علي عبد العال: أنا السجين الحر في المنافي (القسم الأول)

أجرى الحوارفي دمشق : حسين سرمك حسن
س 1 – “اختصاصي أدب المنفى” هل هذا الوصف دقيق وينطبق على فعلك الإبداعي؟ هل قصدت هذا التخصص واعياً وبتخطيط قصدي مسبق؟ أم أن بيئة المنفى فرضت ذلك كاختيار وحيد؟ أم أن ذخيرتك الثقافية واللغوية كانت مقدمات مناسبة لهذا الجنس الإبداعي؟ البعض يقول كنت منفيا وأنا في وطني .. !!
ج:
هذا  المصطلح يعود إليك تحديدا؛ فأنت الناقد الذي أطلق عليّ وعلى أدبي هذا المصطلح ونحّته بعد قراءاتك النقدية الجادة لمجمل أعمالي. من الناحية الشخصية يروقني هذا الوصف النقدي، بل وربما يشعرني ببعض الفخر بعد هذا الجهد الكبير والمشوار الطويل الذي أنتجت فيه أعمالي القصصية والروائية. من ناحية الدقة في المصطلح هذا يعود أليك أيضا كناقد جاد وموضوعي ولا أستطيع البت فيه جزما، كما يعود للقارئ الذي يقرأ أعمالي المنشورة. أما شق السؤال المتعلق بالقصدية والتخطيط لكي أكون المتخصص بأدب المنفى فتلك حالة تحتاج للتوضيح والشرح، كون السؤال ينطوي على تركيب آخر يتعلق ببيئة المنفى التي ربما تفرض مثل هذا الخيار الوحيد أمام الكاتب.
الأديب والفنان، والمبدع بشكل عام، هو نتاج بيئته. كما الإنسان العادي. المبدع يصوغ أعماله من مكونات بيئته ويترجمها عبر صيغ أدبية أو فنية تعكس روح تلك البيئة ومن ثم روح المجتمع ورح الزمن ـ العصر. هذا ما يطلق عليه النقاد “الزمان والمكان” عند تناولهم النقدي للتجارب الأدبية والفنية المختلفة. المكان يلعب دورا هاما في الأعمال الإبداعية من دون شك. والزمان له التأثير الكبير كذلك على فحوى الإبداع. عندما يُجرد الكاتب أو الفنان من مكانه الأول قسرا، ومن زمانه الطبيعي، ويتم سلخه من واقعه ومن زمنه الطبيعي، يصبح كسمكة خارج الماء. أو كجمل في جبال من الجليد. أنا كاتب جُردت من بيئتي الطبيعية ومن عصري الطبيعي بشكل قسري. هذا الوضع يلحق بالفرد خسائر فادحة على جميع الأصعدة الروحية والمعنوية والفكرية. بيد أن المبدع الحقيقي، ذلك الذي يمتلك في روحه جذوة الخلق، سيجد الطرق المستحيلة كي لا يموت ولا تموت في روحه تلك الشعلة الصغيرة المليئة بالأمل. كما السجين في حكم مؤبد، يبقى يصارع جدران زنزانته لكي تنتصر الحياة الرحبة على مفهوم الجدران المغلقة. من هذا الباب، وكما مفهوم السجين الحر في المنفى، كرست أعمالي الأدبية في نطاق أي بيئة عشت فيها طوعا أو إجبارا. فكتبت عن تجربة حياتي وحياة آخرين في جبال كردستان وكتبت عن تجربتي في بيروت وفي دمشق ومن ثم في السويد والمغرب وغيرها من البلدان التي مررت فيها أو عشت طورا من الزمن فيها. لم أكن أقصد ذلك بالضبط، وإنما كنت في وضع المضطر. إذ يتحتم على الكاتب والمبدع صاحب الرسالة الإنسانية الاستمرار بفحص سلوك الناس في إي بيئة أو أي مجتمع تسنح له فرصة الإطلاع عليه أو التفاعل معه. ربما طغت الأعمال التي تعالج أوضاع المنفيين على غيرها من الأعمال الأدبية الأخرى، وهذا يعود إلى نتاج البيئة التي عشتها طوال ثلاثة عقود من الزمن.
س 2 ) هل تشعر أن هذا التخصص بأدب المنافي ضروري؟ ثم هل شهد الأدب العربي أو العالمي مبدعين تخصصوا بجنس إبداعي أو معضلة إنسانية معينة مثلك، وخصوصا في حقل تجربة المنفى غير ميلان كونديرا مثلا؟ وهل أنت – بلا خجل – صاحب الامتياز عربيا على الأقل؟
ج:
بالتأكيد يصبح مثل هذا الاختصاص الأدبي ضروريا عند الحاجة السيسيولوجية لدراسة تلك الظاهرة البشرية التي مرت بها الكثير من المجتمعات على مر التاريخ. فظاهرة النفي السياسي والديني لازمت سيرة الدول والمجتمعات منذ فجر التاريخ البشري. فكان لمفهوم “الإقصاء” الديني والفكري والسياسي أن يتزامن مع نشوء الدول القمعية والدكتاتوريات القبلية أو العسكرية. الفيلسوف الكبير سقراط تعرض للنفي والإبعاد والسجن حتى موته. والسيد المسيح تم نفيه وإقصاؤه حتى صلبه، وتعرّض تلامذته إلى ذات المصير كالقديس مار بطرس ومار بولص الرسول اللذين وصلا إلى روما عاصمة ألإمبراطورية الرومانية  هربا من بطش الحاكم الروماني والأكليروس الديني المتنفذ في أورشليم ـ فلسطين ـ ليقتلا هناك بعد أن كتبا ودونا صفحات الإنجيل. وكان بعض الشعراء العرب الفطاحل في العصر الجاهلي قبل الإسلام يتعرضون للنفي والإبعاد والإقصاء لخروجهم عن المألوف كما حدث مع الشاعر طرفة بن العبد  صاحب معلقة:
لخولة أطراف ببرقة ثهمد   تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد
وقد تعرّض النبي الكريم محمد بن عبد الله إلى ذات المصير بعد تآمر قبيلته قريش مع القبائل الأخرى لتصفيته وقتله بسبب أفكاره الدينية الجديدة التي بدأ التبشير بها في مجتمعه المغلق الأفكار، ومن ثم لجوء بعض الصحابة إلى الحبشة هربا من بطش قريش. المفكر السياسي الإيطالي الكبير ميكافللي تعرض للنفي وفي المنفى أنجز كتابه ذائع الصيت “الأمير”. هكذا نجد أن تجارب ظاهرة النفي في التاريخ البشري هي صنو لظاهرة تكّون ونشوء الدول والمجتمعات حتى التاريخ المعاصر الذي نحن بصدده الآن.
حسب إطلاعي المتواضع، وخصوصا في ما يتعلق بالتجارب الأدبية، فأن التاريخ المعاصر حافل بتجارب أدبية كثيرة وكبيرة عالميا وعربيا سجلت هذا العذاب الإنساني الفريد. وبلورت تلك التجارب فداحة عملية الإقصاء وقطع الجذور التي هي في جوهرها أبشع من التصفية الجسدية المباشرة. فكان هناك باسترناك وسولجستين الروسيين اللذان تم نفيهما وغيرهما من المفكرين والأدباء إلى سيبيريا صحراء الثلج ومن ثم خارج نطاق الإتحاد السوفيتي السابق برمته. وتجربة كتاب أمريكيا اللاتينية حافلة بالتجارب الكبيرة وأبرز نماذجها الكاتب الكولومبي الكبير غابريل غاريسيا ماركيز الذي كتب جل أعماله الكبيرة في المنفى.
أما على الصعيد العربي فنحن نعثر على شواهد كثيرة بهذا المعنى منذ جبران خليل جبران وإيليا أبو ماضي وميخائيل نعيمة وصولا إلى أدونيس والجواهري ومظفر النواب، على الرغم من كون بعض تلك المنافي كانت اختيارية بالنسبة للبنانيين، لكن المنفى هو المنفى في جميع الأحوال؛ ذلك الفضاء الرحب الكبير، الجدب روحيا في وجدان وكيان الفرد المبعد عن سماء وأرض موطنه الأصلي.
عراقيا، وهذا ما أستطيع تخمينه في طيات سؤالك المركب، فالأمر يزداد تعقيدا بسبب ظاهرة النفي الجمعية التي طالت أعدادا غفيرة من العراقيين بلغت عدة ملايين من البشر، لتشكل بالتالي أكبر الهجرات  القسرية في التاريخ البشري في العصر الحديث. ظاهرة حقيقية وواقعية لكنها تفوق الخيال بحجمها المأساوي الكبير، كما لو كنا نعيش كابوس مرعب لا يمكن تصديقه. الآن؛ وأنا أجيب على سؤالك الكريم لا أستطيع، حتى بمساعدة الخيال، تصور حجم هذه الظاهرة المأساوية وهي تلحق الضرر الكبير بأبناء وطني. كنا حفنة من السياسيين وثلة من الأدباء والفنانين والمفكرين ممن تم نفيهم أواسط الستينيات ونهاية السبعينيات، وإذا بهذه الظاهرة المرعبة تتضخم تضخما هائلا كورم سرطاني يصيب الجسم العراقي بشكل مخيف. لا يستطيع أي مبدع، أديبا كان أم فنانا غض النظر عن هذه الظاهرة، وإلا ما نفع أخو الدنيا بناظريه إذا تساوت عنده الأنوار بالظلم كما قال المتنبي العظيم. لكننا هنا بصدد التخصص في النوع الأدبي. لم يعد الأمر يتعلق بذات الأديب والمفكر والفنان فقط عند معالجة هذه الظاهرة الشاذة الكبيرة في حياة العراقيين الذين اشتهروا بحبهم للاستقرار الذي هو أهم شرط من شروط البناء الحضاري والإبداع الأدبي والتقدم البشري العلمي نحو الأمام. فقد كتب الشاعر العراقي الكبير بدر شاكر السياب قصيدته الرائعة غريب على الخليج في أمارة الكويت وهو في رحلة علاج لم تدم أكثر من بضعة أشهر. أما الآن، ونحن نعيش مطلع الألفية الثالثة، وفي هذا المستوى المتقدم الذي بلغته الحضارة البشرية علميا وتقنيا وإنسانيا، لازلنا نعيش مثل هذه الحملات الهمجية البربرية العنيفة وهي تضرب موجات كبيرة من البشر طيلة عقود بلغت الثلاثة لتكبر وتتضخم مثل كرة ثلج هائلة تتدحرج من قمة جبل، بل حتى ظاهرة طبيعية كونية مدمرة كظاهرة تسونامي تبدو أقل شأنا عند مقارنتها بما حدث ويحدث للعراقيين جراء أنظمة سياسية متخلفة ليس إلا. فهل شّرد تسونامي إندنوسيا أو زلزال هايتي ستة ملاين من البشر؟ وهل بلغ عدد ضحايا هذه الكوارث الطبيعية المدمرة أكثر من مليون قتيل ونصف مليون معاق ومشرد؟ هنا ندرك حجم الكارثة الحقيقي الذي تعرّض ويتعرّض له العراقيون حتى كتابة هذه الكلمات.
في هذا المفصل التاريخي تحولت الكتابة، على الأقل في تفكيري ومنهجي، من مجرد النحيب على الوطن واجترار الذكريات الحبيبة عنه، إلى الغوص في عمق الظاهرة ومحاولة كشف الحالات النفسية والهموم الكبيرة للمنفيين أنفسهم. في هذا المحور أستطيع الزعم، وبشهادة الكثيرين ممن تسنى لهم الإطلاع على نتاجي الأدبي من مجموعات قصصية وأعمال روائية، أنني “تخصصت” بهذا النوع من المعالجات أكثر من غيري من الكتاب العراقيين في المنفى.

س 3 ) من الملاحظات الهامة على إبداعك الروائي هو طول العناوين التي تختارها لنصوصك ، خذ مثلا:
 – في أزمان للمنافي – ثلاث حكايات:
عنوان الحكاية الأولى: (شباب في المنفى .. رجال في الوطن .. لأنك رجل صادق)
عنوان الحكاية الثانية: (رحلة بالباخرة ستوكهولم –  ريجا؛ كلنا في إجازة من الموت)
عنوان الحكاية الثالثة: (إذا أردت أن تصبح سياسيا في السويد، ابحث عن جميل كمّون)
– جمر عراقي على ثلج سويدي –  رواية
– أقمار عراقية سوداء في السويد – رواية                                                     
هل هناك “فلسفة ” خاصة تقف وراء هذا الاختيار؟
ج:
العناوين المكثفة، القصيرة، والمبتسرة، تليق بالقصائد الشعرية من وجهة نظري. أما السرد، أو القصة والرواية فتليق بها العناوين الكاشفة لفحوى النص المكتوب. تلك العناوين الطويلة نسبيا تثير فضول القارئ المتردد وهو يهم باقتناء هذا الكتاب أو ذاك. إنها بمثابة توطئة لدخول عالم الكتاب إن صح التعبير. وفي الواقع أشعر بمتعة مبهمة وأنا أفكر بوضع مثل هذه العناوين البسيطة والطويلة لكن الموحية بعض الشيء، ولا أريد ولا أرغب بغش القارئ بأن أكتب عنوانا بعيدا عن واقع النص. يمكنني القول إن هذه العناوين هي بمثابة علامات دالة على طريق القراءة، كما العلامات الدالة على الطريق المجهول الذي يجتازه المرء للمرة الأولى.

س 4 ) في أغلب نصوصك، قصة قصيرة ورواية، تطرح تأملات وتحليلات نفسية ثاقبة، هل هي من عطايا احتراق وجودك الشخصي بجحيم المنافي؟ أم من قراءات سابقة في علم النفس؟ وإلى أي حد تشعر أن الثقافة النفسية – وخصوصا معطيات التحليل النفسي – ضرورية للروائي؟
ج:
الرواية بشكل عام، والقصة القصيرة على نحو أقل، هما عبارة عن جنس أدبي يرتكز بالدرجة الأولى على البشر أفرادا ومجتمعات. وبالتالي يُعنى هذا الجنس الأدبي بحياة الفرد وما يحيط به من مؤسسات عامة وخاصة، تبدأ من الأسرة الصغيرة وصولا لرحاب الجامعات والبارات والحدائق وميادين التنافس البشري في عمليات الحب والغرام والرياضة والغيرة والحسد والنجاح والإخفاق. الحياة العادية هي عبارة عن صراع دائم من أجل البقاء. هذا البقاء تطور نوعيا عند الجنس البشري، بينما حافظت مملكة الحيوان حسب تطورها على مفهوم “البقاء للأقوى” تطور البشر إلى مفهوم “البقاء للأذكى”.
من غير الاعتماد على الشروط العلمية والطبيعية والنفسية التي تسم الخاصية البشرية في كل زمان ومكان لا يمكن كتابة رواية ناجحة. أكثر الروايات خلودا تلك التي تناولت الطباع البشرية وسجلتها بعفوية أو عن دراية مسبقة، كأعمال شكسبير المسرحية الخالدة وأعمال غوتة وأعمال دستيوفسكي و أدغار ألن بو وفرجينا وولف وهمنغواي وغيرهم من الكتاب الكبار الذين لا يتسع المجال لذكرهم. ولكن لا يمكنني في هذا السياق نسيان الرواية العظيمة موبي ديك لهرمان ملفل، ولا أنسى أعمال الألماني الخطير هرمان هيسة. أعود وأقول من دون معرفة شمولية بشؤون وأحوال الناس وتراكيبهم النفسية لا يمكن كتابة رواية مكتملة. الرواية هي جنس أدبس علمي ويستند إلى جميع العلوم البشرية وما توصلت إليه العلوم في كل عصر. والرواية جنس أدبي شامل حتى لو تناولت حيزا ضيقا من مفاصل الحياة الكبيرة، في هذه الحالة، أي عندما تفتقد الرواية لهذه العناصر المعرفية الشاملة، فأنها تتحول إلى تسجيل تاريخي في أسوأ شروطها الفنية. كلما كان الكاتب الروائي يتمتع بتحصيل دراسي أكاديمي جيد وكلما كان الروائي ملما بالعلوم والمعرفة فأن مداه السردي سيكون رحبا وشاسعا ويتوفر على مساحات واسعة لكي يقدم التفسير والحلول للناس الذين لم يتعرضوا إلى ذات التجارب الإنسانية. الرواية ميدان واسع من حياة البشر والمجتمع، وعندما يشعر الكاتب الروائي بهذه الحقيقة يشعر بمسؤولية أكبر وهو يعّبر عن جيله وعن عصره وعن تجربته الذاتية التي تستشرف آفاق المستقبل.
في ما يتعلق بتجربتي الروائية والقصصية فأنني أفدتُ الفائدة الكبرى من تعليمي الدراسي الأكاديمي ومن عملي الطويل في ميدان الصحافة، فضلا عن قراءاتي الحرة والمتنوعة في مجال تخصصي وفي مجال هواياتي الأدبية. أنا واحد من الأشخاص المولعين بداروين ومندل وباستور وهلمنغ وفرويد وبافلوف وبيكون وراسل والنبي محمد وعلي بن أبي طالب والفارابي وأبن سينا ومحي الدين بن عربي والمتنبي وغيرهم الكثير. أزعم أنني متأثر بالتحليل الكلاسيكي لعلم النفس الفرويدي على الرغم من عتقه. إذ أنه علم مفيد وفتح عقل البشرية على آفاق واسعة لم تكن موجودة من قبل. هذا الكم الكبير من المعلومات ربما لا ينتج سوى عن عبارة واحدة أكتبها في سطر واحد في رواية تتألف من آلاف الأسطر. لكن المعرفة فيما أكتبه يجب أن تكون صحيحة قدر الإمكان وموضوعية حتى لو شذت عن القاعدة. الروائي الذي يرغب بالشذوذ عن القاعدة يجب أن يتسلح بالمعرفة العلمية والمنطقية لكي يستطيع تجاوزوهما إلى أفق أرحب من المعرفة والكشف البشري الذي لا تنقطع أوتاره طالما بقي الإنسان سيدا على وجه لأرض.
عندما تختلط المعرفة الجادة بالمشاعر الصادقة يمتلك الكاتب عجينة جيدة ومطواعة لكتابة ما يشاء بثقة تامة. عدا ذلك يبقى العمل الروائي والقصصي مزعزعا وقليل الجدوى وقليل الخبرة ولا يمكن أن يقدم شيئا مفيدا سوى التدوين في أحسن الأحوال. هنا لا أقصد على الإطلاق أن يضع الكاتب الروائي معرفته العلمية والفلسفية نصب عينيه وهو يكتب فصول روايته، وإنما أقصد التشرب الحقيقي للمعرفة التي ستنعكس على مجمل عالمه الروائي وهو يكتب صفحات بسيطة عن الحياة المعقدة. الرواية هي عالم من المعرفة. هي إعادة للحياة من جديد وفق شروط أكثر إنسانية وأكثر تحملا للمصاعب.

س 5 ) في قصصك الطويلة – المهاجر مثلا – ورواياتك – ميلاد حزين كمثال آخر- هناك إدانات أيديولوجية شديدة الجرأة، خصوصا للتنظيم الذي كنت تنتمي إليه، وقدمت تضحيات جسيمة في سبيله، أتساءل: ما هي التأثيرات السلبية للموقف الأيديولوجي على الإبداع عموما، والرواية خصوصا؟ وكم عطّل هذا الموقف من مسيرة الأدب العراقي؟ وكيف استطعت تطوير هذا الموقف النقدي المستقل بالغ الخطورة؟
ج:
من أبشع الأمور في هذه الدنيا أن يخضع المبدع الحر لأيديولوجية محددة. سواء كانت دينية أو سياسية أو فكرية. “الأيديولوجية” تعني بالعربي “العقيدة” والعقيدة عبارة عن أصفاد فكرية تكبل الفكر الحر. الخضوع إلى عقيدة محددة، بغض النظر إذا كانت جيدة أو سيئة، متحضرة أو متخلفة، هو نوع بشري متجدد فكريا مأخوذا في الأصل من الجذر الحيواني للبشر مؤسس في أصله على فكرة “القطيع”.
 العقيدة تعتني بالجمع ولا تُعنى بالفرد؛ الأيديولوجية هي نوع من أنواع المعتقد بنظرية طقسية ما. المعتقد الديني شكّل أسوأ أنواع هذه المعتقدات نظرا إلى اعتماده فكرة “الغيب” و”المافوق” و “نظافة السماء” حيث الملائكة وعرش الرب. الأيديولوجية الوضعية كالعقيدة الماركسية على سبيل المثال سيطرت على العالم كدين رابع فأين انتهى بها الأمر في القرن الواحد والعشرين؟
على العموم أرى الجموع من البشر البسطاء ينحون منحى القطيع في غياب الحريات الفردية الجوهرية؛ لذا لازالت الأديان من البوذية والهندوسية واليهودية والمسيحية والإسلامية والماركسية تسيطر على جموع البشرية بمجرد فكرة “القطيع”. الفكرة الذهبية التي يمكن للمبدع الحر بلورتها هي كيفية التخلص من فكرة ومن عقيدة “القطيع”. يمكن للقطيع أن يوفر بعض الأمان للأفراد، لكنه لا يمنحك الحرية. من هذا المفصل الجوهري نأيت بنفسي عن القطيع، وبالتالي عن الحزب ذي العقيدة المؤدلجة والراسخة التي لا تتزحزح أركانها الثابتة كتعاليم مقدسة. كل هذا في نظري عبارة عن هباء في معترك الحياة الحقيقية وإرهاصاتها المتجددة. لذا لا أتردد في إدانة الأخطاء التي يرتكبها الأشخاص المسؤولون عن التطبيق الرمزي لتلك النظريات المكتوبة على الورق. كلنا يكتب على الورق،  تاريخ البشرية برمته مكتوب على الورق واللوائح الطينية. فلست أخشى من الكتابة ومن الإدانة ومن الرصد والتدوين. أنا إنسان حر بقدر معقول، ويجب عليّ استثمار هذا القدر القليل من الحرية طالما أنا على قيد الحياة. إذا لم أفعل ذلك سوف لا ينفعني الندم.

     س 6 ) وارتباطا بهذا الموقف الأيديولوجي المتفرّد والموضوعي، ما هي الضريبة التي تحملتها بسبب هذه الروح التعرضية الجسور، التي لا تمر عادة دون حساب من قبل المرجعيات التنظيمية الحزبية العربية، التي صفّت الكثير من رفاقها وأبنائها الذين خرجوا عن إرادتها؟ وهل تعتقد أنه كان سببا لجانب كبير من الإهمال النقدي الذي تعرضت له نتاجاتك الأدبية؟ 
ج:
كابدت الكثير جراء هذا الموقف وجراء بعض كتاباتي وأخص منها رواية “مقتل علي بن ظاهر ومتاهته” التي كادت أن ترديني برصاص ومدي جماعتي. وتم فرزي من الحزب كالبعير المعبدِ على حد تعبير طرفة بن العبد. وهي رواية بسيطة سجلتُ فيها تاريخ الموت المجاني تحت راية الحزب الطليعي في كردستان تحت قيادة رجل لوطي. نصحني الكثير من الأصدقاء عدم نشرها عام 1984 أي بعد نجاتي من الموت المحتم بأعجوبة. قالوا لي هنا في دمشق: “سيقتلونك لا محالة”. العجب أن يُقتل الثائر بسلاح رفاقه. هذا هو مفهوم العقيدة ليس إلا. مجال الحرية أضيق مما هو عليه في ظل الأحزاب الشمولية. العجيب أنهم أرادوا تصفيتي الجسدية لكنهم لم يطردوني من الحزب لكي لا تثبت عليهم الجريمة. هكذا بقيت أعيش حرا قدر الإمكان وتجنبت طلب الحاجة بكافة أشكالها من التنظيم الذي أهديت له دمي بطواعية مراهقة وروح من الشباب الثوري الحيوي.
من المعروف والمشهور والمشهود أن المؤسسات الحزبية العقائدية في البلدان العربية وبلدان العالم الثالث، بما فيها المؤسسات الرسمية الحاكمة، سوّقت الكثير من الكتاب والمفكرين المزيفين وأنصاف المثقفين عبر أدبياتها ومنشوراتها السرية والعلنية وسيدتهم على واقع القطيع. مثل العلف الذي تجتره النعاج والأغنام والبقر النائم في الحظائر المرفهة من شقق في أوروبا وجوازات سفر دبلوماسية مزورة.
مثل هذا المشهد معروف ومدروس ومكتوب، وكل من لا يعلم ذلك له أن يدفن رقبته الطويلة المزيفة في الرمال. 90% من مثقفي الأحزاب كما من مثقفي السلطة رؤوسهم في التراب. نحن من يعلو رأسنا عليهم؛ نحن الذين لم نرضخ لأوامرهم التافهة ولم نخضع لرغباتهم المشوهة ولم ننصاع لكتابة مقالات يضعون تواقيعهم عليها نهاية المطاف.
في هذا الباب من الجراح المجانية التي يشفيها  الزمن بقليل من الصبر والتروي أنتجتُ خمس روايات وأربع مجموعات قصصية لم تلق من المؤسسة الحزبية التي تبرعت لها بدمي وبحياتي طوعا سوى الإهمال التام والمطلق، بينما يتم التطبيل والتزمير لقصة أو رواية يكتبها كاتب من المؤسسة الحزبية. لكن الحقيقة تنتصر في الأخير وأنا على يقين من ذلك.

 س 7 ) وارتباطا بالسؤال السابق، سمعت من رفاق قاتلوا معك في شمال العراق أن الثيمة المركزية لرواية ( مقتل علي بن ظاهر ومتاهته ) تأسست على حادثة حقيقية، وأنك قمت بموقف مشرّف وغيور لفضح وإدانة “المجرم” الذي اغتال “علي بن ظاهر”، حتى أنك إلى الآن مستميت في إحالته إلى محكمة دولية؟
ج:
أخبرتك في أجوبة سابقة عن هذا العمل الذي أعتبره من أعزّ الأعمال إلى نفسي كونه عملا فطريا مبنيا على وقائع مأساوية دامغة. وهو تجربتي الروائية الأولى. أن تؤرخ لمرحلة صعبة وغامضة وغير متبلورة، هذا يجعلك تدخل عالم السحر والفانتازيا لكي تصوغ مثل هذه المادة المقروءة. الشهيد البطل علي بن ظاهر، قديس الرفاق، أُردي قتيلا على يد صبي مغرر به من قبل قائد ذي مركز حزبي قيادي رفيع المستوى مشكوك في وضعه الجنسي بين اللواط والشهوات المنفلتة. كتبتُ هذه التفاصيل بأقل قدر من الفضيحة لكن بمستوى عال من الجرأة. وحاولت في العمل الروائي اللجوء إلى الترميز الذي لا يخفى على القارئ اللبيب.
 طالبت الحزب بشكل رسمي بكتاب إلى المكتب السياسي مؤلف من ستة عشر صفحة بخط اليد بأن تتم محاكمة المجرم الصغير الذي لم يكن سوى أداة استخدمها “القائد” لتصفية هذا الرفيق الذي وقعت عينيه على الحقيقة عن طريق الصدفة. وكنت سألوذ بالصمت لو أن الحزب سمع هذه النصيحة البسيطة والعادلة. لكنهم بدل ذلك انتصروا للقاتل وللمجرم وأهملوا القتيل. وللناس أهل وأخوة وأخوات وأمهات عظيمات. لم ينسوا القاتل وتكبدوا عنا الوصول إلى تلك الجبال النائية لكي يلموا رفات أبنهم في كيس من الخيش لكي يواروه الثرى بالقرب من ديارهم في مناطق الفرات الأوسط. بيد أن الحزب الشيوعي “العظيم” رفض الطلب البسيط اعتباره شهيدا. لم أتحمل ثقل هذه المأساة. بشكل وآخر تخيلت نفسي علي بن ظاهر وأنا أرى المشهد الواضح أمامي بعد الممات.
ظهر في ألمانيا رجل حقوقي عراقي يدرّس مادة القانون الدولي في جامعة بون، تولى القضية بعد قراءته رواية مقتل علي بن ظاهر ورفع قضية ضد المجرم. خضع الطلب للقانون الدولي وتم الإبلاغ رسميا عن كون القضايا الجرمية يُنظر إليها حسب المكان الذي تقع فيه الجرائم. والجريمة وقعت بلا مكان يخضع لقانون دولة. لذلك طويت القضية والمحاولة جارية لمطاردة المجرم الذي يقول الحزب أنه “نفّذ فيه حكم العدالة بسجنه أربعة أعوام” وأنا أشك بذلك.

س 8 ) إذا انتقلنا إلى التوظيف الفني لهذه الحالة الواقعية، أقول: إلى حد الصفحة (42) تحديدا من روايتك القصيرة هذه، كنت أقول أننا سنحصل على نص يوازي أية رواية عظيمة من روايات الواقعية السحرية في أمريكا اللاتينية، لكن بعد هذه الصفحة ضعتَ، وضعتُ، وضاعت الرواية وسارت في مسار مختلف.. ما الذي حصل؟؟ وهل أنا مخطئ؟ أرجو أن تبرر للقارئ طبيعة المخطط الذي تصوغ وقائع رواياتك على ضوئه، وخصوصا في مجال بناء النهايات؟
 ج:
رواية “مقتل علي بن ظاهر” التي كتبتها عام 1984 كأول محاولة روائية لي، كأول أطول نص نثري كتبته هي في محصلتها رواية سياسية “احتجاجية”؛ هي عبارة عن صرخة مكبوتة كانت تتفجر في روحي وتؤذيني. هي عبارة عن أحداث واقعية حقيقية مؤلمة حدثت أمام ناظري، بل وكنت أحد عناصرها الدرامية الفاعلة والمؤثرة. وقبل أن أتناول الجانب الأدبي ومقدار القيمة الفنية في هذا العمل، أود التعريج على الجانب الفكري والسياسي والقيمة المعنوية التي تمثلها تلك الرواية.
قلت في موضع ما من هذا الحوار أنني عرضت هذه الرواية قبل نشرها على أصدقاء منهم من شاركني التجربة ذاتها، أقصد تجربة الكفاح المسلح في كردستان العراق، ومنهم من هو أديب وكاتب له آراء أحترمها. كانت مجمل الآراء مرحبة وطيبة، واقعية وغير مجاملة. حيث دخلنا بأدق التفاصيل الفنية والفكرية واللغوية. من الناحية الفنية، وكأول عمل روائي كتبته، لم تُطرح آراء تعترض على جودة العمل من الناحية الفنية. ولا أزعم أن جميع  الآراء كانت تعتبرها رواية “متكاملة”، وأصعب الآراء اعتبرتها رواية من “الأدب السياسي” وهي كذلك بشكل من الأشكال. الغريب في الأمر أن معظم الآراء نصحت بتأجيل نشرها آنذاك لأسباب متباينة منها أن التجربة المسلحة في جبال كردستان لازالت مستمرة وكنت قد تنبأت في الرواية بفشلها وانهيارها، وقد حدث ذلك بعد أربعة أعوام على كتابة الرواية. ومن الآراء الأكثر غرابة وخطورة تجسد في تنبيهي من الخطر الذي ربما يتهدد حياتي في نشرها في ذلك الوقت بسبب كشف الرواية لبعض الحقائق الغامضة لحياة سرية تجري بعيدا عن الأنظار. وكنت من الثورية والتهور، تلك العناصر الطبيعية التي ترافق المراهقة السياسية كأمرٍ لامناص منه، بحيث لم آبه بمثل هذا التهديد الجدي والخطير. لكنني أحجمت أخيرا عن نشرها احتراما لمسيرة التجربة الكفاحية التي خضت بعض فصولها المأساوية. عندما تطلق صرخة مكتومة ومؤلمة من أعماق روحك فأنت لا تفكر كثيرا بكيفية خروج هذه الصرخة من أعماقك السحيقة. هل هي بكاء وعويل، هل هي نحيب، هل هي زئير، هل هي ثغاء، هل هي عواء، هل هي نباح، هل هي غناء، هل هي شتائم، هل هي نداء. هل هي كل هذه العناصر مجتمعة؟
أظن أنني كتبت العمل ضمن سياق نفسي ولغوي واحد؛ متوازن وغير مختلف أو متباين. وهذا أول رأي نقدي أسمعه منك وأحترمه أيضا؛ كون أن الرواية وبعد الصفحة الثانية والأربعين نحت الرواية منحى آخر لم تحدده في السؤال. لا أدري ذلك حقا؛ لكن يمكن لي القول أنني لم أشعر بذلك.
العمل الروائي حسب اعتقادي يبدأ عندما تنتهي الأحداث الواقعية لمادة الرواية. من هنا يجب أن تكون الفصول ذات ملامح متكاملة الأحداث ومترابطة الزمن التصاعدي ولا يمكنني، بل ربما أريد القول أنني لا أفضل صناعة النهايات وفبركتها لكي تصلح كنهاية “سعيدة” للأحداث التي تجري في الرواية. بل شكل النهاية يجب أن يكون واضحا وحاسما في تفكيري وذهني. بل ربما تعرف أنت أكثر من أي ناقد آخر أنني أبدأ بالرواية من الحدث النهائي. وهاهو البطل “علي بن ظاهر” يُغتال في الأسطر الأولى من الرواية ثم تتوالى الأحداث وشرح الملابسات المكملة لهذا الحدث المأساوي المؤلم.
س 9 ) مراهنتك على تأجيج وتفجير محتويات “صندوق الذاكرة الأسود” الذي يحاول المنفي العراقي تغييبه، وهو ما يشكل كوجيتا وجوديا هو “أنا أتذكر، إذن أنا موجود”، تعيدنا إلى الدور الاجتماعي للأدب الذي محقته تيارات ما بعد الحداثة، إلى أين تريد أن تعيدنا في هذا المجال؟ وما هو الدور الذي يترتب على أي مبدع تجاه مجتمعه خصوصا حين يتعرض للغزو والاحتلال؟ 
ج:
سيدي الكريم؛ أنت تخلط الأدب بالسياسة؛ لا اعترض على ذلك مطلقا. ما علاقة الغزو والاحتلال بـ “صندوق الذاكرة الأسود” بالنسبة لمواطن عراقي منفي عن بلده قبل ثلاثين عاما؟ مع ذلك دعني أخبرك على نحو جلي أنني مواطن عراقي حر وأصيل، وأعتز بوطني وبوطنيتي أينما حللت وفي أي مكان بت فيه ليلة أو ليلتين، سنة أو سنتين، عقد أو عقدين. الزمن يتشابه كثيرا عندما يعيش الفرد يومه وهو يقتات على الذاكرة. لكن الحياة تسير قدما وتتطور وفق أنظمة جديدة ربما لا نفهما جيدا، لذلك نحاربها بطرق خجولة، أو نتجاهلها في أحسن الأحوال. أنا أبن العراق الطيب الكبير. أبن حضارة وادي الرافدين وأحد ورثتها المخلصين، وأنا أبن الفراتين، وأبن الجنوب وأبن الديوانية وأبن بغداد. كيف لهذا الرأس المليء بكل هذا التراث وبكل هذه الحضارة وبكل هذا الطيب أن يغفل أو يتغافل عن إحلال خزينه الروحي والوجداني الثري في صلب كتاباته؟
الأدب حالة إنسانية فريدة هي أجمل وأعمق وأرقى من السياسة ومن جميع الأحزاب والمنظمات الخيرية وغير الخيرية. الأدب هو حالة الرقي الحقيقية الوحيدة للإنسان على وجه الكرة الأرضية. حتى أكبر العلماء هم من الأدباء في الأصل. والأدب حالة كونية بقدر ما هو تجربة محلية. لا وجود لأديب كوني من دون جذور محلية. فكيف إذا كانت الجذور نابعة من بلاد النهرين ومن حضارة سومر وبابل وآشور و البصرة والكوفة وبغداد؟ ذلك تراث وروح حي يسكنني أينما حللت، وفي أي  منفى وطأت، وفي أي أرض  أويت. والأدب في المحصلة موقف أخلاقي كبير يتعارض مع الشواذ والتأويلات والتبريرات غير المنطقية وغير الإنسانية بشكل مطلق.
أكره الغزاة وأكره المحتلين، واعدُ شرف وطني وأرضي من شرفي الشخصي؛ مثل شرف أمي وأخياتي وشرف زوجتي وابنتي وأبنائي. لا مجال للمساومة في هذا المجال. لا شرف حقيقي للإنسان من غير شرف الأوطان.
هذا الموقف ليس سياسيا بقدر ما هو إنساني وأخلاقي؛ كل أعمالي الروائية والقصصية وجميع مقالاتي في الشأن السياسي تدور في هذا العالم الذي أرغب فيه أن يحتل وطني وشعبي موقعه الحقيقي اللائق بين الأمم والشعوب المتحضرة.

س10 ) فنّيا أيضا: لفتت انتباهي ظاهرة انفعال المكان .. انفعال الأثاث مع انفعال شخوص النص، وهو أمر باهر أعتقد أنك ممن وظفوه باقتدار في السردية العراقية.. كم هي أهمية مواشجة انفعالات المكان بانفعالات الشخصيات؟ وكم تعوّل عليها في توصيل الاحتدام النفسي الذي يجتاحك ويجتاح شخوصك وهم قطع من روحك المعذّبة؟ 
ج:
يعتمد السرد بالدرجة الأولى على توصيف المكان وتفاصيله الصغيرة والكبيرة؛ حركة الشخصيات الروائية، وحركة النص تعتمد بدرجة أساسية على المكان الذي تدور فيه أحداث الرواية. المكان في أعمالي بشكل عام هو “المنفى”. ذلك الجمال الأخرس، الأصم، الأعمى الذي لا يمت بصلة عضوية لوجدان الفرد المنفي. فيبدو الأمر كما أنك تجلس أمام آنية ورد جميلة لكن الزهور الرائعة التي تتأملها بعاطفة صادقة مصنوعة من مادة البلاستيك الميتة. تفعيل هذه المواد “الميتة” روحيا ووجدانيا يتطلب انفعالا من طراز آخر. انفعالٌ مركب يعكس مقدار الوحشة والغربة التي تضج بها روح الفرد المنفي. أن تكتب نصا قصصيا أو روائيا بعيدا عن أرضك الأولى ومدينتك الأولى يتطلب ردما كبيرا لفجوات واسعة مجهولة وغريبة على الكاتب تجاوزها وتلافي الوقوع في دوامتها الغامضة. على الأخص عندما يتمحور العمل على شخصيات من ذلك العالم، أقصد من عالم المنفى. هذه العملية تتطلب زاوية نظر مجهرية على نحو ما، وتتطلب شراكة معقدة. وأحسن أنواع هذه الشراكة والنظرة المجهرية هي الشراكة “الانفعالية” إذا جاز التعبير. يُخال لي أحيانا أن بيت المنفي في المدن الغربية والمدن الغريبة عموما هو عبارة عن حقيبة سفر كبيرة. بمعنى إمكانية تحّول هذا البيت وهذا الأثاث وهذا الركام من الحاجات والأغراض، إمكانية تحوّل كل هذه الأشياء والأغراض إلى حقيبة مرة أخرى كما كانت عبارة عن حقيبة رافقت المنفي قبل السكن هنا. يحدث هذا الأمر أحيانا بسرعة خاطفة ومذهلة وبعيدة عن التنبؤ والتوقع. لماذا يحدث مثل هذا الأمر المربك والمحزن بكل هذه السرعة؟ الجواب غاية في البساطة: “لا وجود للجذور”. الفرد المنفي كائن “طائر” بمعنى من المعاني. موقعه في الهواء أكثر من إحساسه بالثبات على الأرض. إنه تعبير مجازي، لكنه يعّبر عن الحياة الواقعية التي يعيشها الفرد المنفي على مضض. فليس غريبا أن تجد الشخص المنفي هو عبارة عن كتلة من الألم والعذاب المتبخر كما السحب في الهواء،على الرغم من السرور العابر الذي يحدث له بين طيات الزمن. المنفى هو بئر عميق من الخواء والحرمان.

 س 11 ) هناك ظاهرة هامة ومميزة لديك، وهي إطلاق “حِكَم” وخلاصات “فلسفية” وجمالية ونفسية في نهاية مقاطع سردية في قصصك ورواياتك. سأقدم مثلا من إحدى قصصك القصيرة، وليس رواياتك التي تحفل بشواهد أكثر وأعم:
 – إن هذه الحياة ليست حياتنا، ولا نملك سوى تقليدها في أحسن الأحوال                                           – لا أعرف لماذا أتخيل الانتحار أشبه بحالة حب من طرف واحد، ربما لأنه موت من طرف واحد ..                                                                                                    – الانتحار الحقيقي عمل لا يقدم عليه سوى الرجال الشجعان ..                                                                  – الوحدة هي كنز الحرية الوحيد، الذي شقيت في جمعه طوال هذا الزمن                                         – أن يعيش الإنسان وحيدا إلى الأبد، هو نوع من أنواع العبقرية ..                                            – لو كان هناك مكان نرمي به الأشياء التي ننساها، لكان حتما أكبر من البحر .. 
هل تعتقد أن من واجب المبدع أن يكون “واعظا” أو يقدم “كوجيتات  فلسفية”؟ هل هذه خلاصات تجربة وجودية عشتها، وتريد أن تسلّح بها المتلقي رغم شعورك بالخيبة؟ ثم كيف تنسج هذه الـ “الحِكَم” من خيوط النص الأصلية بصورة تذكرنا ببروست وستندال ودستويفسكي مثلا؟
ج:
الكتابة الرصينة، المسؤولة، المؤسسة على المعرفة، من شانها أن تنتج الحِكم. لم أكن أفكر بكتابة الحِكم وأنا منهمك في عالم القص أو الروي؛ وإنما تأتي تلك الأقوال والأفكار على لسان، أو في تفكير شخصيات الأعمال نتيجة منطقية لتراكم الأحداث الجديدة وغير العادية التي تعصف بحياة أولئك الأشخاص. وبالتالي هي نتيجة لتراكم المعرفة الثقافية بشكل عام، والهموم الإنسانية بشكل خاص.
الكاتب الجاد يشبه المعّلم بشكل من الأشكال؛ إنه ينتج نصا مكتوبا يحتوي على مادة إبداعية معينة. النص المكتوب له مقدرة على التأثير في فكر ومشاعر الآخرين. يتفاوت مستوى هذا التأثير بين شخص وآخر تبعا لمستوى النص الفكري وتبعا لمستوى القارئ الثقافي. من هنا يمتلك النص المكتوب، عندما يدخل حيّز التداول، خطورته وأهميته. في النصوص الإبداعية الحقيقية يقود الكاتب قارئه نحو محطات جديدة وأفكار جديدة ومشاعر انعكاسية جديدة.
 تقود بعض الأعمال الإبداعية القارئ نحو آفاق جديدة وتفتح أبوابا كانت مغلقة إلى حين. هنا نحن أمام فسحة جديدة من الأمل. بينما تقود بعض الأعمال الإبداعية القارئ نحو التشاؤم كما في الأعمال الوجودية لبودلير وكامو والإيراني الفذ صادق هدايات وغيرهم الكثير. على نحو ما كنت أعني بفتح نوافذ جديدة من الضوء في عالم العتمة الذي يغرق فيه الكائن الغريب المنفي المحاصر بثقافة عالم جديد يختلف جذريا عن ثقافة ذلك الكائن. وحدث على سبيل التوضيح أن أتصل بي بعض القراء الذين كانوا يغرقون بهذه العتمة الثقافية بعد أن نقلتهم الأعمال الأدبية التي كتبتها إلى ضفاف أخرى اقل قسوة وأرحب فضاء. النص الجيد يفرز تلقائيا مثل هذه الأفكار ومثل هذه الحِكم التي تضع القارئ أمام حالة من التفكير والتأمل، وبالتالي محاولة استيعاب تلك الأفكار وتمثلها كما يتمثل الجسم نوع الغذاء الجيد الذي يتناوله.
س 12 ) الأمر الذي يرتبط بالحِكَم والرؤى “الفلسفية” هو ما أسميته بـ “الفسح السردية” التي برع بها دستويفسكي مثلا، والتي قمت أنت بتوظيفها بصورة رائعة، لكنك كنت مختصِرا وموجزا ولمّاحا سريعا.. هل وظفت هذه الركيزة وفق رؤية ذاتية مسبقة؟ أم تأثرا بقراءات روائية غربية سابقة؟ وكم كنت تراهن عليها في توصيل رؤاك الإبداعية؟
ج:
تطور النص الروائي كثيرا عن زمن دستويفسكي، والقارئ تطور هو الآخر كما تطور المجتمع بجميع تقنياته وأساليب عيشه. بات الوقت أكثر قصرا ولم يعد الوقت كافيا للجلوس طويلا لقراءة رواية من مئات الصفحات تقارب الألف أحيانا. وإذا أضفنا إلى ذلك التقنيات الحديثة التي يتم من خلالها تبادل المعلومات بكل هذه السرعة المذهلة، حيث نعيش حقا عصر السرعة فأن الإطالة في النص الروائي تبدو غير ضرورية إذا ما تم تعويضها بأساليب سردية جديدة. القارئ في هذا الزمن ليس هو ذاته في القرن التاسع عشر. وفرة المعلومات التقنية والثقافية جعلت من القارئ أكثر فهما وأسرع تجاوبا. بحيث تُصاغ المادة السردية على نحو أكثر اختزالا معتمدة على عنصر الإلماح والمفاجئة والمباغتة. هذا بشكل عام؛ أما عندما ندخل في حرفية النص السردي فأننا نقف أمام ضرورات وأمام محظورات تفرضها تقنيات السرد نفسها. وحين نعود للمثل العربي الذكي القائل: “خير الكلام ما قل ودل” فسوف يتحتم على الكاتب التفكير بعدم أهدار وقت القارئ من دون جدوى. وإذا كانت جملة مختزلة ومكثفة المعاني تفي بنقل الفكرة الأساسية فلم الإطالة والاستطالة عبر صفحات من الشرح والتوضيح وكأن القارئ لا يستوعب النص جيدا. أراهن دوما على مستوى القارئ الجيد والملم، ولست معنيا كثيرا بالقارئ البطران الذي يرغب أن يقدم له النص الروائي أو القصصي المادة اللذيذة السهلة كما لو أنه يتناول وجبة طعام دسمة.
“الفسح السردية” كما أسميتها حضرتك هي مساحات تأملية يفرضها سياق النص ذاته؛ وهي ضرورية بالقدر الذي يتطلبه النص. كل زيادة وأطناب يثقل كاهل النص بعدد من الصفحات في محاولة لنفخ حجم الكتاب، وهذا في نظري عديم الجدوى ولا يصب في مصلحة الكاتب ولا في مصلحة النص. ولعلك لاحظت من خلال أعمالي التي بحوزتك أنني أجنح لكتابة القصة الطويلة التي هي عبارة عن رواية قصيرة. والكثير من الأصدقاء والقراء يقولون عن هذا النوع من القصص الطويلة “هذا مشروع رواية”. كثيرا ما سمعت مثل هذه الملاحظات الذكية، لكنني أعتقد أن العصر الذي نعيشه هو عصر السرعة والاختزال. أن أكتب قصة طويلة تعّبر عن الحدث وتقدم الخلاصة النهائية من دون أن اتعب نفسي واتعب القارئ هو خير من كتابة رواية طويلة تبعث الملل عند القراءة. أعود للقول إن تقنية السرد تفرض نفسها على أدوات الكاتب. فالعمل الروائي الذي يغطي مراحل زمنية واسعة، ويتناول أكثر من جيل من الشخصيات تفرض تلك الأدوات تغطية تفاصيل الأحداث بأسلوب روائي له إيقاعه الخاص.

         س 13 ) عندما كتبتُ – أنا كناقد – عن قصتك الهامة “رسائل ميتة إلى الفردوس المفقود” شعرت فورا – ولا أعرف لماذا، رغم أن تخصصي العلمي يتيح لي فرصة التعرف -!! – أن موظف المكتبة الذي يوفّر الكتب لمستعيريها هو أنت!! .. ثم التقينا بعد فراق ثلاثين عاما تقريبا، وإذا بك تقول لي أنك تعمل في مكتبة عامة، وتعيش مفارقة موجعة تتمثل في أنك تقدّم رواياتك، للمنفيين المعذّبين الذين يطلبونها من المكتبة التي تعمل فيها في السويد، ولا يعرفون أنك المؤلف الفذ لهذه الروايات، التي يقرأونها بشغف، هنا يجب أن نتوقف عند:
أولا: تقصيرك الشخصي في تأمين منافذ دعائية لذاتك الإبداعية، وهو حق مشروع؟
ثانيا: هل طيبة وخجل المبدع العراقي كما يقول المبدع “أحمد خلف” هي التي ضيعت فرص انتشاره الإبداعية عربيا، لأن هناك دولا تعرف كيف تصنع نجومها؟
ج:
عندما يُتيح الزمن المجحف، أو الكريم، حسب الظروف، أن تلقى كتبي ناقدا جادا يتمتع بالحياد والوعي والثقافة الواسعة، أو حتى قارئ جيد، يفهم الرسالة التي رغبت بإيصالها له، فأنني أكتفي بهذا القدر من المكافأة المتزنة والصادقة. أعتقد أنك تقصد “أضواء الشهرة”، ذلك أمر آخر مخالف تماما لمستوى الإبداع الحقيقي. ربما لم أحقق الشهرة الكبيرة وتسليط الأضواء على شخصي وعلى مؤلفاتي. أنا على يقين كامل أن الأدب الحقيقي يجد طريقه الشرعي في الوجود طالما كان أدبا مفيدا ويستحق القراءة. لازلت أعتبر نفسي تحت هذا الاختبار الصعب والذي لا تظهر نتائجه، كما الأدب المكتوب نفسه إلا بعد مرور فترة كافية من الزمن. الأضواء غالبا ما تُسلط على الغوغاء. الأدب الرصين ينأى بعيدا عن جذب الأضواء وكسب الشهرة الإعلامية المجانية. يموت الكتاب الجادون ويظهر للعيان كم كانت أعمالهم تستحق التقدير والاحترام. من الجيد والمنصف أن يتم اكتشاف قيمة الكاتب وقيمة ما ينتجه في خضّم العملية الحياتية والحيوية الموضوعية التي ترافق صدور كتب وأعمال هذا الكاتب أو ذاك. تلك هي المعادلة الصحيحة في العمل وفي الحياة. لكن في المخاض الأدبي يختلف الأمر عندما لا تتدخل عناصر غريبة أخرى. أصبح لدينا أحزاب ودول ومؤسسات تّخرج كتاب وفنانين ومطربين وتضعهم في مصاف النجوم. هوليود صنعت الكثير من الممثلين والفنانين المزيفين ووضعتهم في موضع النجوم. لكن هذا الأمر لا ينطلي على الناس. سيعرف الناس بعد حين مقدار الزيف والرخص والكذب في هذه الأعمال. بينما تبقى الأسماء والنجوم الحقيقية خالدة إلى الأبد.
أقول لك بصراحة وبساطة أن أضواء الشهرة لا تهم سلوكي الطبيعي في الحياة لا من بعيد ولا من قريب. في المحصلة الوجدانية أنا لا اكتب لكي أصبح شهيرا، بل أكتب لكي أكون حقيقيا وصادقا. حظيت ببعض أجواء الشهرة لكنها لم تسل لعابي كجائع على مائدة عامرة. أنا كتبت الكتب وتعبت عليها وضحيت بأجمل أوقات حياتي من اجل صدورها ونشرها ووضعها بين أيدي القراء. انتهت مهمتي عند هذا الحد، والباقي يعود للزمن. أرثي للكتاب الذين يستجدون الشهرة المجانية. يكفي أنك جالس معي وتسألني وتحترم نصوصي ورؤيتي الأدبية، وإلا لما جمعني الزمان بناقد جدير بالثقة مثلك. الأدب الحقيقي يصل إلى القارئ ويصل إلى الناس إن لم اليوم فغدا.
أما في ما يتعلق بالخجل العراقي من الشهرة فتلك حالة لا أؤمن بها كثيرا؛ أنا على دراية واقعية بما يمكن أن تفعله الأحزاب السلطوية والمؤسسات الرسمية الفاشلة إلا من رأس المال الخيالي عندما يتم تكليفها بصناعة أديب ما لا يبخل بكيل المديح الفج للطغاة. وأنا على دراية جيدة كيف تبحث هذه الأحزاب والمؤسسات الرسمية عن جثث أدبية ميتة لكي تتاجر بها. الأمر معلوم ومفهوم إليك وللكثير من الناس. شعراء تافهون وأدباء ملفقون تبؤوا الصدارة في وسائل الإعلام لكن الكثير من الناس تعرف مقدار قيمتهم الأدبية والإبداعية الحقيقية، أقصد بالتحديد قيمتهم المزيفة. إنهم عبارة عن أبواق وطبول فارغة لا قيمة حقيقية لديهم، لا نصوص ولا كتب ولا منجز لديهم. هم مجرد يافطات مكتوبة بخط عريض تزول ويكنسها الكناسون بعد زوال الظروف التي جاءت بهم ليحل محلهم آخرون جدد. الأديب الأصيل لا يقبل كتابة اسمه على هذه اليافطات العريضة الزائلة. إنه يحفر أسمه على صخر الواقع القاسي، وفي ذاكرة القارئ. إنه يكتب حروف أسمه بالوجع والألم والمعاناة التي هي أثمن من الذهب الخالص.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حوار بين الأديبين عبد الله المتقي وحسن سالمي .

بداية ماذا تقول عن حسن سالمي ساردا تونسيّا؟     قبل كلّ شيء أقدّم لك جزيل شكري …

| عباس محمد عمارة : حوار مع الشاعرة الجزائرية الدكتورة  عفراء قمير طالبي .

 شاعرة جزائرية، تكتب قصيدة النثر و الهايكو. أستاذة بمدرسة الفنون الجميلة، دكتوراه في الفلسفة ٠ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.