مهدي شاكر العبيدي: قراءة في كتاب “محاكمة برودسكي”

يثير كتاب ( محاكمة برودسكي ) المترجم عن الفرنسية إلى عربيتنا من قبل المغترب العراقي الكاتب شاكر نوري بخصوص مأساة شاعر روسي أطلَّ على الدُّنيا في اليوم الرَّابع والعشرين من حزيران عام 1940م ، ويفع في زمن تخفـُّفِ بلاده من كوارث الحرب العالمية الثانية لتجوز ما تعارفنا على تسميته بنذر الحرب الباردة نتيجة انقسام العالم إلى معسكرين ِ يتربَّص كلاهما بصنوه ـ الذي كان متحالفا ً معه أمس ـ وينوي به شرا ً واقتلاعا ً من الوجود ، غير محتسبٍ لما ينزل بالمجتمعات الإنسانية التي لا يدَ لها في تأجيج هذه المنازعات وابتعاث ما يستتبعها من أهوال وفجائع ، قلتُ يثير مزيدا ً من الجدل ويحمل على الحيرة والتفكر في صلة الأدباء الودعاء بأرباب السُّلطة المتسمين بالعنجهية والشَّراسة في بلدانهم ، والأغرب أنـَّهم يخالون أنَّ كلَّ التدابير والإجراءات التي يتخذونها لتثبيتِ سلطانهم وفرض سطوتهم إنـَّما تتم تطمينا ً لحاجة مواطنيهم إلى حياة تنتفي منها السَّوءات وتخلو من الأكدار والمقاذر ، وأنْ يشيعوا العدل ويمكنوا لخلال النزاهة والتجرُّد والاستقامة أنْ تسود حياة الناس وتغدو زادهم اليومي الذي لا يسهون عنه ويفرِّطون فيه البتة ، فأمَّا إنْ اجترأ أديب مرهف الإحساس والشعور وتشجَّع فزاغ عن خطتهم لترويضه وتطويعه وفق رغبتهم في أنْ يعاف فرديَّته ويتخلى عن اعتداده واستمساكه بما جبل عليه من مؤهلات ومزايا تمنعه من مسايرة المألوف السَّائد في حياة القطيع الذي أسلم إليهم قياده وأذعن لأهوائهم ونزواتهم ، فيعجلون إليه بهذا الاتهام أو ذاك ، ويتفننون في تشويهه وتدنيسه وتنقص مواهبه وملكاته ، كما حصل للشَّاعر برودسكي وهو في الرَّابعة والعشرين سنة من عمره من إسناد تهمة غريبة له هي التطفل الاجتماعي ولواحقه كمخالفة النظام المعمول به لتعلم الآداب ، ثمَّ تجاوز سلطة الجماعة ممَّا يقود إلى مفارقة نفسيَّته لروح التفاؤل والشعور بالأنس والبهجة دلالة إيمانها بالإنسان ، وخلافه يعدُّ بمثابة خيانة يطوله الحساب عليها ، هذا إلى تعييره بافتقاره إلى المعرفة والثقافة بناءً على زهده في التحصيل المدرسي وعدم إكماله المرحلة الثانوية ، وهذا أبين دليل على استهانته بالمناهج التعليمية المقرَّرة ، ممَّا أضله في مساره الحياتي فتردَّى إلى مهاوي العبثية والغموض واللامعقول في نتاجاته الأدبية ، فضلا ً عن كونه إنسانا ً عاطلا ً وليس لديه مهنة مثل بقية الناس الذين يكدحون ويجنون ثمار تعبهم ويحسون بقيمتهم وآدميتهم ، فكتابة الأشعار التي تضلل الشَّباب وتبذر فيهم روح التشاؤم وتغريهم بالتمرُّد على التوجيهات الحزبية لا تعدُّ مهنة ولا يعتدُّ بها وينبغي للسُّلطات المسؤولة أنْ تحظر عليها وتقتصَّ من مزاوليها .

       وهذه بلوى ذوي القابليات والطاقات الذهنية المتفرِّدة بالأنظمة الشُّمولية بل وكلِّ نظام ، وأشنع ما فيها أنـَّها تهيب بالمرء أنْ يغتبط ويقبل على الحياة بنفس ٍ منشرحة ومبتهجة بلا شيءٍ ، سوى أنْ يلوى على ما لا يُطاق ويصبر ! ، متعامية عن أنَّ اعتياده للسَّآمة والوجوم والقتامة في الحالات والأطوار ، قد يكون بعامل وراثة أو بضغط من ظروف خاصة لا قبل للفرد الإنساني بمغالبتها ، غير أنَّ مَن خلصَتْ لهم المقادة والهيمنة على مصائر البشر وشاءوا التسوية بينهم على صعيد في الخصال والمزايا والخصائص بحيث ينعدم من الوجود بصورة كلية ثمَّة عال ٍ ومنخفض ، ورفيع القدر وهيِّن المنزلة ، ومعتد بكفاياته وعار ٍ منها ، ينكرون ذلك ويبيحون ملاحقة إنسان مسالم كهذا بشتى المفتريات والمزاعم ، فبعد أنْ كانوا ينشدون الحرية والعدالة في آونة حرموا أثناءها من السُّلطان ، تناسوا مطالبتهم بها إلى وقتٍ قريب ، وتوسَّلوا هذه المرَّة بمختلف الأسباب والتعلات لتقتنع ضمائرهم ودخائلهم بصوابية ما يختلقون ويفتعلون .

       وكذا سِيْقَ شاعر سامي العواطف مثل برودسكي تنطبق عليه في زعمهم كلُّ هذه المواصفات القبيحة إلى المحاكمة المعقودة في لينينجراد مسقط رأسه أو بطرسبورغ كما تسمَّى بالأصل ليُدَان عليها بالسَّجن خمس سنوات مع الأشغال    الشَّاقة ، وحين يخلى سبيله بعد عامين أي في عام 1966م ، لم يجد في نفسه رغبة في التعايش مع مجتمعه بألفةٍ وانسجام وبلا رقيبٍ يحصي أنفاسه ، فهجر بلاد الرُّوس في عام 1972م ، إلى الولايات المتحدة الأمريكية .

       والطريف أنَّ بعض أدبائنا العراقيين كانوا إبَّان تلك الحقبة مقيمين في موسكو ، ولا بُدَّ أنْ وقفوا على مجريات هذه الواقعة ، وتناهَتْ إلى أسماعهم حكايتها ، بل إنَّ أحدهم وهو المرحوم الدكتور صلاح خالص العائد للعراق صيف 1967م ، لم ينوِّه بها عبر المقالات التي نشرها في جريدة ( المنار ) أو في مجلة ( الطليعة ) القاهرية عن الحياة الأدبية في العراق ، شاجبا ً ما لحق بكـُتـَّاب هذا البلد ومفكريه أثناء فترة غيابه من تنكيل وتعسُّف واضطهاد ، وكلتا المحنتين ِ هنا وهناك مشابهة لمثيلتها في مبلغها من العنف والحيف سوى أنْ تتخالف المسوِّغات والدَّواعي ، وتتباين الدَّوافع والأسباب التي تجيز للظالمينَ أنْ يتمادوا في غيِّهم وضلالتهم ، وكأنـَّهم لمْ يفعلوا  شيئا ً تأباه المروءة وتعُفُّ عنه الوحوش والضَّواري ؛ كما أنَّ الأستاذ الدكتور جليل كمال الدِّين الذي واصل تحصيله في جامعة موسكو ومكث في الاتحاد السُّوفيتي السَّابق عشر سنوات وغادره صيف عام 1971م ، أي بعد سنة من حصول الكاتب الرُّوسي سولجستين على جائزة نوبل ، كتب وقتها بمجلة ( الآداب ) البيروتية أكتوبة يدين فيها مواقف هذا الرِّوائي ومعاداته للتطبيقات الاشتراكية الجارية في بلاده .

       على أنـَّا نلحظ في الواقعة أمرا ً جديرا ً بالنظر والتدقيق بصدده ، فالثلاثة  الأدباء :ـ  بوريس باسترناك ، وألكسندر سولجستين ، وبرودسكي ؛ لا نتحفظ على نفرتهم وضيقهم بالواقع الاجتماعي من حولهم ومعارضتهم لما تشهده بلادهم من عمليات البناء والتطوير في مرافق الحياة كافة على سبيل الانتقال بحياة السُّكان من الفقر والحاجة إلى الرَّفه وإشباع المطالب منذ بزوغ ثورة أكتوبر الاشتراكية وحتى الآن الذي تنبَّهوا فيه على أنـَّه يتمُّ بالقهر وافتقاد المرء لحريَّته الإنسانية ، ناهيك باشتراطات المسؤولين المتعسِّفة على أصحاب المواهب الفنية والقابليات الأدبية أنْ تجيء أعمالهم ومعطياتهم ونتاجاتهم موقوفة على تجسيم دالة تلك المنجزات على تغيير واقعهم ولو بانتحال الشُّعور ، وافتعال الرَّغبة في الكتابة ، وتكلف الإبداع ، واصطناع الوقوع في اسار الفن .

       كما نلاحظ من منظور ثان ٍ أنَّ الأكاديمية السُّويدية اعتادَتْ منح جائزتها السَّنوية للآداب العالمية ، لكاتب ذائع الصِّيت لأنـَّه استهدف بالإقصاء أو التهميش في بلده ومُنِي بغضب السَّاسة عليه وعدم قبولهم بمنطقه ورأيه في سياستهم عموما ً ، وكذا أعطيَتْ عام 1958م ، لباسترناك مؤلف رواية ( الدكتور زيفاكو ) ؛ ولسولجستين عام 1970م ، وهو المعروف بانتقاده لحكم ستالين وتعريته للمظالم والانتهاكات التي جرَتْ في عهده فطـُردَ من البلاد ، وروايته المعروفة ( جناح مرضى السَّرطان ) كثيرا ً ما يقع الالتباس لدى بعض الكتبة بينها وبين رائعة هنري ميلر المشهورة ( مدار السَّرطان ) ؛ وأخيرا ً مُنِحَتْ للشاعر برودسكي عام    1987م ، ولو بعد سنين من حظوته بالشُّهرة خارج وطنه وتداول القرَّاء لأشعاره التشاؤمية والصَّارفة لهم عن إحساس السَّعادة كما كان يُدان بهذه الأرجوفة قبلا ً .

       والأبين من كلِّ هذا أنَّ أولاء الثلاثة هم من اليهود السُّوفيت ممَّا يجرُّ إلى مداخلة بشأن إحجام النفس اليهودية عن الاندماج في غمار المجتمعات التي تحتويهم ، وهنا يخطر في بالي ما ادَّعاه كاتب مصري عن هيام اليهود بالعزلة وإيثارهم الانكماش والانطواء على ذواتهم ، مع تململهم لتبديل نظرة الناس وعقيدتهم الرَّاسخة بخصوص بعض مجريات الحياة ونواميس الكون ، وأورد في سياق مقالة نشرها في إحدى المجلات قائمة بأسماء نبغاء اليهود في السِّياسة والحكم والأدب والفلسفة والطب والاقتصاد ، أمثال :ـ دزرا ئيلي ، وماركس ، وإنجلز ، وفرويد ، وماكس نورداو ، وانشتاين ؛ وأي واحد من أولاء الأعلام والأساطين لا يعدم نزوعه للمخالفة وميله لإحداث التغيير في مسلمات الناس واقتناعاتهم الذهنية .

       لكن هل هناك قوانين ومراسم تواضعَتْ عليها الأمم والجماعات واستندَتْ إليها في حرمان الفرد الإنساني سواء أكان يهوديا ً أم منتميا ً لطوائف وديانات أخرى ، من أنْ يشتكي الأين والإجحاف والغبن ، ويُمنـَع من البوح برفضه لكلِّ ما لا يعجبه ويروقه من نظام العيش ، وبذلك ينتفي كلُّ تشكك وارتياب وتوجُّس من دخائل اليهود ونيَّاتهم كيفما كانتْ ، وأينما عاشوا في بلاد الرُّوس وغيرها .

       فاتني أنْ أشير إلى أنَّ كتاب ( محاكمة برودسكي ) بطبعته العربية هو من منشورات دار النايا للدِّراسات والتوزيع والنشر بدمشق ، وقد تضافرَتْ في تأليفه جهود نخبة من أصفيائه المثقفين والأحب لهذا الشَّاعر المنكود ـ المتوفى في نيويورك عام 1996م ، والمدفون بمقبرة المنفيينَ في مدينة البندقية بإيطاليا وجوار مدفن عزرا باوند  ـ على رأسهم إيفيم ايتدكند وهو أستاذ جامعي برح وطنه إلى باريس واستأنف مهنته التدريسية في إحدى جامعاتها ، وصديقة الشَّاعرات والشُّعراء الصُّحفية الشُّجاعة فريد فيدروغا .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| هانم داود : الألعاب الإلكترونية .

الألعاب الإلكترونية تسبب انطوائية للشخص المدمن عليها أكثر من غيره ،فهى تعزله عن أسرته وعن …

| مهند النابلسي : “فلسطين الصغرى: يوميات حصار”* .

مع انطلاق مهرجان عمّان السينمائي الدولي- أول فيلم، اليوم، سيتاح لمحبي السينما مشاهدة أفلام مختلفة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.