تابعنا على فيسبوك وتويتر

hussein-5حسين سرمك حسن
بغداد المحروسة – 14/6/2010

إشارة :

في العراق، وعبر مجموعته الصادمة قصائد عارية-1949 ، أكمل الشاعر الكبير حسين مردان ثورة الجسد “الحداثوية” التي بدأها نزار قباني في سوريا، ولم تُدرك قيمة ما أنجزه “النهضوية” مثلما لم تُقيّم بصورة صحيحة ريادته لقصيدة النثر في الأدب العربي (سمّاها نثر مركز؛ حين “يتركّز” النثر يصبح شعرا) حيث أصدر 6 مجموعات منذ عام 1951 قبل أن يُصدر الماغوط مجموعته الأولى عام 1956. أما في النقد فقد كانت اسلوبيته “ثورة” تختلف عن أساليب كتابة كل النقّاد الذين سبقوه وعاصروه وجاءوا بعده حتى يومنا هذا. كم هو الظلم الذي وقع “من ذوي القربى” على منجز مردان؟ تدعو اسرة موقع الناقد العراقي الأحبّة الكتّاب والقرّاء إلى إغناء ملفها عن الراحل الكبير بالمقالات والصور والوثائق.
المقالة :
سنقدم اولا نبذة مختصرة عن تاريخ قصيدة النثر في الادب العربي مأخوذه من كتاب “افق الحداثة وحداثة النمط” للشاعر والباحث “سامي مهدي”، حيث يقول الكاتب: “حين صدرت مجلة شعر شتاء عام 1957 كان ثمة شكلان شعريان يسودان خارطة الشعر العربي ، اولهما :الشكل التقليدي ، وثانيهما :ماعرف يومها بالشعر الحر(…) الى جانب ذلك كانت هناك محاولات من شكل ثالث أقدم من الشكل الثاني عمرا عرف بـ(الشعر المنثور) وهي محاولات تحررت من الوزن والقافية واعتمدت في بعضها على بعض السجعات ،وفي بعضها الاخر على لغة تحاول التشبه بلغة الشعر بدأها كل من أمين الريحاني وجبران خليل جبران (..) ولعل أبرز الاسماء التي كتبت بهذا الشكل خلال الخمسينيات الاولى من هذا القرن :البير أديب ، والياس خليل زخريا وادفيك جريديني شيوب وثريا ملحس وغيرهم .. كانت محاولات مصنوعة باهتة.
في عام 1954 صدرت مجموعة ملفتة للنظر عنوانها “ثلاثون قصيدة” وكان صاحب هذه المجموعة “توفيق صائغ” كانت المجموعة اقرب الى روح الشعر من سائر المحاولات ، وكانت واضخة التأثر بالشعر الحر الانكليزي ، شكلا، والصوفية المسيحية الانكلو- سكسونية مضمونا . وفي العام نفسه نشر (محمد الماغوط) اولى محاولاته وكانت بعنوان (النبيذ المر) ثم تابع النشر بعد فترة في مجلة (المجلة) ولكنه لم يصدر مجموعته الاولى (حزن في ضوء القمر) الا عام 1959 وقد نشر انسي الحاج اولى محاولاته في مجلة (شعر) عام 1957 .. ويذكر عصام محفوظ ان أدونيس بدأ يكتب هذا اللون من الكتابة عام 1958، اي بعد انسي الحاح بأشهر ، ثم تبعهما في ذلك يوسف ابو شقرا ، يوسف الخال ، فؤاد رفقة واخرون)hussein mardan 4
اما الشاعر العراقي (حسين مردان) فقد أصدر مجموعته المسماة “صورة مرعبة” في عام 1951 واطلق عليها تسمية “نثر مركز” ثم اعقبها بمجموعة “عزيزتي فلانة” عام 1952 وهي من (النثر المركز) ايضا تلتها مجموعة (العالم تنور) ثم (نشيد الانشاد) في العام 1955 واخير مجموعته (هلاهل نحو الشمس) في العام 1959 اما (الربيع والجوع فقد اصدرها عام 1953 “أي انه في الوقت الذي اصدر فيه محمد الماغوط مجموعته الشعرية الاولى في العام 1959 (حزن في ضوء القمر)” كان “حسين مردان “ قد اصدر (6) ست مجموعات مما أسماه بـ”النثر المركز”. يقول الراحل الدكتور علي جواد الطاهر :(لقد نظم حسين مردان “صوره مرعبة “ على نمط لم يعرف له اسم فلم يسمع بعد “بقصيدة النثر” ولم يصل بعد الى اسم “النثر المركز” ويقرر انه خلقة خلقا” بمعنى انه ذهب اليه دون سابق عليه من قدوة او دعوة ومع اننا نعرف سبق “امين الريحاني” الى ماسماه الشعر المنثور متابعا “ولت وتمن “ ثم كان الريحاني رأسا فيه ثم صار عهد الريحاني بعيدا وصار متابعوه وكأنهم لم يكونوا . والحقيقة ان الفارق ملحوظ ، وحسين مردان اكثر شاعرية واقل تكلفا وهو فيه سابق كذلك على ما عرف بقصيدة النثر وعلى مجلة شعر وقد“تأسست سنة 1957 “ وربما كان مصطلح قصيدة النثر الذي ورده فيها لاول مرة يرجع اساسا الى العام الذي تحدث فيه ادونيس مستعينا ومترجما بكتاب او مقدمة كتاب “سوزان برنارد” “قصيدة النثر” الصادر في باريس سنة 1959 واود هنا ان انقل معلومة مهمة جدا ذات صلة بكتاب سوزان برنارد الشهير الذي تسبب في تسميم عقول جيل مجلة شعر وفي مقدمته ادونيس فقد اهتدى ادونيس الى كتاب صدر في فرنسا واصبح فيما بعد انجيل المؤمنين بقصيدة النثر وهذا الكتاب هو “قصيدة النثر من بودلير حتى ايامنا “ لمؤلفته الكاتبه الفرنسية سوزان برنار صدرت الطبعة الاولى من هذا الكتاب عام 1959 ولم تمض على صدوره سوى شهور حتى طلع ادونيس بمقالة عنوانها “في قصيدة النثر “ نشرت في مجلة شعر شتاء عام 1960 ولم يكن ادونيس لهذه المقالة اول من عرب المصطلح “قصيدة النثر” واستعمله في اللغة العربية فحسب بل كان ايضا او من شرح مفهوم قصيدة النثر هذه ومبررات كتاباتها وشروط هذه الكتابة وقد اعتمد ادونيس في كل ذلك على كتاب سوزان برنار باعترافه هو نفسه في مجلة شعر العدد 14 صفحة 75 الى 83 وعندما نشر انسي الحاج مجموعة من قصائد النثر عنوانها لن في عام 1960 اعترف هو الاخر بانه اعتمد على كتاب سوزان برنار الذي يقع في 814 صفحة في اصله الفرنسي . ماهي اهمية الإشارة الى هذه المعلومة ؟
تكمن اهميتها في اثبات ان الشاعر العراقي الكبير حسين مردان كان قد كتب مجموعات شعرية كاملة (6) مجموعات من قصيدة النثر قبل ان يتم التقاط مصطلح قصيدة النثر من كتاب سوزان برنار على ايدي ادونيس وانسي الحاج في عام 1959 وهو العام الذي وصل فيه كتاب سوزان برنار الى الشعراء العرب هنا ستثور مشكلة اخرى اثارت استغرابي ودهشتي ترى لماذا لا يقتنع العلامة الشيخ (علي جواد الطاهر) بقدرة الشاعر العراقي حسين مردان على الابداع والابتكار ؟
وهل تسممت روح شيخنا بجرثومة القاعدة العراقية المستهلكة القائلة بان مغنية الحي لا تطرب؟hussein mardan 7
يقول الطاهر مشككا بشكل متردد : “حاول حسين مردان ان يصور حياة الحشاشين ومتعاطي المخدرات، فاصدر سنة 1951 كتابه “صور مرعبة “ مع ملاحظة ان هذا العالم هو احد عوالم بودلير في “جناته المصطنعة” وفي نبيذه وحشيشه وان الشاعر العراقي لم يقدم شعره على النمط العمودي او ما شرع ينظم عليه عدد من الشباب باسم الشعر الحر قائما في وزنه على التفعيلة ، وانما قدمه بنمط لعله لم يعرف له اسما ولم يجد له اسما لانه شعر ياخذ صورة الشعر في روحه وصوره لكنه ليس بالعمودي وليس بالتفعيلي لانه لا يجري على وزن مقرر فهو نثر ان شئت . هو نثر في صورة شعر او اية صفة اخرى يمكن ان تميزه بها وقد نجد في جذر هذا النمط ماسمعه حسين مردان او قرأ امثلة مترجمة منه مما كان لبودلير باسم “قصائد في نثر” او قصائد نثر (poemes en prose) ان شئت واذا كان حسين مردان مبكرا فيه ومن رواده ان لم يكن رائدا فيصعب ان يكون قد خلقه خلقا (!!) دون المام برائد سابق عليه لاسيما ان علمنا امكان ان يكون هذا الرائد السابق عليه هو بودلير وتذكرنا مكانة بودلير من سطح حسين مردان ومزاجه”
وهذا لعمري امر عجيب ادهش لانه يصدر عن علامة ثقة مثل الطاهر المعروف بغيرته الوطنية وعلميته، كيف يحاول وبشكل صارخ التشكيك بقدرة شاعر عراقي على خلق شكل شعري جديد والمدد يأتي الى الشعر العربي من العراق دائما عبر مختلف العصور ؟ ثم لماذا لايستطيع الطاهر ترويض نفسه على قبول حقيقة امكانية المبدع العراقي على الانجاز الفذ الذي يسبق به الاوربيين ؟ الطاهر لا يقتنع ولهذا نجده يعود الى التساؤل.
“ويبقى مع هذا السؤال عن المصدر كما هو ؟ وكيف يتسنى لأمرى كحسين مردان ان يخلق “النثر المركز” خلقا ؟ ثم لا بد من عودة الى اخبار وصلت اليه عن بودلير ، على ان حسين مردان يقرر وهو يريد ان يحدد مهمته في الموضوع انه “قد ادى الضيق بالوزن والقافية عند الشاعر المعاصر الى نوع من التمرد والالتجاء النثر الى هذا النوع من النثر الفني”
لكن لنستمع الى “حسين مردان” نفسه وهو يبرر توجهه الى هذا النمط من الكتابة الشعرية الذي هو خارج النمطين السائدين آنذاك : القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة . يقول “حسين مردان” جوابا على سؤال عن ماهية النثر بالمركز؟ وهل له علاقة بما يسمى قصيدة النثر:
(لقد أدى الضيق بالوزن والقافية عند الشاعر المعاصر الى نوع من التمرد والالتجاء الى هذا النوع من النثر الفني والذي شاع في عهد جبران وامين الريحاني عن طريق ترجمة الشعر الاوربي الى اللغة العربية فعمل بعضهم على تطويره والاعتناء به لكي يأخذ شكل القصيدة من ناحية الاهتمام بوضع الكلمة وموسيقية الالفاظ واختصار الجمل وتركيزها للاستعاضة عن الجهد الذي يبذل في القصيدة الموزونة اما السبب الحقيقي الذي دفعني الى كتابة هذا النوع من النثر فهو اكتشافي ان الوزن يحد من اظهار الحيوية النفسية ونقل العالم الباطن بصورة دقيقة..) و”حسين مردان “ لا يعتبر هذا النثر المركز شعرا رغم مافيه من عناصر الشعر ، وهو امر خلافي مازال قائما حتى يومنا هذا بين النقاد الذين يرى بعضهم ان قصيدة النثر ليست شعرا لانها تفتقد الى الموسيقى والايقاع والشكل وغيرها من شروط الشعر في حين يعتبرها البعض الاخر اعلى اشكال التعبير الشعري . وقد يبدو هذا تناقضا في الجهد التنظيري لحسين مردان . ولكن هل من مسؤولية المبدع ان يضع نظرية لكل خطوة ابداعية جديدة يخطوها؟ أعتقد ان هذا ليس شرطا اساسيا لان السياب مثلا لم يضع نظرية دقيقة ومتكاملة لتبرير الثورة الشعرية التي قام بها كما ان (محمد الماغوط) الذي يعتبر من رواد الكتابة الشعرية وفق شكل قصيدة اللالتجاء النثر يعترف بأنه لم يطلع على اي نص اجنبي لانه لا يجيد لغة اخرى ، كما انه لم يقدم –انذاك – اي اطار نظري لجهده الكتابي الجديد هذا بالاضافة الى ان الجهود النظرية المتعلقة بقصيدة النثر جاءت في نهاية الخمسينات بعد ان تمت ترجمة كتاب (سوزان برنار) المعروف كما رأينا ذلك سابقا وهذا لم يقلل بالنسبة لاغلب النقاد – من جهده الريادي في مجال قصيدة النثر فلماذا نوافق على مقاييس تنطبق على اديب غير عراقي ونستثني الاديب العراقي وجهده الاصيل والمقتدر من هذه المقاييس ؟ وحتى لو لم يعتبر حسين مردان النثر المركز الذي كتبه قصائد نثر فأن اختلاف النظرة الى معنى المصطلح وحدوده لا يلغي الجهد المتفرد لحسين مردان والجهد الهائل والريادي الذي بذله عبر ست مجموعات شعرية . ان ماكتبه حسين مردان كان قصائد نثر حقيقية ويتمتع بكل شروطها الاساسية واليكم هذا النموذج رغم انه من النماذج المتأخرة لكنه يعكس جوهر فعله الابداعي الحقيقي في هذا المجال:
فيشوه خد النهار
ويقتل الخضرة في موسم
العيد
ليعلق لسان الغراب في
واجهات البيوت
فيذبل النشيد الذي يتحدث عن النجوم
والحرية
وحلاوة الفواكه الجديدة
فسوف يدفع الىاعماق كهفه القديم
حيث ينتظره الصدأ
**
ولن يحدث ذلك بالدعاء
او بمطارق الفلين
ورش الفلفل فوق الكلمات المسلولة
فالقصة مرعبة ومؤلمة
ومن لم يخترق الجحيم
لن يصل الى ظل الجنة
فالوحوش الرابضة في دربنا
ذات حضارة ووجوه حقيقية
فاذا لم نخرج من عسل
الاسطورة
ونجفف مستنقع الدموع
ونلبس جلد العلم المعدني
فسوف نظل نلوب داخل الطين
فألى المعمعة
فالرفاق يهتفون من حولنا

النشيد الذي لن يذبل
في الغد …
الذي سيأتي فوق عربة زيتون
عندما تهل ابتسامات الاطفال
وتنتقل من مدينة الى اخرى
حقول حليب
ولوحات موسيقى
ونبات
على الارصفة واجنحة الطيور
والعناقيد
عندما يضع الربيع قدمه
السعيدة فوق العالم
ستختفي البقعة السوداء
ويسقط الدفق الاصفر
ويعود البريق النظيف الى حافة الماعون
وينطلق الرقص في الاصابع
المتعبة
ليسيل في شوارع القرى الحزينة
موجة هناء ابيض
عند ذاك فقط
ستلتقي كل الالوان في
مروحة واحدة
وينتشر نسيم الفرح العالمي
ليلف الارض بعباءة من الحرير الازرق
اما صوت المدفع الذي يحرث اليوم كل الجباه
ويمزق سكون الحدائق
وعيون الرجال المشرقة
ويشرب غناء العصافير والقصائد


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"