علي لفتة سعيد : مثلث الموت (13)

ali lafta saeid-38-
يفتح منتظر نافذة غرفته المطلة على الشارع، لعل نسمة هواءٍ عليلةٍ تأتيه في هذا الصيف..يتابع الفضائيات ويطلق حسرات ويمعن بحاله الذي صار سيئاً، وأن الأمور لن تكون جيدة..فما زال شريط الأخبار في أسفل الشاشة للكثير من القنوات الفضائية يحرك الخبر من اليسار الى اليمين،بل بعض الفضائيات راحت تعلن على إنه عاجلها،وكأنها لتوها قرأت الخبر وتريد بثه لمشاهديها، وهو ما يزيده تعباً، لأن الإتصالات لم تنقطع حتى من الصحفيين في بغداد ونقابة الصحفيين وبعض الصحف والوكالات..كان كل شيء يزيده انكماشاً، وحرارة تزيد من سخونة الصيف اللاهب..وكأن الليل أصبح ظهيرةً حزيرانيةً مقيتةً تحاصره الكهرباء المقطوعة، والريح التي لا تحرك جنح بعوضة..وحين عادت الكهرباء سارع لإغلاق الغرفة وتشغيل المكيف لعله يهنأ بلحظة نوم، ويبتعد عن الإتصالات التي تركت في وضعه ندوباً تشعره بالندم، فقد عدوه مسؤولاً عن أي شيء يحصل لهم..وربما يكون أمام القانون إذا ما حصل شيء فعلاً..كان يمني نفسه أن يسمع اتصالاً يخبره أن الجميع عاد الى بيته..أن يشاهد واحداً منهم صورته في الفضائيات إذا ما كانوا يقضون ليلتهم في بغداد..فيتصل ويعاتبه ويوبخه، لكن لا شيء من هذا..وهو ما جعله يزداد إيماناً من أن الثلاثة أموات..ساعات مضت على بث الخبر ولم يظهر شيء يبين عكس الإختفاء..كان الوقت بطيئاً عليه وقاتلاً، وكأنه يريد للصباح أن ينبلج ليتحرك وفق ما يمكن الحصول عليه من معطيات مهمة..العزلة التي ظل فيها أصبحت تهديه ضيقاً شديداً تنطبق عليه جدران الغرفة..والمشكلة الأهم أن لا حل يصدر من الأفق ولا راحة له، وهو بين نارين الندم على فعله والإنسياق الى النهاية التي ستكون الى جانبه كما هي الأفعال التي قام بها ليحصد خطوة باتجاه ما خطط له..لا شيء يحصده سوى هذا الوقت الممل..فهو بإمكانه استثمار الأشياء لصالحه.. وهو يعلم إن مصادر إعلامية عديدة ستقف الى جانبه إذا ما حصل له مكروه..لكنه ينتظر أي بارقة أملٍ تحدد خيطاً يهتدي منه الجميع الى الواقعة التي يرسمها في رأسه.. من إن زملائه الثلاثة في موقفٍ وموقعٍ صعب..الأحلى فيه إنهم أسرى والأمرّ منه أنهم قتلوا في الطريق..لكن لم تعلن أية جهة مسؤوليتها عن الإختطاف مثلاً..أو تعلن مؤسسة حكومية عن عثورها على جثثهم وتعرفوا عليهم من خلال ما نشرته الوكالات والفضائيات..لا شيء من هذا القبيل وهو ما جعله يعيش دوامة التفكير..استمر مع حاله دقائق كثيرة ولم يكتشف أمراً معيناً يقوده الى القليل من التأني والرائحة في التفكير..رغم إدراكه أن الوضع في العراق ليس مشابهاً لأي وضع من دول العالم..فربما هم في أحد المزابل في مناطق معينة من بغداد..أو في مزرعةٍ بعيدةٍ عن المدينة..ويعلم أن الأجهزة الامنية لا يمكن لها الخروج في هذه الساعات المتأخرة من الليل ليبحثوا عن جثث صحفيين.
*****
رنّ جرس هاتفه النقال وكان المحافظ على الطرف الآخر..كان صوته محفوفاً بالزعل مشوباً بالغضب المختنق بهدوء مسؤول..يسأله عن كيفية معرفته بأن الصحفيين مختطفين أو مختفين..بل وزاد عليه تعقيداً آخر من أن رئيس الوزراء يسأل إن كانت لديه معلومات مؤكدة.
– سيادة المحافظ..هذه لا تحتاج الى معرفة..استحلفك بالله ..ثلاثة من الصحفيين هم أصدقائي ذهبوا الى بغداد ولم يعد أحد منهم الى بيته وكل الإتصالات مقطوعة..وعوائلهم تسأل..وليس هم من أصحاب البارات أو بيوت الدعارة..أفضل ما عدهم يشربون قنينتي بيرة بالطريق..يعني ما عدهم قارش وارش..يعني وين راحوا.. أكيد أكو مصيبة إذا ليس اختطافاً يعني قتل ..دهس ..جريمة سرقة وطعن..المهم هم مختفون.
– أعرف هذه الاستنتاجات ولكن السؤال لم استعجلت بالنشر..كل المناطق في بغداد والمستشفيات وجنوب بغداد حتى المحمودية لا شيء أبدا..الأجهزة الأمنية بأمر رئيس الوزراء تم مسحها، سواء مستشفيات أو مراكز شرطة أو طبابة عدلية،ولا شيء..لذا فأنهم على الأرجح مختطفون، ونشر الصور صعب الأمر تماماً.
وقبل أن يسمح لمنتظر بالرد تابع المحافظ.
– المعارضون والجماعات المسلحة سيستغلون هذه القضية لإفشال الحكومة..والحكومة ما عايْزة مصايب..ولولا معرفتي بك لوجهوا إليك اتهاماً بالتعاون مع الإرهاب.
ولم يرد منتظر..سوى بكلمة شكراً..جعلت المحافظ ينهي الإتصال..وفكر أن يتصل صباحاً بالوكالة أو القناة الفضائية ويخبرهم أنه مهدد بسبب الخبر من قبل الحكومة..فرصة أخرى يمكن استغلالها لصالحه والتعجيل بالحصول على لجوء سياسي، ما أن تنتهي هذه القضية بسلام..كل المعلومات التي أفضى بها المحافظ هي من رئيس الوزراء..وسيبدأ بنشر ما دار من حديثٍ على صفحته في الفيس بوك لكي توثق أكثر ويحصل على تأييد ودعم الكثير من الذين لديهم مواقف مع الحكومة..أخرج هاتفه النقال، ليكتب رسالة الى صديق له يعمل في الوكالة يعلمه بالأمر وعليه أن ينشر الخبر أو يعلم رئاسة التحرير بالأمر، حال بدء العمل الصباحي..لكن الهاتف رنّ وكانت على الجهة الثانية زوجة سلام، وهي تسأله وتعاتبه وتأنبه أنه كان يعلم ولم يخبرها..وإن لديه معلومات مؤكدة عن الإختفاء..ثم راحت تستحلفه أن يعلمها الحقيقة..وأخبرته أن نشر الصور في الفضائيات جعلت أباه يرقد الآن في المستشفى..وفوجئ بطلبٍ لتكذيب الخبر فوراً..ليس هناك من يتحمل أن يكون الخبر كاذباً أو صحيحاً..ولا يمكن أن يكون من قبل صديقه.
لم يجد ما يرد به على الكلام..وكانت قد زادت عليه الآلام والتفكير الصاخب الذي يعيشه..شاهد صوراً تخرج له من الجدران, محتشدة بالهزائم, كل شيء يركض خلفه ويعاتبه ويجره ويحمّله مسؤولية ما حصل..خرج له رأس سلام مثقوباً بطلقةٍ نارية..وأخرى لأحمد وهو يقرأ نصاً هجائياً يذكره بالاسم ويصفه بالخيانة..فيما كانت صورة خضير وهو يمد كفيه الكبيرتين بإبهاميها الكثيري الثقوب، كمن يريد أن يغرز أبراً في جسده..تزاحمت الصور وتداخلت بين مسؤولين وشيوخ عشائر بل وحتى أناس يكرهونه تجمهروا لتتحول هذه الجموع الى تظاهرات تطالب بإعدامه كونه مندساً وإرهابياً..بل كان هناك صحفيون يطالبون بطرده من نقابة الصحفيين وإغلاق مكاتب الفضائية الأجنبية والوكالة من العمل داخل العراق..كانت هناك لافتات ترفعها نساء وأطفال..المدينة كلها تحركت في شوارعها تطالب بالقصاص.kh-ali-lafta-2
نفض هذه المنغصات، مشعلاً سيكارة..ليقف أمام الجدار ويقرأ آية الكرسي الموضوعة في إطار ذهبي..ربما لم يكن ينظر لها من قبل أو أن العمر الطويل الذي مضى على هذه الهدية جعلت منها شيئاً طبيعياً..ثم إلتفت الى الجدار الآخر وراح يقرأ سورة الناس لعلها تذهب عليه الوسواس الخناس..الشيء الذي يعرفه منتظر الآن أن الأمور فلتت من بين يديه..وأن أي جواب منه قد لا يكون في صالحه..لكنه ظلّ مصراً على أمرين..الأول أنه يجب الإستفادة من كل هذه الأمور في النهاية وتكون لصالحه، والثاني أنه تيقن تماماً بعد أن لم يعثروا على معلومة أو اثر ..إن الثلاثة أما قتلوا أو اختطفوا جنوب بغداد في مناطق المحمودية أو اليوسفية..وربما هم جثث ملقاة على طريق محطة المسيب الكهربائية..لكنه مع نفسه يشعر بالندم ويكابر..متناسياً قولاً لسلام ..من أن الخبر الصحفي هو الذي يؤدي الى فائدة للناس وليس الى إحداث صراعات وربما مواجهات.
ربما دخّن سيكارته العشرين في ساعتين..وما زال وحده في الغرفة وزوجته جالسة لا يأتيها النوم..وهو لا يملك الكلام البليغ الذي يمكن أن يجعلها تهدأ..وحين طلب منها فنجان قهوة..أخبرته أنه شرب كثيراً .
– ألا ترتاح؟.
ابتسم في وجهها وقبلها وطمأنها أن زوجها (سبع)..وسيكون هو المستفيد ولن يتمكن أحد من إيقاعه في الأذى..فالرأي العام الصحفي سيكون معه إذا ما فكرت الحكومة أن تلصق له تهمة الإرهاب.
نظر الى الساعة الجدارية..كانت الثالثة قبيل الفجر..أطلق آهةً طويلة طالباً منها أن تذهب قبله الى الفراش.سيلتحق بها حتماً..لا شيء يغير المكتوب..وأخبرها أنها فرصة أن يذهب الى أوربا وهي معه ..هناك حيث يكون العيش أجمل.
– صدّقيني..سأحصل على اللجوء وأنتم معي.
استمرا يتحدثان بهدوء،وكانت هي تداريه كي تزيل عنه القلق وقد بدت مكشوفة في ملابسها الصيفية بعد أن نام الجميع..ليقف أمامها بإباءٍ مخلوطٍ بارتعاشةٍ ساخنة..متمنياً لو تمكن الآن من الذهاب الى الفراش ويتعرى تماماً ويلتصق بها، ويحرق كل هذا الهم..كانت قد ابتسمت له، وهي تدعوه لفعل ما يرغب به..أطلق ابتسامة جعلته يقح وتفوح رائحة الدخان من فمه..قال لها إسبقيني إذن الى الفراش.
وحين أراد إطفاء التلفزيون والمصابيح حمل هاتفه النقال فوجد رسالةً، لم ينتبه في أية ساعة وصلت إليه..كانت مرسلة من سكرتير المحافظ تعلمه، أنه يجب عليه أن يكون متواجداً في الساعة السابعة صباحاً في المكتب.
-39-
مضى الليل..ولم يخلد الى النوم واحدٌ من المسلحين الذين حوله..حتى أبو عبد الله ظلّ ساهراً معه يجيب على الأسئلة الصحفية كمن وجد ضالته..وكان الحوار يمشي بطريقةٍ فيها الكثير من الريبة بالنسبة لسلام والكثير من الثقة والفرح لأبي عبد الله..كانت البدايات الأولى صعبة جدا عليه في كيفية طرح الأسئلة، لكنه تمكن من مسك خيط السيطرة..حين استعاد رباطة جأشه الصحفيه.. متفقاً معه إذا ما أراد حواراً جدياً ، عليه قبول أسئلته وإن كانت استفزازية، لأنه يعرف ماذا تريد الناس، وعليه تقبل كل الأسئلة التي تطرح عليه..ليكون الحوار أكثر واقعياً، وان يكون هناك صدق شارحاً له إن الصحافة تعني المراوغة في الأسئلة.كانت الإجابات التي يطرحها أبو عبد الله ربما فيها شيء من الذهول والمفاجآت..فضلا عن أن فيها ما يؤكد كلام صاحب المحل الذي أسرّ له بمعلومات غير مفصلة..لكن أبا عبد الله يحاول توضيح التفاصيل واقعاً تحت تأثير الصراحة الصحفية التي طالبه فيه..قال له إن ثلاثة من كبار الضباط في زمن النظام السابق،يقودون الفصائل المسلحة ويقومون بعمليات قتالية في الكثير من المناطق وخاصة في جنوب بغداد وشمال بابل..أخبره أنهم من مؤيدي النظام السابق وهم يعلنون أنهم ليسوا مع النظام الجديد.. ويعدون إيران مسيطرة على الوضع في العراق وأن الحكم صفوي ولابد من إعادة التصحيح وأن يعود الحكم عراقي..وأخبره أن هناك مؤيدين له شخصياً وأنه يختلف عن الفصيلين الآخرين ..متوقعا إن صداماً قد يحصل بين الفصائل إذا ما استمر نهج الإثنين الآخرين في الانتماء الى تنظيمات متطرفة والتحول الى التعصب والتأسلم..كان يحتاج الى ثقةٍ عاليةٍ لكي يتمكن من مسك الحوار وتقبل ما يسمعه لكي لا يرتبك فيفقد السيطرة التي جاهد كثيراً ليحصل عليها ويؤمن طرق التخلص من اختناق الخوف.
كان يمكن له أن يطلب فنجان قهوة مثلاً ويدخن.. العودة الى التدخين بعد إقلاع لخمس سنوات مهمة جدا لضبط استفزازات الأعصاب..بإمكانه تحريك ساقيه والإتكاء على الجدار وإسناد كوعه على وسادة كبير المسلحين الذي عرف أن رتبته العسكرية لواء..وبإمكانه الطلب بتصويره من خلال تزويده بكاميرا إلّا أن أبا عبد الله رفض ذلك فأقنعه أن يأخذ صورة له وهو ملثم باليشماغ الأحمر وأن يوافق هو على الصورة التي يتم نشرها وأقنعه أن المصداقية في الحوار ستتم بنشر الصورة ولا يهم نشر صورة ثانية وهو يقف بين مسلحين ملثمين.. وهو ما فعله إذ وقفوا صفاً واحداً ورفعوا الأسلحة وأشار بعض المسلحين بإشارة النصر بأصابعهم ثم طلب منه اختيار صورتين أو أكثر وإرسالها له عبر البريد الخاص لصفحته في الفيس بوك..بل زاد على أخذ صورة معه..كان الحوار صاخباً ومستمراً ولا يريد أن يتوقف..ثمة تحليل جديد لمعركة فرض السيطرة والإرادة، وهي اختلاف وجهات النظر بين المسلحين..وهو ما أراحه أيضا لأن هذا يعني إن رغبة الانتقام منه لم تعد حاضرة.كان المكان يراه لأول مرة وكأنه في مهمة صحفية تمكن من الوصول الى المسلحين بل أنه زاد ثقة بنفسه كأول صحفي يجري حواراً صحفيا مع قائد مجموعةٍ مسلحةٍ لم يعرفه أحد..لكنه يدرك أن الخوف لم يختفِ منه نهائياً..ثمة مآرب تبرز جسدها في اللحظات الأخيرة.. الغرفة مضاءة بضوء مصباحٍ أصفر ونافذة مسدلة بستارةٍ سميكة..لا يرى من الخارج شيئا..كان نوعاً من الإختباء عن الحركة رغم انتشار المسلحين في كل مكان..تنفس بعمق وهو يعتدل في جلسته..ثم قال لأبي عبد الله:
– ممكن شاي!!
*****
كانت الإجابات التي سجلها سلام تشي بثقة كاملة من أنهم ساعون الى ما يؤمنون به بل ويصرون على أن العراق أصبح فارسياً..وحين سأله سلام إذا ما كان هذا الرأي فيه تجني على جزء كبير من العراقيين.. قال إن السبب هي الحكومة التي وضعت يدها بيد إيران..لكن سلاما كان يضمر سؤالاً جعله مؤجلاً وهو يتحرك داخل فمه..باحثا أن كانت هناك صلة لرجل الدين الكبير معه أو مع المجاميع الأخرى؟.لم يجب وطالبه بتغيير السؤال..ثم صمت لحظة وأمره بإغلاق جهاز التسجيل..ثم أخرج سيكارة وناوله واحدة..معتدلاً في جلسته..وقال له ..ما سأخبرك به ليس للنشر..ففتح سلام ذاكرته ليسجل فيها ما يسمعه ..أن رجل الدين الكبير له ذات الأهداف وهو يقاوم ألّا يسقط العراق بيد إيران..وأكد له أنه شخصية معروفة منذ الثمانينيات..ولحظة انتبه أبو عبد الله وهو يشير بيده بتوقف الإجابة،طارحا سؤالاً عليه..لماذا يطرح مثل هذا السؤال..فذكره سلام أن اللحظة التي شعر فيها بالاطمئنان هي رؤية صورته مع رجل الدين الكبير..لحظات صمت مرت رأى تململاً على ملامح الرجل فخاف أن يعود الى المربع الأول.. فسأله عن مصادر الأسلحة والتمويل والجماعات الحزبية وتأثرهم بالقوانين الجديدة وإبعادهم من الجيش واجتثاث البعث..انفرجت أسارير أبي عبد الله ..وراح يجيب بهدوء تارة وبعصبية تارة أخرى..وكان سلام يوضح له في كل مرة، أن السؤال الإستفزازي هو السؤال الصحفي الذي يقنع القارئ وليس السؤال الطبيعي..وكان يريد أن يصل الى نهاية الحوار فهو يعرف ماذا يريد القائد العسكري وعليه إمساك الحوار من منتصفه.. فهو لا يريد أن يقال عنه، أنه متعاون مع المسلحين والإرهابيين، ويتهم بمادة أربعة إرهاب.

*****
غادر أبو عبد الله الغرفة سريعاً بعد أن لمح إشارةً من مسلحٍ..ولم يعرف وجهته..ليعود لطرح الأسئلة مع نفسه وأنه يحاول ألّا يثرثر في ذاكرته.. أخذته اللحظة الى رؤية زوجته واقفة عند الباب..تنتظر مجيئه..وأن أحمد ربما أخبرها باتصال هاتفي أنه في عمل صحفي وأنه ظل في بغداد..وأعلن تأكيده من أن صديقه خضير لن يترك أمر إبلاغ العائلة على الأقل للتخفيف من شعوره بالذنب..وأنه يكفر عن سيئته وسيئة أحمد بتركه في هذا المكان، بأن يكذبا أجمل كذبة في حياتهما، من أنه سيعود غدا وأن هاتفه سقط منه في الماء أو تعطل نهائياً أو أي عذرٍ آخر مهما كان..الكذبة التي تنجيهما من عذاب الضمير وعتاب الأيام المقبلة حين يلتقون..لكنه سيسامحهما حين يخبران عائلته ويخففان الضغط والخوف والقلق عليها..فهو كان قد أطلق عليهما قبل ساعات بالأصدقاء الخلّب..وهو حين يختلي بنفسه لأخذ استراحة من الحديث أو لقضاء حاجة لابد من المرور بذكرهما ، وكل شيء يرتبط بكلمة (لو)..ماذا لو عادا إليه بعد وقف إطلاق النار..ماذا لو تأخرا قليلاً وظلا في مكانهما ولم يهربا..لعاد إليهما وهو الآن في بيته بين عائلته..لكنه في لحظة ما تخيل أن إبنه الكبير ذهب الى صديقه منتظر وأخبره بغيابه وأنهما ذهبا الى المحافظ ليطلبا منه المساعدة في السؤال..لا يعلم لماذا خطر بباله هذا الأمر وكأن شيئاً ما نشب في المخيلة أراحه لبعض الوقت.
لكن صوتاً لمسلح أعاده الى لحظة تراكم وجوده المحفوف..كان صوتاً مرعباً..كأنه استغل غياب قائده لينطق بشيء من القوة.
– تشرب شاي؟
أومأ برأسه، أنه بحاجة الى شاي..والحقيقة أنه كان بحاجة الى إبريقٍ كاملٍ من الشاي لعله يذهب عنه الصداع..حتى إذا ما جيء بالشاي دون كلمة وقبل أن يشعر بالاختناق من وجود المسلحين حوله..عاد أبو عبد الله ليجلس الى جانبه..لم ينطق بشيء سوى إطلاق قحة خفية وراح يلم ثوبه تحت ساقيه ويعدل من قامته التي يسندها على وسادتين موضوعتين فوق بعضهما.
– ها وين وصلْنا؟
قالها أبو عبد الله وكأنه يسأل سلاماً إن كانت هناك أسئلة أخرى وهو يرمي الحجر في بركة خوفه المسعورة التي لم تنتهِ الى الإطمئنان..لا يعلم سلام لم سمع قرقعة في بطنه تشبه اصطكاك معادن تحت سلم مختنق خلف باب مغلق فيعود إليه الصدى على شكل حشرجات.. كان يمني نفسه أنه الآن في خانة الإطمئنان بالنسبة لأبي عبد الله حتى يتمكن من أخذ تنفس عميق..تمنى لو طلب منه هاتفه النقال ليتصل لكنه أرجأ كل شيء الى النهار فهو أما يعود الى أهله في حالة الإيفاء بالوعد أو أن لا حاجة لأي اتصال إذا ما نفذوا به عقوبة الموت حرقاً أو إعداماً بالرصاص.
– ها ..انتهت الأسئلة؟
لم تنته..وهو يعرف أن الأسئلة دائما تتناسل كلما تشعب الحوار..وحوار مثل هذا لا تنتهي معه الأسئلة..حينها أخبره أن الأسئلة كثيرة ولكن قد لا تعجبه.. فحصل على الأمان من أي سؤال..فعرج سلام على أسباب المواجهات مع قوات الجيش الذين يفترض به وهو قائد عسكري سابق ألّا يواجهها..وقال له ما ذنب الشباب الذين يقتلون بالتفجيرات وعمليات الإغتيالات والقتل والتهجير الطائفي التي شهدتها المنطقة ذاتها خلال السنوات الأخيرة.كان يجد في القائد العسكري متحدثاً لبقاً..كثيرا ما يستعدل في جلسته كأنه يسجل حلقة حوار في إحدى الفضائيات، حتى إنه يتحدث معه بلغة عربية يحاول أن تكون صافية لا يدخلها شيء من الكلمات العامية..لكنه لم ينفك على التدخين وكان سلام يستغل هذا الوقت المستقطع بالتفكير ومحاولة قراءة الوجوه التي حوله..وحسده لهم وكأن لا أحد منهم اشتكى من طول الوقوف أو العمل أو عدم النوم حتى هذه الساعة المتأخرة من الليل..كان سلام يسمع ذات الإجابات..من أن المواجهة ليست مع الشعب رغم أن الكثير من الأبرياء يقعون ضحايا، وهذه هي الحرب ومبرراتها.. بل ويعطيه آيات قرآنية وأحاديث نبوية تؤكد على قتل العدو وإن كان بين الأبرياء، لأنهم سيدخلون الجنة..ويسمع أيضا ذات الحجج التي يعيدها وهي أن العراق محتل من إيران وأمريكا عدوة الشعوب وعلى الجميع مواجهتها..وكان يقول له ليس الإحتلال فقط بالدبابات بل حتى بالخونة.
يدرك سلام أن الحرب ليست لعبة دومينو..وقال له أن الخاسر واحد وهي لا تعادل فيها لكنها قد تكون سجالاً ودوائر متعددة تحصد الأرواح..لكن الرجل مصرّ على إجابته ولا تراجع عن هذه الأهداف..طلب سلام الذهاب الى الحمام لقضاء حاجته..أراد فيها أن يعلم مدى الطمأنينة التي حصدها والثقة بأقوالهم..لكنه رأى أبا عبد الله وهو يشير الى إثنين من المسلحين لمرافقته، فعاد قلبه الى عزف قرع طبول الخوف من جديد وكأن كل هذه الأشياء التي حصلت ما هي إلا استفادة من مهنته لكي يربح الحوار وينشر ومن ثم يقتل..ربما لأنه أصبح الآن يعرف على الأقل الكثير من المعلومات وأهمها المكان وأعدادهم وكيفية تمويلهم ومصادر السلاح وبالتالي تزويد هذه المعلومات الى الأجهزة الحكومية، لتقوم بهجوم على مخابئهم وأماكنهم..كان يرتجف وهو يبول وسيطلب منه كتابة الحوار هنا وإرساله من هنا لينحر بعدها..لكنه فكر بطريقة أخرى في استغلال الحوار ويسأل ما يريد ويتحدث بما يريد ويواجه كيفما يريد، ما دامت النتيجة واحدة هي الموت..وحين عاد الى مكانه محاطاً بالمسلحين..سأله إن كان كما يزعم أنه ليس مع التنظيمات الأرهابية ولكنه يتعاون مع الأحزاب الإسلامية ولكنه، وجزء من التسليح يأتيهم من هذه التنظيمات ودول أخرى رغم أنه رفض الكشف عنها.
– كيف أنت ليس منهم وتتعاون معهم.
– هذه ضروريات الحرب والمواجهة.نحن لسنا دولة..وأخبرك ..نحن بكل تأكيد نسعى لبناء دولة مدنية وليس دولة دينية لأن مثل هذه الدولة تحافظ على العراق موحداً والدولة الدينية ستقسم العراق الى دولة شيعية ودولة سنية وأيضا هناك دولة كردية.
– ولكن أنت في منطقة تملأ جدرانها الشعارات الدينية وأصبح الكثير من البعثيين والكثير من الحرامية والسراق وشاربي الخمر رجال دين وأئمة جوامع يقودون فصائل مسلحة.
قاطعه:
– الجميع له ما يبرر تحركه.
– وهل التبرير هو أن يلتقي الاضداد.أم أنك تعرف الجميع؟
– أنا كنت ضابطا كبيراً في الجيش السابق..وأغلب من تذكرهم أعرفهم وأعرف أين تدربوا وأين صفا بهم الدهر.. لا تنس ذلك.
قضى وقتاً آخر من رواية الأحداث..وكان الهدوء يحتوي الليل والمنطقة..ولا يعرف كيف ينهي الحوار.. لكي يعرف المصير النهائي..خاصة وأن أبا عبد الله أخبره أنه باقٍ معه حتى ساعة متأخرة من الليل وأنه سبب كل سهر المسلحين وعليه فقط ضمان نشر الحوار.فداهمت سلام فكرة معرفة مصيره.
– العفو استاذ..أنت بالتأكيد تريد نشر الحوار..ولكن أسمح لي أن أذهب الى البيت وهناك على مهلي أفرغ حديثك من جهاز التسجيل على الورق ومن ثم طباعته على الكومبيوتر وأرسله الى رئيس التحرير مباشرة.
– ولكن إياك وعدم نشره..سيصلك الأولاد لو كنت داخل العتبة المقدسة..وأيضا لا أريدك أن تتلاعب بالكلمات وتقول ما لم أقله..فهذا أيضا ممنوع بل ربما ستكون عقوبتك أشد.
لم يسمع الكلمة الأخيرة..فقد تحركت قوافل من الفرح في داخله موقناً إنه ليس في منطقة الخطر..وطلب منه أبو عبد الله أن يتحدث مع رئيس التحرير وفعل سلام بعد أن أعاد له أحد المسلحين هاتفه النقال..ليعتذر من رئيس التحرير عن الإتصال في هذا الوقت المتأخر ولكن الأمر له ما يبرره فأعرب له الرجل عن استعداداه للمساهمة في إطلاق سراحه.. وتحدث أبو عبد الله معه وسمع سلام أنه سيطلق سراحه بل سيتم إيصاله الى بيته سالماً..وتعهد الإثنان بالإيفاء بالوعد وأنه سيتم نشر الحوار كاملاً بعد ثلاثة أيام.. تمنى لو ترك المسلح الهاتف بيده ليتصل بعائلته لكنه سارع الى أخذه..منتبهاً الى سؤالٍ وجهه أبو عبد الله عن سبب عدم نشر الخبر بعد يومين مثلاً، فأجابه سلام: أن الصحف تطبع في الليل ويتم توزيعها نهاراً.. أي ما يقرأ في النهار هو حصيلة عمل يوم سابق..وأنه غدا سيقوم بطبع الحوار على الحاسوب ومن ثم إرساله في اليوم التالي فسيكون النشر هو اليوم الثالث.
قال أبو عبد الله موجها كلامه الى من معه.
– افرْشوا فراشاً خلي ينام ساعتين .
-40-
حملت بقايا الليل نسائم برودة جميلة..وكان البيت المبني من البلوك يتسرب في داخله تعب مضني..والوقت يزحف ببطءٍ نحو فجرٍ لم يوقظ بعد القطط التي تنام خلف أبواب صدئة أو داخل أحراش الفراغ في الحي الشعبي..الوحشة داء العيون السهرانة..حتى إذا ما سمعوا صوت المؤذن وهو يقرأ أدعيةً مما حفظها من كتبٍ مرصوفةٍ معلومةٍ بالسجع الذي يجعل الحديث له طراوة المعنى..ولى القانطون وجوههم صوب الكعبة..حاملين حلماً لم يحفظ منه شيئاً..وعائلة سلام ،لم يخلد منهم الى النوم..الزوجة والأولاد والتحق بهم أقارب آخرين حتى صارت غرف البيت عبارة عن أجساد مكتظة تنتظر خبراً يأتي أو معلومة عن مصير سلام..حتى إذا ما أعلن المؤذن نهض الجميع الى الصلاة تاركين كتب القرآن التي أمضوا معها وطراً من الليل في قراءة السور والآيات والأدعية المحفوظة عن أئمة وأولياء صالحين لعل الله يستجيب لهم ويطل عليهم سلام قبل أن يلج النهار من نوافذ الفجر..وقبل أن يسخن ويذهب عنهم ما أنعم عليه الفجر من نسمةٍ شاردةٍ لذيذة.. العيون باكية من زوجته التي تحاول أن تهدئ من روع الأطفال وتطلب من ولديها أن يكونا قريبين منها..شيء ما في قلبها يقول أنه سيكون بخير..لكن الوقت لا يمنحها السكينة فتزداد حيرتها بأي الطرق تذهب لتستفسر..وأي الحلول تختار وهي تسمع أن النهار سيكون لهم حلاً..كانت تتصل بعائلتي أحمد وخضير فتسمع ذات الكلمات، أن لا خبر يوقد الفرحة ويلبسها ثوبها الأبيض..والخوف أن يكون السواد يغلف الأجساد والجدران..حتى صارت العوائل الثلاثة مكمناً للسهر القلق والأدعية المرفوعة لربّ العالمين، والخوف من المجهول والحيلة من غياب الحل..كل العيون تبحلق في الأبواب أي منهم سيدخل بطوله الخيزران رغم أن سلاماً أقصر منهم بشبرٍ..لم يكن أمام الجميع سوى الاستجابة لنداء التوكل..ليواصلوا بعدها قراءة القرآن والأدعية والاستغفار..فيما كانت النذور تتراقص على ألسنة الجميع، وإن الخراف ستنحر إذا ما استجاب الله لهم وأعاد الأب سالماً معافى أو مصاباً فيداوونه برموش العين كما تقول زوجة سلام..حتى آذانهم أخذت تصيخ السمع لتلتقط أية نأمة صوت لعلها تسمع صوت جرسٍ أو طرقاً على بابٍ أو قدماً خطّت العتبة.كانوا يرسمون بأدعيتهم طريقاً محفوفاً بالخوف، والطرق كلها ترتدي السواد..حتى الحمى أصابت الجميع..وأصبحت أجهزة الاتصالات الموزعة بين أيادي العوائل الثلاثة وكأنها الملاذ الأخير لتفادي انهيار الحواس من ديمومتها..الكبار تحدثوا عن الصبر والنساء يتناوبن ما بين البكاء وهجير الصدر الذي يتعالى خوفاً من مجهول..وهن يسرعن الى هواتفهن للإستفسار عن آخر خبرٍ، وكأن الدقائق الخمس التي تفصل بين اتصال واتصال قد تحمل مؤونة الفرح..تحدثت زوجة أحمد بشيء من الحكمة من إن الإرادة السماوية أقوى ولا منع لحكمتها..فيما تحدثت زوجة خضير عن خيبتها بمنع زوجها من الذهاب فقد كان قلبها يعلم..وأخذت زوجة سلام تندب حظها، من أن لا أحد لها غيره في هذه الدنيا المظلمة المغبرة التي جاءت بالحرب الى شوارع المدينة..لكنهن اتفقن على إنهم لو عادوا أحياءً، فسيقمن بهجرهم في المضاجع ليعرفوا إن اللعب بالعواطف طريق لا يجلب سوى المتاعب..إذا ما كان هناك لعب وتمضية يوم في بغداد.
*****
إن ما يميز الفجر الجديد إنه جعل الجميع صامتاً، بعد ليلٍ طويلٍ من الاتصالات والبكاء والتجمع..لكن الأمر لم يكن يخلو من الضجيج غير المبرمج..وكان طريق الاتصال الوحيد لهن هو منتظر الذي لم يحمل معه خبراً ساراً بل هو الذي حمل إليهن كل هذه المتاعب والظنون والشعور بالفراق والوحشة..ولو لم ينشر الصور والأسماء، ربما لكان مساؤهن أهون وأخف وطأة..وكلما اتصلت إحداهن به يأتيها الجواب من منتظر..أن لا جديد وإنه نشر الخبر ليس لأنه متأكد، بل ليكون هناك ضغط على الحكومة في البحث عنهم..بل كان أطلق كلاماً بما يشبه العذر القبيح..أنه نشر الخبر حتى لا يكررها أحد منهم في غلق الهواتف.. لم تقتنع واحدة منهن بجواب منتظر..فهجم عليهن اليأس وصار الدوي في داخلهن من أن الثلاثة ميتون لامحال.

شاهد أيضاً

ابتسام ابراهيم الاسدي: شطرنـج… 

أقـُـتلُ المـَلك في لعبة الشطرنجِ أقتلهُ…. فتصابَ الرقعةَ بالذهول أحـركُ الوزيرَ قليلاً أدعـَـكُ وجـْهَ الفـــّيلة …

أسرجك خلف السطور
بقلم: سميحه فايز ابو صالح

نثرك الغافي بيقضة حلم يستفيق حين تهفو أختلج موجة العتم وأوقد جمرات الحروف الصقيعة بموقد …

ليس الْحُزْنُ بِهَذَا السُّوءِ الذي أنت تَظُنُّ
محمد الناصر شيخاوي/ تونس

في ساعة مُتَأَخِّرَةٍ من اللَّيْل يُطْرَقُ الْبَابُ بِقُوَّةٍ أَفْتَحُ فإذا هو جارنا الذي لم أره …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *