الرئيسية » ملفات » د. زكي الجابر : المقالات الصحفية (15) شَأنُنا الجامعي في الصيفِ ضَيَّعتِ اللَبَن! (1) (ملف/56)

د. زكي الجابر : المقالات الصحفية (15) شَأنُنا الجامعي في الصيفِ ضَيَّعتِ اللَبَن! (1) (ملف/56)

zeki-aljaberإشارة :
يهم أسرة موقع الناقد العراقي أن تقدّم هذا الملف عن الشاعر المبدع والإعلامي الكبير الدكتور زكي الجابر . وتهيب أسرة الموقع بجميع الأحبة الكتّاب والقرّاء المساهمة في هذا الملف بما يملكونه من مقالات أو دراسات ووثائق وصور ومعلومات وذكريات عن الراحل . وسيكون الملف – على عادة الموقع – مفتوحاً من الناحية الزمنيّة . ومازالت الناقدة الدكتورة حياة جاسم محمد ترفد الملف بنصوص وصور مهمة للراحل الكبير فشكراً لها.

المقالة : 
نعم، في الصيف تُضَيِّعُ جامعاتُنا العربيةُ اللَبَن. فما تكاد نَفَحاتُ القَيظِ تَشرَعُ بالهُبوب إلا وأغلقتِ الجامعاتُ أبوابَها فلا دَرسَ ولا تدريسَ ولا مُدَرِسّينَ ولا دارِسينَ، وأنابيب المختبرات وقواريرها تهدأ تحت الغبار، والمُدَرّجاتُ الجامعية تغفو تحت ظِلال السكينة. نعم! جامعاتُنا مغلَقةٌ هذا الصيفَ كما هو حالها في كل صيف. إنها مُعطَّلة، ودُوَلٌ ثَلاثٌ من أوروپا الشرقية تنسلخ عن جلدها وترتدي ثياب ’’الناتو‘‘، وتَنعقِدُ بين جبال كولورادو قمة ’’دنڤر‘‘، وتُصدِرُ القمة الثانية للأرض بيانها وسط صخب نيويورك، والمِسبارُ ’’پاثفايندر‘‘ (Pathfinder) يهبط واثقاً على سطح المِرّيخ مرسلاً صوراً مذهلة في الوضوح ومُهدِّداً المجال أمام المركبة الجوّالة ’’سوجيرنر‘‘ (Sojourner) لتبدأَ تنقّلاتها بحثاً عن الحياة فوق سطح ذلك الكوكب الأحمر. نعم! جامعاتنا في عطلة الصيف، ونتنياهو ينفثُ كلَّ سِخام الحقد الموروث في وجوه العرب، والعنف الإسرائيلي يزداد قسوة، والدعاة الصهاينة يربطون ما بين الانتفاضة وكلِّ مبادرة سلميةٍ فلسطينيةٍ انطلاقاً من اعتبارها مؤامرةً لإنهاء وجود إسرائيل، وتتردد في الوسط الصهيوني عبارة الجنرال اليهودي السابق ريهافام زئيفي القائلةُ بأن نَقْلَ العربِ هو الحلُّ الأكثرُ إنسانيةً للمشكلة الفلسطينية. نعم! جامعاتنا معطلة حتى تَظُنَّ أنها سجون للأساتذة والطلبة، تضمُّهم جدرانُها فترةً لِتُطلِقَهم فترةً أخرى، ثم تُعيدهم إلى أَقبِيَتِها في عالَم يتطور ويتعقّد في كلّ مفاصل الحضارة القائمة، حضارةِ الإنسانِ ذي البعد الواحد.
ومن أجل أن نكون في هذا العالم فإننا مطالبون بأن يكون لنا أولاً موقف من سيرورة الحياة، وأن تكون لنا مساهمة في العلم والتكنولوجيا والثقافة. ومن يرغب في أن يرى مستقبل أية أمة فلينظر إلى جامعاتها، أهي خلايا نحل يتواصل عملها دون انقطاع أم أنها معامل لإنتاج قدرات فردية شبه عاجزة وإعادة إنتاجها، ولتفريخ متعلمين وأشباه مثقفين يجيدون التوقيع والنقل الببغائي أكثر من إجادتهم الإبداع والاكتشاف وصياغة الآمال والطموحات وترجمتها عملاً وإنتاجاً وتنمية مُستَديمة.
ولعلك تُسائلُني مثلما ساءلتُ نفسي، وماذا تظن دور الجامعة في كل ذاك؟ لنبدأ أولاً بما نادت به ’’الاستراتيجية العربية للتنمية الاجتماعية الشاملة‘‘ – جامعة الدول العربية. لقد تصدرت أولويّات التربية والتعليم والتدريب في هذه الاستراتيجية مسألةُ الإعداد للمشاركة والإنتاج والإبداع عبر طريق تَنمَوي يستهدف تكامل شخصية الإنسان العربي، ومن أجل ذلك اشتملت على مهام منها:
1. تحرير مؤسسات التعليم والتدريب ومخططاتها من أنماط التبعية الفكرية والتَقَنيّة.
2. تعميق نظرة الولاء للأمة بديلاً عن النظرة القائمة على التنمية الذاتية.
3. ربط التعليم بالإنتاج.
4. المراجعة المستمرة لمخططات التعليم في ضوء تطور العلوم.
5. المحو الحضاري للأمية.
6. تطوير التعليم النظامي وما يوازيه.
7. ضمان التعليم المستمر.
8. تطوير نُظُم الامتحانات وطرق التدريس.
9. إسناد قيم المشاركة والعلاقات بالمجتمع.
10. تحقيق فرص تعليمية متكافئة.
إذا ما اعتُمِدتْ تلك المهامّ بوصفها مبادئ عامة للتعليم والتدريب فإن للجامعات واجباتها والتزاماتها تجاه العلم وتطوير المجتمع وقيادته نحو المستقبل.
قد يكون التعليم واجباً يتصدر واجبات الجامعة، والتعليم يتجاوز التلقين وإملاء المعلومات التي ما هي إلا ملحوظات نقلها المدرس من هذا المصدر أو ذاك خلال السنوات الأولى من احترافه التدريس الجامعي، والتعليم يتجاوز أن يكون دفتر التلميذ مماثلاً بالحرف دفتر الأستاذ، والتقييم يتجاوز ضبط دقة التماثل ما بين إجابة التلميذ ودفتر الأستاذ، والتعليم الجامعي بعد ذلك، وكما يقول أستاذ مجرب لتدريس الرياضيات في جامعة ’’جون هوبكنز‘‘، يأخذ مكانه أكثر ما يكون خارج غرف الدرس. إنه يعتمد على جهد الطالب الذاتي في تحصيل المعلومات ومناقشتها. التعليم الجامعي هو غير التعليم الثانوي. ومن حَقكَ وحقي أن نتساءل عن دور جامعاتنا العربية مَشرِقاً ومَغرِباً في تحقيق تعليم يشكل قفزة نوعية عما هو مألوف في تعليم مواد الدراسة في المرحلة الثانوية.
وإلى جانب التعليم فالجامعة لها دورها في إنجاز البحوث العلمية المكتبية والميدانية والمختبرية. إن شعار ’’أُنشُرْ أو إِهْلَكْ‘‘ ينطبق أوّلَ ما ينطبق على الأستاذ الجامعي، والبحث أَنفَعُ ما يكون إذا ما كان لصيقاً بحاجات المجتمع ومحفِّزاً على إنجاز بحوث أخرى. إن نصيب جامعاتنا في البحث العلمي يدعو إلى الخجل والأسى إذا ما قيست أصالته وجدواه بحصيلة البحوث المُنجَزَةِ في إطار جامعات العالم المتقدم.
وللجامعة دورها في نقد الممارسات الاجتماعية على اختلاف أنماطها من السياسة والاقتصاد إلى الرياضة والترفيه. للجامعة حُرمَتُها فلا تُمَسُّ، والأستاذ الجامعي يرى نفسه، بحكم ما لديه من معرفة، متحملاً مسؤولية الاكتشاف والتقييم والتقويم، وإذا لم يكن كذلك فهو حقيبة معرفة وميكروفون يقول دون أن يُحِسَّ أو يَعِيَ ما يقول.
وللجامعة دورها في تطوير المجتمع، فهي بيتُ خِبرة وأداةٌ فاعلة في إقامة بنية المجتمع على أُسُسٍ دعائِمُها التفكير والمهارة والإحاطة بالجديد. إن التعليم المستمرَّ خدمة إلزامية تنهض بها الجامعة، والمجتمع لكي يستمرَّ في حاجة مستمرةٍ إلى تعليم مُستَمِر.
وللجامعة دورها في التدريب الحِرَفي وإتقان الممارسات العلمية من خلال ورشات العمل ومراكز التدريب والتواصل مع المعامل ودوائر الحكومة والشركات ومؤسسات الخدمات الاجتماعية.
لقد أخذت المجتمعات تشق طريقها نحو الإصلاح الهيكلي، والإصلاح هذا يتطلب تكييف العمل والعاملين لمتطلَّباته من مهارات جديدة ومرونة تيسِّر الانتقال من عمل لآخر. إن بقاء الجامعات أسيرة للمحاضرات النظرية يعني بقاءها خارج إطار العصر.
وما دامت التنمية قد انتقلت إلى مفهومها الأوسع الذي يعني الاقتصاد ونوعية الحياة في جوانبها المختلفة فإن الجامعة على اختلاف كلياتها وأقسامها وشُعَبِها لها دورها في تهيِئَة سَيرورة هذا الضرب من التنمية وانطلاقه ودَيمومة سَيرورته. إن جوهر المأساة يكمن في انكفاء الجامعة على ذاتها مفتقرة، تفكيراً وممارسة، إلى أداء دور في التنمية المستديمة. إن تخريج الجامعة لأفواج العاطلين ينتهي إلى عرقلة التنمية على مختلف مساراتها.
ربما يجد المرء فمه مُرّاً فيضطرُّ لِبلعِ ريقه وهو يحاول أن يسطر على الورق همومه إزاء وضع الجامعات العربية. إنها جامعات متماثلة، وتتناسخ عبر أرجاء هذا الوطن الكبير أقساماً ومناهج وطرق تدريس، متماثلة إنتاجاً وإعادة إنتاج، متماثلة في بقائها خارج المجتمع، خارج معركة العصر.
إلى أين نحن نسير في عالم المعلوماتية واختراق الفضاء والطرق السيارة؟ إلى أين نسير والعالم ينفق على التسلح حالياً حوالي مليوني دولار في الدقيقة الواحدة وفقاً لما يقوله تقرير ’’الإنفاق العسكري والاجتماعي‘‘، وإن الطاقة التفجيرية للقنبلة الذرية قد وصلت إلى ما يقرب من 8 ملايين طن، والمخزون الحالي من السلاح النووي يكفي لإفناء كل إنسان على وجه البسيطة 12 مرة.
نعم، الجامعات العربية في عطلة صيف، والفجوة العلمية بيننا والعالم المتقدم تتسع، وجراحنا تزداد عمقاً، ودراساتنا المستقبلية تقارب الصفر، والحديث يطول وهو ذو شؤون وشجون، وحال جامعاتنا كحال أولئك الذين يتجادلون ويتحاورون حول إمكانية ولوج الجمل ثقب الإبرة، وإنها أقرب ما تكون إلى الفنان الذي عناه شاعر مجيد حين قال:
واستأثر الفنان يرسم بطَّةً
حَسناء ترسم ريشَها حَسناءُ
جامعاتنا مستمرة في عطلة صيف يتعطل فيها العقل والنقاش والدرس والتدريب، والمثل العربي يقول بليغاً: ’’في الصيف ضَيَّعتِ اللَبَن‘‘.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مثل يضرب لمن يطلب شيئاً قد فوّته على نفسه. أصله أَن امرأة تزوجت شيخاً فأبغضته فطلقها، وتزوجها فتى جميل الوجه. وأجدبت السنة فبعثت إلى زوجها الأول تطلب منه حَلُوبةً، فقال المثل. (المنجد، ص 996).
نشرت في صحيفة البيان (الإمارات).
23-7-1997

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *