عدنان أبو أندلس : فاركون رقم 8 ومحطة قِطار جلولاء

adnan abo 6ــــ لا ادري إلى الآن وبذلك الخريف من العام 1978 ، كيف أقنعتني الوالدة بالذهاب معها لزيارة أخوالي في منطقة الشيخ” بابا ” ، ، حيثُ لم يبق من إجازتي العسكرية سوى يوماً واحداً فقط ، ناهيك عن عدم تمتعي بهذه الأجازة التي كنتُ أنتظرها منذ شهراُ ونصف كي اقضي بها إهتماماتي المؤجلة ، وكيف قبلت المسكينة شروط ” اللاءات ” المجحفة هذهِ : أن لا تدخن في السيارة طيلة الطريق ، لا تنزع عباءتها أثناء الجلوس ، لا تتحدث مع الركاب هناك ، وإن فقدت شرطاً سيكون مصيرها الرجوع إلى البيت ، إتفقنا واصطحبتها معي فجراً إلى الكراج كي نستقل سيارة سريعة بدلاً من القِطار السلحفاة ، على أن أعودُ بعد الظهر كي أتهيأ للإلتحاق بوحدتي العسكرية الرابضة في مثلث الحدود ، حجزتُ مقعدين مع لفيف من الركاب بمختلف الملل ، وسارت بنا تقطع الطريق بقيادة سائقُ متمرس والذي انجانا بمهارتهِ من تهور سائق في مضيق ،كانت بجانبها فتاة جامعية يبان من زيها وكتبها التي بين يديها ، حدّقتْ أمي بملامحها ملياً ، وقد ركزت على يديها ، همست معها بهذه العبارة ” أنتِ بنت حلوة ماهذه الأظافرالتي تشبه الخواشيج ” ردّت البنت ” وأنتِ شعليج عمة “قلتُ ملتفتاً عليها : يا أمي لقد فقدتِ شرطاً ومازلنا في بداية الطريق ، أصغت الفتاة لعبارتي ، ماذا يريد منك إبنكِ ؟…، أجابتها أمي ، أنهُ شرط عليّ وذكرت تلك الشروط ، تبسمتْ الفتاة وأجابت لايهم ذلك ، فحمدتُ الله على المسامحة ، بين حينٍ وآخر تلتفتُ أمي لعليّ أسمحُ لها بالتدخين ، حيثُ الركاب بدؤوا ينفثون دخانهم في سقف العربة .
إجتزنا مدن الطريق ولم تتوقف بنا السيارة كإستراحة بل سارت مجتازةً – كفري – سرقلعة- كلار ، ما أن أشرفنا حدود كلجو حتى تراءت روابي ” جسبة ” التي هي موطنها الأصلي ونشأتها كلياً ، راحت تهز رأسها مستذكرة أهلها وذكرياتها على مشاهدها ، تترنح على وقع عجلات السيارة وهي تركل الشارع ، تهدلت العباءة من كتفيها , لم تبالي بي ولا شروطها التي تقبلتها على مضض ، غير أنها سحبت سيجارة وراحت تلحن بكحتها مرور تلك السنين ، إلتفت عليّ قائلةً بلهجة أهل بعقوبة ” يابة موبيدي ” ضحكتُ من أعماقي قائلاً لها : والله يا أُمي !.. لو تسردين الآن عليّ قصة 1000ليلة وليلة ومعها مقدمة إبن خلدون لن اُرجعك إلى البيت أبداً ، لم ترد عليّ ؛ بل ربما لم تفقه ماقلتهُ ، سرحتُ في خيالْ بعيد ربما عن يوم خطوبتها من قبل ابي الذي زارهم وهو يمتطي الحصان الأشهب مرتدياً” صاية ريزة وخرج بغدادي ” إستفاقت وصاحت بالسائق نازل ، حقيقةً لم أنتبه لمعالم هذه الديرة ، ترجلنا وسرنا إلى بيت خالي ، لكني لم أمكث معهم إلا فترة إرتشاف الشاي فقط ، أعطوني الحق بالرجوع بعد أن عرفوا إنتهاء وقت الإجازة وغداً إلتحاقي ، ودعتهم و ذهبتُ إلى جلولاء كي أعود إلى كركوك بأقصى سرعة ، لم أجد سيارة في الكراج بل كان خالياً تماماً، لأن اصحاب السيارات لهم سفرة واحدة في اليوم تبدأ من الفجروتنتهي في الضحى ، نصحني بائع خضار بأن أستقل القِطار القادم من بغداد ، وعدّت أدراجي إلى المحطة بقطع تذكرة وكانت تسمى آنذاك بـ ” تكت ” وأرشدني مأمور القطع بأن سيكون موعد القطار الذاهب الى كركوك الساعة 1 ب. ظ ، ولأن لّي متسعاً من الوقت قلتُ أقضيهِ في سوق
المدينة ، أوصلتني سيارة ” لا ندلوفر ” إلى السوق ثم توقفت بنقطة عامة ، ونزلتُ مع الركاب ، عبرتُ جسراً صغيراً وسرتُ دون دراية بـ سوق المسقف – البزازين . كانت جلولاء عامرةً بأسواقها وأهلها متنعمين آنذاك في بيئة متمدنة حضارية وتجارية رغم صغر مساحتها وقِدم أبنيتها ، لكنها تختلف جذرياً عما آلت إليهِ اليوم من التخلف والفوضى والقبلية والنكوص الحضاري . ثم إنعطفتُ قليلاً فدخلتُ مكتبة .. وإشتريت منها مجلة ” لغة العرب ” للأب إنستاس ماري الكرملي وجريدة الراصد الإسبوعية ، جلست في مقهى يقابل سوق شعبي لبيع الخضار ، إشتريتُ سيجارة مفرد ” أريدو”و أشعلتُها كمشتهاة آنية لأني لم أدخن حينها إلا قليلاً ، وأنا أتطلع للمارة عسى أن أجد من أعرفهُ ، لمحتُ أحدهم مقبلاً يتهاوى بدشداشتهِ أنهُ ” حميد إجمالة ” الشخص الذي تعرفهُ المدينة كلها ، رجلُ مسكين متشرد يعيشُ وحيداً ليس لهُ مقرٌ يذكر، ناديتهُ وحالما سمع النداء ، توقف برهةً ثم مضى غير مبالياً بما رأى ، مللتُ التجوال العقيم زحامٍ لا يعنيني ، عدّتُ أدراجي لمحطة القِطار والتي كانت تُزهي آنذاك بدائرتها وأبنيتها وأسيجتها الخضراء ودورها المتراصفة بإتقان ، جلستُ على مصطبة خشبية طويلة خضراء تميلُ إلى السواد قليلاً ، كان يجلس عليها شيخٌ شبيه ٌ جداً من ملامح الفنان العراقي الراحل ” عبد الجبار الشرقاوي ” لما رآني اتقحصهُ تلثم في الحال بطرف يشماغهِ ، وأضحى لا يبان منهُ سوى عينيهِ المذعورتين ,قد جاوز الستين من عمرهِ ، حييتهُ بتحية لكنهُ لم يرد بمثلها ، بل هزّ رأسهِ وبدأ بهذرمة لم أفهم منها سوى تشنجهُ وضجرهِ ، كانت تفترشُ الأرض أمامنا إمرأة في العشرين لكنها تبدو متعبة وكأنها في الخمسين ، منهمكة بتنظيف طفلها الرضيع بعد أن قضى حاجتهِ ، وحالما أنهت مهمتها تناولت” رقية “كانت بجانبها تناولتها ورطمتها بالأرض تهشمت في الحال ، راحت تنخر منها اللب ثم تعصرهُ في فوهة قنينة رضاعة طفلها ونحنُ نراقب المشهد بالتتابع المقزز ، ما أن امتلأت بالسائل الأحمر حتى أحكمت غلقها ودستها في فم الرضيع وراح يمصص بإنتشاء من حركة أرجلهِ المدلاة .
إلتفتت إلي ألا تأكل هذهِ البقية ياولد ؟!.. إنها نظيفة حرامات أن أتركها هنا !. قلتُ لها لا أشتهي ، كنتُ قد تغديتُ تواُ ، ثم وجهت نفس السؤال للشيخ ،وأنت ياعم ألا تأكل منها ، زجرها حالاً بكل ما اوتي من ضجر وتشنج بلهجة ” ولي غاد ” إغسلي يديكِ أولاً يا بنت !..حفزت من مكانها وولت مذعورة هاربة من نظراتهِ ….. مضى من الوقت ربع ساعة والقطار لم يصل بعد ، ذهب المسافرون للإستفسار عن التأخير ، والكل لا يعرف ماذا حدث ، ساد هرج وفوضى ولوم بشأن ذلك ، يتجمهرون ثم يتفرقون دون فائدة ، الصبية الصغار ينادون بزعيقهم المكرر والمتوالي بـ حب ،جكاير ، علج ، لوبيا، لبن، باقلاء ، لبلبي وغيرها ويتندرون في إضافة جملٍ أخرى للدعاية من عندياتهم ، أزعجونا والقطار ليس لهُ أثراً يُذكر ، شاط الشيخ مولولاً بين المصطبة والمأمور، يجلسُ متشنجاً وينهض بعصبية ويتأفف ، مرةً يفرك يديهِ وأخرى يلعن اليوم الأسود الذي جلبهُ إلى هذه الديرة كما يقول ، يزمجر بوجه الصبية ويطردهم ، ، علا صوتُ من هناك بأنهم أبلغونا بأن القِطار قد أتى ، تعالت الزغاريد بتهكم وقهقهة عشوائية ، والشيخ يصيح من مكانهِ هلا هلا – تعال عاد خلصني !..
تحسستُ جملتهِ بغرابة ! ماذا حدث لهذا الكائن المرعب كي يتفوه بهذه الجملة ، ربما وراءهُ سرٌ خفي حقاً ؟..
حال أن هدأ القِطار من زمجرتهِ ودخانهِ توقف يغلي بمراجلهِ ، هرعتْ عليهِ جموع المسافرون بأمتعتهم المكتظة بالأطعمة التي سيتناولونها في زيارة الأمام إبراهيم السمين هذا اليوم ، صعدتُ باب العربة رقم 8 ، قعدتُ في مكاني وكان الشيخ بجواري يتذمر من الزحام الشديد وإلحاح الصبية بشراء حاجياتهم ، صاح بأعلى صوتهِ : يا ناس نحنُ ذاهبون إلى كركوك وليس إلى الكعبة حتى تحملون كل هذهِ الأثقال معكم ، لم يردُ أحدٌ عليه ، جلس في مكانهِ يلوذ بالصمت ، وعند النافذة حجزت إمرأة في الخمسينات من عمرها وكأنها نسخة مطابقة للفنانة المصرية الراحلة ” معالي زايد ” بنفس الرصعات التي تزين وجنتيها ، برونزية اللون ، ذات عينان سوداوان ، مكتنزة الجسم ، ترتدي ما يليقُ بها من فستان جذاب ، كان زنديها مملوءين يرتجان مع حركة العربة ، إكتظت المقاعد بكل عرباتها وحتى وقوفاً ، تحرك القِطار يتلوى ومضى يلعلعُ بدخانهِ وطبطبة عجلاتهِ على السكة بلحن ممل ، مع ترنح الرؤوس على إيقاعهِ المثير , فتحتُ الجريدة التي كنت قدْ اشتريتها من المكتبة ورحتُ أتصفحها بلهفة ، كان الشيخ قد تناول كيس التبغ من حزامهِ الجلدي العريض ، وراح يُعمر لهُ لفافة بإتقان مدمن ملهوف ، وهو منهمكِ بها ويلحس أطرافها كي تلتئم ، رفعت المرأة جسمها قليلاً لتعدّل عباءتها ، مع حركتها طارت اللفافة وكيس التبغ معاً منثوراً على رؤوسنا ، صاح الرجل ” الله أكبر ” على هذا الحظ بإنزعاج وسباب متقطع ، غير أن المرأة إعتذرت لهُ حينها ، لكن لايفيد مع هذا المتهور، المتشنج، المتوثب حدْ العراك بهذه الصفات والملامح الغاضبة .
ساد صمتٌ عجيب وكلٌ في خيال مع النفس والآمال المرتقبة ، المرأة تنظر من خلال النافذة على الروابي والحقول الجرداء ، فتنهدتْ قائلة :” القِطار جاءنا متأخراً ربما كان فيهِ بنجر ” إلتفت إليها الرجل وقد فغر فاهُ بإشمئزاز رهيب وكأنها تستفزهُ ، تحوقل مع هزة رأس بأسى ، ثم حدثني عن تغيير مكانهُ وافقتُ ولمْ أمانع ، جلس مسترخياً وكاد أن يغفو غير أن حركةٍ منها إرتطمت بي وإرتدتْ عليهِ فقام منزعجاً وغادر إلى مقعد مقابل يلعن الأولين والآخرين ، الرجل يولول والقطار يعوي ماراً بمحطة المفرق ، غادرها ماراً بقرى متناثرة ، باهيزة ، إجميلة ، كشكول ،سيدلان محطة قره تبه ، وحتى محطة إبراهيم السمين والتي نزل منها غالبية المسافرين .
أخرجت الخمسينية علبة سجائر من حقيبة يدها وناولتني منها واحدة ، قلتُ معتذراً خالة لا أدخن ، ردت عليّ في الحال ، عجبي لشاب بعمرك لا يدخن ، ماذا تعمل قلتُ لها عسكري ، قالت واهٍ بلهجة بغدادية ! عسكري ومدى إيدخن !.. ، أشعلت واحدة ونفثت دخانها بوجه السبعيني فصاح : ولج صدك ما تستحين ، لم تكثرث بما قال ، بل ظلت تحدّق بهِ في حالة إنتشاء ماكرة .
تحرك القطار مواصلاً سيرهُ بملل ، تبدو علامات طارئة على ملامح الرجل عند كل محطة بشيء من الإرتباك والتحفز ، وكأنهُ طريد يروم الهروب ، ثم يعود لحالة الصمت التي تناوبه ، وأنا أتصفح الجريدة كنتُ استرق السمع لمحاورتهِ مع رجل يقاربهُ في السن كان يبدي لهُ النصيحة بالتخفيف من طبعهِ هذا وحالتهِ العصبية تلك ، فكان ردّهُ بأن الدنيا مسودة بوجهه وتسير عكس طموحهِ : زوجته توفيت منذ خمس سنوات ، وولده الوحيد تزوج وغادر إلى بيت آخر ، حيثُ الآن يعيش وحيداً بلا أنيس ، وقد جاء البارحة ليخطب إمرأة من أعمامهِ في الأربعين من عمرها وهي الأخرى أرملة منذ أكثر من سنة ، وتعيش الآن بمفردها كما قال هو ” أولام ” بلهجتهِ ، لكنها إمتعظت ورفضتهُ في الحال كونهُ عجوز ولا فائدة لها في هذا الزواج المتأخر ، كانت محاورة ساخنة لم تبدِ نفعاً مع هذا الذئب الأجرد ، حقيقةً لمستُ أنهُ على حق بذلك ، وأضاف رغم هذا تراني الآن مرتاح البال لأني أدبتها وأخوتها بصفعات لاتنسى بركل وضرب بهذه العصا التي معي، حيثُ سالت الدماء من جباههم ، ذهب احدهم إلى المخفرليشتكي ، ثم خرجتُ من الدار غاضباً إلى المحطة ، وها تراني أمامك أشتري الشّر بفلوس !.. وكل كلمة يتفوه بها يرشنا برذاذ من فمهِ كإرتداد عصبي مخزون.
وصل القِطار ” آسكي كفري” وكان يترقبهُ الركاب في لهفة ، وقد صعد جندياً مأموراً بصحبة سجين مقيد اليدين رث الملابس وتفوح منهُ رائحة عفنة ، فاحت حالما ولج ” الفاركون ” رغم أن الشبابيك كانت مفتوحة ، أردف الشيخ : ” تمام تمام إكتملت السبحة ” بمثل شعبي ، السجين يوعدهُ بالهروب في اقرب محطة ، والمأمور يتوعدهُ بطلقة من البندقية التي يمسكها بقوة ، طال الحديث بينهما وعلا الضجيج الذي عمْ كل العربة ، تدخل الشيخ بإنفعال موجهاً كلامهِ للسجان ، عمي إكسر رجليهِ وإنسفهُ على ظهرك وأخذهُ إلى المحكمة ، ضحك الجميع لهذا الحل المريح !.. وكرر على المأمور إن لم تقدر عليهِ ، فدعني أتولى المهمة بنفسي ، لأني كما تراني ” لا ماما ولا دادا” طفت الدنيا كلها – راعياً ، حرامياً ، قتالاً ، حفاراً للقبور ، كفاناً ، دفاناً ولايهمني بعد هذا العمر، القِطار يعبعب في الفضاء، المأمور يتوسل والرجل يزمجر والمرأة تحوص في مكانها وتحدّق بعينين كحيلتين مع مضغة العلك الذي يطقطق في فمها بإرتياح ، وتفوح منها رائحة الأنوثة بشبق عجيب رغم سنها لكنها ناضجة تماماً ، تحسسني بحركات جسدها منذ أن جلستُ بقربها ، لكني لم أعرْ أهميةً تذكر ، حيثُ واصلت بدافع غريزي لإمرأة وقد ترملتُ منذ سنوات ، هذا ما سردت لي جانباً من حياتها قائلةً : أنا من بغداد – محلة باب الشيخ ، بناتها الأربع قدْ تزوجوا في مدن المسيب – خانقين – كركوك – جلولاء ، فلم يبق معها سوى الوحشة في الدار ، من باب المزاح تجرأت وقلتُ لها ياخالة : مارأيكِ بهذا الرجل الذي أمامكِ ؟ وماذا ترين في ذلك ؟!.. ردّت بضحكة مجلجلة من أعماقها وقد حركت أركاني من إهتزاز جسدها الضخم ، ردّت بعفوية حلوة : يبو إصخام صخمني ، وماذا أفعل مع هذا العفريت !…حقيقة تجرأتُ حينها في سؤالي لها وأنا بعمر 22سنة ، لكن في سني هذا والذي هو في نهاية الخمسينات لم أكن أجرؤ بسؤال كهذا !.
تراءت محطة ” سليمان بيك ” عن بعد والتي توقف فيها القِطار للحظة لقلة الركاب هناك ، غير أن الشيخ الغاضب ترجل منهُ متوكئ عصاهُ يبان من مشيتهِ أنهُ لا يستخدمها كقدم ثالثة بل للعراك ربما .. نزل ملتفتاً علينا قائلاً : غضب الله عليكم جميعاً ، يارب أدعوك أن يخرج القطار من السكة وتهلك من فيهِ .. ضحكنا بدهشة مريبة … ثم راح في درب متربة توصلهُ للقرية البعيدة هناك .
توالى القِطار يقطع المحطات – بارة بارة – إفتخار – على سراي – داقوق – بشير – والقرى المتناثرة على طول السكة ، وصلنا محطتنا الأخيرة في كركوك ، ترجل الركاب من جوف هذه الأفعى الهرمة وتفرقوا في الطرق المؤدية لمركز المدينة . وأنا أغادر مسرعاً صاحت المرأة من ورائي : خالة أريد أن توصلني إلى منطقة “المُصلى” التي تسكن فيها بتي “إبنتي ” ” لأني لم ازور المدينة منذ سنوات وقد تغيرت معالمها وقد فقدت الدليل ، أوقفت لها سيارة وإتفقتُ مع السائق إيصالها إلى المكان المقصود ، رفعت يدها مودعة مع غمزة عين رائعة بإتقان فنانات أزقة مصر القديمة وبغداد ومحلاتها القديمة .. وقفتُ مذهولاً وقد أصابني الإندهاش والخدر، تسمرتُ في مكاني ولم أنتبهُ إلا على صوت منبه سيارة الإسعاف وهي تولول فتراها تشق الجموع تبتغي الدخول إلى فناء المحطة لأمر طارىء قدْ حدث الآن .

شاهد أيضاً

هايل علي المذابي: كلمة السر!!

الحياة مواقف، ولكل موقف ثمة كلمة سر، قلة قليلة فقط من يعرفونها، إنها معرفة غير …

عبد الرضا حمد جاسم: لنفكر قبل ان نصرخ… ماكرون والرسوم المسيئة (5)

مقدمة: [حال المسلمين اليوم وردودهم حال ترجمتهم للنص البليغ الحكيم العظيم:[…سيماهم في وجوههم من أثر …

فاروق مصطفى: ما رواه الصباح عن الشعر الماطر في القلب

  احب الاصغاء الى الشعر , واحب استظهاره وانشاده , وبالرغم من تشربه بعشرات الحكايات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *