الرئيسية » مقالات » مهدي شاكر العبيدي : أزمة المطبوع الورقي

مهدي شاكر العبيدي : أزمة المطبوع الورقي

mehdi 3*اوستن-تكساس

يغلو بعض الكتاب في ظنهم أنَّ غاشية انحسار المطبوع الورقي قد أطبقت وأظلَّتْ كليًا أفهام القرَّاء فعافوه وصدفوا عنه في الآونة الأخيرة ، إزاء ما ريعوا به ودهشوا من شدَّة إقبالهم وفرط تولعهم بالمداومة وتمتين صلتهم بوسائل الاتصال الاجتماعي الملتمسة بجهاز التلفاز الذي لم يكن في بداية ظهوره وإطلالته على الملأ زمن جيل القراءات المولي بهذه الدرجة أو القدر والاستطاعة من رفدهم وغذو عقولهم ومداركهم بشتى الأسرار والمخبأات والأمور الغرائب ، بصدد طبيعة الكون وظروف عيش الناس مع استمرار العلائق والأواصر بينهم على تباعدهم وتنائي بعضهم من بعض ، وتجاوز ذلك إلى الاطلاع على ما يكتنز به من نفائس التراث الإنساني ، ومذخورات العمران والحضارة ، مما أسلفه الغابرون من أرباب المواهب والعقول من مختلف الأجناس والأقوام ، بالتعويل على الأداة اللغوية المجسَّدة لاستشرافاتهم وانطباعاتهم وخلجات نفوسهم ، حسبما تعمد له دوائر النشر المتعدِّدة التي لا يبلغها الحصر والتعداد في أنحاء العالم وجهاته كافة، وذلك بتكليفها رهطًا من العاملين الناصبين من منتسبيها المتمرِّسين بأن يتعهَّدوا ويفرغوا من انجاز مهمة الخزن والإيداع على أتمِّ ما يلزم لثقافة بني البشر من التيسير وسهولة التداول.
كما تعدوه إلى مراس المهارشات والمناوشات الكلاميَّة مقتربين في ذلك من اللدد والغيظ واضطرام العواطف لأدنى نفرةٍ ورفضٍ وتقاطعٍ حيال رأي يجفونه أو وجهة نظر يلفونها مجافية للصواب والمنطق ، حين يعنُّ لنا ونجد من فراغ البال ما يغرينا بالسجال والتحاور مع جليس مثلنا أمام جهاز التلفاز، يبتغي الروح والجمام والمتعة والتخفف من أتعاب يومه ، دون أن تساوره خشية ما من مواجهة ما يكرب نفسه ويزعج ضميره.
ولعلَّ تهافت جمهرة غفيرة من عشَّاق الكتب قبلا على مزاولة هذه الهواية الجديدة، وما يستتبعها من خدش الشعور والمساس بسرائر النفوس ، وما يلحق بها من كشف للفضائح وتعرية للحالات والوقائع الدفينة ، كفيل بإشباع غرائز بعض بني الإنسان ، في نزوها القبيح للتصادم والتدليل على الأنويَّة المقيتة ، ومن هنا يكمن السِّر في تشكي أصحاب المكتبات التجاريَّة في غير حاضرة من بلداننا العربية من كساد ما يعرضونه من المطبوعات الجديدة ، حتى الذي منها ما هو محدث الضجَّة ومحرِّك ساكن العقول ومزر متحرش برث العادات والتقاليد ، وقد يتعارض ذانك الاستقصاء والاستنتاج هما ومشارب نفر من المتعلمين والمثقفين ، وجلهم يعزون السبب في بروز هذه المشكلة في الوقت الحاضر ، وأعني بها زهادة القرَّاء في الكتاب، وعزوفهم عنه ، إلى دواعٍ وعوامل نفسية وسياسية ، والأخيرة عصفت بدنيا العرب مؤخرًا، مستنفدة أرواح كثير من الصرعى الأبرياء ، ونجم عن ذلك كله تحسُّس أليم باللاجدوى ، وتسجُّر جراء خيبتهم المريرة بالغايات والمرامي ، وقرف من افتقادهم الأمن والاستقرار ، وهذا النظر لا يخلو في بعض جوانبه من السداد والصِّحَّة على كلِّ حال.
ومن الطريف ان يعزو أحد باعة الكتب في شارع الحلبوني بدمشق تناقص عدد المشترين لها بمرور الايام ، الى ما اسماه بالحرف الواحد سقوط الروس وتفكك دولتهم المنبسطة في اوربا واسيا ، حيث غدا المواطن السوري ذاهلا مدهوشا جراء هذا التحول المريع ، وغادره اي تاميل في تحسن احواله ، وان لا جدوى بتاتا مما يسفر عنه كفاحه بعد ان صحت نبوءة عباس محمود العقاد وتوقعه المضبوط وتحديده لتاريخ هذا السقوط نهاية القرن الماضي ، فانعكس هذا الحال على تعامل الافراد حيال الكتاب حتى زهدوا فيه وصدوا عنه. ولعل في ذينك الاستنتاج والتخريج قدر من الواقعية بالنسبة لزمر من الناس.
فعسى أنْ تنجاب هذه الغمم اللابثة على مدى النظر والرؤية ، حيال ما تتوخاه الثقافة العربيَّة من خلال مسارها صوب التأبي على الركود والجمود، وأن نطلَّ على واقع يستحق أن نبارك فيه ، ونحتفي بما يهيب بناشدي المعرفة والثقافة، قرَّاء وحملة أقلام ، بأن يعاودوا ارتباطهم بزمن القراءات ، وأن تنتفي منها صنوف المكدرات المكرسة للتخلف، فلا يتبقى منها إلا ذماء تعود بهذه القلق المنتج ، حسب تشخيص طه حسين وتحديده قبل سنين ، والذي يشحذ القرائح والفهوم، ويوفي بذويها ويدنيهم من جادة الابداع والابتكار والإتيان بالجديد.
والسلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *