مولود بن زادي : الجوائز الأدبية.. حُلْمٌ بالفوز وآخر بالمشاركة

molod 9*روائي جزائري مقيم في بريطانيا

ظلت الجوائز الأدبية في الوطن العربي قليلة ومحصورة في إطار وطني إقليمي ضيق. وظلّ الاهتمام بها محدودا إلى أن ظهرت جائزة البوكر العالمية في صبغتها العربية، لتختلس كلّ الأنظار. وتلتها جائزة كتارا المتميّزة بسخائها الذي تجاوز كلّ الحدود، وكيف لا والعمل الروائيّ الفائز فيها يحصد ما يناهز ربع مليون دولار ويحظى بالترجمة إلى اللغات الأجنبية، ويحوّل إلى عمل سينمائي! وإذا بهذه الجوائز تثير اهتمام رجال الأدب والإعلام والجماهير. فراح الجميع يتحدّث عنها، ويخمن قوائمها الطويلة، ويترقّب قوائمها القصيرة، ويتطلّع إلى معرفة الفائز فيها.

لا أحد ينكر قيمة هذه الجوائز، فهي تقدير لجهود الكاتب، وتكريم للإنتاج الأدبي المميّز، وتحفيز للطاقة الإبداعية، وتذكرة يسافر بها اسم المبدع إلى شرائح أوسع في المجتمع، ونافذة يطلُّ منها على عالم الشهرة والمجد، فضلا عن عائداتها المادية وما توفّره من أمان مالي.لكنّ الجوائز لا تخلو من العيوب. فهاجس الجائزة صار يطارد الأدباء مؤثّراً في تفكيرهم وتركيزهم وإنتاجهم الأدبي. وها هم الأدباء اليوم يتسابقون لنشر روايات في أوقات قياسية يشاركون بها في مسابقات الجائزة. ويتهافت بعض الناس على دخول عالم الكتابة بأي شكل، ليس رغبة في التعبير عن الأفكار والمشاعر والدفاع عن القيم الإنسانية والحضارية بقدر ما هو رغبة في الفوز بالجائزة وحصد مكاسبها المادية والمعنوية! ولولا الجائزة لما فكر هؤلاء في الكتابة، وهو ما وصفه الأديب أمير تاج السر بالركض وراء الجائزة في قوله: “كتاب، لن يتكاسلوا عن الركض في مضمار الجنائز ، عسى ولعل أن يحصدوا جائزة.”، مضيفاً: “تجد عدد الأعمال المقدمة لجائزة كتارا تتزايد في كل عام، ويظهر في الدرب أشخاص ما كانوا يعملون كتابا أصلا، ولا طرأت الكتابة على بالهم إلا حين أصبحت سكتها خضراء، قد تأتي بالحصاد.” (القدس العربي 3 أبريل / نيسان 2017)amir taj alser

ومن عيوب الجوائز في هذا العصر كثرتها، وما زاد عن حده انقلب إلى ضدّه. لا يخفى على أحد استسهال إنشاء الجوائز الأدبية وإغراق المشهد الأدبي بها في مجتمعات عربية معروفة بعزوفها عن القراءة بالمقارنة بالمجتمعات الغربية. وقد بلغ الأمر مبلغاً خطيراً الآن. فقد صار بإمكان أي مؤسسة وأي صحيفة وأي موقع من مواقع التواصل الاجتماعي وأي قائم على مجموعة أو صفحة في الفايسبوك وأي رجل أعمال إنشاء جائزة وفتح مسابقة أفضل رواية وإغراء الأدباء لا سيما المبتدئين منهم بالمشاركة فيها.

فها هي إحدى المجلات العربية تطلق مسابقة، يوضِّح موقعُها بلغة عربية ركيكة، لا تخلو من الأخطاء طريقة المشاركة كما يلي: “يقوم كل متسابق بالحصول على رابط بمشاركته لنشره في صفحته الشخصية وبكل مكان متاح للحصول على أكبر كم من التعليقات، وذلك ليحظى كل صاحب تعليقات على درجات تضاف لدرجات لجان التحكيم”
في هذه الجائزة، يشارك المتسابق بفصلٍ من عمله الأدبي. والفصل لا يقدّم صورة كاملة عن هذا العمل. وتنهال الرسائل على الأصدقاء ملتمسة التصويت الذي يقوم عادة على أساس المحاباة والمجاملة بعيدا عن الموضوعية. ثم كيف يمكن للأصدقاء أو لأعضاء لجنة أن يحكموا على عمل طويل من خلال فصل واحد قد يكون الأفضل أو الأسوأ في الرواية المرشحة للجائزة.. مجرد حلقة في سلسلة طويلة لا يرون بدايتها، ولا نهايتها، ولا بقية الحلقات فيها؟!

وها هي إحدى صفحات الفايسبوك تطلق مسابقة أفضل رواية في أحد الأقطار. فتشارك فيها روايات وتتخلّف عنها أخرى بغير حق. وتعتمد على تصويت الأعضاء في الموقع باختيار عنوان من العناوين المشاركة المدرجة في القائمة. ولا سبيل إلى الفوز في مثل هذه المسابقات من غير دعم الأصدقاء. فتنهال عليهم الرسائل، ويضطرون إلى التصويت من باب المجاملة دون قراءة هذه الرواية ولا الروايات الأخرى المشاركة، وما أكثرها! والكثير منها غير متوفر في المكتبات المحلية أساساً! إنه ركض وراء الأصوات على منوال “أنت وشطارتك”، الفوز فيه عادة لمن بذل جهدا وبعث بأكبر قدر ممكن من الرسائل إلى الأصدقاء! وقد كان الإقبال على التصويت ضعيفاً منحصراً في أعضاء لا يتجاوز عددهم بضعة آلاف شخص بين عشرات الملايين نسمة في الوطن العربي! ويا ليته عكس الواقع، ففي تصويت السنة الماضية، تخلّفت أعمال الأقلام الكبيرة المعروفة، فشغلت المراتب الأخيرة. وتكرر هذا السيناريو هذه السنة، إذ تحصلت روايةٌ غير متوفرة في المكتبات على 680 صوت، وفي المقابل لم تحصل إحدى الروايات الأكثر رواجا في الوطن العربي لأحد عمالقة الأدب العربي إلاَّ على 4 أصوات! وكل ما في الأمر أن الكاتب الأول اجتهد وأمطر الأصدقاء برسائل تستجدي المعونة والثاني لم يفعل، في أكبر مهزلة من مهازل مسابقات الجوائز في هذا العصر! فإن كان التصويت مقبولا في سباق الأغنية، لأنّ الأنغام المشاركة تذاع وتسمعها الجماهير وتستطيع بذلك التمييز بينها والحكم عليها، فإنّ الأمر مختلف في الأدب الذي يتطلّب القراءة العميقة والفهم الصحيح، ليس لفصل من رواية، ولا لرواية واحدة وإنما لكل الأعمال المشاركة ليكون الحكم عادلا. فلا بدّ من سنّ أحكام وفرض رقابة لتطهير المشهد من هذه المسابقات التي تسيء إلى الجائزة الأدبية.

لا شكّ أنّ البوكر تبقى أعظم جائزة أدبية في الوطن العربي بحكم ارتباطها بالجائزة العالمية. وهذا ما يفسّر إصرار الأدباء على المشاركة فيها وتشكّي بعضهم إن فعل ولم يفز بها. وإن كان الفوز بها هو حلم الأديب الكبير، فإنّ مجرّد المشاركة فيها تظل حلم الكاتب الصغير. من شروط هذه الجائزة “لا تُقبل الروايات المنشورة من قبل كاتبها، ولا تلك المنشورة بموجب اتفاق تجاري يقضي بأن يدفع الكاتب مالا للناشر لكي ينشر روايته.” (الأهرام العربي 8 أبريل /نيسان 2017). هذا الشرط يجعلها جائزة نخبة من الأدباء لها أقدام ثابتة في المشهد الأدبي العربي وتتعامل معها دور النشر الكبرى التي لا نراها ترحب بأعمال المبتدئين وليست مستعدة لأن تنشر لهم مجاناً، وهي التي تطالبهم اليوم بدفع مبالغ تصل إلى حد 12000 دولار ل500 نسخة! فهم بذلك يعاقَبون مرتين، بدفع مبلغ خيالي، وأيضا بالحرمان من المشاركة في المسابقة! فإني من خلال هذا المقال، أدعو إلى مراجعة شروط المشاركة فيها بما يسمح بمشاركة أكثر توازنا وعدلا. والروائي الجديد قادر على تحقيق نتائج طيبة مثلما فعل شكري المبخوت الفائز بالبوكر 2015 بأول عمل روائي.
وهكذا، يصل الكاتب في مستهلّ مشواره الأدبي، إلى مفترق طرق. فهذا طريق جوائز صغيرة كثيرة لا تحمل من الجائزة إلا الاسم. وذاك طريق جوائز كبيرة، فيه من الحواجز ما يصدّه عن السير فيه وبلوغ آخره. وبين الطريقين مسلك ثالث، سار فيه من قبل جون بول سارتر وآخرون ممن لم يشاركوا في سباق الجائزة، أو رفضوا أن تقرن أسماؤهم بالجائزة. وقد قال سارتر في رسالته إلى الأكاديمية السويدية المشرفة على جائزة نوبل سنة 1964: “لا أرغب، لا الآن ولا في المستقبل في قبول هذه الجائزة.” عدم المشاركة في الجائزة لم يمنع سارتر، ولا طه حسين، ولا جبران خليل جبران، ولا أسماء أخرى كثيرة في سجل الأدب العالمي من التحليق عاليا في فضاء الخلود. فالأثر الجيّد الصادق الذي له بعد إنساني والذي لا يقتطعه المؤلِّفُ على مقاس الجائزة سيحيا للأبد. صدق الفقيد ميخائيل نعيمة – الذي لم يخلد اسمه بفضل جائزة – عندما قال “قد يخطئ الإنسان في حكمه على أثر من الآثار، فيستكبر الصغير ويستصغر الكبير. قد يخطئ جيلاً، لكنه لا يخطئ دهراً. فالأثر الخالد لا يموت، والميت لا يعيش، ولا يخلد من الآثار إلا ما كان فيه بعض من الروح الخالدة”

شاهد أيضاً

الْمُثَقَّفُ وَالْمُشْرِفُ الْحَصِيفُ(نجمُ الدّين رديف)
موشي بولص موشي/ كركوك

بَعْدَ إِنْهَائِي الْخْدْمَةِ الْعَسْكَرِيَّةِ الْإِلْزَامِيَّةِ وَتَسْرِيحِي مِنَ الْجَيْشِ سَنَةَ 1991، وَتَحْتَ نَيْرِ الْحِصَارِ الْأُمَمِيِّ الظَّالِمِ …

مصطلحات: عالَم الكاتب

لا يمكن للعمل الأدبي أن ينفصل انفصالاً كاملاً عن الإنسان الذي أبدعه. فعلى الكتّاب أن …

الأديبة ليلى مردان الغائبة الحاضرة
محمد خضر – كركوك

نقطة حياة هل كانت تعلم بأن الموت ذلك الزائر البغيض ينتظرها أما أنه كان يرافقها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *