هشام القيسي: جان دمّو: ذكريات وقصائد لم تُنشر ..(الحلقة الخامسة)

تعريف
•جان دمو شاعر و مترجم . احد اعضاء ” جماعة كركوك ” الادبية التي تعد فتحاً في الشعر خاصة و الادب العراقي الحديث عامة  و كانت تضم شعراء و كتّاب قصة و مسرحية، يشكلون اليوم قمماً ادبية ، امثال فاضل العزاوي ، سركون بولص ، انور الغساني ، مؤيد الراوي ، صلاح فائق ، جليل القيسي ، يوسف الحيدري .
نشرت له دار الامد عام 1993 مجموعة  شعرية بعنوان ” اسمال ” وهذه المجموعة لا تضم كل كتابات جان دمو التي اودعها لدى اصدقائه .

جــان دمـــو
ملاحظات و ذكريات و قصائد لم تنشر
1. في شعر جان
لم ينتمِ جان الا الى رؤياه و خياله الانساني ،وقد كان طليقاً صوب ذلك ، بعيدا كبعد الكون اللامتناهي ، عن نمطية القيود الحياتية الوضعية ، وهو بذلك كان مكتشفا و مجددا لاثار الاختلاجات النفسية . قال في ” المرئيات “:
الشمس و القلب
ديمومتهما ابدية
 كالحرية
الماضي الفارغ
من الهُوى
ساطع
كصلاة صباحية
الروح والاساطير
غصنا شجرة واحدة
لكونِ
كلاهما
منتم للامنظور .
  ان تقريره للحقائق الافتراضية و المنطقية ، و تشكيلها في التعبير، ابعدته عن المالوف ، و قربته من عوالم غير مالوفة كذلك ، لذلك فان رموزه انما ترشحت عن وعي ، لااحلام وهذا ما يقودنا الى حقيقة الزمن و تحولاته في الليل و النهار ، و في الفصول الاربعة .
و هنا يصيح ” تحت انقاض الامس “:
انقاض
زمن يتجمد ُ
دياجيرٌ
حركة ارتدادية تخرمُ
البسيطة َ
و تحت مغناطيس السفر
كل الايدي
تتصافح ُ:لجوء للفرار : خرائط
عريقة القِدم .
  ان الصورة الشعرية لدى جان نحت نحو المجاز ، و بتركيب فلسفي متعدد الدلالات ، و هذه التعددية هي التي اضفت خاصية على شعره ، و اشرت علامة واضحة في افق ” جماعة كركوك “. و لاشك ان تلك انما تناغمت مع ابعاد سايكولوجية:
” وحده اللامسَّمى
قادر على ان يحدَّد
قياسا للزمن :
اللامحَّدد.
لقد اكسبت ثقافة جان الادبية ، بحكم اجادته وطلاقتة في اللغة الانكليزية ، خاصية في التفاعل مع الموروث الانساني ، و بموهبة في الخيال و الحدس و التركيب و التعبير ، و هذا التواصل منح شعره معنى خاصا به في سبيل التلاقح و النشوء برؤية جديدة :
“ايا غياب ! ايا سماء !
ايّ لون ليس
منكما أو ، فيكما .
و أي رمز
ليس في
اللامحدود ”
كما اكتسبت قصائده رمزية متعددة الورود على قدر من الهواجس و الظنون و التعبير عن هوية التطلع والرؤيا ، وهي بهذه القدرة النقدية انما تكشف عن التحول في الولوج الى افق روحي و عالم متراكم من المداخل و الروحانيات و المنظومة القيّمية مثلما تؤشر دلالة على وضع ثقافي متميز و هكذا نجده في التعبير قد ابتعد عن قيود  وزنزانات المذاهب الشعرية ،لميله و انسجامه مع جوهره الانساني ، الذي يفيض طاقة شعورية بانسيابية هادئة :
” فلنفتح اكثر من سماء
في الاتصال
لنمسَّ حواف التسامي
 ايا قلب ، تخَّلى
عن اختراق اللامنظور ،
لانه يفضي الا ما لانهاية له من
اللامنظورات ”
ان النمط الجديد في قصائد جان دمو يعبر عن انسجام عناصر الروح و الذهن في ذات الشاعر ، و هذا ما جعله في رحلة دائمةغير مستقرة ، و متألقة:
” أنسحق تحت وطأة الالغاز :
و امام هذا الغسق الذي لم يعد
فاتناً كما كان ، تبحث ملائكة ذاكرتي عن الارج الذي كان يلعنها مرّةً ”

2. ذكريات
في الثلث الاول من السبعينات ، كانت الشوارع تسابق اقدامنا ، قاطعة المسافات بين مكتب الصديق الشاعر و الروائي و الناقــــــد و الكاتــــب فاضل العزاوي و بين مكتبات ساحة التحرير ، عبر فضائات شارع الرشيد. و كان هاجسنا وديدننا في الزحمة و الاكتضاض البشري ، نزوعنا و تناغمنا الحر في الرؤيا . و قد تكون واردات النتاجات الادبية او شارداتها ، مفتتحا في الحوارية و الاطلالة عليها ، و اذكر يوما ً انه حمل رواية بترجمة محمد مند ور ، و كان شديد الاعجاب بها حد الانبهار ، حتى انه عد العمل كأفضل واروع نص ادبي مترجم .
 و في يوم من ايام عام 1974 ، املت علينا النزهة، أن نركن الى مكان هادىء ، فجلسنا في المقهى البرازيلية .و كان حديثنا بداية هو التمرد الشعري ، و الخروج على المالوف ، و استحضرنا ثمار الحي اللاتيني في الشعر و القصة و الاقصوصة و الرواية ، و ابداعات بود لير ، و بول فاليري ، و ناتالي ساروت .
في تلك الجلسة ، اسمعته نصا كنت قد كتبته بالامس ، و كان بعنوان ” الشاهد “:
وحدكَ البهجة /الق الكون في َّ
و الموت و سادة للضد .
يا عرف الريح ، مذ العبور ادق جسدي
بصمته لليتامى ،وابارك الزيت بمخاض ،
الرحيل عائلة ، و النار .
مذبوح شجر الضوء ، ملء البدء صليت
و اشعلت الماء في صمتي ،  هو النهار
لو يمر اللهب تجلياً
لو يورق البحر هدأة
لو تبحر الروح
لو تمطر
لو.
الان، بعطر مبارك انهض ، بشجر
حاضر أتوحد فيك ،
                         و اعلن.
طلب مني النص المكتوب ، تناوله ، و تامل فيه ، و اخرج ورقة مطوية من كتاب كان يحمله و كتب قصيدة لم يضع لها عنواناً ، جاء فيها :
” النافذة مفتوحة ،
القلب مفتوح.
السماء، ايضاً ، مفتوحة .
و هناك ، في مكان ما  بعيدا ، تدور حرب .
حرب الكل ضد الكل
حرب اللا احد ضد لااحد
حرب اللاحرب “.
و اودع الورقة في الكتاب .
…            …                   …
 
3-قصائد لم تنشر لجان دمو بخط يده
القصائد التي نقدمها الان ، تنشر لاول مرة ، كان الشاعر قد اودعـــــها لــــــدي عام 1975، وجميعها دون تاريخ ، باستثناء القصيدة التي لاتحمل عنوانا و مطلعها:
” النافذة مفتوحة ،
القلب مفتوح .
السماء ، ايضاً ، مفتوحة .”
فقد كتبت عام 1974، و كنت حاضراً عند كتابتها كما اسلفت. و اغلب الظن ان هذه القصائد كتبت قبل عام 1974 .

قصائد لا تصد البصر
قراءة في مجموعة أسمال
    كتبت ربع قصائد ((أسمال )) في الحانات ، وربما هي خاصة أشرت جانبا من سلوكه في الحياة، ولربما أيضا إن هذه الخاصة تضفي تفسيرا على ثنائية الواقع والنفس ، وبما تسمو إلى مصاف شراب الحقيقة ، ليتغنى ويبدد رؤيا الذهول.
   سأنصت
   سأنتظر
   سأنصاع
  لما يترشح من نحاس النسيان
  ولكن انه ليس بنسيان
   انه البياض الذي
   يحيط باستوائيات عقولنا الجافة.
  لم تكن هموم جان تخفي الداء والضياع ، بل تراه شاخصا يعبر عن عذابات الطبيعة ، ويكاد يشرع المراثي على أطلال الحاضر . ومهما تكن فأن قصائده تتغنى بيقظة الحياة عبر مســـــارات المواقع ومنازع الهموم :
 أيكون الموت غياب الذاكرة ؟
 أم صفا من طيور البطريق
ينتظر مخلصا ما
تحت شمس بنفسجية ؟
ماذا سنخلف لأطفالنا ؟
ماذا سنخلف لهم في القرن المقبل ؟
هل سنخلف لهم سموما حارة ؟
هل سنخلف لهم موتا جاهزا ؟
هل سنخلف لهم جنائز ؟
انه واقعي لايتوهم بافتراضات انفعالية تساير عطب الوجود ، ولها لغزها وسحرها وفهمها العميق . وهذا ديدنه الذي يفعم ضميره بهموم الآخرين ، حيث تخبط صور الحياة والعذابات :
 نهر اللحظات يتقرفص في حديقة الزهور
الأفواه مجمدة. الأفواه خط طويل من العذاب
اليأس . مايشدنا إلى البعض ، إلى الهواء
إلى الاصفار، هو جسامة الماضي
أن نضحك ثانية وثانية
أن نستفز الحاكمين
أن نرفض
أن نخجل …  .
  لا تخمد جذوته ، حيث يتغنى بآلامه، كأنه زهرات تتفتح وتغمر بعطرها كل شئ، حتى الكلمات تنهل من معاناتها ، ولا تكتمل إلا في أجواء جان.
 الشبح يشرح الفواكه.
وحدي، تحته، في المطر .
اليوم يموت بتؤدة
أأترك صيفي
ينبت عني
شفاه
الماموث؟
  إن نزعة الحقيقة تتحد في رؤيا وضمير جان، الشاعر – الإنسان، بما تمنحه إرادة وتفردا في زمن تهتكت فيه صورة الحياة، عبر مسارات جمود، وقنوات شاحبة بلا حدود:
حتى في الأنهار التي لاقيلولة لها
ستبقى موسيقى صمتك أكثر صخبا وغرابة
من جدل الرعب الذي
يلفنا.
وما جدوى أن يعود المقامرون إلى رؤاهم القديمة والمجنحون إلى طرافاتهم
أو الشعراء إلى خرافاتهم الخفية؟
 إن الإيغال في المعاناة ، إنما هو إحساس عميق بها،  وهنا يترنم الصدق وينشد ، وتسمو الرؤيا وتصيح . وبعبارة أخرى هي رمز للضمير الذي لاسلطة عليه إلا ذاته التي يتداخل فيها الفرح واليقين بسعادة وطمأنينة.
 أمعن في صدودك أيها الواقع
فذاك قد يكون أولى بتمزيق النجوم،
النجوم ! قدم تبحث عما يماثلها، قدم تورق مع الحلم،
قدم تقطع
الفأس التي صنعت لقطع الجذوع ستظل فأسا دوما.
آخر وافد إلى مملكة ذراعي كان يوم الثلاثاء.

   كل شئ يزول تحت وطأة الحياة ، الميكانيكية  وهاويتها ، والتصنع الذي يجثم على الصدور ، إلا الزمن والحب والتغير . قد تكون الطلاقة معاناة وإذعانا تقبل بمعادلة النفس. وان هو يستعير صورا تجريبية، فأنه إنما يتشابك مع أجنحة التسول وأضواء الحانات:
 بالسر يتركز النوم
 في اشد المناطق نأيا، اقذف بفنائك
أنا أيضا كنت يوما فريسة حاجة غامضة.
ولكنني كنت على وفائي مع متطلبات الربيع.
تعلمت أن أكون أنا
 هكذا هو جان ، وعلى غراره وسائر جماعة كركوك ، سمت تجربة إبداعية اتجهت نحو يقين الكلمة ، وتعرية نفاق المدينة وتطوافها في واقع العصر وإذا كانت المعاناة النفسية صنوا للآلام الجميلة ، فأن جمالية الإبداع إنما تكمن فيها ، حيث تكون هي هو:
 هكذا من وراء الآفاق
القلوب تعتقل نفسها
إقصاء للجنون.
القصائد تهجر نفسها.
وهكذا الحب،
والنسيان
حرير النجوم ، الحرير المجنون للنوم
وحده القادر على إعادة التوازن لقلبي.
 
م/ سفر على باب البريد
ثانية يجيء البحر الحزن ، ثانية
في مكان ما ، من الارق                                                 
منذ ان لامس الافق
زمن العالم
مد البكاء على باب البريد
صناديق
            و اشرعة مسافرة من جديد ،
من فوق المطر
تعصر الارصفة اوراق التسول
سوى الفرح المطوي
ومقهى يروي وجبة غذاء .

لم تعد ، و انا في ماض الايام ،
 نزهة المكتبات طرية ،
كم مصباح يبحث عن فراشةٍ
لا تنام ،
          و عن سفرٍ على قارعة الطريق .
ايها الراقد كالشجرة
اوراقك تشم الذاكرة
و لا شيء غير مواسم الغناء
و بقايا شوارع مستهلكة
       و قصائد بيضاء

آه ..ياجان
ايها الراحل مرتان
مرة صوب الانسان
ومرة صوب حدود النسيان
 حملت وجع الجهات
                و افلاك التلاويح
                و اقمار الكلمات ،
حملت نايات باركتها الاسماء
                 ومرايا
                 وصحوة نبوءات
في كل الطرق المطهرة
تناجى خاصرة الرحيل
وجهك
      و الشعر
      و الحانات
و اناجي ذاكرة الحزن المكسور
وسفر المرافىء
           وطقوس الهجرات ،
ايها الممهور بوشم التعب
و التجوال ،
سلاماً بحجم الصمت
               و السكون
                    و الذكريات .
ياجان،
أنت أم الوجد.
لم تفر
من نفسك أنغام
صلاة النفس،
ولم تسكنك
غير شعاع الرؤيا.
هذه طيور الذكرى
تنشد
     وتسجد.
أنت العائد في الكلمات
تحت قضبان الوداع.
تجيئك أوراق الغساني (1)
ومدن فاضل(2) الجميلة
وتلاويح سركون (3)
حسرة
        وتذكارا
                 وحزمة ضوء
وداعا
  أيها المقيم جسدا،
هناك (4)
أيها الراحل فيها أبدا .
(1) الشاعر أنور الغساني المقيم في كوستاريكا
(2) الشاعر فاضل العزاوي المقيم في ألمانيا
(3) الشاعر سركون بولص المقيم في أمريكا
 وهؤلاء الشعراء بالإضافة الى مؤيد الراوي وصلاح فائق والراحل جان دمو هم شعراء جماعة كركوك.
         هناك. المقصود بها قارة استراليا حيث رحل الشاعر إليها وتوفي فيها

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طلال حسن : رواية للفتيان – خزامى الصحراء

إشارة: بعد أن أنهينا نشر فصول مخطوطة كتاب “حوارات” لأديب الأطفال المبدع العراقي الكبير “طلال …

هشام القيسي: أكثر من نهر (6) محطات تشهد الآن

ينفتح له ، وما يزال يرفرف في أفيائه مرة وفي حريق انتظاره مرة أخرى ومنذ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.