الرئيسية » ملفات » باسم عبد الحميد حمودي : حسين مردان.. ذاكرة جيل مضى (ملف/2)

باسم عبد الحميد حمودي : حسين مردان.. ذاكرة جيل مضى (ملف/2)

basim hammodiإشارة :
في العراق، وعبر مجموعته الصادمة قصائد عارية-1949 ، أكمل الشاعر الكبير حسين مردان ثورة الجسد “الحداثوية” التي بدأها نزار قباني في سوريا، ولم تُدرك قيمة ما أنجزه “النهضوية” مثلما لم تُقيّم بصورة صحيحة ريادته لقصيدة النثر في الأدب العربي (سمّاها نثر مركز؛ حين “يتركّز” النثر يصبح شعرا) حيث أصدر 6 مجموعات منذ عام 1951 قبل أن يُصدر الماغوط مجموعته الأولى عام 1956. أما في النقد فقد كانت اسلوبيته “ثورة” تختلف عن أساليب كتابة كل النقّاد الذين سبقوه وعاصروه وجاءوا بعده حتى يومنا هذا. كم هو الظلم الذي وقع “من ذوي القربى” على منجز مردان؟ تدعو اسرة موقع الناقد العراقي الأحبّة الكتّاب والقرّاء إلى إغناء ملفها عن الراحل الكبير بالمقالات والصور والوثائق.

المقالة :
غادرنا الشاعر حسين مردان في الرابع من تشرين الاول 1972 وقد نشرت هذه الدراسة في عدد مجلة (الاجيال) الفصلي الرابع لعام 1973 جامعة بين سيرة حياة الشاعر وادبه وطبعت في كتيب في العام نفسه.

الصبي
لم يفصح حسين مردان كثيراً عن فترة العقدين الاولين من حياته الا ان المعروف انه ولد عام 1927 وقضى فترة صباه ومراهقته في بعقوبة نتيجة انتقال والده اليها من الحلة،مسقط رأس الشاعر.
عاش حسين مع والده عريف الشرطة علي مردان ووالدته مع شقيقاته عيشة ضنكة وضيق مادي، ونشأ متمرداً على واقعه محاولاَ الانتفاض عليه.
وقد كانت مؤشرات نموه الفكري الاولى تتمثل في ثلاثة عوامل رئيسة، اولها صفاء جو بعقوبة ورعاية ملاكيها لبساتينهم وعمق الهوة الطبقية بينه وبينهم، فصفت مشاعره وتوترت بفعل ذلك الجو، وثانيها اتجاهه منذ صباه للقراءة الجادة المستمرة وثالثاً قسوة الظروف المعيشية التي عاشها في صباه وفتوته.
ترك حسين مردان المدرسة دون ان يكمل الثانوية لانكبابه على المطالعة وعدم رغبته في الدروس الاكاديمية، وقضى فترة مراهقة صعبة ملآها بدواوين الشعر والقصص والتجوال في ريف بعقوبة القريب ومقاهيها الفقيرة.
ولسنا نعلم على وجه التأكيد متى بدا حسين مردان يكتب الشعر ولكننا نعلم ان جماعة من اسرة «الوقت الضائع»، قد اتجهت في 1946 الى بعقوبة بحثاً عن شاعرنا الذي عرف ببغداد دون ان يصل اليها الا قليلاً، وان هذه الجماعة قد تالفت من القاص الرسام نزار سليم والقاص عدنان رؤوف والقاص عبد الملك نوري.
وقد كان هدف هؤلاء قضاء وقت ممتع في يوم عطلة والتعرف على الشاعر، وقد كان حسين كريما في لقائه لهم فقد جلب لهم زجاجة من الخمر وجلسوا جميعاً في احد بساتين بعقوبة ليتحدثوا عن الشعر والرسم والقصة وليأكلوا ما حان وقت الساعة.
وفغر مردان فاه متعجباً من ثقافتهم وسعة معلوماتهم واتصالاتهم بالرسامين البولنديين وحديثهم عن جواد سليم وايقن عندما ودعهم ان مكانه في بغداد هو الذي سيجعل له شأنا كبيراً وان انزواءه ببعقوبة غير مجد اطلاقاً.hussein mardan 8

الى بغداد
ولم تمض الا أشهر حتى كان حسين قد وصل الى مقهى العراق وهو واحد من مراكز جماعة الوقت الضائع، لا شيء يحمله معه الا دراهم قليلة وكيساً فيه ملابسه الزائدة البسيطة. ورحب به هناك بقية الجماعة.. بلند الحيدري وجميل حمودي وضيفوه في الغرفة البائسة التي تقع فوق المقهى حيث سكن فيها مجاناً الى ان انتهت لقاءات جماعة الوقت الضائع بفعل خوف اعضائها من السلطة التي بدات ترقبهم بعين قلقة رغم عدم تشكيل تمردهم على الحياة الاعتيادية هذا أي ضرر مباشر لها.
ولم تكن هذه الزيارة لبغداد اولى زيارات حسين فقد زارها وهو جندي يؤدي الخدمة العسكرية بسيارة من سيارات الجيش وزارها ليذهب الى السينما ويبيت في حديقة غازي التي رحبت به مراراً بعد ذلك بعد ان وصل في عربة تجرها الخيل، متعباً لساعات طويلة.

قمة الجبل
وكان حسين قد بلغ العشرين من عمره عندما استقر ببغداد وكان ذلك عام 1947، ايام جوع بغداد وضيق اهلها بسياسة العسف التي مارستها زمرة نوري السعيد –صالح جبر لامرار معاهدة بورت سموث.
ويتحدث حسين عن اسباب مجيئه لبغداد باسلوبه المكثف الاخاذ غافلاً جملة من الحقائق التي لم ير ضرورة لذكرها فيقول «فجأة قررت هجر المدرسة والمجيء الى بغداد.. كنت حينذاك في العشرين من عمري، كتلة نار وسيوف.. وتلقفني شارع الرشيد.. الفساتين الملونة والزجاج.. وقلت لنفسي.. من هذا الرصيف الرمادي ستبدأ مسيرتي الصعبة نحو قمة الجبل.. وكانت الدهشة تشدني من كل جانب حتى وصلت مقهى الزهاوي حيث يجلس محمد هادي الدفتري وخضر الطائي وعبد الرحمن البناء».
والواقع ان وجوده الى جانب هؤلاء العموديين المختلفين عنه تفكيراً واسلوباً شعرياً والبعيدين عن جماعته الذين يرتادون مقهى العراق كان فترة موقوتة، فقد كانوا يعاملونه كظاهرة غريبة طريفة ليس الا.
وعلى ذلك فهو يقول «كان حماسي الجهنمي وولعي الشديد بالمناقشة والجدل، وافكاري المتطرفة في الشعر والادب قد وضعتني تدريجياً في المكان اللائق بين اصدقائي الجدد..» لذا فهو لا يمكث مع هؤلاء طويلاً وانما ينتقل مع رشيد ياسين وبلند الحيدري وزهير احمد القيسي الى مقهى البلدية بتأييد واسع يومي من ادباء وشعراء الكليات انذاك ومن هؤلاء بدر شاكر السياب وعبد الرزاق عبد الواحد واكرم الوتري وبرعاية دائمة لروح التجديد في الشعر الذي يتبناه هؤلاء ولا يلقون سوى تشجيع متردد من جانب العموديين الاكثر يساراً المتمثلين برواد مقهى حسن العجمي امثال عبد القادر البراك- الصحفي وجلال الحنفي –الباحث- وكمال الجبوري- الشاعر.. ومحمد مهدي الجواهري الذي يلتقى مجلسياً بجماعته ولكنه غير مستعد انذاك لقبول قصيدة شعرية حرة.
وكان بدر السياب وعبد الوهاب البياتي وبلند الحيدري ونازك الملائكة قد اصدروا في عام 1948 دواوينهم الاولى «ازهار ذابلة» و»ملائكة وشياطين» و»خفقة الطين» و»شظايا ورماد» وقد حملت روح التجديد وان حافظت على عمودية الكثير من القصائد.kh hussein mardan 3

قصائد عارية
وبدا حسين مردان يشتغل بالصحافة انذاك، مصححاً ومخبراً ومحرراً ادبياً واستطاع في عام 1949 ان يصدر ديوانه الاول «قصائد عارية» مخترقاً تيار التجديد الشكلي الى تيار اشد ضراوة واكثر سخونة واندفاعاً واستفزازاً للعواطف متأثراً ببودلير والياس ابي شبكة محاولاً تطويق الجميع بالعاصفة التي احدثها صدور الديوان الذي حوى حتى قصائد حب شاذة لا تاتلف والجو العام، سياسياً ومناقبياً.
وقد اكد حسين مردان بعد ذلك بسنوات ان هدف الديوان لم يكن التأكيد على بودليريته بقدر ما كان عملية تقدير لجسد الانسان وحواسه كمعنى فلسفي مبرر للديوان، وان الهدف الحقيقي لم يكن كذلك تماماً انما هو عملية سحب البساط من تحت اقدام المجددين والمحافظين.
وقد نجح مردان في اثارة الصحافة المحافظة وقدمته الحكومة الى المحاكمة بتهمة محاولة افساد افكار الشباب الا ان المحكمة برأته من هذه التهمة واخلت سبيله بعد استشارة ادبية لعدد من الادباء والشعراء.
ويبدو ان الشاعر لم يكن ليحصل على لقمة يومه بسهولة بسبب من اضطهاد السلطة انذاك للصحافة الحرة وتعذر استمرار صحيفة يومية لا تعتمد على اعلانات الحكومة، فتبطل وتشرد مراراً.
وكما كان حسين مردان متشرداً يعيش يومه بصمونة سوداء وكاس شربت، كان عبد القادر البراك صحفياًً متشرداً يبحث عن صحيفة نظيفة ليستطيع الكتابة فيها والعيش من عمله فيها لذا فان الارتباط الحياتي بينهما واضح تماماً قبل ان تتوزع بينهما سبل الحياة فيما بعد.

الجواهري
وكان الجواهري على عموديته شاعراً ثورياً يلف حوله الشباب عبر تاريخ حياته الوطني المعارض وقصائده المحركة للجماهير، وقد حاول ان يشمل مردانا برعايته ومساعدته ايام المحاكمة لكن الشاعر يرفض ذلك ويقول:
جاءني القاص عبد الرزاق الشيخ علي واخبرني ان الجواهري يريد رؤيتي ويدعوني الى زيارته… ولكن رفضت الذهاب وقلت له: ليأت الجواهري الي في المقهى.. ويبدو ان ابا فرات كان يفهم مدى الغرور الذي يحمله الشعراء الشباب!! فاستعان بديمقراطيته وحضر الى مقهى الرشيد حيث كان مقري الدائم انذاك.. وقد نهضنا لاستقباله بما يليق به باعتباره الوريث الشرعي لكل ابداعات التراث الشعري منذ العصر الجاهلي الى يومنا هذا.
وبعد حديث قصير اظهر الجواهري اسفه لمصادرة ديواني ومحاكمتي وعرض على مساعدته، واظن انه تحدث مع الحاكم الذي احيلت اوراق الدعوى اليه.
ويقول مردان بعد ذلك:»وعلى الرغم من عدم ايماني بعبقرية الجواهري بصورة مطلقة فقد ظل يعاملني بمودة خاصة، وحتى عندما هاجمته بسلسلة من المقالات النقدية حول قصيدته «اللاجئة في العيد» لم اسمع منه كلمة واحدة تنم عن الكره».
وهنا يجب ان نحلل ثلاث مسائل، موقف مردان من الجواهري وموقف الجواهري من مردان، وموقف السلطة من ديوان مردان.
اما المسالة الاولى فان موقف مردان المتحفظ من الجواهري، قد اتى من نرجسية مردان وشبابه وغروره كما يعترف هو، فهو يخشى ان ينضوي تحت راية الجواهري ويحظى برعايته لان الجواهري اساساً بحاجة –انذاك- للرعاية ثم ان يختلف عنه شكلاً كشاعر عمودي بارز، ثم ان مردان اكثر التصاقاً بالتجديد وابعد تماماً عن المحافظة.اما الجواهري فقد كان طبيعياً جداً في ممارسة دوره كرائد للشعر العربي يشعر بان عليه ان يرعى البراعم الناشئة حتى وان اختلف معها، بالاضافة الى كونه رجلاً معارضاًَ يبحث عن الحرية بمفهومها العام وما حرية الفكر –وان شذ- الا جزء من جو الحرية العامة الذي ينشده الجواهري، ثم انه يحاول داخلياً- ان يوجد لنفسه صدى طيباً لدى شعراء الشباب يمكنه من المحافظة على موقعه امامهم ولا يجعلهم اقلاماً تهاجم شعره بعنف كما فعل حسين مردان بعد ذلك.
اما موقف السلطة فمسألة تتجاوز رغبة الجواهري في المساعدة وغرور مردان، لقد برأت السلطة مردان من تهمة أفساد افكار الشباب لانها لم تر في مردان خطراً مباشراً على اجهزتها ولا على سياستها الرجعية العميلة للاستعمار.

المتشرد الدائم
وما ان انتهت ازمة الديوان حتى مارس حسين والشباب الآخرون ابسط حقوقهم وارادتهم في التغيير فغيروا مكان جلوسهم من مقهى الرشيد –البرلمان- الى مقهى الدفاع- المقابلة انذاك لوزارة الدفاع- ليلتحق بهم عدد من المثقفين والكتاب منهم الكاتب المسرحي صفاء مصطفى وكمال القيسي والممثل يحيى فائق والقاص غائب طعمة فرمان والصحفي مصطفى الفكيكي والكاتب عبد المجيد الونداوي.
كانوا يلتقون في صحيفة الاهالي صباحاً، وعصراً في مقهى الدفاع، وليلاً في مشرب بلقيس- ومن هذه الاجواء بالذات ولدت الشخصيات الحقيقية لرواية خمسة اصوات- لغائب طعمة فرمان.
وكان جميع هؤلاء يقاسم مردان ما في جيبه ويعيره كتاباً ويحاول ان يوجد له مسكناً يبعده عن تشرده ويشاركه في علبة الدخان ويدعوه اذا كان في الامر الى وليمة طعام او شراب.kh ghaeb 9

خمسة اصوات
ان هذه الرواية التي كتبها غائب طعمة فرمان تتعرض لتفاصيل دقيقة من حياة مردان في فترة النصف الاول من الخمسينيات.
وقد كان سعيد –فرمان- وعبد المجيد الونداوي يشتغلان في جريدة –الاهالي- ومردان –شريف- عاطل يسكن غرفة في سطح مقر الجريدة.. وقد يشتغل احياناً.
واحداث الرواية تتناول هذه الفترة حتى غلق الجريدة عام 1955 كجزء من سياسة سعيدية استعمارية عامة للتمهيد لاعلان الحلف التركي الباكستاني العراقي الممهد لحلف بغداد.
كان سعيد وعبد الخالق وشريف يلتقون مع بقية الخمسة، حميد وابراهيم، في مشرب بلقيس، يتحدثون ويشربون محاولين تغيير نوعية الحياة الجياشة الداخل، الرتيبة الخارج خلال كؤوسهم وثرثراتهم البرجوازية.
وكان حسين مردان –شريف- متميزاً عن سائر الخمسة بسوء الحال المادية وكبر الادعاء، ومناقشة من هذا النوع ليست غريبة دائماً على هذه الصفوة من رواد مقهى الدفاع ومشرب بلقيس:قال عبد الخالق عن سعيد: هو مشهور بما فيه الكفاية –الذي اكل المزة شخص من المعجبين بشعر شريف، جاء وسقط على صحون المزة محركاً فمه بكلمة اعجاب وسط عشرات الحبات من الباقلاء.
قال شريف: شخص تافه يتمسح باذيالي، يريد ان اعلمه الشعر، ضحك ابراهيم منتشياً وقال عبد الخالق في تذمر:
-يجب ان تعلم نفسك اولاً.
قال شريف: لست بحاجة الى تعليم.
فثار عبد الخالق وقال: هذا من فساد الدماغ، اكبر الفلاسفة لا يقول ذلك.
شمر شريف يده وقال غاضباً: بابا انت تقرأ اكثر مني؟ -عاينوا- قال عبد الخالق يشهد الناس – لم يقرأ الا كتابين من الكتاب السطحيين ويتباهى، من انت لتتباهى؟
قال شريف مزهواً: انا بودلير العصر.
ضحك الثلاثة ومسح عبد الخالق الامتعاض من نفسه بجرعة من العرق.
مثل هذا الادعاء من حسين مردان كان رد فعل لحياة الفاقة والتشرد التي عاشها فترة طويلة من عمره فهو يقول مبرراً اختلافه عن الاخرين من حيث التزامهم بقضية الجماهير، والتزامه وتأطير صورته الادبية بمسألتين رئيسيتين، النثر المركز، وابيقورية الوصف الناتجة عن الاعجاب الدائم ببودلير في ازهار شره الذي ولد في قصائد عارية فيقول:-
لقد وجدت نفسي في وضع شاذ وغريب بالنسبة للاتجاه العام، وهنا قررت ان اتخذ موقفي الخاص، وكانت قراءاتي وثقافتي تتنوع يوماً بعد اخر، واكتشفت اني ادور حول نواة واحدة واني اربط وجودي كله بوتر واحد، بعيداً عن العوالم الاخرى من الحياة، فاتجهت شيئاً فشيئاً الى الناس، اعبر عن مشاعري الفردية عن طريق الاخرين، وهكذا ولد شعري.
ويلتقي صدفة بوالده ويجلسان في مقهى ويبدأ الوالد، عريف شرطة السكك ذو العقلية العملية باغرائه بالعودة الى بعقوبة فيناقشه حسين.
-كم سنة قضيت انت في الشرطة؟
-هذي السنة العاشرة
-ومتى اصبحت نائب عريف؟
-قبل ثلاث سنوات
-بعد سبع سنوات من الخدمة الممتازة، بينما ابنك شاعر ثائر ليس من اولئك الشعراء الذين يقدمون للقراء اطباقاً جاهزة منقوله وصفاتها من أي كتاب.. ابنك ثائر.
-على من ثائر؟ على الحكومة؟ لا تورطني
-انا ثائر على جيل كامل
-ساله الاب بسذاجة: منو جيل كامل؟ متصرف؟ وزير –اهوه – هز شريف ذراعه- جيل، يعني ناسا خلقا يعني مفاهيم، يعني تصورات خاطئة، صيغا بالية، عموداً شعرياً.وتنتهي المناقشة بلا جدوى ويعود والده الى بعقوبة لينقل لام حسين المريضة اراء ابنها الغريبة وثورته الدائمة، غير المفهومة للوالدين، على كل شيء.
الصمودويعود مردان الى مسكنه الصيفي على سطح الجريدة ليغسل بنطاله ويظل عارياً ينتظر جفافه ليذهب الى صبرية –أمراة الميدان- ليحدثها صباحاً- اذ ليس هناك من شغل لديها ذلك الوقت- عن شهريار وشهرزاد وفولكنر وباريس وروما وهونولولو، وهي مبهورة بحديثه الساحر هذا.وحكت له عن –سقوطها- بالم وصراحة ثم سالته:
-شلون صرت شاعر؟
-اتريدين ان تقولي كيف سقطت؟ ثم بدا يشرح لها بعد الحال والغباء والرياء والوصولية عنه ولكنهم اولاد الحياة التي اغدقت عليهم كل شيء بينما تركته وهو ابنها قائلة –يا شريف- اذهب الى الجوع والتشرد انا اكرهك فاقول لها: انت التي ولدتني بينما ولدت اولادك وبناتك الاخريات فكانت تقول: اخطأت ادم عليه السلام اخطأ فكيف لا اخطئ انا، ولما يئست من عطفها صممت على ان اكون شاعراً وانتقم منها.
ولم يكن حسين مردان يكره الحياة بل كان يحبها ويخشى الموت دائماً، الا انه كان لا يؤمن بالرتابة والاعتيادية والجمود، ولقد كان بامكانه ان يعيش في بعقوبة كاي انسان عادي، ويستطيع ان يشتغل كاتباً بسيطاً في المحطة كما عرض عليه والده، ويقرأ الشعر، ويكتب القصائد الا انه اختار الجوع والتشرد والحرية.
التحول البطيء
ويبدو ان فترة السجن التي قضاها بعد صدور –قصائد عارية- و-اللحن الاسود- قد حولت تفكيره تدريجياً الى جانب الشعب ولكنه ظل قلقاً مهتماً بالانسان الفرد مصوراً حالات سقوطه ثم اصدر مقالاته في النقد محاولاً هدم قديم الشعر وتقييم جديده بنرجسية ليتحول بعد ذلك الى الجماهير مصدرا –الربيع والجوع- و –رجل الضباب- و-رسالة من شاعر الى رسام- بعد ان بلغ الحد الثوري اقصاه في منتصف الخمسينيات مدركاً ان عهد الطغاة سينتهي بل مستعجلاً نهايته بكثير من نفاد الصبرkh mardan 9
رة 1958
وتقوم ثورة تموز 58 فلا يتمكن مردان من اصدار كتابه –محاكمات حسين مردان- الذي اعلن عنه مراراً ويموت- نشيد الانشاد- الذي اعاد كتابته من التوراة لشدة اعجابه به، لان النفوس قد انطلقت وابتعد المرء عن ذاته في سبيل المجموع المحتدم سياسياً.
فيكون تأثير –العالم تنور- و –الارجوحة هادئة الحبال- بالسجن او بالكفالة فلم يستطع الثانية مضطراً الى الاول –وفي سجن الكوت الرهيب بدأ التحول الكبير في مجرى حياتي الادبية فقد اقسمت مع نفسي على السير في خدمة الشعب والعمل على قلب ذلك النظام الذي يستل شوق الانسان للحرية بالسجن والحراب» ص131 من –الازهار تورق-.
و –طراز خاص- قليلاً على الجو الادبي الذي يتضح في اتجاهات ملتزمة متباينة لتغلب التناقضات الثانوية بين ابناء الشعب على التناقض الرئيسي بين الشعب والاستعمار.يغني حسين مردان للثورة في –هلاهل نحو الشمس- واغصان الحديد- التي رمز بها لحراب الجيش العراقي الذي قاد الثورة، لكنه يقع –كما وقع الكثيرون- تحت تاثير الحذر الذي احدثته الدكتاتورية الفردية.
ويبدو الشاعر رغم تحسن وضعه المادي واستقراره النفسي قلقاً سياسياً يحاول ان يوجه له خطأ ثالثاً، فهو يخوض معركة انتخابات اتحاد الادباء وينتصر باصوات الادباء الشباب ليصعد الى منصة الهيئة الادارية بشكل اجبر الجواهري والمخزومي وصلاح خالص وبحر العلوم على احترامه والاخذ بارائه.
اننا نجده غير منسجم مع هؤلاء الشيوخ بل يحاول عن طريق عبد الملك نوري وخالص عزمي ادخال بدر السياب وعبد القادر البراك الى اتحاد الادباء، لكنهما يترددان ويتردد الاتحاد في قبولهما.
المهم ان حسينا يحس بالقلق ويجد في المرفأ الذي انشأه سعدي يوسف ورشدي العامل ونزار عباس دليلاً على ثورة الشباب الداخلية بوجه الجدانوفية مجالا للعودة الى صفائه القديم المتمرد.
لكنه يفصل من عمله مع غيره من الادباء ويعود الى مقهى البرازيلية فرحاً ملتقياً من جديد –ولساعات طوال- بعبد الملك نوري وكاظم جواد وعبد الوهاب البياتي الذي يغادر العراق من جديد.
وقد نشأت في البرازيلية فكرة اصدار كتاب عن شاعرية حسين مردان، وكان محركوها عبد المجيد الونداوي ورشدي العامل وخليل الشيخ علي وكاتب هذه السطور.
كان الشاعر يشعر بالالم بل ويصرح به يجد ان غيره من زملائه قد حظوا بهذه –النعمة- احياء، ومات حسين وغصة في القلب الذي سكت في 4 تشرين الاول 1972 تملؤه لعدم صدور هذا الكتاب.
وقد حاول مراراً ان ينهي حياته لشدة سأمه وايمانه بلا جدوى ما فعله في ساعات ضعفه فهو يقول –انني محكوم بالركض وراء المستحيل، وان الموت هو الدرب الوحيد الذي يصل بي الى الهدوء، ولذا بدأت افكر بالانتحار ولما كنت اخجل من تهمة الهزيمة، ولو انني لا أؤمن بالعار، تخليت عن الاستمرار في هذا الاتجاه.
وكان يستمع الى احاديث صديقه الشاعر زهير احمد القيسي عن الموت والانتحار ووصايا الكتاب والفنانين المنتحرين بلذة وخوف وقد كتب دراسة عن –تطور فكرة الموت في الشعر العربي- وبث افكاره في عدد من المقالات حول ذلك.
وآن له ان يمتطي صهوة الموت باستسلام طفل ليستطيع الحصول على جواب لطرحه الفكري- من يدري فقد يكون الموت هو الطريق الوحيد لمعرفة النفس؟!وبعد، فلم يكن هدف هذه الدراسة نقداً او تصويراً تحليلياً لحسين مردان الشاعر، بل كانت طفحاً لمخزون من مشاعر فاض بها القلب وآن لها ان تظهر تاركة المسائل الاخرى لظروف اكثر استجابة للتفرغ وللاقلام الصديقة، فما زال الدرب عريضاً للحديث عن حسين الانسان المتشرد الساخط المتألم العاشق الصحفي المكابر المرح الخائف من الموت.. معضلة البشرية الكبرى.
وما زال مردان شامخاً امامنا يحتاج الى مزيد من دراسة وبحث.

*عن صحيفة المدى

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *