تابعنا على فيسبوك وتويتر

majed sawramiriإشارة :
رحل القاص المبدع القاص والروائي الرائد “عبد المجيد لطفي” تاركا منجزا قصصيا وروائيا ومسرحيا كبيرا لم ينل العناية النقدية الكافية. وفي لقاء أخير معه نُشر في مجلة آفاق عربية في الثمانينات قال إن لديه أكثر من 80 مخطوطة لكتب لم تُطبع. أين أصبحت؟ وكيف سنجدها مادام كل مبدع عراقي يرحل وتضيع آثاره (مخطوطاته ومكتبته الشخصية خصوصا) برحيله؟ مقالة الروائي الكبير ناطق خلوصي التي تفتتح بها أسرة موقع الناقد العراقي ملفها عن الراحل الكبير تكشف الكثير عن ريادة لطفي في الفن السردي العراقي والخلاف حول ريادته لقصيدة النثر وغيرها. تدعو أسرة الموقع الأحبة الكتّاب والقرّاء إلى المساهمة فيه بالمقالات والصور والوثائق.

المقالة : 
تزخر مدينة خانقين الكوردستانية بالعديد من المواهب الفذة في كافة ميادين الحياة السياسية منها والثقافية والأدبية والرياضية، وبرز فيها رجال كانوا دعائم أساسية في إدامة الإرث الثقافي والفكري في العراق بصورة عامة و كوردستان بصورة خاصة الأمر الذي يؤكد مدى عمق الارتباط الوجداني بين مكونات هذا الشعب الذي لم تنل محاولات أعدائه من شل قدرته على العيش في بيئة حضارية متناغمة ومتكاتفة تثير إعجاب المجتمع الإنساني.

عبد المجيد لطفي كاتب وأديب ومثقف عراقي الهوية وكوردي القومية خانقيني الهوى، وسجل حضوراً واسعاً في ميدان الثقافة والأدب والحياة الاجتماعية في العراق، نستذكر في عجالة الكلمات نتفاً من سيرته وأعماله التي ازدانت بها المكتبات.

يحتار المرء من أين يبدأ الحديث عن شخصية عملاقة وجبل أشم وعالم جليل وأديب لامع يمثل دعامة من دعامات الثقافة العراقية في العصر الحديث، إلا أنني أحاول خجلاً أن أزيح الستار عن بعض ما يمكن أن يقال بحق هذا الإنسان .

ولد( عبد المجيد عمر عبد الرحمن محمد ) في مدينة خانقين عام 1905 في محلة التيلخانة وهي من المحلات القديمة التي أنشئت فيها دائرة البريد لأول مرة عام 1805، أكمل دراسته الابتدائية فيها وقضى بواكير سنين عمره على ضفاف نهر الوند الخالد وترعرع في بساتينها الخلابة ومناظرها الجميلة التي تركت أثراً كبيراً في ذاكرته وتعلق وهام بها حباً الى آخر حياته التي أوصى بعد وفاته أن يدفن في مقبرة سيد محمود ( باوه محمي ) التي تتوسط المسافة بين نهري الوند و سيروان (ديالى) وهذا يعكس مقدار تلك الرابطة القوية التي جمعته وخانقين وثراها المحبب؛ بعد إكمال الدراسة الابتدائية توه الى بغداد وأكمل الدراسة في مدرسة الصنايع.abdulmajid lotfi 6

عانى كثيراً من ضيق العيش في طفولته وردحاً من شبابه وتنقل بين أكثر من منطقة نائية موظفاً بسيطاً، وربما كانت هذه الحياة القاسية التي عاشها سبباً في توجهاته الفكرية والسياسية التي يفهم منها أنه كان يسارياً إلا أنه والحقيقة تقال لم يكن يسارياً بالانتماء إنما كان مدافعاً عن حقوق الطبقات المسحوقة التي خبر معاناتها، لأنه عاش القسم الأعظم من حياته خصوصاً أوائلها وهذا الأمر أنعكس على أعماله الأدبية التي توزعت بين خمسة من فنون الأدب كالشعر والقصة القصيرة والرواية والمسرحية والدراسة الأدبية.

يقول عنه الدكتور جليل كمال الدين ” كان أكبر دعاة الأخوة العربية الكوردية والوحدة الوطنية، ولم يناقض نفسه في ذلك قط ، وقد حظي بشعبية كبيرة ومجد مستطير يكاد يضارع شعبية الجواهري في بعض الأحيان وبعض المواضيع، وهو في القصة قمة في الثالوث الإبداعي القصصي العراقي، ويشاركه في القمة اثنان من عباقرة القصة العراقية هما ذو النون أيوب وجعفر الخليلي “، انتهى كلام الدكتور جليل كمال الدين.

ويعد عبد المجيد لطفي رائداً ومبشراً في مجال الحداثة في الفنون الأدبية، فقد ألف كتاباً رائداً بعنوان ” أصداء الزمن ” عام 1938وآخر بعنوان “خاتمة موسيقار” عام 1941، فكان بحق راعياً أبوياً للحداثة كما يشير الدكتور جليل كمال الدين.kh abdulmajid lotfi 5

بعد ثورة عام 1958 التي كان يساندها ويصفها بثورة الشعب، أصدر العديد من الأعمال التي تنم عن إبداع حقيقي وعراقة أسلوب وشدة الالتصاق بقضايا الشعب بصدق وعمق عكس مهارة، ومضي قلم خبر فن الكتابة وجمع كل أطراف المجد الأدبي والفكري وكان هذا مدعاة اهتمام النقاد ومتذوقي الأدب الرفيع فأصبح شاغلاً للأوساط الأدبية .

فقد كتب عام 1958 مجموعة قصصية بعنوان ” في الطريق” وفي عام 1967 أصدر كتابه المثير “الأمام علي” وهو دراسة تاريخية، وينقل الدكتور جليل كمال الدين عن الكاتب الروائي العراقي الكبير غالب طعمة فرمان كلاماً يشير لهذين الكتابين يقول فيه “إن هذا الرجل يبقى شاباً رغم تقدمه النسبي في السن، وتبقى كتبه ذات نكهة خاصة هي نكهة الأصالة الواقعية” .

أما عن روايته “الرجال تبكي بصمت” عام 1969 فقد شكلت نقطة تحول كبرى في جذب التعاطف مع الإنسان العراقي المعذب المضحي طوال الوقت، قال عنها غالب طعمة فرمان : “أنها رواية عراقية حد النخاع تشهد لكاتبها أصالة نادرة ووفاء قل مثيله لقضايا الإنسان العراقي بخاصة ولقيمه وتقاليده” والكلام منقول عن الدكتور جليل كمال الدين.

?

?

لقد كان لعبد المجيد لطفي موقفاً ثابتاً مع قضايا الشعب العراقي وظلاماته ولم يداهن الحكام الذين تسلطوا على رقابه، نزيهاً قلما تجد له نظيراً وقد نقل عنه انه قال : “مع الأسف أبتلى بلدنا بالانتهازيين والجاحدين والمتاجرين حتى بالقيم النبيلة” وهو بهذا يعبر عن شجاعة نادرة في زمن كانت سيوف الطغاة مشرعة لذبح الكلمة الحرة وأصحابها.

الأستاذ حميد المطبعي في سلسلته الشهيرة عن الأدباء والمفكرين والكتاب العراقيين تناول حياة ومؤلفات عبد المجيد لطفي في كتاب عنونه (القاص عبد المجيد لطفي) وأشار فيه الى أنه رائد في فجر القصة العراقية واحد أعلامها البارزين الذين كونوا جهازا إعلاميا في الخير والفضيلة في كتاباتهم القصصية،وهو كوردي كرس إبداعاته الأدبية في وجدان اللغة العربية إلا ما ندر من شعر وقصص ورواية تموجت ألوانها في أجواء اللغة الكوردية.

أما الشعر فقد نظم بالكوردية أبياتا مفردة بين البيتين و الأربعة أبيات ، فيما اختار للغة الكوردية واحدة من أفضل رواياته المكتوبة باللغة العربية بعنوان (نبوءة العراف الغجري) وقد قام الأديب الكوردي شكور مصطفى بترجمتها الى اللغة الكوردية ؛ وفي سنة 1948 ألف كتاباً بعنوان (نظرات في الأدب الكوردي) بالاشتراك مع الأديب الراحل عبد السلام حلمي ، وكانت الغاية منه محاولة أولية للتعريف بالشعر الكوردي للقارئ العربي مع لمحات من التاريخ الكوردي من خلال القصائد.كما أشار الى ذلك فؤاد الدجيلي في قراءته لكتاب (القاص عبد المجيد لطفي).kh abdulmajid 13

تناول المطبعي في فصل آخر من كتابه الآنف الذكر بعنوان ( شبح المرارة في قلبه) شرحا عن روايته (أيام تستحق الذكر) التي بدأت مع مولده واستمرت الى نهاية سنة 1980؛ اذ يقول المطبعي : هي أمتع ما كتب لطفي من مشاعر وإحساس إنساني ، وخيال جميل، وبراعة في وصف يومياته في الريف، وتصوير حنينه الى نهر (الوند) الذي ترك فيه آخر أحزانه التي هي أحزان الفقراء والمتشردين في مدينة خانقين .. وبطل هذه الرواية هو عبد المجيد نفسه.

أما عن مواقفه من قضايا المرأة فقد ناصرها بقوة تصل حد العنف وطرح مشكلاتها بإبداع متنوع كالطلاق ومآسيه وتعدد الزوجات مسلطا الأضواء على الظلم الواقع عليها في إطارها الاجتماعي.

من طريف الأخبار عن مغامراته (النسائية) هي قصة حبه وهيامه بالمطربة العراقية المعروفة عفيفة اسكندر التي وكما يقال قد حركت الأوتار السبعة في قلبه دفعة واحدة وشغلت حيزا من حياته حتى انه أصدر كتيبا شعريا صغيرا ضمنه أحاسيسه الصادقة والجريئة تجاهها وهو بعنوان (عفيفة . خواطر أدبية) عام 1953. حاول الابتعاد عنها ولكنه كما نقل عنه منعه الحب و أغلق عليه منافذ الدنيا كلها لأنها كالشمعة الساطعة تضيء الظلمات .. (كنت في ظل الشمعة في الظل القريب منها أتلوى بالحرارة وأنا في الظلام!!) ويذكر لطفي لقاءه الأول بها وكيف أنها أمسكت بيده المرتعشة وتقول له: أأنت عبد المجيد ؟ انك لتشبه حداد عتيق وأرسلتها ضحكة ناعمة!!.

وامتد العمر بأديبنا الفذ حتى يوم 27 /تشرين الأول / 1992؛ وتوفي في بغداد ودفن طبقا لوصيته في خانقين بعد أن أتحف المكتبة العراقية بأكثر من 60 كتابا.

كان أبو سعد قمة في العطاء وهاهي السنوات تمر سراعا ويكاد الجيل الحاضر لا يعرف شيئا عن هذا العملاق الذي رحل في الزمن الرديء ولم يحتف به كما ينبغي لمقامه الكبير ودوره المتميز في خدمة العراق ، أما الآن فقد آن الأوان أن نقوم بما نستطيع من أجل استذكار رجل كان نصيرا للفقراء و البائسين وليس من المنطقي أن يلفه النسيان في حاضر نريد له أن يكون أفضل من الماضي الذي هو موضع استنكار الجميع فمتى نرى له مهرجانا أو نرى كتبه في حلة جديدة وطباعة أنيقة حتى ننهل من فيوضات فكره وقصصه ورواياته ودراساته.

*عن الحوار المتمدن


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"