احمد عواد الخزاعي : تنوع الأساليب السردية في (عناقيد الوجع)

ahmad-awad-2تعد القصة القصيرة جدا من الفنون السرد الحديثة، وهي نتاج للتطور الفكري والحضاري الذي شهده العالم الغربي المتحضر، وتشعب مشاكل الإنسان المعاصر فيه، فبدء السرد يبحث عن مخارج جديدة لهذا التعقيد المادي في الحياة، ويحاول ان يجيب عن كم كبير من الأسئلة الشائكة، فظهرت القصة القصيرة جدا في نهاية القرن التاسع عشر، لتشكل رافدا أدبيا وفكريا، لتلك الحضارة، وأول مجموعة قصصية صدرت لهذا الفن القصصي الجديد كانت للكاتبة الفرنسية الروسي الاصل ناتالي ساروت، والتي حملت عنوان (انفعالات)، عام 1931 ميلادي، فكان هذا العنوان هو التمثيل الأكثر نضوجاَ ووضوحاَ لهذا الفن الجديد، كون القصة القصيرة جدا تمثل ( انفعال آني، يخضع للمعيار الكمي، مع تكثيف للحدث، ولغة مختزلة معبرة).. كما يجب أن تتوفر فيها بعض التقنيات السردية الآتية (الجرأة، ووحدة الموضوع، والتكثيف ، والمفارقة، والجملة الفعلية، والسخرية، والإدهاش، واستخدام الرمز والإيهام، والاعتماد على الخاتمة الصادمة، واختيار العنوان الذي يحفظ للخاتمة صدمتها).

عرف محمد مندور النقد ( هو دراسة النصوص الأدبية للتمييز بين الأساليب المختلفة).. ومن هذا المنظور النقدي، أود تسليط الضوء على منجز أدبي صدر حديثا، عن الرابطة العربية للآداب والثقافة، فرع بغداد، المتمثل بالمجموعة القصصية ( عناقيد الوجع) للقاص فاضل حمود الحمراني، والتي ضمت بين ثناياها أكثر من مئة قصة قصيرة جدا، تنوعت ثيماتها لتشمل حيز إنسانيا واسعا ، مثلت جزء مهم من الواقعية الاجتماعية، وطرحت الكثير من المشاكل والهموم النفسية والاجتماعية والسياسية ،عبر سلسلة من الأحداث والصور، تنوعت فيها أساليب السرد، سلط فيها القاص الضوء على جزئيات صغيرة حملت مضامين إنسانية كبيرة.. فتناول فيها جدليات أزلية، مازالت تأخذ حيزا كبيرا في الحراك الإنساني مثل (علاقة الرجل بالمرأة، الفقر والحرمان، جدلية الولادة والموت).fadel hmod
وقد حملت المجموعة في طياتها تنوع في الأساليب السردية، اتخذت مسارات ثلاثة.. مجموعة قصص طغى على وجهها العام أسلوب القصة القصيرة جدا بكل شرطها وضوابطها، وقد شملت معظم قصص المجموعة، ومجموعة أخرى اقتربت من القصيدة النثرية شكلا وإيقاعا، حسب تعريف الناقدة برنار للقصيدة النثرية ( قطعة نثرية موجزة، موحدة، مضغوطة).. كما في قصص ( صمت الذاكرة، إقصاء، أرواح بالية، الرفيق).. وسأتناول قصة صمت الذاكرة أنموذجا لهذا المنحى السردي:
مازال جسدي الهزيل يرافقني، يقبع في الجانب المخيف من عمري، يكتظ بأفكار عالقة بين أقاصي الرغبة وأمال ضائعة.
مرت أعوامي وأنا لا اعرف شيء عن شهادة ميلادي.
كل ما أتذكره إنها كانت ممزقة وتاريخ قديم.
همست لها بعض أوراقي باني عديم الجدوى.
هناك مجموعة ثالثة من القصص، انحازت للومضة، تميزت باتساع افقها الإنساني، وحملت أبعاداَ فكرية رصينة، تضع القارئ في منطقة وعي استثنائية، .. كما في قصة ( غفلة) التي لم تتعدى كلماتها ألاثنتي عشر كلمة.. (الأطفال الذين أجبرتهم أمهم على النوم مبكرا، لم يستيقظوا إلا على ضجيج أبنائهم ).. تصوير عميق لجزئية اجتماعية، حملت ثيمة فلسفية، قفز بها القاص عبر زمن ساكن.. وقد اجاد فاضل حمود الحمراني، في محطة أخرى من مجموعته وهي قصة (قصاص) تصوير غرائبي مكثف لقطة وهي kh fadel hmodتعيش حالة من الخوف والترقب، بوعي إنسان لا حيوان، هذا المشهد الذي استنطق فيه القاص تلك القطة، وصور مشاعرها وأحاسيسها بدقة، وهي تنتظر المجهول، حين حملها احدهم إلى مكان نائي ليقتص منها، ثمنا لأكلها أفراخ دجاجته..( تارة تفتح عينيها وأخرى تغمضها خوفا من مصير مجهول، اختلى فيها في دهاليز الصمت، انتابها شعور بالذنب، حاولت الإفلات لكن دون جدوى).
عناقيد الوجع، تجربة جادة ومثمرة في عالم القصة القصيرة جدا، وفق فيها القاص فاضل حمود الحمراني، في كتابة نصوص تدل على تمكنه من أدواته السردية، وامتلاكه لموهبة وثقافة، مكنتاه من رفد الساحة الأدبية العراقية، بمثل هذا المنجز الأدبي المتميز.

احمد عواد الخزاعي

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *