بالتالي يبعدك عن عولمة البحث الروحي .

ــ ماذا تفهم عن عولمة البحث الروحي ؟

ــ انظر! طريقتي في التفكير ، هي ان مئات السنين الاتية ، ستنزع فيها الانسانية الى البحث عن الروح . انني ارى الناس حاليا اكثر انفتاحا على هذا الموضوع، على ما كانوا عليه خلال القرن الماضي . وقد شرعنا ندرك ان القول عن الدين بوصفه تخديرا لعقول الجماهير هو قول لا مسوغ له . وبخاصة اولئك الذين قالوا انهم لم يحاولوا الدخول في تجربة الافيون ابدا ، ما قد يحدث ‘ هو عندما يشرع الناس بالتحول الى اعتناق الدين، فانهم حينئذ يخوضون في مياه مجهولة . وعندما نجد انفسنا غارقين في بحر غير ماْلوف يستولي علينا الخوف ، وعندئذ نتشبث بالقشة التي نعتقد انها ستنقذنا . اننا جميعا بحاجة الى التواصل مع الناس ، بهدف الحديث مع روحهم .
اننا نسير باتجاه الحج الى سانتياغو. انك تبدا في الظلام ، وتجهل ما قد يحدث لك. مع انك تبحث ولكن ، في الوقت ذاته ، اننا بحاجة الى ان نقف على اقدامنا . وان نسير بسيقاننا . كما لوانك تبحث عن مفاتيح لتواجه بها ذاتك. قدرك . وهذه المفاتيح تاتي الينا عن طريق الابجدية الغنية جدا ، التي تتيح لنا ان نحس ماذا ينبغي ان نفعل وما لا ينبغي فعله.
ــ ولكن ، الا تعتقد ان ثمة خطرا ، في ان تلك النذر قد تناسبنا ، او تبعدنا كثيرا عن المنعطف الحقيقي ؟ وكيف تتاكد انها علامة حقيقية ؟

ــ كلا ، ان ما يحدث في البداية ، من الصعوبة بمكان ان نصدق اي شيء ، وفي الخطوة الثانية ، نعتقد اننا على خطاْ ، وفي الثالثة يبدو ان كل شيء نذير شؤم . وبعد ذلك ، وفي النهاية ‘ حسب، تعبر النذر منعطفنا ، مرة اخرى ، دون ان ندرك اننا نواجه لغة تقارب لغة الواقع .
ــ هل بالامكان ، ان تقدم لنا مثالا شخصيا عن شيء ما ، حدث لك حاليا ‘ وانك عللته على انه نذير شؤم؟

ــ ذكرت لك قبل قليل ، انني رايت القديسة تيريزا ، على الة الانترنيت ، ربما يصعقك المشهد ، مثل اي شيء غريب . ولكن اخلاصي للقديسة الفرنسية ــ التي رحلت عنا ــ عندما كانت في الغالب طفلة ، جاء هذا المشهد نتيجة العملية التي وصفتها لك تماما . فانني لم اقم باي شيء ازاء ذالك المشهد ، ولكن بالتدريج بدات تيريزا بالظهور في حياتي . فقد قرأت معظم كتبها ‘،وكان رد فعلي هو الشفقة ، وبدت لي مثل هستيريا.

ــ لكي نستطرد قليلا ، فان اول كتاب دوّن في فرنسا ، بخط يد قديسي الكنيسة الكبار قد سبب فضيحة .والنتيجة‘ كانت هي.. اذا لم يتبع هؤلاء المنعطف الديني، سيتحولون اما الى شخصيات عريقة بالاجرام ، اوعريقة بالعهر.ويوضح لنا خبراء الخط ، انهم شخصيات قوية لم يتساموا في دوافعهم اى مع الدين ؛ وعلى هذا الاساس ، وكما قلنا متمرسين بالجريمة والعهر.

ــ .لاا شك في ذلك ‘،وهذا لا ينطبق حسب؛ على القديسين ،والمثل يقول : ان افضل الجراحين هو من يملك علاجا قويا للسادية ويقمعها ، وبعكس ذلك ‘ فانهم غير قادرين ، على اجراء العملية بشكل جيد . تماما كما يقولون ، ان الطبيب النفساني الجيد عليه في الاقل ان يشذب الجنون اذا لم يكن قادرا على وصف العلاج. kh kwelo 7
ــ وماذا عن الكتّاب ؟

( ضحك باولو كويلو ، وهو يقول “اعتقد نحن الكتّاب نملك شيئا اخر ، نوعا من الجنون في دواخلنا ايضا ، وبخاصة اولئك الذين يكتبون عن الغموض وروايات الجريمة)
ــ والعودة الى الخلف ‘ الى قديستك تيريزا ‘كيف بدا لك كل ذلك؟

ــ في السنة الماضية ،قبل ان التقي واياك باسابيع في مدريد . كنت عائدا من المانيا، وكنت قد سُئلت ان اكون عرابا الى احدالاطفال وان القس الذي انجز التعميد شرع بالحديث معي عن القديسة تيريزا ، خلال وجبة طعام ، وقد اهداني احد كتبها. وتركته في الفندق. اذ كما تعلم انه من الصعوبة جدا الاحتفاظ بالكتب اثناء السفر . والاسواْ من ذلك اذا لم تكن ذا فائدة تذكر.ولكن قبل المغادرة ساْلت القس ، ان يمنحني بركته ، لانني كنت على وشك ان اشرع بجولة طويلة جدا . اقتادني القس الى احدى زوايا الفندق وباركني ، بيد انه ركع ‘ وقال لي : الان عليك ان تباركني ” انا ” سالت لا افهم ماذا يجري؛ لانني اعرف ان الكهنة هم الذين يمنحنون الناس بركتهم. وليس العكس . بيد انه اصر ، وكان سعيدا لانني منحته بركتي .
هذه كانت البداية . وقد جاءني شخص قبل افتتاح معرض الكتاب ،– رميت الكتاب الذي اعارني اياه الكاهن دون ان اكلف نفسي قراءته- وقلت له ، لدي رسالة لك من القديسة تيريزا ، ساخبرك بها . على فكرة انني وصلت مرحلة في حياتي اصدق فيها كل شيء . فان قال لي شخص ما ” تعال ، نشاهد الخيول الطائرة ، فانني ساذهب معه دون تردد . غريزتي الاولى ‘ هي ان اعطي الناس فائدة الشك . مع انه يجب علي القول ، اذهب ، لانني لا احترم الكذابين . وقد شاهدت معجزات كثيرة في حياتي ، لدرجة عندما يقول لي غريب ، انه يحمل رسالة لي من القديسة تيريزا ، فانني سرعان ما اصدقه.

ــ لكن يجب ان يكون الامراكثر من ذلك ، ان تلك القديسة ستلعب دورا في حياتك؟

ــ بالطبع ، لانه منذ تلك اللحظة ، فصاعدا بداْت اكتشف اشياء لا ينتابني اي شك فيها . فعلى سبيل المثال، اخبرني والدي ــ والدي الذي ارغمني على الدخول الى مستشفى المجانين عندما كنت صبيا ــ ان والدتي كانت دائما مخلصة جدا لتلك القديسة وعلى فكرة ؛ يصور الان فيلم عن رحلاتي . انه نتاج فرنسي ـ كندي ـ اميركي مشترك . وذكر لي المصور ، في اليابان ــ اننا لم نذكر ثيمة الموضوع ــ ‘ وانا الان اقوم بانتاج فيلم عن القديسة تيريزا‘ لانها قديسة حياتي . هل باستطاعتك ان تحدثني عنها؟اعرف انك لا تؤمن بالقديسة تيريزا، ولكن … ماذا تعني انني لا اؤمن بالقديسة تيريزا ! قلت ان ثمة نذر شؤم ، انني ساقص عليك الحكاية ، لانك منذ البداية شرعت تنكر علي هذه النذر ، عندما تحافظ النذر على الظهور فانها تقوم بطريقة فردية جدا ، وبلغة غير قابلة للخطأ ؟
ــ ولكن ، ماذا يحدث اذا اخطأت ، واتبعت اثارها الكاذبة هل هذا سيدمر حياتك ؟

ــ انها مسالة حساسة ومهمة بالنسبة لي. فان الخطر من وجهة نظري لا يحتوي على امكانية صنع غلطة ، واتباع نذر تتحول الى شيء كاذب . فالاخطار العظيمة في البحث الروحي يشكلها مرشدون روحيون ، وا ساتذة ‘ واصوليون : ما اشرت اليه سابقا بوصفه عولمة الاشياء الروحية . عندما ياتي انسان ما ويخبرك : هذا الاله ، ذلك الاله ، الهي اقوى من الهك ، بهذه الطريقة تبدأ الحرب . فالطريقةالوحيدة للهرب من كل ذلك ، هي ان تدرك ان البحث الروحي هو مسؤولية ذاتية لانك لا تستطيع ان تتحول عنها وتأتمن الاخرين. ومن الافضل ان تقوم بغلطة متبعا النذر ، لان ضميرك يخبرك انه ما زال يقودك . افضل مما تدع الاخرين يقررون قدرك . وكل هذا يجب الا يؤخذ على انه نقد ديني ، والذي اعتبره ظاهرة مهمة جدا في الحياة الانسانية.
ــ اذن ، ماذا يعني الدين بالنسبة لك ؟

ــ انني ارى الدين عبارة عن مجموعة من الناس الذين يجدون لهم طريقة جمعية للعبادة . قلت عبادة .وليس طاعة . لانهما شيئان متباينان .هذه المجموعة من الناس يمكن ان تعبد ، بوذا ، ا لله ، الرب ، الاب اليسوع ، وهذا لا يهم . وما يهم هو ، في اللحظة التي نصل بها الى الغموض ، نشعر باتحاد اكثر. وانفتاح اكثر للحياة .وندرك اننا لسنا وحدنا في هذا العالم . ذلك اننا لا نعيش العزلة . هذا هو الدين بالنسبة لي . وليس مجموعة من القواعد والانظمة المفروضة علي من قبل الاخرين .

ــ ولكن ، اذا لم اكن مخطئا ‘ انك قبلت بتعاليم الكنيسة الكاثوليكية التي عدت لها بعد فترة العلمانية.

ــ نقاش التعاليم يمكن ان يستمر مدة طويلة ، انك تقبل بالتعاليم لانك تريد ان تؤمن بها . وليس لانها مفروضة عليك ,حينما كنت صبيا قلت ، دون ان املك ذرة واحدة من الوعي ، هذا الشيء هو نفسه يحدث لدى الاخر؛ فمريم قد حملت بعيسى دون ان تقترف ذنبا ، لان المسيح هو الرب ، والرب هو الثالوث المقدس . وبعد ذلك ‘ فهمت ماذا يعني اللاهوت اليميني ، واللاهوت الليبرالي . وكلا الاثنين متساويين . انهما يشكلان ذلك التغير والنمو. ولكنني الان ، في الخمسين من عمري ، في حين تبلغ التعاليم قرونا من عمرها . وطبقا ليونغ Yung فان التعاليم هي شيء عبثي جدا ، ومظهري ، في التفكيرا لبشري لانها ما وراء فكرة الوعي .
وهذه الايام ، لا يهم كم من العبثية التي قد تظهر ، انني اقبل التعاليم بحرية ومن اعماق قلبي ، ليس لانها مفروضة علي؛ وليس لانني اشعر مرغما بقبولها ‘ كما هو الحال في الماضي . بيد انني احاول ان اكون متواضعا امام الغموض . واذا تعمقنا في الموضوع ، فان جميع الاديان لها تعاليمها ‘ التي هي مثال لاغلب الغموض السري العميق . ويبدو لي ذلك جميلا‘لانه ليس ثمة سبب ان شيئا ما ‘ لاافهمه عقليا ، ويجب الا يكون حقيقة . ذلك ان الغموض موجود من حولنا .

ــ المشكلة ، ان الاديان تحاول ان تفرض تعاليمها من خلال الخوف من العقوبة الابدية ؟

ــ عشت هذا في طفولتي ، لذلك تخليت عن الدين ،وتحولت الى رجل علماني ، وكنت مقتنعا ان الكاثوليكية كانت اسوأ شيء في العالم ،لا تعدو كونها طائفة اخرى ليس الا .ولذلك ايضا ، علي ان اقوم برحلة طويلة قبل رجوعي اليها . انني لا اقول ان الكاثوليكية هي افضل من اي دين اخر ، ولكنها تكمن في خلفيتي الثقافية ، و تجري في عروقي. وكانت تشكل لدي مسألة شخصية واختيار حر . فانا استطيع ان اختار الدين الاسلامي ، او البوذية‘ او لا شيء. بيد انني شعرت انني بحاجة الى شيء اخراكثر من العلمانية في حياتي . ولهذا اخترت الكاثوليكية كطريق للتماس مع الغموض مدة طويلة مع الناس الاخرين الذين يؤدون القداس . والتعاليم بالطبع ، هي شيء يمارس عبر الطقوس . والبحث عن الغموض هو البحث عن الحريةالعظيمة .

ــ ولكن ‘ الم تجد انها تشكل معضلة ، اذ ان تلك التعاليم التي قبلتها ، هي طريقة تمارس للاتصال مع النور الالهي ، المتأتي ايضا من مؤسسة تخلق البحث الذي يشكل فعلا ضد اولئك الذين يرفضون تلك التعاليم.؟

ــ نعم ‘ ومن كنيسة ما زالت تنكر على المرأة حقها في المشاركة الكاملة في الحياة الكنسية (الاكليركية).

ــ كمؤسسة تملك حق السلطة ، وهكذا فانها‘ في الغالب مقيدة اخلاقيا.

ــ في اميركا اللاتينية ، سببت معاناة كثيرة ، وفي اسبانيا ايضا .

ــ بالرغم من ذلك ، ليس لديك مشاكل ….؟

ــ كلا ، لانني اعرف كيف امايز بين الجوهر والدين ومواقف اتباعهما ، الذين ربما يكونون اخيارا او اشرارا والذين يمكن ان يسيطروا على الدين . فانا ارى الدين هو مجموعة من الناس الذين يصفّون جسدا حيا يتطور او يتضمن مظاهر كل بؤسها وسموها .
ــ اذا كنت قد فهمتك تماما، ان ما تريد انقاذه من الدين هو الغموض وتبادل الافكار بين المؤمنين .
ــ انني مهتم بالناس الذين يؤمنون بذلك الغموض ، وليس اولئك الذين يحتفلون به . ربما لا يحظون بالاحترام . . ففي حكاية السومري الطيب ، فاننا نرى ان اليسوع يوبخ سلوك لاويLevite الذي صادف ان مر قرب رجل جريح ولم يتوقف عنده . وكان لاوي هذا رجل دين في ذلك الزمان .وعلى الضد من ذلك؛ اثنى اليسوع على السومري الذي ساعد رجلا جريحا .وكان السومري رجلا علمانيا كما هو معلوم .kh kwelo 8

ــ هل تعتقد ان كل بحث روحي يتطلب قيام كنيسة؟

ــ كلا ، العكس تماما ، يجب ان تكون دقيقا جدا عندما تنضم الى الكنيسة ، كي لا ندعهم يحاولون ان يتولوا مسؤولياتك . وما اعتقده هو الدين ذاته وليس خارجه . وليس في التناقض في البحث الروحي الذاتي . والشيء المهم هو ان تخلق فضاء واسعا داخل ذاتك. وتتحرر من الفائض . وتبحث عن الامتلاء الروحي، والاهم ان تكون دائما في الطريق .
واتذكر في حياتي الهيبية ، كانت دارنا مزدحمة بالاشياء : بوسترات ، ومسجلات ، وكتب ومجلات اخرى .
وقد حررت نفسي من كل ذلك الان . وكما ترى فان بيتي واسع جدا ، بيد انه فارغ . ولا احتفظ فيه باستثناء اشياء رمزية قليلة.
وحتى كتبي فهي مخفية بعيدا عن الانظار ، لانني لا ارغب ان اعرض ما اقرأ او الذي قراته .

ــ انني مستمتع جدا في اهمية ما تعزوه انت الى الفراغ ، وهناك قصيدة رائعة ل لوتسيLao- tse تقول :

اننا نضع ثلاثين دولابا معا ونسميهاعجلة
ولكن في الفضاء ، لا شيء هناك
مفيد للعجلة
يمكن ان نحول الطين الى وعاء
ولكن في الفضاء لا شيء ثمة
مفيد في الوعاء.

اننا نثقب الابواب والشبابيك لنبني بيتا ،
ولكن في الفضاء لا شيء مفيد
لتلك البيوت
وعلى هذا ، فقد استفدنا بما قد يكون مفيد
ونميز المفيد من غير المفيد..

هذه قصيدة رائعة فعلا ، وفي واقع الحال ، احاول الان ان أبسّط حياتي الى اقصى درجة ممكنة . و اختزلها لتكون اصيلة . وحتى في سفري فانني آخذ معي الاشياء الضرورية تماما . وهكذا فانني اشعر بالخفة والحرية.
قال بوذا : انه من البساطة جدا للرجل المهم ان يتسم بالعفة ، وعلى الفقير ان يبتعد عن الثروة. لم اكن عفيفا ، ولكن من جانب اخر ، ومنذ ان بدأت تدريجيا اكتشف الحياة البسيطة والاكتفاء بالحاجات القليلة التي تمنحك حياة سعيدة . وفي الحقيقة عند ما اسافر فانني احمل معي حقيبة صغيرة ، وادركت ان هذه الحقيبة المتواضعة تلازمني في سفرات طويلة او سفرات قصيرة . ليس ثمة احد يشعر بالامتلاء اذا لم يكن قادرا على إفراغ نفسه من الداخل ، كما يفعل المتصوفة ، و كما اخبرتنا الديانات الكبيرة .

ــ إنك تؤكد ، ان على الرجل ان يتبع المنعطف الروحي ، مهما يكن الامر ، لانه لا يمكن أن يكون سعيدا تماما مع الاشياء المادية ، مهما كانت ممتعة . ولكن الا تعتقد في بعض الاحيان ان الخوف هو الذي يقود الناس الى الالتجاء نحو الاشياء الروحية.؟

ــ كلا ، كلا لماذا؟في كل عصر يبحث الانسان عن المجهول ، لما ذا لا يكون واضحا وجليا وملموسا ، انهم بحثوا بالاف الوسائل ، أحيانا ارتكبوا اخطاء في الاستعدادات والمنطلقات ولكن ، افضل الرجال وافضل النساء هم الذين يحجون دائما من اجل البحث عن المجهول

ــ اذا رتأيناا الدقة ، ان الحقل الذي اكتشفه الانسان دائما ما يكون في حالة ازدياد ، وانه ينزع الى ما هو غير مكتشف ، مهما يكن ذلك الحقل ، اليس كذلك؟

ــ تماما ، ما يحدث اننا احيانا نعيش فخ خدعة اليوتوبيات : فقد حاولت يوتوتبيات ماركس ان تغير كل شيء ، عن طريق تغيير بنى المجتمع والتحرر من الراسمالية ‘ ولم يتغير شيء . وثمة يوتوبيا اخرى ، هي يوتوبيا فرويد التي اخضعت علاج الروح بالعودة الى الماضي . واليوبوبيا الثاثة ،هي اليوتوبيا المحافظة ، التي حاولت ان تحل كل شيء عن طريق ترك الاشياء كما هي . دون ان تحرك شيئا . لم يتغير شيء باستثناء الحد الادنى من المحافظة على الاشياء كما هي . والان، فان جميع يوتوبيا ت القرن العشرين قد اخفقت في الاقل في اغلب اقسامها.

ــ وما هو البديل اذن ؟!

ــ التواصل مع البحث العظيم ، الانعطاف ازاء مكان ما ، ما يزال مجهولا ، ازاء البحر الهائج ،ومواجهة الاخطار ، وخدع السادة والرؤوساء الذين يريدون ان يفرضوا علينا الاشياء والعالم ، من خلال رؤيتهم . .
انت قلت في وقت مبكر ، ان الناس احيانا يذهبون باتجاه البحث الروحي خارج الخوف ، ولكن خارج الناس الخائفين ، فان ذلك ‘ يعني انهم سيبقون جالسين على الشاطيء دون محاولة اي شيء . ان البشرية في حالة تقاطع طرق . من جانب الاتجاه المالوف الحالي في المحافظة ، والشفافية ، والنظام الشرعي ، والفرض ، والدين كنظام شرعي للسلوك ؛ يقابل ذلك من جانب اخر‘ الغابة المظلمة ، والمجهول ، الجديد ، والثقافة الابداعية ‘الحقيقية ، والبحث عن الاسئلة التي ما زالت بحاجة الى اجوبة ، وقبول الحياة كمغامرة في البحث عن الروح .

ــ ان احد نقاد كتبك ، زعم ان هذاا لقرن ، والالفية الجديدةلم يعودا بحاجة الى مطالعة كتبك ؟

ــ من اللافت للنظر،ان نهاية القرن ما غيرت شيئا بالنسبة لي . وفجاة وجدنا انفسنا ،لا نتحدث عن الالفية الجديدة كثيرا . لاننا قد رأينا كيف ان الاشياء لم تتغير وبقي كل شيء كما هو . وأولئك الذين ينتقدونني ربما يتوقعون شيئا خاصا قد يحدث . بينما كنت متاكدا ، ان لا شيء من ذلك يحدث . والمشاكل التي واجهنا في منتصف الليل لتلك الليلة ، فاننا ما زلنا في اليوم الاول من الالفية الجديدة . العالم مستمر ، ما زال الناس ينتابهم الخوف . الامال والرغبات ذاتها ما زالت تبحث عن شيء ما ، يروي ظمأها . وتبحث عن شيء لم ينضب لازم البشرية طيلة هذه القرون كان وما زال هو الدافع للبحث عن المجهول .

( في هذه اللحظة من الحوار عبرت طائرة سمتية سماء الشاطيء تجر خلفها ذيلا طويلا مثيرا للانتباه باتجاه المحطة الثانوية في ريودي جانيرو و بعد خمس عشرة سنة من الانتظار قد وصلت اخيرا على مسافة خمسين مترامن شاطيء كوباكابانا الاسطوري
)
ــ والعودة الى موضوع البحث الروحي ، هل ترى حقيقة انه مخاطرة كبيرة؟

ــ انه بالفعل مخااطرة كبيرة ، انه الشيء الاكثر اثارة الذي حصلنا عليه . في غرناطة من العام 1492 ، ــ المدينة التي وجدتها اكثر سحريةــ ان المنطق قاد ذلك باتجاه افريقيا‘ واعيد مرة ثانية غزوغرناطة . وقد نفوا عبد الله Baobdil،اخر حكام المغرب العربي.ما هي مخاطرتهم القادمة اذن ؟عبور المضيق باتجاه افريقيا . ولكن الحاكم الذي تنازل عن حكم المغرب قال : ما هي افريقيا ؟ اننا نعرف افريقيا جيدا ، انني اريد المال للذهاب الى بلاد الانديز Indies،وماذا تعني الانديز، هل هي رجلا ؟ افريقيا هي المكان المنطقي . لهذا انا لا احب اتباع المنطق ؛ ولكنني افضل فلسفة التناقض التي غالبا ما تنتصر على المنطق والوضوح . والحقيقة ، ان ذلك الرجل الذي كان هناك هو كريستوف كولومبس ، ولم يكن يرغب في المغادرة حتى السنة القادمة ، ولم يغادر في السنة السابقة . كما انه لم يغادر في السنه التي اعيد فيها غزو غرناطة. وفي الثاني عشر من اكتوبر في تلك السنة تماما 1492، ذهب كولومبس الى اميركا. تدفق الجميع نحو اسبانيا ذات الطاقات الهائلة وهذا يعني من الناحية المنطقية التدفق نحو افريقيا ؛ ومن بعد ذلك ، تحول التدفق باتجاه اميركا .kh kwelo 11

ــ وشكرا لذلك ، اننا هنا.

ــ ان ذلك الانسان ، ليس هو النظام السياسي او المنطق العسكري ــ انه راس خنزير خطر ‘،كان قادرا على تغيير الاتجاه في كل شيء يتوقعه سياسيو هذا العصر .
هذه اشياء تغير العالم ، واليوم ما زال الشيء ذاته يحدث على نطاق واسع او ضيق ،وبالطبع ، ليس من السهولة بمكان ان يغير انسان واحد اتجاه العالم . ولكن عندما يكون جميع اولئك المغامرين الذين يؤمنون وما زالو ا مستمرين في البحث عن المجهول . يوضعون معا ‘ واولئك الذين يَََدعون انفسهم يحملون عن طريق طاقتهم الروحية ، دون الشعور بالالم لمنطق ديكارت . انتهوا الى خلق جماهير تمتلك حسا عاليا بالنقد قادرة على تغيير مسارالاشياء . فضلا عن مخاطرات روحية. ثمة اليوم مغامرون روحيون اكثر مما يفكر فيه غالبية الناس . فقد سافروا الى بحار غير معروفة وكانوا في نهاية المطاف لم يعرفوا كيف يبحرون ، وفجأة انهم غيروا رياح التاريخ.

ــ هل بالامكان معرفة هؤلاء المغامرين الروحيين من بين تلك الجماهير التي تناضل في داخلها من اجل رغيف خبز ؟

ــ نعم ، لان عيونهم تلمع بضوء الحماس . وقد قمت بتأليف رواية اطلقت عليها اسم : يوميات محارب النور” انها تتحدث عن اناس عاديين ما زالوا يؤمنون باكتشاف المجهول . انهم معلمون دون ان يكون لهم اساتذة . والحقيقة اننا في هذا العصر‘جميعا مريدون ومعلمون في ممارسة حياتنا اليومية ، كالرجل الاجنبي الذي لفت انتباهي عن موقف ضابط الشرطة ازاء الرجل الجريح على شاطيء كابانا . كان استاذي لانه جعلني استطيع القيام بشيء ما ، لانني برازيلي . اذن‘ اننا جميعا اساتذة . محاربو نور ومخاطرون روحيون جدد . ويعرف بعضهم البعض . انهم يملكون كل العيوب والتفاهات ومشاعر الذنب البشري . ولكن ‘ في الوقت ذاته ، انهم يملكون شيئا اخر. هو النار في عيونهم . انهم يجربون الاشياء والحياة عن طريق الحماس . مع انهم لا يشعرون بانفسهم في ان يكونوا مختلفين ومتمايزين .

ــ انه ترياق ضد الانهزامية والعزلة اللتين تغزوان الانسان المعاصر ، الذي يعتقد ان ليس ثمة فضاء جديدا ، خارج المخاطرات الاعتيادية.

ــ نعم ، لانهم يعرفون انهم ليسوا وحدهم . اعتقد ان واحدا من الاسباب في نجاح كتبي ،والذي من الصعوبة هضمه من قبل كثير من الناس ، لانه يحتوي على نذر الشؤم ، ويحاول مساعدة اولئك المغامرين الروحيين لمعرفة ذواتهم ، فانا لا اكتب عن نذر الشؤم ، باستثناء فقرة واحدة وردت في رواية ” الخيمائي ” ولكن كل من قرأها فهم تماما عم ماذا اتحدث ؟

ــ ولماذا ذلك ؟.

ــ لاننا كلنا نكمن في داخل ذواتنا ، في ذلك الاهتزاز ، والكاتب هو الوحيد الذي يعبر عن هذه المغامرة . ما هي البدع التي قدمتها كتبي ؟ ما الذي اشارك فيه قرائي ؟ حياتي ، وتجربتي . وهكذا‘ ثمة قاريء في اليابان ، يملك ثقافة تختلف عن ثقافتي ، اخبرني : قد فهمت ذلك ، انني لا اعرفها على المستوى الاخلاقي بيد انني احسستك انك تعبر عن مشاعري.
اما رواية : فيرونيكا تقرر الانتحار ” التي تلامس مواضيع الجنون والانتحار ، فقد قمت باستنساخ عشر نسخ من المخطوطة واعطيتها الى قراء متباينين في تفكيرهم ومشاعرهم لقراءتها . وكانت دهشتي كبيرة ، ان كل واحد من هؤلاء القراء ينتمي الى اسرة فيها مس من الجنون او الانتحار. وجاءتني رسالة من انجلترا تقول:”تسلمت روايتك ، واحببتها واعتقد انه الزمن الوحيد في حياتي شعرت فيه انني بعيد عن الاله عندما حاولت الانتحار . لكنني ما زلت حية . كانت الرسالة بتوقيع اميليا ؛ اذن اميليا ، هي امراة كانت تعمل معي اكثر من عشرين سنة . وكنت تماما ، لا اعرف عنها ادنى فكرة ، وانها حاولت الانتحار.

ــ بعبارة اخرى ، ان الكاتب محفز لتجارب الاخرين.

ــ نعم ، انه محفز ، وليس عنصرا انتقاليا . ووظيفته تماما هي ، الا يمزج بين العناصر ، عليه ان يسمح لها بالظهور . وبالطبع ان الناس يكتشفون الاشياء طالما انهم يسيرون الى امام . واعرف رجلا يدرس القانون بيد انه ادرك ان ما يمتع النفس هو الاهتمام والاعتناء بالحديقة . وقد تلقيت الاف الرسائل من قراء يرغبون في تغيير نمط حياتهم وكرسوا انفسهم للاعتناء بالحديقة . والبعض منهم ان عوائلهم تعتقد ان افضل الاشياء هو الهندسة؛ ولكن ما هو افضل شيء يحبونه في ان يكونوا قادرين على العمل في الحديقة ، وفي الهواء الطلق ‘والاتصال مع الطبيعة .

ــ هذا كله شيء رائع ، ولكن الم يحدث لك ان انسانا ما ‘ قد اخفق في متابعة رسالتك؟

ــ نعم ، ثمة من اخفق في ذلك ؛ هو انا.

ــ هذه نكتة!

ــ حسن ، دع النكتة جانبا ، في الواقع انني لا ابعث رسائل الى اي شخص . وفي كتبي ، اقول تماما‘ ما يحدث في حياتي . إنني اقول يحدث هذا في حياتي . ولكنني لا أضيف ، يحدث هذا في حياتك . ابدا ، فانا اتحدث عن مأساتي ، عن اخطائي وكيف اقترفتها . كلا ‘ انا لا اقول ذلك هو الحل لكل انسان ، لان لكل انسان حياة تختلف عن حياة اخرى ، وكل انسان لديه حياته الشخصية . وفي الواقع ، اذا سطرنا كل الحيوات الانسانية على كوكب ما ؛ فاننا لن نجد حياتين متطابقتين .
وانا لا اؤمن برسائل جماعية . اؤمن بالمحفز ‘ بالعنصر المثير . فعلى سبيل المثال ‘ انني احاول ان اوضح الامور من خلال تجربتي الشخصية ‘والاخفاق هو ليس مثل الانتحار . والذين يخفقون في حياتهم لايحاولون مواجهة معركتهم ويدحرون اولئك الذين يكونون قادرين على مواجهة الصراع. وهذاالاندحار ليس عارا . انه يمكن ان يكون عملية بهلوانية تؤدي الى انتصارات جديدة .
وهكذا ، فان خوزيه ساراماغو ، Saramago Jose ، اكد بثقة في كتابه : الحب الممكن” Possible Love ليس هناك ما نسميه اندحارا حاسما ، او انتصارا نهائيا ، لان الاندحار في عصرنا يمكن ان يتحول الى انتصار في الغد .

ــ صرحت انك مؤمن ؛ فمن هو الهك؟

ــ ليس اكثر من تجربة ايمان . لانني اعتبر الاله المحدد يمكن ان يكون فخا . وقد وجه اليًًّ مثل هذا السؤال في احد المؤتمرات .

واجبت : ” لا ادري ، ان الهي يعني الهك تماما ، وقد ضج الحضور بالتصفيق . انه ما يشعر به الناس ‘ اذ ليس ثمة اله يناسب الجميع. لان الاله من وجهة نظري هو مسالة شخصية .
ــ يقول ليوناردو بوف : ان الاله هو الالام العظيمة .
ــ وفي هذا المعنى ، فانه الشيء ذاته لكل انسان . لاننا جميعا قادرون ان نغذي ونخدع العاطفة العظيمة .

ــ اذن ‘ ما هو الرجل العلماني في طريقة تفكيرك

ــ من وجهة نظري ، ان الفعل الشكلي للايمان ، او عدم الايمان بالاله لا يغيران شيئا . فانا اعرف علمانيين يحيون حياتهم بصدق ، افضل الاف المرات من اولئك الذين يسمون انفسهم مؤمنين ، لان المؤمن احيانا يغرى بالتحول الى ايمان اخر ، لان ايمانه بالاله حقيقة بسيطة . اما الرجل العلماني فهو الذي يسال الاله من خلال الاعمال . كما قال الحواري القديس جيمس : ما يسمح لنا ان نعرف انفسنا مثل اطفال الاله هي الاعمال . وليس احترافنا للايمان . ارني اعمالك وساريك ايمانك .
ومن جانب اخر، ان اولئك نحن ، الذين ندعوا انفسنا مؤمنين ؛ علينا ان نعترف ان ايماننا هو دائما ايمان هش ‘ فانا اليوم اؤمن على سبيل المثال ، و ايماني قوي ، وفي الليل يتلاشى . لذا فان الايمان ليس خطا مستقيما .

ــ اعتاد الكاتب الصقلي Leonardo Sciascia ، ان يقول ، انه احيانا يؤمن بالرصيف بيد انه فجأة يعبر الشارع ولم يعد يؤمن به.

ــ تماما ‘ ان الاختلاف هذا هو ان المؤمن يملك قناعة ثابتة في وجود شيء ما خلفه ‘ مع انه لا يشعر بذلك الايمان .
ــ في واحدة من النقاط التي تحدثت فيها ، وقلت عندما اقوم بالاتصال بمركز الطاقة فانني اشعر بالسرور ‘ فما هو السرور من وجهة نظرك؟

ــ هذا ليس شيئا بسيطا . كنت ابحث عن مفهوم السادية الماسوشية sadomasochism، وان السرور هو عملية معقدة جدا لانه ياتي احيانا من خارج الالم . وانا لا استعمل دائما الكلام المجازي .و ذات مرة قال بورخس: ان ثمة اربعة مجازات حقيقية ، وانا هنا اريد ان استخدم مجازا واحدا حسب؛ فالسرور من وجهة نظري ، هو ” معركة جيدة” وهذا شيء يختلف تماما عن السعادة . وانا لا اريد ان اربط السرور بالسعادة . ففكرة السعادة لدي هي السأم الزائد مثل قولك : في احد المساءات حينما لم يحدث اي شيء . وكتابي ” مذكرات فارس النور” يتحدث عن الصراع والكفاح والحماس من اجل مواجهة معركة لشيء تؤمن به .احيانا تربح المعركة ، واحيانا اخرى ‘،تخسرها ؛ وهذا لا يهم ‘ المهم هو الصراع الذي يؤدي الى شيءما ، وهذا يعني من وجهة نظري سرور الحياة. وهكذا ‘ دعنا نقول ان السرور هو كل شيء تقوم به بحماس في حياتك . والذي يمكن ان يتضمن المعاناة والالم . ولكن هذا لا يلغي السرور البالغ خاصة اذا كنت تصارع من اجل شيء ما تحبه.

ــ وهكذا ‘ ان جميع الناس يلهثون وراء سعادة جاهزة.

ــ اعتقد ان هذا هو فخ . واعتقد ان السعادة هي سؤال لا يحمل جوابا . كما لو انك تسأل من انا ؟

انه سؤال عبثي . وقدانفقت البشرية الاف السنين للبحث عن هذه السعادة التي لا معنى لها ، السعادة هي شيء تجريدي . ولكي اقول الحقيقة ‘ انني غير سعيد.

ــ حتى وان صدر لك كتاب جديد ويباع مثل كعكة ساخنة؟

ــ كلا ،في هذه الحالة ، انني ارتعش ، انها لحظة توتر وتحد. وهذ ما يجعلني ارتعش . لانه ثمرة المعركة التي اشعلتها للتضحية بالنفس . اما السعادة فلا .السعادة حينما تقول : اه ، حسن ، انني طبعت كتابا ناجحا . انني ازعم انني كاتب . والان يمكنني ان انام وانا سعيد . وهذا ليس بحقيقي ، فانا رجل مقتنع بصعودي وهبوطي . اربح معركة او اخسرها ؛ او اند حر. بيد انني دائما اشعر بالمتعة‘ متعة مصارعة الثيران.وفي الواقع ، انني اعبد تلك المصارعة . رغم انني اعرفها انها سياسيا غير صحيحة في العالم .

ــ انا لا اعبدها ..

ــ ولكنني عكسك ، لانها لحظة المواجهة المباشرة مع الحياة والموت . وليس ثمة مجال للفلسفة هنا . لان الامر واحد من اثنين ، اما الثور ، واما المصارع يجب ان يموت. وهذا ما يدفع المتحمسين لقبول احدهما . فالثور يعادل المصارع في المتعة والثور الذي لا يجلب المتعة هو لاشيء في الحلبة.

ــ ولكن كثيرا من الثيران تلقى حتفها اكثر من المصارعين .

ــ هذا صحيح ، ولكن احيانا ، يموت المصارع وهو يعرف جيدا انه يخاطر بحياته ، في كل مرة يذهب فيها الى الحلبة . ولهذا ، يؤدي الصلاة الى مريم العذراء قبل بداية الصارعة . وعندما يصدر لي كتاب اشعركما كما لو انني ارمي نفسي في الحلبة . انا مقتنع رغم انني اعرف انني اواجه الخطر . وانني مقتنع ايضا في ان اقبل التحدي . انني اصارع لكي ادخل الحلبة مع ادراكي انني ربما ساندحر انهم يستطيعون ان يصلبونني ، بيد انني اشعر بالمتعة في الحصول على الشيء الذي انطلقت من اجله : ولادة كتاب جديد .
والحياة من وجهة نظري ، تشبه مصارعة الثيران ، علي ان اواجه ثور مسؤوليتي في كل لحظة . ولا ادري ان كنت قد احقق نجاحا ام اخفاقا . كل ذلك يمنحني متعة ؛ وليس سعادة.

ــ قلت ذات مرة ، انك تعد نفسك شخصا تميل للتطرف ، في هذه الحالة ، انك لا تحب تناغم سلام الغزو ايضا ‘ ان ما تفعله هو متعة الصراع .

ــ تماما ، اني لا احب التناغم في حياتي ،اعتقد ان الحياة تنتهي في اللحظة الني يتوقف فيها الصراع وتقول : ها ، انني قد وصلت . وهذه هي السعادة . والتي لا احبها ولا ابحث عنها . انظر ، يا خوان انني شعرت بتلك الطريقة مرتين او ثلاث مرات في حياتي . تلك هي السعادة . عدم الحركة في نهاية الطريق . ولكنها لا تستمر طويلا لان الرب الجيد هو الذي يوجه لي ركلة فجأة ويعيدني مرة ثانية الى الحركة . اعتقد ان الناس يمكن ان يقسموا الى اولئك الذين يبحثون عن السلام الروحي وفرسان الضوء والذين كما قال القديس بول ، حب الصراع المتواصل دون ان يتوقف عنداكاليل الغار وان مصارع النور يشبه مصارع الثيران الذي لا يمكن ان يتصورالحياة الحيوية دون ان يكون في الحلبة قدر الامكان . وحياة الكاتب هي ايضا من ذلك النوع من التحدي كونه دائما على الشاطيء ويعرض كما تعرض النصب التذكارية للسخرية .

ــ اذا كان عليك ان تشرح الى مجموعة من الشباب من هو بولو كويلو؛ فكيف تصف نفسك ؟

ــ اوصفه مثل حاج يسافر الى منعطف لا نهاية له . مثل حاج يعرف اين يوجد الكنز الذي تقوده نذر الشؤم . مثل شخصية الراعي في رواية ” الخيميائي ” ومن المهم ؛ بالنسبة له ان يصل الكنز . وهناك لم يعد يشعر كما كان في السابق . انه قد تغير تماما ‘ انه اصبح انسانا اخر ، انهما المنعطف والبحث اللذين يشكلانك ويغيرانك . انني احافظ على البحث دائما ..

______________________

* كاتب ومترجم عراقي ــ مقيم بالسويد
العنوان البريدي: alaame 2003@ yahoo.com

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| رزکارشواني : كركوك .. حفل توقيع كتاب للكاتب شكر خليفة ساله يي .

اقامت مكتبة كاريز الثقافية في مدينة كركوك مساء يوم ااربعاء 17 آذار 2021 حفل توقيع …

| شروق حمود : “عن المعاناة” للشاعر: شو جيانغانغ.

المعاناة شاعر يمشي على الطريق الشائك متلفحآ بصليب المعاناة صلاة الشاعر اليومية قبل العشاء شكرآ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *