فؤاد قنديل : الفاتنة تستحق المخاطرة (28) و (29)

Fuad Kandil 5إشارة :
برغم صدور روايته الأخيرة “الفاتنة تستحق المخاطرة” في القاهرة قبل رحيله بوقت قصير ، فقد خصّ الروائي الكبير “فؤاد قنديل” موقع الناقد العراقي بنسخة وورد عبر البريد الإلكتروني اعتبرها هدية منه متمنيا علينا نشرها في الموقع. ووفاء له تقوم أسرة الموقع بنشرها في حلقات.

الحلقتان الثامنة والعشرون والتاسعة والعشرون
(28)

أهكذا فجأة تهجر عشك؟! أبهذه البساطة تتخلى عن أثمن ما تملك؟! هل كان حبك شجيرة نعناع تأخرت عليها نقطة ماء أو مرت عليها نسمة فأسرعت بالذبول.. هل كان حبك مخلوقًا من فرار ورمال وضباب؟ هل شكلت حبك على هواك؟
أمررت بنا فقط لتسأل عن اسم البلد وموعد الفيضان ولون الشفق، ثم امتطيت جواد الرحيل؟ ألم تتنبه نفسك إلى حال من مررت بهم؟ ألم تسألك نفسك عمن تعلق قلبها بك ورَعَت حُبك وزرعت ملامحك في قلب روحها؟ أما سألت نفسك عن شعور تلك الشابة التي رأت فيك حلمًا وسفينة وأملاً وغدًا ملهمًا وجميلاً لا يناسبه غير التحليق بأجنحة الحب والثقة والأشواق التي لا تعرف الذبول مهما تعرضت للحرمان.. قوتها فيها وهي نبع الخلود.
ها هي الكائنات من حولي تنتحب.
أما علمت أنني بقيت أغزل ثوب الزفاف شهورًا طويلة حتى يليق بك؟ أما علمت أنك كنت البوابة الوحيدة للبهجة والأنس والدنيا جميعها؟ كانت السماء من أجلك قد بدأت تمطر قطرات خفيفة تكفي لإيقاظ روحي الظامئة وترقيع أطرافها المتشققة.. كنتُ كالبومة فوق شجرة عجفاء هجرها النماء فتحطبت حتى جئت أنت فَحَولتني إلى بلبلة لا تعرف غير الشدو والغناء.. ها هو النخيل من حولي ينتحب.
ألم يخطر ببالك أني قد هيأت نفسي كي أفنى فيك عشقًا وولعًا؟ فإذا بك مجرد خطوط بيضاء على صفحة النهار فلا تكاد تترك علامات تدل عليك فأتبعك حيث تكون؟ وما كان مرورك بي إلا سيرًا على الماء لا يذكره النهر الهادر؟ هل كل ما خلفته وراءك من آثار لا يتجاوز ذكرى لقاءاتنا في الأماكن المنعزلة؟ ألا تشعر بالخزي إذا أنت سألت نفسك عن جدوى أيامك التي حرثتها وبذرت فيها بذور المحبة فاخضرت قليلاً ثم انسحب منها الجمال والندى والنضرة الواعدة؟ أكنت وهمًا وحلمًا وإشارة أم أملاً وشوقًا وعشقًا وروحًا تمسح عن القلب صدأ الأيام التعسة؟ أيها كنت؟
ها هو كل شيء من حولي ينتحب.
اسأل نفسك ولا تندم على رجل لم تكنه يومًا.. اسأل نفسك عن زهرة روحك التي استطاعت عبر أيام خاطفة أن تحيل الكون حديقة فوّاحة العطر دائمة الابتسام لا تكف عن الفرح.. اسأل نفسك عما صنعته بي وقد أشرق قلبي بحب الحياة والناس والكتب، وهام بالجمال والأطفال والطيور والقمر. اسأل نفسك ماذا أصنع وقد صرت غير ما كنت عليه؟ ماذا سأفعل بما أنبَته في أعماقي من تصورات عن المستقبل والحياة والنور ومعاني التسامي والسرور. أنا لم أعد أنا.. لقد أطلقت أجنحتي إلى السماوات لأحلق فكيف لي أن أعود إلى الأرض لأعانق ذرات الغبار والجدب والسكون والوحشة والذبول؟ أي ذنب جنيت أنا، وأي إثم اقترفته أنت؟ فكر.. فكر، فكل شيء من حولي ينتحب.
أخشى عليك مما صرتُ إليه.. هل تعلم أني تخليت عن محاولاتي البدائية الساذجة لتذكر ملامحك؟ وهل تعلم أنني عندما حاولت مرات تذكرها اكتشفت أني نسيتها وانمحت من الذاكرة وأخشى قريبًا أن تتعمق ثقتي ويقيني بأنك لم تكن موجودًا أصلاً. هل تعلم أني صحوت بالأمس فإذا وجهي غارق في الدموع المتبقية من كوابيسي المحتقنة؟
كم هو بشع أن يضيع الحب! كم هو بشع أن يختطف روحك من بين ضلوعك كائن بري مجهول وغريب التكوين! كم هو بشع أن تهرب من بين يديك الدنيا بكاملها والأحباب والحدائق والسماوات وتنسحب الأرض من تحت أقدامك فجأة لتصبح وحيدًا في صحراء ليس فيها غير الرياح والغبار والقحط!! هذا بالتأكيد ما يعنيه افتقادك الحب الذي كنت على وشك أن تباهي به العالم. لقد أدركت مؤخرًا فقط أن الحب هو الكنز الحقيقي والثروة التي ليس بعدها ثروة، وهو الذي يجعلك قويًّا وعزيزًا لا تشكو من الحرمان ولا تطمع في أي شيء إلا أن تقيم إقامة كاملة تحت شجرة الحب الظليلة. آن لك أن تتأمل الكون من جديد بعد أن تمزقت الأشرعة .. ليتك تمنح سمعك لحظات لأنات الجوى.
كل شيء من حولي وحولك ينتحب.kh fuad kandil 7

(29)

صرخت جزيرة عندما رأتني فوق الجواد البني ذي الجبهة الشقراء.. كانت تصعد لتستقل «الكارتة» أمام الدوّار.. نطقت اسمي بحنان ودهشة واشتياق معتق:
– «يوسف».
ابتسمتُ وتبدلتُ.. خفق القلب الذي كان معلقًا بخيط رهيف.. قلت من قلب قلبي:
– عيون «يوسف».
– أهون عليك تسيبني؟
– استحالة يا روح الروح.
عانقتني وغمرت وجهي كله بشفتين محمومتين ورغبة مرتعشة بالشوق واللهفة ثم سالت دموعها وهي تتمسك بي بقوة. ضممتها وتنهدت. ثم تنبهت للطريق فأخذت برأسها وقبلت جبينها.. أفاقت وجففت منابع الدمع الأسيان. أسرعت تخفيني عن الطريق وتجرني حتى أدخلتني الدوار.. لمحت الجواد يتسلل متهاديًا نحو الفرسة الشهباء.. هبّ أبوها واستقبلني بين أحضانه.. ترقرقت في عينيه الدموع وسرعان ما قبض عليها ولم تفلت منه إلا دمعتان لؤلؤيتان كبيرتان. لا أدري ما الذي أخرج الحاجة «كاملة».. تنهدت من أعماقي.. شعرت أنني في المكان الصحيح والمريح الذي يحتضن الروح ويُربِّت عليها ويهمس في أذني قائلا:
– لا تشغل بالك بشيء.. سلم نفسك لله وللحب وللبساطة والناس الطيبين.
ها هنا مكاني الذي لا مكان لي غيره.. ها هنا جذوري وبقية عمري وأسرتي وكل ما أنتمي إليه وينتمي إلي.. قلت:
– لن أترك «جزيرة».
طفرت الدموع من عيني الحاجة «كاملة» وتبعها الحاج «حكيم» ثم تبعتهما.. منعت «جزيرة» نفسها ثم أجهشت فاندفعت إلى الداخل.. تفوقت على الجميع وأسكتتهم زغاريد «هنومة» و«رقية».. لحظات وعادت «جزيرة» وقد مسحت دموعها وبقيت عيناها الحمراوان.. قلت:
– هل يمكن أن نتزوج بعد أسبوع على الأكثر؟
قال أبوها:
– ممكن.
ارتبكت «جزيرة» واحمر خداها وقالت بصوت منخفض:
– صعب.
ضحك الجميع وعادت المرأتان تزغردان.. قلت مداعبًا:
– «جزيرة».
أدركت «جزيرة» شبهة التهديد بالغضب فقالت بدلال:
– صعب يا «يوسف».
قال أبوها ونبرة الفرح تلاحق كلماته:
– ستتزوج الليلة.
– شكرًا يا عمي.. بعد أسبوع.
قال بحسم وحنان:
– انتهينا.. ستتزوج بعد أسبوع.. هيا ضعا خطتكما ونفذاها، وأنا مستعد لأية تكاليف. العشاء يا «رقية».
ظهر بركة.. سلم عليّ.. قال:
– رأيت المسلة تهرب من المركب وتسبح فوق الماء وهي الآن تقف على باب المعبد كما كانت بجوار أختها.
جذبني من ذراعي بقوة.. وهو يقول:
– أعلم أنك لا تصدق. تعال وانظر.
قلت وأنا أعانقه:
– هذه أول مرة أصدقك.
مضى نحو الباب وهو يقول:
– يجب أن لا أتركها.. سأجلس معها حتى الصباح لأحرسها.. ربما يعود الأغراب لخطفها.. سأحمل لها السمك من بحر النيل.
سمعنا خبطات قدميه على الطريق وهو يركض بإيقاع راقص ويغني:
– المسلة رجعت يا أولاد.. المسلة رجعت يا أولاد.
قالت «جزيرة» لوالديها وهي تجذبني من يدي:
– عن إذنكما؟
جرتني إلى الحديقة الخلفية. قالت:
– لن أنسى ما حييت ما فعلته بي.
– كنت أود أن أتأكد من حبك.
لكمتني في صدري وتنفست من أعماقها، ثم قالت:
– في أحيان كثيرة أسأل نفسي: مما صُنع الرجال؟
– هل وجدت إجابة؟
قالت وهي تمط شفتيها:
– لا..
– والعمل؟
– مرعب جدًّا الشعور بأن شخصًا يهمك وكلما احتجته اختفى.
– لا تقصدينني بالطبع.
سحبتُ يدها وقبلتها.. حاولت أن أحدد مدى سعادتي ففشلت. أنبت نفسي لأنى بارحت الكنز ثم أثنيت عليها لأنني عدت. قالت:
– بعد الفجر صعدت إلى السطح أطمئن على وجود الباخرة وأنك ما زلت في الأقصر.
قلت لها ساخرًا:
– لماذا التعب؟
لكمتني لكمة خفيفة في صدري وهي تقول:
– عندي بعيد عنك إحساس.
ضحكنا معًا.. قالت:
– لو كنت وجدت الباخرة لتوقعت وجود أمل أن تراجع نفسك.
– ألم تجدي الباخرة؟
– اكتشفت عيبًا جديدًا فيك.
– هو؟
– قسوة قلبك.
تنهدت وحدقت في عينيها بكل حب وشوق وندم.. قلت:
– شكرًا لقسوة قلبي التي أعادتني إليك.
أحنت رأسها قليلاً وابتسمت ثم انسالت دموعها مجددًا وسألت من خلال نشيجها المحموم:
– كيف سمح لك قلبك إذًا أن تطعنني بسكين بارد.. أنت لا تعرف ماذا يعني الحب وما معناه؟
هممت بالرد فقاطعتني:
– الحب أهم من الأبناء.. الابن يتكون في البطن ويغذيه الحبل السري ودماء الأم، لكن الحب يتكون في القلب وتغذيه الروح وترعاه المشاعر.. كيان مختلف.. الحب أجمل ما في الحياة.. كيف تخليت عنه بسهولة كأنه باب فتحته وأغلقته.. ركبت فوق الحصان ثم نزلت.. مثل ما فعلت .. سافرت في المركب ثم عدت. لا يا سي «يوسف».. لا.
احتضنتها وأنا أقول:
– سامحيني.. أرجوك.
قالت:
– لازم تدخل المدرسة أولاً لتتعلم.
– ممكن تسمعيني؟
– عندما لم أجد أثرا للباخرة اسودت الدنيا في عيني.. كنت فرحانة بك وبحبي.. لكن يا خسارة.. صدقت البدوية التي قالت لإحدى قريباتي:
– احذري الرجال.. فأسهل شيء لديهم البيع والنسيان.
استطردت:
– وأكد هذا ما قاله المثل الشعبي: «يا مآمنة للرجال يا مآمنة للمية في الغربال».
أدركت أخيرًا أنها توازنت قليلاً وتخلصت إلى حد ما من غضبها المكدس.. تنهدتُ بعمق وضممتها إلى قلبي.. سألتني:
– كيف رجعت؟
– حكاية طويلة.
– مهم أعرفها.
– قائد الصندل الذي كان يجرنا أنبأنا أن الريش ساخنة ويجب الراحة بعض الوقت وفحصها.
– أين وقفتم؟
– في قرية اسمها أبو تشت.
– أظنها قبل سوهاج.
– تمام.
سعلت «رُقية» قبل أن تقترب حاملة صينية عليها كوبان من الشاي و«فايش» وطبق تمر وقطعة من العصيدة التركية.
جلسنا على دكة خشبية وحطت «رقية» الصينية بيننا.. قلت:
– كنتِ معي طوال الليل ودعوتني للعودة.. فجأة قلت لـ«ريشار» سأنزل هنا.. زعق: أنت مؤكد مجنون.. سمع الآخرون فاندهشوا وانهمرت أسئلتهم.. تركت أسئلتهم تطاردني بينما كنت أخطو في الصباح الباكر جدًّا فوق أرض طينية صلبة. سيئة التضاريس وليس هناك مخلوق في المشهد المتجهم.. لمحت مئذنة مسجد تظهر عن بعد.. مضيت نحوها.. في مصلاة رأيت رجلاً ينتهي من صلاته. سألته عن مراكب تسافر إلى الأقصر قال:
– ليس قبل يومين.
– متأكد؟
– أنا صياد وبيتي النيل.
قررت ألا أنتظر وسوف أعود إليك اليوم ولو ماشيًا..
قالت الحبيبة ضاحكة وهي تحاول كتم ضحكتها:
– لو على حمار يكون أفضل.
قلت لها ساخرًا:
– كنت أصل إليك العام القادم.
– ساعتها يكون عندي ولد جميل مثل أبيه.
لم أستطع منع نفسي من خطف قبلة من الجميلة التي كان يجب أن تكافئني بعد عذابي الذي لم تعلم به بعد.. دفعتني عنها:
– ليس من حقك أن تلمسني إلا بعد أسبوع.. هيا أكمل.
– سألت على أي ركوبة، فلم أجد.. سرت على ضفاف الحقول حتى سمعت صوت خيول فمضيت نحوها. بيت كبير من طابقين.. درت حوله حتى عثرت على حظيرة خيول أمام بابها خفير نائم. أيقظته بقلب جامد وسألته عن صاحب المكان. طلب مني الانتظار حتى صعود الشمس قلت له:
– أيقظه الآن.. أنا في حاجة ماسة إلى جواد.
أيقظ صاحب البيت الذي رحّب بي نصف منزعج. دهشت عندما سألني:
– هل أنت مصري؟
قلت له:
– لا بد أن أكون قبل الغروب في الأقصر. سوف يزوجون الفتاة التي أحبها لغريب ولا توجد مراكب.
ضحكت وقالت:
– آه منك.. أنت لست سهلاً كما تصورت.
– وافق الرجل وسألته عن المسافة التي تفصلنا عن الأقصر فقال في حدود مائة كيلومتر.. طلب من الحارس تجهيز الجواد البني بكل ما يلزمه.. قال:
– دعه يرتاح كل عشرين كيلو على الأكثر.. خذ هذا الكيس به غذاؤه من الفول والتبن.. على طول الطريق ستجد الماء والخضرة.. عامله بمنتهى الرقة.. أرجوك. رفض الرجل قبول النقود لكني ألححت بشدة فقبل مذعنًا ومؤكدًا:
– كنت أريد أن أسهم في قصة الحب.
شكرته وأسرعت بامتطاء الحصان الذي لم يتحرك إلا بعد أن تحسسه الرجل الكريم وتلمس كفليه بحنان، ثم خبط برقة عليهما.. تحرك الحصان وئيدا ثم توقف وحوّل رأسه إلى الرجل فلوّح له مودعًا. لكزته بكعبي فتحرك ببطء. لكزته مجددًا فتقدم بحماس نسبي ثم أسرع.. حدثته في بداية الرحلة عن الغرض منها والمهمة المطلوب منه إنجازها في أسرع وقت ممكن. وعدته أن أكون معه نعم الصديق والشقيق.
– أكلت بعقله حلاوة مثل ما فعلت معي.
– عقلك يا حبيبتي ما زال حجرًا وقلبك ما زال غير راض عني.
– دعك من هذا الكلام الناعم الذي ثبت أنه كالزبد عندما طلع عليه النهار ساح وتبدد وأسرعت بالفرار.. أكمل.
– السكك كلها كانت عبارة عن مدقات ترابية. بعضها على حواف الترع وفوق تلال ووسط أحراش ..عبرنا ترعًا جافة ليس فيها غير طين، ومررنا من بعض الحقول مضطرين ولم يكن أمامنا في مسافات كثيرة إلا مسافة ضيقة لا تزيد على متر واحد على النيل.. سرنا مسافات في صحراء قاحلة وأحيانًا وسط أطلال لبيوت متهدمة وأحيانًا بين أكواخ.
استرحنا عدة مرات ليأكل البرسيم والحشائش، وعند الظهر تناول غداءه من الكيس، وعندما اجتزنا حقلاً للكرنب أوقفته وانتزعت له كرنبتين ودعوته لالتهامهما، وما إن بدأ حتى نظر إلىّ بامتنان وكان لأسنانه صوت قوي وهو يحطم جذر الكرنبة الغليظ، وقد شاركته تناول جزء من الجذر الثاني بعد أن أزحت الطبقة الخضراء السميكة بمطواتي وأخذت أقضم من قلب الجذر الأبيض وكان يصدر عن أسناني صوت مشابه لصوت أسنانه فضحكت وغمز بعين واحدة وأظنه ضحك.
كلما وقفنا مسحت له عرقه وغرفت له من ثلاثة مساجد ليشرب.. أصب الماء على وجهه ورقبته وظهره وساقيه وكفليه، فيهز شعر رقبته وشعر ذيله الذهبي الطويل راضيًا وشاكرًا فنتابع.. كم أسعدتني صحبته وكم كان أمينًا، حتى قلت له: أتمنى أن تكون «جزيرة» مثلك.
– ماذا تقصد؟
– أي أن تكون مطيعة ومتعاونة ولطيفة وصابرة وغير عصبية.
– يا لسوء حظك.. كل ما تمنيته لن تجد منه خردلة.
– هكذا إذن.. أنا مضطر للزواج من «سلامة».
– نهارك أسْود من قرن الخروب.. من «سلامة» هذه؟
– الحصان.
– أليس ذكرًا؟
– بلى.
– إخص.
وقفت وقد التقطت أصابعها تمرة وابتعدت خطوات واستندت إلى شجرة دوم.. قالت بجدية:
– على أي أساس رجعت؟
– لنتزوج.
– هل فكرت في حل لمشكلتك؟
– نعم.
– كن صريحًا.
– سأذهب إلى فرنسا ثلاثة أشهر كل سنة.. موافقة؟
– موافقة.. المهم ألا تلمس أنثى.
دنوت منها. وددت لو أضمها لكن الحديقة مفتوحة. تأملت عينيها الخضراوين الواسعتين الجميلتين.. سبحانك ربي ما أجمل خلقك. طلع عليّ عطرها الطبيعي الفواح.. دنوت منها.. ابتعدت وكررت عبارتها:
– إياك أن تلمس أنثى.
– لن يحدث مطلقًا.. أعدك.
بعد أن نكتب الكتاب ستقسم أن أكون طالقًا منك بالثلاثة وأكون محرمة عليك مثل أمك إذا لمست غيري.
– حبك يحميني.
– سوف تقسم.
– على الرغم من عدم اقتناعي سوف أقسم.
– ماذا ستفعل هناك؟
– سأزور مكتبات وأشتري كتبًا وأزور بعض المعاهد ثم أعود إلى الأقصر لزيارة كل آثارها ومحاولة كشف أسرار القدماء المدونة عليها.
– ستعمل في الآثار؟
– أليس هذا مناسبًا؟
– جدًّا.
– فماذا تريدين مهرًا لك؟
– تساعدني في بناء مستشفى يعالج كل الأمراض.
– هذا عمل الوالي.
– الوالي لا يعنيه إلا جمع الأموال اللازمة للحروب ودفع رشاوى للسلطان العثماني.
– سيكون لك مستشفى خلال سنة.
وقفت «هنومة» على باب الحديقة من جهة الدوار ودعتني للقاء الأستاذ «رمضان».. علم بوجودي فجاء للتعبير عن فرحته بلم الشمل ودعوتي للإقامة الدائمة عنده حتى إتمام الزواج.. قال الحاج «حكيم»:
– سيتم تجهيز الدور الثاني ليكون مقركما بعد الزواج لحين بناء دار للعروسين.
قلت:
– سوف نسافر بعد الزواج إلى القاهرة ونبقى أسبوعين.
قال الحاج «حكيم» بنبرة مشوبة بالرجاء:
– لا بد من قضاء يومين على الأقل معنا.
تنهدت من أعماقي وغادرت مع الأستاذ «رمضان».. استشعرت الراحة النفسية مع هذه العائلة.. حمدت الله أن وفقني إلى ترتيب بداية حياتي العائلية والعملية في ساعات قليلة شغلت المسافة بين الأقصر وأبي تشت. لم أذق طعم النوم حتى الفجر رغم حاجتي إليه.. كنت منشرح الصدر أقلب في أطباق السعادة التي تصطف أمامي.. أحس لأول مرة معنى الاستقرار الذي يلزم لكل إنسان بعد طول حركة وسفر وتجارب وتفكير وصراع وعواصف وحيرة واختيارات بين أمور معقدة وصعبة حتى يهدأ الغبار وتتوقف الرياح العاصفة وتتضح الرؤية ويطل النهار وئيدًا وباسمًا مع عصافيره ونداه ودعوته للصحو وطي الصفحة القاتمة والنهوض برضا لمعانقة الحياة.
قبل منتصف الليلة التالية وكنت لا أزال مستيقظًا سمعت طرقًا خفيفًا على نافذة غرفتي في بيت الأستاذ «رمضان».. كانت مطلة على حارة خلفية.. اندهشت. مستحيل تكون «جزيرة».. تنصت لحظات قليلة فعاد الطرق الخفيف الواثق. فتحت النافذة فوقعت عيني على شبح رجل ملثم.. قال بنبرة تهديد لا تخطئها الأذن:
– ارجع إلى بلدك أفضل لك. لو صممت على الزواج بـ«جزيرة» فستموت..
سحبت ضلفة النافذة لأغلقها فالتقطها وجذبها نحوه بشدة، وكرر عبارته:
– لو صممت على الزواج بـ«جزيرة» فستقتل.. لعلك تلحظ أني أعاملك حتى الآن باللين وأكتفي بتنبيهك.. هذا آخر كلام معك ولا يبقى غير الرصاص.
لا بد أنه نصر. بقيت واقفًا أحدق في الضوء الشحيح.. رفعت رأسي إلى السماء.. لمحت نجومًا كثيرة تختفي وبعضها يسقط في الفضاء المعتم.. العقرب يقف حارسًا على طبق العسل.. هل أخطأت برجوعي؟ هذا هو الجبل يوشك على السقوط فوق القرية.. ما العمل؟ هل القدر يسحب وعده أم هي أوهامي التي صورت وعده لي ببدء طريق الهناء؟ ألا يمكن للأمل أن يتحقق على الأرض أم يظل مجرد فراشة حائرة لا تستقر على شجيرة ورد أو حتى على صبارة؟ أغلقت النافذة وانحط بدني على السرير.. لا شيء مستبعد على المجرمين والقتلة المحترفين الذين نشأوا في مهاد الجريمة وتذوقوا طعم الترويع وإزهاق الأرواح دون أن يهتز لهم جفن. كلمات المجرم قاطعة.. ما الحل؟ كل ما أعددته ستهب عليه رياح الحقد.. عندما تغلي النفوس الحاقدة بأغراضها الدنيئة تعمي العقول.. كيف أنقذ حبي وأنقذ فرحة «جزيرة» من الاغتيال. لو نفذ «نصر» وعيده الآثم ستتحطم الفتاة التي تنظر إلى الأيام المقبلة بسعادة وأمل.
فوجئت بالوقت. يبلغني صوت المؤذن يدعو للصلاة:
– حي على الصلاة. حي على الفلاح. الصلاة خير من النوم.. الله أكبر الله أكبر. لا إله إلا الله.
بعد أن عاد الأستاذ «رمضان» من المسجد أنبأته بتهديد «نصر». علت وجهه الكآبة وأظلمت عيناه. مضى إلى «زهران» والد «نصر» وطالبه بالتصرف العاجل. عندما علت الشمس قليلاً في السماء توجهت إلى الحاج «حكيم» لأخبره وأسأله.. ما العمل؟
لبس الحاج «حكيم» عمامته البيضاء الكبيرة وجلبابه السمني، وخرج لأول مرة منذ سنوات من بيته.. عفيًّا واثق الخطو معتدل القامة حسب رواية «جزيرة».. مضى إلى «زهران» وإلى كل رجال العائلة وشيوخ البلد وحدّثهم عن تهديد «نصر» وقال للجميع:
– لو مس «نصر» زوج ابنتي بجرح بسيط فسأقتله.. «نصر» ابني.. لكني لن أسمح بأن يقتل الأخ أخته، وهو بالتأكيد سيقتل «جزيرة» إذا ألحق الأذى بـ«يوسف».. ربنا أراد لي الشفاء ربما من أجل هذه اللحظة.. «نصر» لن يقتل أخته فقط بل سيدمر عائلة الحجاجية جميعها ويزرع بينها العداوة والثأر ليوم الدين.
كل شهرين ثلاثة يظهر ويطلب «جزيرة» وقلنا له عدة مرات أصلح نفسك أولاً وتصرف برجولة واحترام مع الناس ومع الدولة.. لكنه كان يزداد كل يوم سوءًا.. أبلغتكم وعليكم أن تحموا العائلة من المجانين.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. عاطف الدرابسة : ها أنا أعودُ ..

قلتُ لها :   ها أنا أعودُ ، لأنتشلَ الكلماتِ من رحمِ الحريقِ ، ثمَّ …

| بلقيس خالد : قميص من مرايا الزهور .

سماءٌ معشوشبة ٌ على الأرض، جزرٌ ملونة بالأزهار ولكل لون ٍ عطره، المكان منتبذٌ عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *