تابعنا على فيسبوك وتويتر

 

marwan yasin 8آدم هي الشخصية المحورية في رواية(قطار على قضبان عارية)للمؤلف كريم عبدالله الصادرة في بيروت عام 2016 ،وكأن الأسم هنا(آدم) كناية عن الانسان بعد ان يختار مساره الذاتي في الحياة بعيدا عن خيارات السلطة بمفهومها المطلق(المجتمعي والسياسي والديني)ليواجه نتيجة موقفه هذا تحديات وصعوبات تستهدف كينونته الانسانية،وربما تشويهه وتدميره كما هوالحال في الصورة الاخرى المقابلة له مجسدة في شخصية(ديمتري جواد عبد الرضا)التي تتناصف معه المبنى الحكائي،وليشكل الاثنان وجهان لحقيقة واحدة .

ينفتح المبنى الحكائي خلال الرحلة التي يقطع فيها القطار المتجه من الموصل الى بغداد مسافة 400 كم بزمن لايقل عن عشر ساعات ليكشف لنا مبناه الدلالي ما يستتر خلف سطح الاحداث،وللوهلة الاولى يبدو مرتبطا بما تعكسه الحالة السياسية على اوضاع ومصائر الناس خلال الفترة التي حكم فيها حزب البعث العراق منذ مطلع سبعينات القرن الماضي وصولا الى الحرب العراقية الايرانية،إلا أن دلالات المبنى تذهب الى ابعد من ذلك حيث تصدى المؤلف لموضوعات تحتل درجة عالية من الحساسية لدى الوعي الجمعي الى الحد الذي ليس ممكنا ولامسموحا الاقتراب منها ومناقشتها ومحاولة تفكيكها مثل مسألة الخَلقْ والكون والاديان والانبياء والذات الالهية والجنس.
الفضاء الحكائي
تخرّجَ آدم حديثا من الكلية باختصاص علم النفس،ليساق الى الخدمة العسكرية ايام الحرب العراقية الايرانية(1980 – 1988)،فتبدأ احداث الرواية عندما يصل آدم الى محطة قطار الموصل ويجلس في صالة الانتظار الى ان يحين الوقت فيُسمح للمسافرين الصعود الى عربات القطار المتجه الى بغداد حيث يروم الالتحاق بوحدته العسكرية(وحدة الطب النفسي التابعة لمستشفى الرشيد العسكري).
داخل صالة الانتظار يستعرض لنا المؤلف من وجهة نظر(آدم)السارد للاحداث تفاصيل مايجري في الصالة ويرسم لنا اطارا عاما لشخصيات الرواية قبل ان نلتقي بها فيما بعد،وعن قرب داخل عربة القطار،وكأن مايصفه لنا يتم عبر عدسة كامرة سينمائية،وهذا بطبيعة الحال يعود الى خبرة المؤلف الطويلة في مجال الكتابة الدرامية للتلفزيون والسينما حيث انتجت له شركات الانتاج في لبنان ودبي والعراق عدد من السيناريوهات، ومن هنا كان تأثير الكتابة الدرامية واضحا في البنية المشهدية لكثير من الاحداث اضافة الى اهتمامه برصد ردود افعال الشخصيات كما لو انها تقف امام عدسة الكامرة،وهذا يبدو واضحا من الأسطر الاولى التي افتتح بها روايته :” تناثرت قطرات المطر بدون خجل،والرصيف يستجدي المارة،بينما غابة الإسفلت تعج بالسيارات التي كانت تقف لتلفظ راكبيها المسرعين نحو بوابة محطة القطار،علّهم يلحقون بما يخشون أن يفوتهم ،بينما صاحب النظارات السميكة يصرخ من خلف كابينته داخل صالة الانتظار: – ليلتزم الجميع بالصف وإلاّ سوف اغلق الباب ولتذهبوا جميعكم للجحيم ! النظام النظام ياهمج ! ” . kh karim abdulla mohammad
الصدفة وحدها تجمع آدم مع رجل دميم الخلقة(ديمتري جواد عبد الرضا) داخل القطار وفي غرفة منام واحدة تتسع لشخصين فقط .لم يكن آدم في بداية الرحلة قادرا على ان ينظر الى وجهه المليء بالدمامل التي تنزف دما،فحاول ان يفتعل الاسباب لكي يغادر الغرفة بين فترة واخرى ليبتعد عن وجهه البشع .
ديمتري:” اعرف مايدور في مخيلتك..لقد صُدمتَ حين شاهدتني أدخلُ عليك كالقضاء والقدر إلى هذه الغرفة،وحاولتَ الهروب من مواجهتي،تارة بالانشغال في قراءة المجلة وتارة بترك الغرفة لوقت طويل ..ولكن يبدو أنّ قدرك جرّكَ إلى حتمية مواجهته كما هو”.
إلاّ انَّ مسار العلاقة اخذ منحى آخر بعد أنْ اكتشف آدم ما تحمله شخصية ديمتري من ذكاء وثقافة وقدرة على الجدل في مسائل فكرية معقدة التقى الاثنان عندها،كما تختفي وراء هذا الوجه القبيح قصة تعكس جانبا من محنة الانسان في العراق عندما يختار التفكير والعمل خارج اطار ماتفكر به السلطة ليجد نفسه محاصرا ومطاردا وربما مقتولا كما حصل لوالد ديمتري الذي كان شيوعيا فلجأ الى الاتحاد السوفيتي ــ ايام كان الاتحاد قائما ــ هربا من ملاحقة السلطة له،فتزوج من شابة روسية انجبت له ابنة جميلة وولدا بشع الوجه(ديمتري)وتشاء الاقدار ان يُعدَم والد ديمتري من قبل السلطة في العراق بعد عودته لتصفية املاك العائلة،بينما ارملته تغادر البيت تاركة ولديها لتتزوج من شخص اخر،وليبقى ديمتري في بلدة (تومسك)الروسية وحيدا منبوذا يعيش في اسوأ الامكنة بسبب قبح منظره من بعد ان تزوجت شقيقته:”لم يقبلوني في اي مكان للعمل سوى قاعة غسل الموتى “.
فضاءالمكان
تشكل عربة القطار بعدا مكانيا محوريا لرحلة المؤلف مع الشخصية الرئيسة وبقية الشخصيات الاخرى التي تبقى دون ان تغادر عربة القطار الى ان تصل الرحلة مبتغاها،ولو تأملنا الدوافع التي اتت بكل الشخصيات الى هذه الرحلة لتوصلنا الى ان جميعها كانت محكومة بقوى قاهرة ارغمتهم جميعا على ان يكونوا معا في هذا المكان ،فكانوا اشبه بمجموعة منفيين الى لحظة زمنية لاإرادة لهم فيها .
ينطلق المؤلف في رحلته السردية مع شخصياته،من لحظة آنيّة عابرة ــ تشكل الحرب خلفيتها البعيدة ــ الى ماهو ابعد منها بكثير،لتكون رحلة القطار الطويلة مرتكزا مكانيا يخلق من خلاله حافزا مجازيا للكشف عن ماضي وحاضر شخصيات غريبة عن بعضها البعض جمعها في مكان واحد(عاهرة كبيرة في السن تبحث عن طريدة،جنود صغار مساقون الى جبهات القتال،طلبة جامعيون في رحلة الى بغداد،استاذ علم نفس يعجز عن ايجاد حلول لما يواجهه من مشاغبات داخل العربة مصدرها جنود صغار ،باحثون عن متعة رخيصة عابرة يجدونها بكل سهولة مع العاهرة في عربات القطار).
شكَّل خيار تبئير المكان في(عربةالقطار) كيانا مزدوجا(داخليا وخارجيا) كان الهدف منه(داخليا)الكشف عن مايحصل من تحولات للشخصيات ضمن اطار مكاني محدد بما يفرضه من اشتراطات تفرض عليهم البوح والحديث في محاولة منهم للقضاء على الوقت الطويل،وخارجيا جاء التبئير المكاني حاملا علامات واقع خارجي تم التعبير عنه مجازيا بكل تداخلاته وتقاطعاته،وقد انعكس ذلك بالقصص والحكايات التي استدعتها ذاكرة الشخصية الرئيسة.
تقنية الرحلة عبر القطار إرتكز عليها المؤلف في سبيل ان يمنح مخيلته فرصة المغامرة داخل مغاور البقع المظلمة والخفية التي عادة ما تخفيها الذات الواعية للانسان خلف طبقات اللاوعي نتيجة ماتعرض له من قمع وقهر لرغباته،وعبر هذه التقنية(الرحلة) كشف الحقيقة الداخلية لشخصياته ،وهذا يتطابق مع وظيفة الشخصية المحورية(آدم)باعتباره باحثا نفسيا، وكلما كانت عجلات القطار تتوغل في العمق قاطعة المسافة الطويلة مابين مدينة الموصل وبغداد،تكون رحلة المؤلف في اعماق شخصياته قد وصلت الى مالم يكن ممكنا الوصول اليه خارج الرحلة،ولينكشف امامها وامامنا ماكان قد ارتحل منها بعيدا جدا في اقاصي الذاكرة واللاوعي.
بمعنى آخر،الرحلة لاتأخذ بعدها الواقعي بما حفلت من تفاصيل واحداث وقعت اثناء سير القطار،بقدر ما تأخذ دلالتها الرمزية من احداث وقعت خارجها وخارج زمنها،بحثاً عن ذات ضائعة في سفر الحياة العراقية التراجيدي .
فضاء الزمن
لاشك ان التعامل مع الزمن هنا يكتسب خصوصيته على اعتبار انه يتشكل من خلال علاقته مع وحدة المكان/العربة ،هذا اضافة الى كونه محركا للاحداث داخل المكان ذاته بصيغته الآنية،بنفس الوقت باعتباره وعاء يتم فيه الانتقال الى امكنة اخرى بعيدا عن صورته الآنية،وهذا ما يتم في عملية الاستذكار والاستدعاء من قبل الشخصيتان المحوريتان(آدم+ ديمتروف).
يأتي التعامل مع وحدة الزمن في هذه الرواية في سياق علاقة ارتدادية تعود بالقارىء الى الخلف بين فترة واخرى وعبر صيغة(ضمير المتكلم) للشخصية الرئيسة الساردة للاحداث(آدم) عندما يستعيد ما مرت عليه من ذكريات وتفاصيل ايام الطفولة والشباب والكلية .
نسق اللهجة المحلية
اما في ما يتعلق باستعماله اللهجة العراقية المحلية في بناء الحوارمابين الشخصيات الثانوية،خاصة تلك الالفاظ الجنسية المتداولة في الحياة اليومية بشكل شائع ومن غير ان يخضعها لعملية انتخاب اوتنقية اوتصفية،فقد سعى من وراء ذلك على مايبدو الى عملية تمثيل الخصائص المحلية للبيئة بما تفرزه من نسق لغوي خاص بها،وسيكون من الصعب استبداله بنسق لغوي اخر قائم على استعمال المفردة الفصحى،كما عمق اسلوبه هذا من التعبير عن طبيعة الشخصيات ورسم معالم حضورها الانساني بلغتها الخاصة بما فرضته عليها البيئة وجغرافيتها من معايير جمالية تعكس موروثاتها وماتتخصب به المفردة من روافد تصلها من الحياة بصورتها الفطرية والعفوية ،وكان لتلك المفردات المحلية بماتتركه من صدمة في الوعي الاخلاقي المحافظ حضور يلتقي ويتداخل في صلب قصدية المؤلف القائمة على مواجهة قسوة الواقع وحياءه الزائف بنفس قسوته وخشونته ومن هنا جاءت عبارة (للكبار فقط )التي كتبها واضحة على الغلاف الاول للرواية ،وكان من الافضل ان يستغني عنها لان في ذلك سيكون انسجاما مع تطلعه الى احداث صدمة في وعي وذائقة القارىء.


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"