من يتذكر المبدع المغدور “شفيق الكمالي” ؟

حسين سرمك حسن- دمشق 
رحل المبدع الشاعر والفنان التشكيلي والباحث والسياسي “شفيق الكمالي” مغدورا وبطريقة مريبة. ولأن الذاكرة الوطنية العراقية قد تعرضت لفتك معاول التخريب المنظمة والمدبرة، فإنها لا تسأل عن الكيفية التي يُختطف بها أو حتى يُصفّى بها الرموز السياسية والاجتماعية والثقافية، وفي كل يوم نفقد رمزا بلا خطيئة وبلا جريرة ونسكت ثم نتناساه مع مرور الزمن الذي هو كما يوصف نفسيا “الزمن أفضل طبيب”، وهناك عجلة الإرهاب السلطوي الطاحنة، والحالة المربكة التي لا أجد وصفا أدق من الوصف الذي قاله المبدع الراحل “عبد الرحمن منيف” وهو يتحدث عن كتاب “الشعر عند البدو” للمبدع “شفيق الكمالي”: “لا يمكن الحديث عن كتاب الشعر عند البدو دون الحديث عن كاتبه شفيق الكمالي .. إذ من خلاله نطل على مرحلة تاريخية كاملة، ليس في العراق وحده وإنما في منطقة المشرق العربي بأسرها، ما يجب أن يقال عن تلك الحقبة لم يقل بعد، وأضحت الفترة المتبقية كالمقصلة تجز بصعودها ونزولها كل يوم رقاب الكثيرين بصمت، فقط لأنهم يعرفون، ومن يقدر له أن ينجو ويفلت من هذه المقصلة ينتظره الخوف، والخوف في أحيان كثيرة أشد هولا مما عداه).
مات أو قتل أو أغتيل الشاعر العراقي السوري “شفيق الكمالي”- وانظر إلى هذه الأمة التي يوحدها السلوك الفردي الفطري ويفرقها السلوك السياسي المنظم- والكل نساه، بلا مراجعة بسبب قوة القمع والطغيان، رغم وجود مفارقة عجيبة بل دعوني أصفها أنها “رهيبة”، كيف؟ الجواب: “يموت أو يقتل أو يغتال شفيق ولا أحد يسأل أعده ظاهرة عادية ضمن آليات الأنظمة القمعية، لكن أن تنسرب شكوك حول اغتياله والشعب العراقي بأكمله يقف صفا واحدا يردد النشيد الوطني العراقي/ نشيد الأمة الذي كتيه شفيق المغدور نفسه/ وماذا يقول هذا النشيد:
وطن مد على الأفق جناحا   وارتدى مجد الحضارات وشاحا
بوركت أرض الفراتين وطن   عبقري المجد عزما وسماحا
هكذا.. هكذا.. عش هكذا في علو أيها العلم، فإننا بك بعد الله نعتصمُ.. هكذا تمزقت حناجرنا في المدرسة الإبتدائية ونحن نحيي بأكفنا الصغيرة الـتي ألهبها برد الشتاء خرقة صارت الآن موضع خلاف ويعلن أحد الفرقاء أنه علم لا يحبه!!..يأتي كتاب إتحاد الإدباء العرب في دمشق ليعبر عن مصداقية وجهد هذا الإتحاد في الحفاظ على الذاكرة القومية والإحتفاء بالمبدعين العرب أولا، وعن تقصيرنا الفادح- كعراقيين- تجاه رموزنا الإبداعية ثانيا فمنذ رحيل الكمالي وحتى هذا الكتاب لم نقرأ كتابا أو ملفا أو دراسة عن هذا الشاعر..
كتب الأستاذ “زبير سلطان قدوري” مقدمة الكتاب وذكر سيرة بيبلوغرافية موجزة لحياة الراحل، سيرة غابت عن العراقيين في أن شفيق سوري من آلبوكمالوليس عراقيا، فانظروا لهذا الرائع الذي كان أخاه “عبداللطيف الكمالي” قبله مديرا للإذاعة والتلفزيون في بداية الستينات، يأتي من ألبو كمال الرائعة، إلى بغداد المحروسة يحفزه شريان الفرات العظيم بعد رحلة لحظية مفادها حب العراق وسورية، يعبر عنها شفيق بقصائده ولوحاته وأغانيه. هو صاحب صوت جميل كما يقول عبد الرحمن منيف الذي لم ينس حتى وفاته الليلة الغنائية العصماء التي جمعت شفيق الكمالي بسعدي البياتي وبحضور منيف ليستعيدا منافسة بحثية غنائية حتى الصباح!!.
اختارت النصوص الأستاذة (فاديه غبور) وانتفت نصوصا شعرية معبرة جسدت تفصيليا حرقة ومأساوية تعلق شفيق بوطنه المزدوج سورية/ العراق، عبرت عن ذلك قصيدة الكمالي الطويلة “يا شام.. منك ابتدأنا” التي يقول فيها:
هذا العراق وهذي الشام ما عرفت   ذؤابة المجد عزما كالذي عزما
ولا تلاحم كفا مارد غضب      لجرحه حول سيف مثلما التحما
ويتحدث في موضع آخر منها عن هذه الوحدة المصيرية الراسخة في الوجدان:
والكبرياء بغير الشام ما غرست    والشعر إلا لوجه الشام ما نظما
أستغفر الله في بغداد دوحته       يا توأمين شموخ العزة اقتسما
 لقد اختارت غبور نصوصا بعضها ذا طابع نبوئي، مثل قصيدة “بغداد والرعب” وقصيدة “صلاة”.. نبوئي الطابع في الخراب الذي توعدنا به الشاعر واستشرفه ولم نصدق نبوءته فحل الخراب وحطم ومحق وأقام, ولكنها- وفي مقابل ذلك- التقطت نصوصا لشفيق يراهن فيها على عظمة إرادة العراق المغدور الحقيقية التي ستحمل نبوءة الفجر الجديد:
“بغداد يا أميرة تنام بارتخاء
كجدول اللجين
كساقية
كبركة العقيق والجمان
في واحة النخيل
أقدامك الصغيرة الرقيقة
وردية كبسمة الرضيع
تخوض بالطيوب..”
يتذكر الكثير منا الصوت العذب لشفيق الكمالي في شريط كنا نتداوله “سريا” كشباب في السبعينات والثمنينات ، وإذا كان هناك شك بسيط فإن المبدع الراحل “عبد الرحمن منيف” قد أكد روعة صوت شفيق وأداءه المتقن للفنون الغنائية البدوية التي تتنامى على ضفاف الفرات كما ذكرنا ذلك قبل قليل. طرح منيف وجهة نظر عجيبة حول دور نهر الفرات في تعزيز قيم البداوة عكس التحضر وهذا يتطلب أطروحة ماجستير أو دكتوراه، كما بيّن الميزة الكبيرة لأطروحة شفيق في كشف جوانب معيبة من البحث الأكاديمي اللاحق بأطروحات عربية مستهلكة أو أطروحات غربية لا تناسبنا. أطروحة شفيق في غاية الأهمية وينبغي إعادة طبعها ومناقشتها من جديد.
 سلام على روح الكمالي المغدور..
وتحية لاتحاد الأدباء العرب في دمشق.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

مهند الخيگاني: تشريح الصمت وتصنيف الكلام في عالم ماكس بيكارد

“ولد الكلام من الصمت من الصمت الكامل ، كان كمال الصمت قد انفجر لو انه …

مهند طلال الأخرس: #كل_يوم_كتاب.. طريق الخيّالة

طريق الخيّالة، سبعون عاما من الذاكرة، كتاب سيرة ذاتية وهو بقلم المناضل والفدائي البطل احمد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.