سلام ابراهيم : حول أدب السيرة

salam ebrahim 9أثارت الكاتبة العراقية الزميلة “لطفية الدليمي” موضوعاً حساساً في كلمة على صفحتها في الفيس بوك يتعلق بأدب السيرة الذاتية والاعترافات مؤشرة إلى أن ضيق الحرية في الوطن العربي والعراق كانت عاملاً في غياب هذا النمط من الكتابة الذي من المفترض حسب كلمتها أن يكون شجاعاً وكاشفاً، ومبدية خوفها بشكل عام من كتابة هذا النوع الأدبي، لخطورة ما سوف يتعرض له الكاتب، أو الكاتبة من تشويه وتسقيط اجتماعي وسياسي لتصل في نهاية كلمتها ما نصه:
(نحن مجتمعات جوانية ،منطوية على خراب تظنه أفضل ما في الكون ، مجتمعات ضد نزعة الكشف والاعتراف ، مجتمعات ترتضي بالدعارة المخفية وتحارب الحب النقي المكشوف.
عن أي مجتمع نتحدث ؟)
في الوقت الذي يحمل فيه هذا التشخيص موضوعاً جدياً وضرورياً يكشف عن:
أولاً: أمور تتعلق ببنية الكاتب الفكرية وفلسفته من ناحية والموقف من ناحية أخرى، فالزميلة تمثل جيلاً من الكاتب أعرضوا عن كتابة لا أدب السيرة فحسب، بل عن الإشكالات الجوهرية زمن الحكم الشمولي والدكتاتور صدام حسين الذي أشعل حروباً لم تنته بل استمرت حتى الآن، فكانت كتاباتهم غامضة ومبهمة ابتعدت زمن السلم عن المشاكل الجوهرية والحياة السرية للإنسان “كما فعل مثلا فؤاد التكرلي” وزمن الحرب عن محنته في تلك الظروف حيث هددت كينونته بين موت في الجبهات أو في ساحات الإعدام أو في الزنازين أو تخفي في غرف أو أنفاق تحت الأرض أو تشرد في دول الجوار، بل اتجهت إلى التاريخ والكتابة الغامضة حول التصوف أو شخوص حضارات العراق القديمة أسوة بجيلها كمحمد خضير وجليل القيسي ومحمود جنداري.وكان الأمر مفهوماً فالكتابة الصريحة زمن الدكتاتور تعني القتل في الوقت ذاك. لكن كاتبتنا تعيش منذ سنوات في الأردن وحرة بما تكتب، نتمنى بعد إعلان كلماتها قراءة نصوص لها، شجاعة حسب تعبيرها، فيها كشف وتجربة حقيقية وسيرة ذاتية (لا كما كتب سياسيو العراق ورجال أحزابه مذكراتهم المليئة بالكذب وقلب الحقائق أو إخفائها)، فلطفية الدليمي امرأة خبرت الحياة السياسية والاجتماعية لو كشفت عنها من زوايا صريحة، دون خوف من كلام مثقفي قيم مجتمع ينحط يوما بعد آخر، لأفادت كثيرا الأدب العراقي والأجيال القادمة مثلما أفادت “إيزابيل اللنيدي” مثلاً بكتاب سيرتها”حصيلة الأيام”. lotfia 9
وثانياً: المسألة الثانية المهمة هي أن الأدب العراقي المكتوب في ظروف الحرية بالمنفى أغلبه أدب سيرة ذاتية واعترافات شديدة الصدق، صريحة ساهمت بكشف بنية المجتمع العراقي الشكلية الصارمة، وتحدثت عن مشكلات الجنس والقمع بكل وضوح وقدمتها بروايات فنية فيها إضافة للرواية العراقية والعربية، أذكر منها، الغلامة والتشهي لعالية ممدوح، أصغي إلى رمادي، والضلع للراحل حميد العقابي، وموطن الأسرار لشاكر الأنباري، يا كوكتي، وليل البلاد، دروب وغبار، لجنان جاسم حلاوي، وأروقة الذاكرة لهيفاء زنكنة، وروايات وأستلوجيا لصلاح صلاح، هذا على سبيل المثال وليس الحصر.
تميزت هذه النصوص بصدقها، وتعريتها للقيم والتقاليد الاجتماعية الصارمة وما تولده من حياة سرية وتشوه بسلوك ونفوس الجنسين، كما أنها صورت كفاح البشر الذين قاوموا تلك القيم وسلطة الدكتاتور، وصورت ظروف الحرب البشعة وأثارها المدمرة على الإنسان والمكان واللغة، وكشفت عن بنية المؤسسة العسكرية، والمؤسسة العائلية، والمؤسسة التربوية، وكذلك بنية الأحزاب العراقية حتى المعارضة وتكوينها المعادي لحرية الإنسان.
محتذية أثر مؤسسي الرواية الفنية العراقية غائب طعمة فرمان وفؤاد التكرلي، وأول رواية سيرة ذاتية عراقية مكتملة فنياً “القلعة الخامسة” لفاضل العزاوي.
مجتمعات الخوف الماضوية: مجتمعاتنا
لو كانت هناك فسحة حرية في المجتمع العربي والعراقي لكتابة ادب السيرة والاعترافات الشجاعة وتجارب حياة الناس و المبدعين باخفاقاتهم واخطائهم وجموحهم وامراضهم وفكرهم ومواقفهم ورسائلهم ، لقرأنا تجارب فريدة ..
هنا يخاف الجميع من الجميع ويُرجم كل من يشذ عن القطيع المذعن ، يتكاتف الجميع متربصين بكل كاتب مختلف لتسقيطه سياسيا واجتماعيا وفكريا ودينيا وطائفيا .فنجاح اي كاتب شجاع يفضح هشاشة المجتمع وعقائده البائسة وسياساته فيكون عرضة لرصاص سلطة القمع السياسية والمجتمعية ..نحن مجتمعات جوانية ،منطوية على خراب تظنه افضل مافي الكون ، مجتمعات ضد نزعة الكشف والاعتراف ، مجتمعات ترتضي بالدعارة المخفية وتحارب الحب النقي المكشوف.
عن اي مجتمع نتحدث ؟؟؟؟؟

________________________________
* حصيلة الأيام: إيزيبل اللنيدي ترجمة صالح علماني 2008 المدى.

شاهد أيضاً

جابر خمدن: تأملات في مجموعة “أهرب من ظله” للقاصة “شيماء الوطني”

” كنا نرى في عينيه عجزه عن انقاذنا..ورغم ذلك بقينا نحكي له” ، هكذا نلج …

(سَلام صبري)..سَأَكْتُبُ عَنْكَ دَوْمًا وَلَنْ يَجِفَّ حِبْرِي.
موشي بولص موشي/ كركوك

يَسْتَقْبِلُ الْعَوَامَ وَالْأُدَبَاءَ وَيُنْجِزُ مُعَامَلَاتِ مُرَاجِعِي دَوَائِرِ الدَّوْلَةِ وَيُتَرْجِمُ الْأَبْحَاثَ فِيْ مَكْتَبَتِهِ الصَّغِيرَةِ الْمُسَمَّاةِ بِـ(الْمَكْتَبَةُ …

(عَبد العزيز سمين البيّاتِي)، عَالَمُ زَاخِرٌ بَالْمُنْجَزَاتِ.
موشي بولص موشي/ كركوك

نَجْمٌ آخَرٌ مِنْ نُجُومِ كَرْكُوكَ أَفَلَ قَبْلَ بِضْعِ سَنَوَاتٍ، احْتَضَنَ ثَـقَافَاتِ الْمَدِينَةِ وَتَوَاصَلَ مَعَهَا. زُرْنَاهُ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *