الرئيسية » نقد » فن تشكيلي » د. رياض ابراهيم الدليمي : التشكيلي علاء بشير لا يحبذ الألوان المحايدة ولا يرسم باللون الرمادي

د. رياض ابراهيم الدليمي : التشكيلي علاء بشير لا يحبذ الألوان المحايدة ولا يرسم باللون الرمادي

reyad ebrahim 5نحت وجوه الموتى الذين دفنتهم اكوام التراب وغبار الحروب اثر الصواريخ والقنابل التي تساقطت على رؤوس العراقيين .
نحت الموتى وترك الاحياء لأنه يرى الانسان كائن ميت ، فهو يعيش لحظات حياتية ، ولكنه يموت ملايين القرون ، الارض تعد واحدة لديه بعد الموت تتساوى فيها الجغرافيا في لحظة الموت وتحددها الحدود الصنيعة .
علاء بشير يعتقد أن الواقع ليس الاشياء والاحداث والناس التي نراها ، وانما هو العمق الذي لم نره يتمثل بالغائر في فكر الانسان وما وراء الانسان ويكمن في اناة الجسد المجسم على سطح لوحته .
الواقع يراه وهماً والموت هو الحقيقة الوحيدة التي لن يتقبلها الانسان وفيها تتساوى الاشياء لا فرق بين مادة وكائن حي ، والازمان تتلاشى كحاضرة ومستقبلية .
بألوانه الصريحة يجسم غرابهُ الطير الشاهد على أول جريمة في التاريخ في المكان الذي عاش فيه بالقرب من اسوار بابل وشارع موكبها وفي باب المعظم .
علاء بشير يعتقد لا وجود لما يسمى فن تشكيلي عربي لان كل الفنون العربية المعاصرة والحديثة هي تقليد للغرب لكونه استعمر المكان والزمان والفكر والذاكرة .
الفن الوحيد عند العرب – كما يعتقد بشير – هو الفن الذي وصلنا من وداي الرافدين والنيل وباقي الحضارات الشرقية لكونها فنونا أصيلة …
لا يحبذ الالوان المحايدة ولا يرسم باللون الرمادي ولا يفضل ان يجسم الاشياء كما يراها الناس او كما يتذكرونها .
لوحاته ونحوته غير مكتملة ( لانهاية للون فيها ولا اطار لها ) وهذا الامر ينسحب على أعماله النحتية فتحتاج الى مزيد من التكوينات وتشتهي مزيدا من الطَرق والحفر والعجن ان كانت صخرة أو طينا مأخوذا من ذراع دجلة أو رسوب الفرات .
ان اعتقد المشاهد أن اللون الاخضر الذي ملأ اللوحة قد يوحي الى حقل يفوح منه عطر العنبر و بستانا ارتدى فستان الربيع والريعان والصبابة لكن يتراجع عن رؤيته بعد برهة ليرى كل ألوان ( علاء بشير ) الخضر تشير الى روح مزهوقة بفعل الموت الاخضر أو بفعل حرب عبثية بين دولتين جارتين ، أو من قبل دولة مارقة اعتدت على دولة صغيرة ، وقد تكون روح سمكة صغيرة قبض عليها سمك قرش شقي .
الالوان في لوحات علاء بشير خدعة بصرية رغم صراحتها ، والاشكال المجسمة تتساوى في خلقها اذ لا فرق بين مخلوقاته ان كانت آدمية أو حيوانية أو جماد ، الكل فيها واحدا والجزء هو الكل
، لا فرق بين لون ولون وشكل وشكل الا بالهيئة والصبغة ، الابعاد في لوحاته تتلاشى وتنصهر مع بعضها ، والزمن متحجر في هنيهاته حيث لاوجود له فهو جامد في موضعه متسمرا في مكانه منذ الخليقة وما لبث ، الفكرة ذات الفكرة والسؤال ذات السؤال والمسميات توحي الى نفس الدلالات منذ النشوء ومازالت ، وكانه يقول لنا أعدنها في أعمالنا الفنية الى حاضنتها في لحظة التكوين وأعدناها الى سيرتها الاولى ، فلم العجب ان اختلطت الالوان لديه ؟ وبات المتلقي في عمى اللون والبصر ، وضالا لا يفقه كثيرا من الاسئلة و لا يمتلك بوصلة أجوبتها .
أعمال ( علاء بشير ) يغدو اللون فيها سؤالا وحيرة وارتباكا ، هل الموت موتا ام الحياة حياة ، ام هل الموت هو الحياة ، ام يموت البشر ليحيوا ، وهل فعلا يموت الاحياء ؟alaa bashir 4
هل يصنع النحات ( علاء بشير ) من غرين طينه جثثا أم أطفالا في مهد الموت ، أم خدجا على عتبة الحياة ؟
وأنت تتأمل أشكال ( علاء بشير ) المجسدة باللون والحجر والطين تلاشى لديك عناوينها ومسمياتها فشعَر المرأة يصبح أوراق توت ، وساق الشجرة توحي لساق امرأة في عنف انوثتها ، وعندما تنظر بعمق الى عيون كائناته الانسانية فانك تشاهد أحجار كهرب وفيروز شكلت أحداقا وجفونا ووضعت تحت رموشها ألف خط كحل مستفهم بعلامات تعجب لانهاية لها ، أغوت غرابا وهدهدا ومنقار ديك هراتي ليقلعوا الاحداق والاهداب ويتركونها جثثا تسعى الى حياة أبدية .
الناجون في لوحاته الذين حملتهم سفينة نوح انهم كالجماجم المدفونين في جدران معبد مرودخ ، فتجد أشجارا ووردا وبطاريقا واطفال رضع وفؤوسا ومتاريس والهة بابليين وكهنة فراعنة ، فتصبح لوحاته سفينة خلاص للخليقة ، حتى الجماجم والهياكل العظمية للخلق فانه يعبئ بها سفنه أي – لوحاته – ، فيترك للمتلقي الحيرة والدهشة والشك وغياب اليقين ، فلا يترك له الخيار والاختيار ما بين الحجب والتجلي لأدراك الحقائق ، انه كمن يسلب من المتلقي يقينه ويوبخه على أبدية قناعاته ، ويذّكره بان لا يترك الاجوبة لألف سؤال وسؤال عالق في رأس انسان أكله الطير ، وأكف نسوة قطعتها السكاكين واستراحة الذكورة .علاء بشير 1
لوحات ( بشير ) وتماثيله ونصبه ملغومة بالجدل فتثير أسئلة وجودية دون جواب ، أعماله مشاكسة للتاريخ والفكر والعقل ، ومغامرة فنان مفكر فهو يرسم بشفرة طبيب جراح وبعقل جدلي ، الخيال عنده له بداية دون انتهاء ، البحر والسماء ينصهران في ألوانه وآفاقه ، لا مكان عنده للشروق والغروب فان الوقت في أعماله غائب ومفقود وكانه يقول لنا :
الكون له بداية الا ان التفكير فيه قد أتعبه .
كل لوحة وعمل نحتي أنجزه يمثل لديه لحظة ولادة وكل ما حوله سدم ، لم تتضح مكونات الخليقة لديه هي ماثلة في ألوان وأشكال لم يسمها ولا يدرك دلالاتها ورموزها ، وليس هناك جواب يقيني عن معانيها ، الخشب في لوحاته هي أذرع انسان ، ومنقار الغراب هو طمع وجشع ، وفم السمكة الصغير هو ثغر امرأة ابتلع الكلام وحبس فيه الى اشعار آخر ، الانسان يصوره بخمسة عيون وقد يكون بعين واحدة أو بلا عيون لأنه لم ير الحقيقة و يكتشف معناها وأضل دربها ، لقد صرح الفنان عن لون الغراب وشكله وحركته وحريته ربما أراد القول انه أكثر المخلوقات فهما لكثير من المجاهيل والاسرار التي لم يستطع الانسان أن يستوعبها أو يفهمها .علاء بشير 4
الاجزاء حقائق وكينونة وظواهر ووجود في نظر ( علاء بشير ) مثل ( النشوء التكوين ، الغراب ، هابيل وقابيل ، بابل ، الموت والحياة ، الولادة والعقم ، الحروب والسلام ، الفقر والغنى ، الجمال والقبح ، الذكاء والغباء ، الحب والكره ، الراعي والرعية ، السلطة والاستلاب ، القوة والضعف ، الفهم واللافهم ، العبودية والملوكية ، الوجود والعدم ، اختلاف النوع ) لكنه لم يجسد ماهيتها ونهاياتها وأسبابها وعللها ومبرراتها الوجودية في لوحاته وأعماله النحتية ، فانه طرحها بصيغة استفهامات لا حصر لها .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *