مولانا جلال الدين الرومي يتحدث افتراضياً إلى أسعد الجبوري: سقط شمس التبريزي في جسدي سقوطَ قضيبِ ذهبٍ في جوف فرن ملتهب

asaad 9ما إن تدَلّتْ فوق رؤوسنا ساعةٌ ضخمةٌ من شقّ سماوي في ذلك اليوم، حتى انفتح باب بالمصعد الأوتوماتكي أمامنا، وانطلقنا بحثاً عن ذلك المكان الموجود على خريطة “غوغل” المطبوعة في الذاكرة منذ قرون، من زمن الشعراء الذين أدمنوا الغياب .كان علينا أن نقطع الطريق في اتجاه البحيرات الموسيقية التي تحتل مساحات عظيمة من جغرافيا المكان والنفس على السواء. كنا منهمكين في ترتيب أفكار الحوار الذي نريد إجراءه مع شاعر شهير فرض قيمه العشقية على ملايين البشر من سكان الأرض .لذلك، وبمجرد وصولنا إلى مكان إقامة الشاعر الأفغاني مولانا جلال الدين الرومي، حتى خرجتْ علينا مجموعةُ غلمانٍ، يحملون بأيديهم البشاكير وسلال الفاكهة والكؤوس الممتلئة بأنواع الخمور، وهم يتغنون على وقع موسيقى غريبة استثنائية، وبلغة غير معروفة عندنا أصلاً .

أصابنا الذهول أمام المشهد. لكن ذلك لم يدم طويلاً، بعدما تقدمت منا سيدةٌ أنيقة برفق حيوانها الضخم المسمّى “تاتا روش” لتأخذ بأيدينا إلى موعدنا مع مولانا جلال الدين، بعد أن بات قاب قوسين أو أدنى. توقعنا ذلك، وفشلنا في التوقع. فمولانا جلال لم يكن موجوداً. أخبرتنا المرأةُ بذلك مترجيةً أن ننتظره هنا، ريثما يعود من مؤسسة “العشق والعاشقين” التي أسسها هنا، والتي تختصّ بتنقية معادن العاشقين داخل مختبره اللغوي الخاص في السموات.

وفيما كانت السكرتيرةُ تقدم لنا الشروح عن تلك المملكة، أطل علينا مولانا جلال بقامته النحيلة ووجهه الشاحب ليعتذر عن التأخر. صافحناه وجلسنا على تلك الأريكة التي يحيط بها الغلمان، فيما جلست سكرتيرته وراء الآلة الكاتبة لتطبع هذا الحوار الذي افتتحناه بالسؤال الآتي

* هل كانت الطريق من الأرض إلى السموات طويلةً أم موحشةً، مولانا جلال الدين؟

– ما كانت رحلتي موحشةً بطولها أبداً. لأنني أحسستُ منذ طفولتي، أن قدمَ العارفِ، لا تجد وحشةً في المشي على تراب المعرفة، ولا الاستغراق بطميها الطيب. فكيف إذا كان المرء مجنّحاً ويطير؟

* وماذا تعلمتَ من المعرفة غير الأشواق؟

– دخلتُ حاضناتها، لأدرس النارَ المبثوثة في ثياب الكلمات. فكان عندي لكلّ كلمة ظلٌّ يفيض بنفسي ويستفيض بحريق يغاير نارَ الكلمة الأخرى.alromi 2

* أنتَ يا مولانا تتحدث كأنك في محطة وقود. هل في اللغات آبار للغاز أو للنفط كما تظنّ؟

– أنا لا أشكّ في تكاثر المناجم في اللغات. والمنجمُ الذي لا تقود فلزاتهُ للاشتعال بنورٍ ما، لا يبثّ اللهُ حياةً فيه ليدوم.

* والكلمات التي تتصادم بالأخرى، ولا ينتج منها نار، أتكون خارج السياق يا مولانا؟

– النارُ التي لا تصقل العقلَ، ولا تطهّر القلوب من الصدأ، هي نارٌ معتمة.

* تقصد أنها نارٌ من فئة الظلام؟

– أجل. وهي كذلك. فما من ظلامٍ، إلا وبه نيرانٌ حارقةٌ يتكامل احتراقُها ذاتياً ليدومَ أكثر. فأناسُ العتمة، عادةً ما يعتمدون على النيران المعتمة التي تغطي أميتهم بالدخان، دفاعاً عن الفضيحة التي ربما يخشونها ولو موقتاً.

* أهكذا تستذكر طفولتكَ محاطةً بذلك الدخان في مدينة بلخ الأفغانية، أم أنكَ أدركتَ الفارق بين تربيتكَ في “المدرسة المستنصرية” في بغداد ومدارس قونية في عهد دولة السلاجقة الأتراك، فعرفتَ الفرقَ بين ثقافة الطرفين فقهاً وعلوماً وشعراَ وعشقاً؟

– لم تكنْ مستنصريةُ بغداد ماركسيةً بالقدر الافتراضي مع حاضر هذا الزمان. ولا مدارس السلاجقة تمثل اليمين الرجعي المتطرف. لكني وجدتُ حجراً كريماً أحتكّ به، وأتحكمُ بما ينتجهُ من طاقات في جسدي، لأوزّعها على أيامي وعلى تلامذتي من المريدين والأتباع.

* كيف تنجو خلايا الجسد من طاقة الزمن، مولانا جلال؟

– كلاهما يشتركان بإبادة نفسه بنفسه. إياكَ أن تعتقد أن الزمنَ وحدةٌ متكاملةٌ لا تموتُ

* تعني أن للزمنِ أجساداً يمضي بها الموت إلى العدم، مثلها مثل المخلوقات الحيّة .

– بالضبط. فما من وقت يدوم. نهارُ الوقتِ، هو غير وقتِ الليل. النهارُ يعدمُ خلايا الليل، مثلما يفعل الليلُ ذلك بخلايا النهار. كلاهما مقبرةٌ للآخر.

* وهل يحدث هذا التشابكُ الزمني في حياة العاشق أيضاً ؟

– زمنُ العاشق خاصٌ .

* أهو زمنٌ باطني على ما تعتقد يا مولانا ؟

– ما إن تبحث في باطن العاشق على شيء، حتى تجده كشمسٍ محترقة.

* كيف يكون ذلك يا مولانا؟!

– ذلك أمرٌ غامضٌ كما تدلّ الوقائع السيكولوجية. فالشمس المحترقة في الداخل الشعري، قيمةٌ إضافيةٌ، عادةً ما يولّدها الانحراف الشعري، عندما يجعل المُحِبُّ قلبهُ برجَ نارٍ، تتناهبه رياحُ المحبوب .* وكيف يتخلص الاثنان من الاحتراق في رأيك يا مولانا؟

– اللغةُ التي لا تُحرِقُ، عادةً ما تكون بلا ضمير .

* وكيف يدخلُ مولانا جلال اللغةَ، ومن أيّ باب؟

– من باب النفس الأمارَة بالسوء.

* لماذا ذلك الباب بالضبط يا مولانا جلال؟!

– لأنه الباب الذي لا يُفتح لكَ من بعدهِ بابٌ .

* وكم رأيتَ في الدنيا القديمة من أبواب؟

– باب الحبّ وحده .

* وكيف يكون للأرض بابٌ واحدٌ، فيما نحن أكوام شعوبٍ وقارات وخرائط وطقوس وآداب وتقاليد وديانات؟!

– ثمة مرضٌ واحدٌ لا رجعةَ عنهُ، هو ما يجعل شعوب الأرض واقفةً على باب واحدٍ، يُسمّى باب المراد أو باب المحبوب.

* وأنت يا مولانا، كم من الأبواب طَرَقتَ لتصلَ إلى لذّتكَ؟

– عن أيّ لذّة تتحدث أنتَ: عن لذّةِ اللحم أم لذّة الورق؟

* أنا سألتُ عن الربّ، وأيّ زرعٍ لهُ فيكَ يا مولانا؟

– وأنا لا أزال منتشيّاً بدوري كبحّارٍ على سطحِ سفينةٍ تبحث عن فنار الوجود.

* وما الفرق بين تربة الماء وتراب الأرض؟

– فارق الصوت فقط.alromi 3

* كيف تفسر لنا ذلك؟!

– أقصد أن صوتَ الريح على الماء، هو غير صوتها على الرمال. الأعظمُ من هذا وذاك، أن تصبح الروحُ خليطاً لكلّ تلك الأصوات وتناغماتها الحارسة للجماليات.

* وعلى أيّ سلالم تصعد الأرواحُ لتبلغ جوهرها عند الله؟

– الدهرُ سلالم. كل قَرْن من الزمان، درجةٌ تفتح أمام العابر المُريد باب الصعود إلى هناك.

* أهو طريقُ الصوفية إلى مراتب العلى كما يظنّ مولانا؟

– أن يتصوّف المرءُ شيء، وأن يكون صوفياً شيء آخر. فالتصوف صوفٌ للدفء عند البعض. أي أن يستغرق ذاك الفردُ أو هذا بعزل البدنِ عن البرد. فيما هي عند الآخر لعبةٌ مقتَرحةٌ من ألعاب الأديان الروحانية. أعني أن الانتساب إلى الصوفية، يحرر جسدَ الصوفي من الارتباطات المثقلة بالواجبات المذهبية، فيمنح الراحةَ للنفس بفكّ ارتباطها من الالتزامات القهرية للشرائع الدنيوية التي سُجِّلتْ على أقوام الأرض بالإجبار كفروض .

* أترى الصوفية يا مولانا نوعاً من السيرك أو ملعباً شعبياً، مسرحاً مستديراً تجري فيه تمارين فروسية وترويض حيوانات وتوازن وغير ذلك. سيركاً جَوّالاً، كما جاء ذلك في القواميس؟!

– الصوفيةُ مراهقةٌ خاصةٌ بالكبار فقط.

* مراهقةٌ ماذا يا مولانا جلال؟!

– مراهقةٌ ثقيلةٌ. أجل. فما التعلق بالله عند المتصوفة، إلا مراهقة تبدأ من نقطة الارتكاز، ثم تصبح مكابدةً إلى حين موعد طيران الأرواح بالوهم من الأجساد.

* أتلك هي وحدها كنوزُ الصوفية ؟

– ما من كنزٍ أعظم من الحبّ، وقتما يتحرك الزيت في الآخر، ويُشْعِلهُ.

* تقصد الرقصَ الصوفي وصولاً إلى ذروَةٍ، أعلى مراتبها الغيبوبة؟

– في كلّ حركةٍ دائريةٍ، نشوةٌ للجسد. وقد لا تُميط الأبدانُ اللثام عن شهواتها إلا بالاندماج. فهذا الأخيرُ هو المجرى لتفجير كلّ ما يرغبُ به المخلوقُ من خالقه. ولا تظننّ أن مخلوقاً من الدراويش له قدرة الاندماج مع المطلق الكوني. أبداً.

* ولكنْ، أليست الشهوةُ عند الصوفي دنساً مستأصلاً، أو قابلاً للاستئصال حتماً؟

– أبداً. فكلّ استئصال لنعمة من نعم الربّ خطيئةٌ.

* قد يكون هذا الرأي مفيداً في الجانب الشعري من الدنيا، إلا أنه تعارضٌ مع الديني كما تفيد النصوص. أليس كذلك يا مولانا؟

– الشهوةُ فئةٌ من أقوى مجموعات البَدَن. وهي غير خارجةٍ على حزبٍ أو جماعةٍ أو تيارٍ أو ديانةٍ تعيش في خارجه، لأنها معطى إلهي. وهي كما آلة الفهرنهايت، مقياسٌ لحرارةِ إيمان النفس بالنفس ذاتها، وكذلك بالتنفس الميكانيكي لمختلف الحواسّ.

* وما ذاك التنفس الميكانيكي للشهوات مولانا؟!

– هو أن لا يحول إيمانُ المرء بشيء ما، دون تنفس الشهوة، أو إغلاق الأبواب والنوافذ عليها، وصولاً إلى مرحلة خنقها. فالجسدُ المغلق، شبيهٌ بغرفة الإعدام بالغاز.

* ما الذي أخذتهُ من والدك محمد بهاء الدين ذلك الشيخ الملقب بـ”سلطان العارفين”؟

– تعلمتُ أن الخطيئةَ مفتاحُ العقل.

* وفي رأي مولانا، كم من العقول يسكن في رأس الصوفي؟

– لم أر رأساً لأحدٍ منهم، لأعدَّ العقول التي يمكن أن تكون تحت سقف القحف هناك .

* وهل كنتَ بلا عقل يا مولانا؟

– أنا كنتُ بعقلين اثنين في رأس واحد، وتركتهما معاً. رميتُ الأول على باب الله خوفاً. وتخليتُ عن الثاني لصالح العشق، تيماً بالمحبوبِ، وتيمناً بمحرّك الشهوات في الأفئدة.

* ولكنك صانع “المولوية” ومؤسس قوانينها. أكذلك هي من تمارين الرياضة وتحت حساب ألعاب الأولمبياد الطائفي؟

– عندما اخترعتُ تلك اللعبةَ رياضياً، سرعان ما أدركتُ أنها درجٌ موسيقي سرعان ما ينهار بصاعده، فيحطمه. لقد خشيتُ على ضميري من تراكم الذنوب التي تُعلقها “المولويات” بعنقي، فتثقلني الشرورُ وأسقطُ روحاً وتاريخاً، من دون أن يجد الغفرانُ طريقاً إليَّ.

* ولكنكَ كاتبُ أغاني تلك الطريقة في الرقص. فقصائدُ “مثنوي” و”ديوان الكبير” كانت سنداً للمولوية التي تضع قدمَ المتصوف على نقطةِ ارتكازِ الكون، فيدور وتدور به حباً وتسامحاً وانتشاءً ! هل فعلتَ ذلك كلّه من دون إيمان؟

– أنا فتحتُ للجهالة مدرسةً للحبس. فعلتُ ذلك لحظةَ عجزِ المعرفةِ عن احتواء طاقات الجهل، وكذلك صعوبة إعادة إنتاجها من جديد. فكان لزاماً أن أُبلي الدراويش بالأزياء والقلنسوات والدفوف والأصوات والطبول، ليدوروا حول أنفسهم تقرباً إلى الله، وسقوطاً في حضن وارث الأكوان الأعظم كما يعتقدون ذلك عبثاً.

* إذا كان الأمر كوميديا، فكيف تفسر ما قاله شيخ الملحدين ابن سينا عن رقصة “المولوية”: “لقد هبطت النفس إلى هذا العالم وسكنت الجسد، فلا بد أن تحنّ وتضطرب وتخلع عنها سلطان البدن، وتنسلخ عن الدنيا لتصعد إلى العالم الأعلى وتعرج إلى المحل الأرفع. حيث يعتبر البدن شـرًّا؛ لأنه “مـادي كثيـف”، وتحرر الإنسان من شهوات البدن ليس عنده إلا سعيًا للنفس إلى الفكاك من إسارها بعد أن غشيها البدن بكثافته”؟

– كان ابن سينا عالماً، ولم يتعامل مع أولئك الدراويش إلا كطبيب في حفلٍ لمرضى يئست الثقافاتُ والمعارف من دمجهم بشرايين الحياة. ولكن لا تنس علماء آخرين، رفضوا المولوية الصوفية كالإمام الصنعاني الذي عارض رقصها بقوله “وأما الرقص والتصفيق فشأن أهل الفسق والخلاعة لا شأن من يحب الله ويخشاه”. الإمام القرطبي عارضها أيضًا مستعينًا بسورة لقمان لتحريمها “وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ”. “وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ”.

* أليس كلّ ممتلئ بعِلمٍ راسخٌ في رأي مولانا؟

– إلا في علوم الجنون. فإنها أعلى مراتب العقل .

* وما نسبة الجنون عند جماعات المولوية، السُّهْرَوَردية، الشاذلية، الكُبْروية، النقشبندية، الرفاعية، القادرية، الخلوتية، في رأي مولانا؟

– كما أدركُ عن كثَب، فإن الجنون ما كان يوماً كوميدياً. لكن شيئاً منه، وهو الجنونُ الأبيض المُفَرّغ من محفظة تبادل المعلومات ما بين خليقةٍ وخالق، قد غطى تلك الجماعات كلها. ولا ثقة لله بمثل ذلك الجنون الفارغ.

* ألا ترى معي أن تلك الجماعات الصوفية من طين جاهلي، سرعان ما نفخ السلاطين العثمانيون النيران فيها، فأصبحوا فِرَقاً ومؤسّسات بقبضة الدولة العثمانية حتى العام 1925 الذي صفّى فيه كمال أتاتورك كل تلك الطرق الصوفية، تخلصاً منها ومن رموزها؟

– الفِرَق الصوفية التي كانت نتفَ صوفٍ في عهد أتاتورك العلماني، أعادها “الأخوانيون” اليوم إلى الخدمة بدشاديش سموكينغ وبأسنان من ذهب.jalal aldin alromi

* ربما هو وقت الثمالة. أليس من حق التاريخ أن يأخذ استراحة في حانة الوجود يا مولانا؟

– تماماً. فقد تحوّلَ الوقتُ إلى حانةٍ، وأصبحت العمائم كؤوساً .

* ما قصة ضيقِ نفس الدين بالخمر. أتكون كافرةً حقاً، وبذلك القدر الكافي يا مولانا؟

– أنا، ومثلما لا تطربني موسيقى عابري الصحارى في يوم قائظ، لا أعترض على جسدي لو صحّح أميةَ حواسّهِ بالخمر، وجعل من تلك الثمالة نظاماً لمروره في اللغة.

* أيجدُ مولانا حكمةً في إعفاء الناس من الموسيقى، أو في التقليل من نفوذها على الحواسّ الآدمية؟

– ليس غير بعض المذاهب من فعل ذلك، بعدما صيّرت الموسيقى تابوتاً لا يخص الميتَ وحده، بل وصندوقاً لخنق الحيّ أيضاً. لذلك تتعاظم الحاجة إلى الخمر بالتكاثر في النفس. فكلّ قلبٍ غير مخصّبٍ بخمر، لا ينفع الشعر، ولا يحقق نصراً للرؤى في لحظة التحليل والتأويل. من هنا أجد أن اتحاد الجسد بالموسيقى، تحريضٌ على تكامل المبنى الروحاني للمخلوق بمعناه الميتافيزيقي .

* وهل تختلف الموسيقى في تربة العاشق وفضاءاته، عنها لدى بقية العَوامّ؟

– كنتُ وشمس التبريزي كمثل بيانو بقلبٍ ثَمِلٍ. ما إن يهبط بي، حتى تتجلى الشيطلائكةُ بالغناء عن الحمّى المفَجّرةِ للشهوات. فأحترق أنا بجسدي، فيما هو يقوم بجمعي رماداً من حضنهِ، ليودعه في قدحٍ عظيم .

* ما كان على الأعظم في شعركَ، أن يضع القارئ البصير في هذا الالتباس المُحرج لصورتكَ القديمة، فيظن بكَ البعضُ سريراً لشمس الدين!

– كان شمسُ فتوتي المشرقة. وكنت وإياه جسدين مستطيلين، لكنهما يلتقيان في مؤخرة القلب على الدوام، وبنشوةٍ تضاهي شروق الشمس على الأكوان.

* هل كانت خلوة الأربعين يوماً في قونية معه، وكنت في السابعة والثلاثين من العمر، فيما كان شمس في الستين، بداية عهد العشق، يوم اعترض التبريزي طريق موكبكَ، فأسَرّكَ بكلمة الـ “باسوورد”، فبأيّ جُملٍ من الكلام صرعكَ شمسٌ بين تلاميذك ومريدك!؟

– لا أردي ماذا حدث في ذلك اليوم بالضبط. فكلّ ما أعرفه، أن شمساً قد سقط في جسدي، سقوطَ قضيبِ ذهبٍ في جوف فرنٍ ملتهب.

* وهل من أجل ذلك التعشيق الذي حدث بينكما، غادرتَ خيمة الفقه وتعليم الشريعة ومبادئ الدين ومدارس السموّ الروحي نحو مراتب الأعالي وكل ما كان منوطاً بالمعقولات والمحسوسات والبرازخ التي تربط العبد بالله عبر الحواسّ؟

– لحظة أن ألقى شمسُ التبريزي على مسامعي جملته الطويلة هامساً: “كنت أطلبُ شخصًا من جنسي، لكي أجعلهُ قبلةً وأتوجَّهُ إليه، فلقد مللتُ من نفسي”، حتى دبّت بي الحرائقُ لتغسلني من تصحري. وصرختُ في نفسي مذهولاً آنذاك: ها هنا يكمن مقتلُكَ يا مولانا .

* كتبَ عنكَ الباحث مهدي توراجه في كتابه “جلال الدين الرومي وتفسير الإثارة الجنسية” قائلاً: “إنَّ الإثارة والرمزية الجنسية في ديوان جلال الدين الرومي “المثنوي” لم تحظيا حتى يومنا هذا إلاَّ بقدر قليل من الاهتمام، وقد تم إهمالهما بصورة خاصة من قبل الباحثين. ومع ذلك فمن المهم نظرًا إلى تعدّد التفسيرات أن نعالج هذه الموضوعات ونبحث حولها. وبحسب المستشرقة آنا ماري شيمل، تحوَّل جلال الرومي الدين إلى شاعر فقط بفضل معَلّمه الروحي شمس الدين التبريزي. حتى أنَّها ذهبت إلى القول، إنِّنا يجب علينا اليوم أن نتحدّث عن جلال الدين الرومي آخر، لو أنّ الاثنين لم يلتقيا قطّ”. فما الذي يراه مولانا في ما قيل وكُتب عنه؟

– كلّ ما قيل عن شمس وعني، ليس إلا شروى نقيرٍ. كلامٌ مُعْدِمٌ لا أثر له في نفسي. “هناك خيط من القلب إلى الشفتين/ حيث يحاك سر الحياة/ تقطع الكلمات الخيط/ لكن في صمت تتكلم الأسرار”.

* ولكن ما الذي فجرّ في ذات مولانا تلك النقلةَ النوعيةَ نحو شعرٍ بختم قوانين العشق، فكتبتَ بشغفِ الـ “مثلوي – مثنوي” حتى تطرفتَ، فصار العشقُ جريمةً قادت إلى اغتيال شمس الدين التبريزي سنة 1247؟

– ما حدث في قتلهِ، كان قتلاً لي بالضبط. أنا الذي استوحشتُ لحمي على عظامي بَعده. فصيرّني غيابهُ كهلاً مستحوذاً عليه من أشباح دنيا، انتزعتْ من صدرهِ جوهرةً، لترمي بي إلى المقام الدوني من الظلام. هكذا تراني أعمى، ينظر بقدميه على صراط الشغف المستطيل.

* يقول النيسابوري: “التصوف أن لا يهتم الإنسان بظاهره وباطنه، بل ينظر إلى كلِّ شيء على أنه لله”. ألا تجد أن باطنكَ “مرستانة” لم تشفِ أحداً من كائنات ظاهرك الواضح الصريح؟

– ليس الباطنُ أن تكون غمداً لسيف الظاهر المشهور في وجهك. تلك هدايةٌ لا تخصّ المتألمين حبيّاً، بقدر ما هي استنزافٌ للسماحة، وإجهاضٌ لفكرة التعايش مع الآلام العظيمة للإنسان الكلّي. صاحبُ الله، ومرآةُ نفسه في ديوان الرحمن الأكبر الكبير.

* أيّ موسيقى تغلب على حواسّ مولانا جلال الدين؟

– الجازُ والمجازُ. الجازُ في الرأس الذي صُنعَتْ طواحينهُ من آلات الأديان النحاسية، لتخربط خرائط الأرض في الأذهان. والمجازُ كفاتحةٍ للطيران فوق أعشاش اللغات. فالجاز الخافتُ هو السماعي مجازاً. وكلنا في مجرى النايات، ملوكُ آهاتٍ وأنينٍ، سرعان ما نتساقط من ثقوب القصب الرخيم.

* ومتى كنتَ تملأ نفسك بتلك الأنغام. ليلاً أم نهاراً؟

– كان من عادتي أن أفرّغ بدني من أثاث الغروب يومياً، لأمتلئ بدرجات الليل رويداً رويدا، مصطحباً مخلوقاته إلى حيث ترتفع طاولتي فوق أكتاف الجبال، حيث تتحد الموسيقى بحبر العين، بزكام الذكريات وبالخبر العاجل. فلعلّ ظهور شمس يمحوني من ظلامي، لنشرقَ أنا وإياه معاً في الليل المدمي الحزين.

* ألا تزال على قولك القديم: “النوم هذا العام ليس له سلطان.. ربما الليل أيضًا يكفّ عن البحث عنّا حينَ نكون على مثل هذا… محجوبين، ما عدا في الفجر”، أو قولك في أخرى: “ممتلئٌ بكَ، جلدًا، دمًا، وعظامًا، وعقلاً وروحًا… لا ما كان لنقصِ رجاءٍ، أو للرجاء. ليس بهذا الوجود إلاكَ”؟!

– صار النوم عندي قطاراً لا مقعد لي به. وربما ليوم الدينونة، حيث أرتقب الحشرَ مع المحبوب، لنُخلَق جسدين في سبيكة واحدة من الجلد والدم والعظم والعقل والروح. وذاك هو المبتغى العظيم.

* أهو الحنين إلى المدام “جوهر خاتون” أم العيال: سلطان ولد، وعلاء الدين؟

– أنا أسدلتُ على فؤادي الستائرَ منذ دهور. لذا ترى بدني قطعةَ قماشٍ ملطخة بدم جريمة حرب معلنة ضد العاشقين. ففي العائلة تقوم قيامة الأخلاق، بينما تقوم في العشق قوائم الأجساد التي لا موانع تحول دون تمددها في الآخر.

* ألا ترتعد فرائص مولانا من أفكار كهذه، وأنتَ تقف على باب الله الآن؟ ألا تخاف أن تجني ناراً على خطاياك؟

– لا تظنّن جهنم من أفران الله. وليس له مثلها للعذاب في السموات والأرض. فلا تذهب بي إلى وهم النار، كي لا أذهب بكَ إلى هنالك أيضاً. فكلّ ذهاب إلى محرقة اللحم شطحٌ، أو رؤيةٌ مكتوبةٌ بغير ماء الذهب.kh alromi 3

* وما قولكَ في قول فريد الدين العطار: “للحبّ ثلاثةُ طرقٍ: النار والدمع والدم”؟

– لا رغبتي لي بحبّ، لو طَرقتهُ أصابع الريح، يرنّ كما النحاس. فما اشتهيته في الحبّ هي الليونة التي تجعل الجسد يتمدد ناراً ودمعاً ودماً على مقياس المحبوب، ثم يختم المشهد ببصمة الرماد، عندما يتطاير للأعالي ويختفي في الأبد.

* أتعتقد يا مولانا أن علّة الوجود متعلقةٌ بعلّة الحبّ فقط؟

– بلا أدنى شكّ. فالناسُ إشاراتٌ ضوئيةٌ ترتفع بالحبّ، منها ما يصل مشتعلاً عند الانعطاف نحو الربّ، ومنها الذي ينطفئ، وتنكسر روحه كاللمّبة على الطريق الموحشة. الأولُ عاشقٌ يصل. والثاني ضعيفُ التيم، ولا تتمة له في خريطة الوجود أو سجلاتهِ

* مولانا: إذا كانت الجيوش في أثناء الحروب، تتموّه بثياب خاصة. ألا تظن أن الصوفيين يتموهون بما يُسمى العشق الإلهي، لكبتِ أفعال الباطن الشهواني من الافتضاح أمام مرآة البشر؟

– كلاهما – الجيوش والعشاق – يتموّهان بثياب وبحُجُب. الجندي يتموّه، ليمنع الموت من الوصول إليه بالرصاص الحيّ. فيما يتموّه الشغوفُ بالعشق الإلهي تطرفاً، ليتظاهر بقتل شهوته اتقاءً لشرور العوام، فيما جسمهُ فائضٌ بكهرباء، لا يقدر على احتمالها. لكن الله غير قابلٍ للقسمة بالطبع. فهو الأعلم العارف بمَن يتموّه بالحب استهلاكاً، وبمَن تفيض به الأشواق حتى ذوبان الفؤاد .

* وفي رأيك مولانا، هل كلُّ شيء إلهي، لا يستحق الكراهية، بما في ذلك الموت؟

– الجوهرُ المكبوتُ بالباطن يقول ذلك. لكن العقل غير المضبوط سكران يجلس على باب حانة الكون، ليهدي كلّ ضالّ إلى العرش المنتصب في كلّ نفس. مع ذلك، فليس كالموت ثملاً بنا. نحن خمرتهُ الأصلُ. ولا ترتفع به سكرته إلى مرتبة السكران، ما لم يحتس أرواحنا.

* كأنك تريد القول: أن كلّ قبرٍ كأسٌ بيد الموت؟

– لو يحجم الحيّ – الميت نفسه عن الموت، لتمّ تفريغ الموت من طاقتهِ، وانتهى عهد العدم. لكن وجود الأبدان كبراميل للتخمير، يفتح في الموت شهوة التمتع بالشرب، وصولاً إلى ما فوق السكران.

* أنت تبصر في الشعر بقوة العقل. وتقوم على الإنشاد بالحبّ الإلهي. فكم من الضرر يلحق بالقصيدة جراء تكثيف العذرية بأوردة اللغة؟

– لا عذرية كاملة في اللغة. ما إن تعمل القصيدة على خصخصة حواسّها بتلك الصفة، حتى تصبح بيولوجية لغوية قاحلة. ليس في صالح الشعر، أن يعمل الشاعرُ على جعل العذرية كزرّ كهرباء في النصّ الشعري. لأن ذلك، عادةً ما يقطع النور عن القصيدة.

* ألا تعتقد يا مولانا، أن دراويش الصوفية هم نُسَخٌ عن صعاليك الشعر ليس إلا؟

– قد يجوز الحكم بذلك. لكنكَ إذا ما كسرتَ إطارَ اللوحة الكونية للأفكار والفنون، وجدتَ إن موارد الطرفين تكاد أن تكون واحدةً ومشتركةً. فالشعرُ نسيجٌ سريّ في البنيّات الصوفية، مثلما التصوف نحلٌ فِي الشعر .

* وأيّ فرقٍ بين الاثنين كما ترى؟

– الفرَقُ إنما نراه في المرجعيات. فإذا كان الشعرُ قد أحبط سيطرة المرجعية الدينية عليه، بعد طول نضال مع تابوات التحريم، فإن الصوفيين بفرقهم المختلفة، لم يجرؤ أحدٌ من دراويشهم على إخراج قدمه من تحت اللحاف الديني اللاهوتي .

* تعني أن لا وجود لموقفٍ اختياري عند أهل التصوف للتزحزح عن الدائرة المرسومة للأعضاء، ولو قيد أنملة، فيما الشعراء يملكون موقف الاختبار، ويعملون على مشاريعه في الكتابة .

– هكذا كان الموقف، وربما سيقضي الدراويش زمناً طويلاً، قبل أن يتزحزحوا بالخروج عن مركز دائرة الوهم المُهَندَس وفقاً لحركات الجسد. فكل فردٍ، يحاول مطاردة نفسه باقتفاء أثرِ الله. ونادراً ما ينجو أحدٌ بتحقيقِ حلمِ تَوَحّد النفس بالجسد.

* كأن ذلك لا يخصّ فكرة الاندماج بالخالق، بقدر ما يكون خوفاً من جحيمه الافتراضية الواردة صوره في الألبوم اللاهوتي لمختلف الأديان. فما قولك مولانا؟

– لم يَصنع اللهُ مخلوقاته الطيبة الجميلة، ليفتح لها في جهنم الأفران المختلفة، وليحشرها بين طبقات النار. حاشا الربّ أن يفعل ذلك. فعلى قدر جمال الخالق، تكون قيمة المخلوق. وليس أعظم من احتفال الله بصنيعه الآدمي على الأرض وعلى بقية الكواكب والمجرّات المعَلّقة في الفضاء الشاسع اللامحدود. فهناك تتجلى المعرفةُ كاملةً .

* لماذا قلتَ يا مولانا: “لا تهرعْ إلى كتبكَ بحثاً عن المعرفة، بل خذْ الناي واجعل قلبك يعزف”، ولم تقلْ: اترك الكتابَ كرسيّاً للعقل، واصنعْ من تراب الأرض مخطوطاً، ففي كلّ خطوةِ قدمٍ على الأرض كلمةٌ تُماثل الشمس في رأس الحالم؟

– أجل. هذا يمكن أن يحدث. فإذا ذهبتَ أنتَ بالقارئ إلى التأليف وأغرقته بالحبر، فإنني اخترتُ أن أكسر جدرانه عليه، وآخذه إلى فضاءات الانتعاش بالموسيقى. هكذا نحن نختلف: أنتَ تريده أن يكتب بالمداد ويتعايش معه، فيما أردته أن يتحرر من عبودية المكان، ويطير مع الأثير الروحي سكران .

* هل لأن الإنسان كما يقول فرديناند آلكيه عن عزلة العقل ليس غرضاً من أغراض العقل الممكنة، بل نقطة انطلاق اختراعاته المستمرة. يبدو إذاً، الآن، وعلى الأقل في النظريات المتطرفة، أن الإنسان ليس فقط كائناً عاقلاً، بل كائن يكره العقل الموضوعي، كما يكره كون العالم، كما يكره ما ليس هو، أو كل ما ليس هو وحده: لهذا السبب لا يشعر انه تماماً في العالم، ولهذا السبب تظهر الحرية التي تؤلف قوامه عاجزة عن الانضواء في الواقع وقائمة في بعد آخر من أبعاد الكون؟

– أنا مع ضرورة تسطيح آلة الرأس الفتاكة- العقل- أو تنفيس طاقاته من الشجن الدائم. فلا راحة ستأتي منه. وليس في غرفه ما يجعل المعارف مشمولةً بالطمأنينة. ومثلما يتجمع الكائن نطفةً في الرحم الأولى، ثم علقة مضغة، يتجمع بلحمه الزمنُ على شاكلة خيوطٍ طويلةٍ من النواح والآهات. لا أحد سيسأل الباكي في نفسه عن سرّ ازدحام العينين بالدمع. ولكن ما إن يبلغ الجسدُ شكل الناي، حتى يقطّر الأرواحَ نوتاتٍ من الأنغام بكاءً عن الحبيب المعبود.

* والعاشق يحاول أن يمنع عن نفسه الوقوع تحت تأثير الوعي العقلي الاستبدادي. أليس هذا صحيحاً يا مولانا؟

– الوعي ليس شيئاً داخلياً، قعراً، كما يقول موريس بونتي، بل الأصح بؤرة نور، شعاع يضيء الشيء، ويظهره بمدلوله الخاص.

* هل يعتبر مولانا جلال الدين نفسه سلفياً في هذه السموات؟

– بكل تأكيد. أنا لنفسي الآن الخَلَف المستمر للأبد عن ذلك السلف. لقد تشكلتُ من قوتين، من قوة الشعر الذي منع عن الأرض الجدب ولو من باب الافتراض، وكذلك من مصوغات فؤادي الذي تألّه بالنار عشقاً حتى انحرف .

* وهل اجتمعت يا مولانا بشمس الدين التبريزي في تكية ما أو زاوية أو زقاق من أزقة الفردوس أو ملاهيها؟

– لم أحظ بالمحبوب بعد. فقد قيل لي إن شهيد الغرام مسجّى بلا قلب في مشرحة الطب العدلي في السماء الثالثة. بمجرد التعرّف إلى قاتله، سيُستردُ قلبهُ بواسطة بريد السماء الافتراضي، فيعبر جثمانهُ الوادي الأحمر إلى هنا، من أجل أن تُعاد إليه الحياة ثانيةً وسط ضخامة من الاحتفالات .

* وما هو المخطط لدعوة كل من جلجامش وأنكيدو إلى حفلة إعادة هيكلة شهيد الغرام شمس في العالم العلوي من جديد؟

– لم تتم دعوتهما بعد، وذلك لغيابهما الطويل عن مناطق السماء العليا. لا أحد يعرف أين هما بالضبط. كأن جلجامش لا يزال يبحث عن الغلام أنكيدو ويطارده في السهول والوديان والجبال والبراري والصحارى. فيما تخور عزائم قضاة محكمة “الأسكسيس” من انتظارهما، وتعجز عن تطهير خطايا جلجامش وغلامه أنكيدو.

* يحدّثني قلبي أنهما لن يحضرا أبداً، لا إلى المحكمة ولا إلى تطبيق نظام الأسكسيس الخاص بتطهير الأبدان من الخطايا!

– يمكن أن يكون ذلك صحيحاً. فالاثنان لا يزالان في خلوة ما قبل الخلود، ولا يرغبان بمتابعة أحدٍ لهما هنا وهناك. لقد بات الحبُّ معقداً، ولا يقود العاشقَ إلا إلى المداخن والحيطان والحجب. فالمحبّ أخذَ حصة الأسد من الخبل بالمحبوب، وكلٌّ منهما بات يحشو ذاكرته بآلام الفراق قبل حصوله حتى.

* ألا تحمل الفكرة تلك، الدلالات على شيطنة الحبِّ يا مولانا جلال؟

– ربما. فأنا ما وجدتُ رغبةً عند عاشقٍ، إلا رأيتُ في قعرها نواةً تُسمّى الحنظلة. نصفها من نار مُرّةٍ، ونصفها الآخر من الخيبة. فكلّ سقوطٍ في الحبّارتفاعٌ يمنح ذلك المخلوقَ الاستثنائي أجنحةً لا كبحَ لها إلا في غيبوبة العاشقين الكبرى .

* هل رأيتَ الله على العرش *؟

– لم آتِ إلى هنا في هذه الرحلة لأراه، لأن الله موجودٌ بداخلي قبل سقوطي من الرحم، وكذلك قبل صعودي إلى الأعالي.

* عن الشاعر يقول مارلو إنه “مسكونٌ بصوت يتوجب على الكلمات أن تتناغم معه”. فهل الاحتكاك بالكلمات أفضل من التناغم معها؟

– الاحتكاكُ بالكلمات يجعل الشاعر حراقاً لغويّاً بالنار. فيما التناغم يُخرج الشاعرَ من الملجأ الضيق إلى حقول الموسيقات المتطايرة على العكاكيز بآلام الملايين. فالشعرُ هو القلقُ حتى بلوغ مرحلة التبخر الحرّ .

*عن صحيفة النهار

شاهد أيضاً

فائز الحداد: رقصةُ الأنسة كورونا

على جنح خفاش همجي ولدتِ راقصة باليه منشطرة من دم التنين.. وأغنية الطاعون تهلهلُ على …

رفوفٌ ملتهبة
بقلم: أسيل صلاح.

يحتلني الدمعُ بلا مقاتلين أو خطاب تُمسكني الأربعون كقبلةٍ مائية جف عنها الصدى بين سطرين …

شاعرٌ يردُّ الوهمَ للوراءِ
بقلب عبد اللطيف رعري/منتبولي فرنسا

بعِشقِي هذا حينَ تكتملُ اللَّذاتُ.. سأنقرُ السَّماء بأعوادِ الثقابِ لتلِدَ الغَيْمة فجرًا ثمَّ.. فِي واضِحِ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *