الرئيسية » نقد » ادب » مروان ياسين الدليمي : شظايا فيروز، رواية للكاتب العراقي نوزت شمدين؛ اشتباك الواقعي بالمُتخيّل

مروان ياسين الدليمي : شظايا فيروز، رواية للكاتب العراقي نوزت شمدين؛ اشتباك الواقعي بالمُتخيّل

marwan yasin 8البنية الحكائية في رواية “شظايا فيروز” الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات 2017 تكتسب دلالة خاصة في اهميتها،أولاً لأنها تستمد ايحاءات خيوط نسجها من حدث واقعي راهِنْ يتعلق بقضية سبي النساء الايزيديات من قبل تنظيم دولة الخلافة(داعش)،وثانيا لأن الحدث نفسه مايزال الواقع يسرد تفاصيله النازفة ولم تنتهي بعد .

راهنية الحدث الواقعي واستمراريته بموازة ماهومتخيّل في النص السردي ،سيطرح اشكالية تتعلق بالرواية نفسها اثناء عملية القراءة، بما يضعها في حالة مقاربة مابين السرد المكتوب والسرد المنطوق على لسان الواقع، ولامحالة ستجري هذه المقاربة بحثا عن المتخيّل في الواقع،وعن الواقع في المتخيّل.هذه الاشكالية ستفرض سؤالاً اساسيا لامناص من طرحه:
اين ستنعكس الحقيقة بتأثير اعمق،في الحدث الواقعي أم في المتخيّل ؟
سينتج عن هذا التساؤل أسئلة اخرى ربما يعجز القارىء عن استبعادها امام محاولته البقاء في حدود مايوفره المتخييل الروائي من متعة في عملية التلقي الفني للحدث عبر وجهة نظر المبدع،وهنا ليس مهما الوصول الى الاجابة،بقدر ما تقتصر الاهمية في عملية طرح الاسئلة ذاتها .
الوجه الآخر من الاشكالية يتعلق بالمؤلف طالما هو يتصدى لموضوع لم يحسمه الواقع بعد،فمن المرجح سيجد نفسه اثناء عملية الكتابة امام مايفرضه حضور الواقع من سطوة في مسارات المبنى الحكائي.
ورغم ما سيخرج به القارىء من ملاحظات بعد قراءته لهذا العمل وما سيجريه من مقاربات إلاّ ان النتيجة على الارجح ستكون الى جانب المؤلف الذي اختار ان لايتوقف في مغامرته السردية وتصدى لحدث واقعي بما يملكه من ادوات تقنية،حاول ان يستنطق مايخفيه تحت جلده من قسوة مفرطة معتمدا على مخياله السردي في اعادة تركيبه من جديد وفق رؤيته التي قرأه بها،رغم ادراكه خطورةالمغامرة التي وضع نفسه في مواجهتها.
دلالات المبنى الحكائي
تشكل قضية سقوط مدينةالموصل تحت سلطة تنظيم الخلافة(داعش)في شهر حزيران من العام 2014 الحدث الواقعي بدلالته التاريخية الذي اقترحه المؤلف ليكون الوحدة الزمكانية التي يتهيكل فيها المبنى الحكائي ، وحسب الناقد جيرارجينت “حكاية النص مقطوعة زمنية” من خلالها بَلوَرَ المؤلف نوزت شمدين تركيبة الزمن من حدث السقوط نفسه وما ترتب عنه من تداعيات وضعت الانسان امام صورته دون رتوش،وبتاريخه الاجتماعي،ومايخفيه من قبح وجمال وقسوة وقوة وضعف في آن واحد ، كما دفع المؤلف بشخصاياته الى ان تخوض تجربة مواجهة مع نفسها،بنفس الوقت كانت المواجهة مابين كينونتها الانسانية ومحيطها المعبأ بالغام من عقائد وايدلوجيات تسربت من كهوف التاريخ الى حاضر بات يعيش ارتدادا الى الخلف وانسلاخا عن المستقبل .nozat shamdin
شمدين في روايته هذه كتب مقطوعة سردية احتفاء بالعشق،اراد بها ان يحتفي بالحياة،في مواجهة طقوس تمجد الموت بات الناس فيها يركعون امام تماثيلها وايقوناتها .
نحن امام قصة حب مستحيلة،تم وأدها قبل أن تبصر النور في طريق عام شهد على نبضات قلب مراد وهي تتسارع ماأنْ أبصَرَ الفتاة الايزيدية فيروز وهي تجلس عند ناصية الشارع تبيع البصل.
لم تكتمل قصتهما معا لانها جاءت في غير زمانها ومكانها،بعد ان امست علامات التحريم مزروعة امام البشرجميعهم،في صحوهم ومنامهم :”كاد أن يلتفت عائدا أدراجه إلى القرية لحظة أن لمحها،كانت جالسة يلوح ُ وجهها المستدير من فوق كومة بصل أبيض على جانب الطريق في الجهة الاخرى ،حدث الأمر بسرعة فائقة،إذ تمكنت قيود شبحية من تعطيله تماما وشيء ما شطب الطريق والسماء والحقول والجبل وابقى صورتها تشع نورا وتشده إليها بجاذبية مغناطيسية عجز عن مقاومتها ” .
يتابع الرواي العليم سرد ماالحقته نظرة عابرة للشخصية المحورية(مراد) رأى فيها الفتاة فيروز،وعلى الرغم من قلة خبرته في شؤون الحب وعدم انزلاقه في اية نزوة طوال حياته القروية والجامعية،إلاّ ان هذه النظرة ستقوده الى مسار حياتي ماكان في حسبانه ليجد نفسه وهو يخوض حربه الخاصة،مسلحا بالحب وحده،وباحثا عنه بين اروقة تنبعث منها رائحة القهر والعبودية والموت .
مراد هو الوحيد الذي نجح من بين شباب قرية أم نهود في ان يتخرج من كلية طب البيطرة بجامعة الموصل وعاد الى قريته ليبدأ منها مشروع حياته،وإذا به يسقط صريعَ عشقٍ من طرف واحد،ولأنَّ للاعراف والتقاليد سطوة في قمع وكبت المشاعر كان عليه ان ينتظر طويلا بينما هو يراقبها من بعيد وهي تبيع البصل ليعرف بأنّ اسمها فيروز،ولكي يمنح لنفسه العذر في أن يبدد المسافة الفاصلة بينهما ويراها كل يوم،تمكن من اقناع اهل قريته باهمية البصل وشرائه لمايحمله من فوائد غذائية،فباتوا يشترونه ويأكلونه في جميع وجباتهم:” قطف مراد ثمرة خطته،بالتطوع لشراء حصص امه وزوجتي ابيه من البصل،وكان هذا امتيازا عائليا جديدا حصل عليه بسهولة تامة،لثقة الجميع برجحان عقله واستحالة ارتكابه حماقة عشق ايزيدية كافرة كما فعل عدد من مخابيل قرية ام نهود في فترات متباعدة وعلى راسهم عبود الشقيق الاصغر لوالده”.kh nozat 2
ستكون تلك النظرة الاولى بمثابة القدر لكليهما،وسيدفعان ثمنها باهظا من وجودهما دون ان يتيح لهما القدر ان يلتقيا مرة ثانية من بعد ان يتم سبيها من قبل تنظيم دولة الخلافة مع اعداد كبيرة من النساء الايزدييات والاطفال بينما تم اعدام من لم يستطع الهرب من الرجال،وهذا ما سيدفع مراد الى ان يصنع قدره بنفسه،فيتخلى ظاهريا عن قناعاته الشخصية ليخادع مجتمعا ماعادت قناعات الانسان الذاتية تعني له اية اهمية،فيجري باحثا عن فيروز ليعيد اليها الحرية،ولأجل ذلك ينتمي الى تنظيم دولة الخلافة ويحظى بعمل مع الحاج بومَه الذي كرس حياته من اجل تسجيل اسماء واعداد الموتى في المدينة مذ كان صغيرا، فجاء عمله معه منسجما مع ماكان يسعى اليه في ان يكلف بمهمة توفر له فرصة التنقل في ارجاء الموصل لعله يحظى بفيروز،ورغم سعيه في البحث عنها مع الحاج بومه إلاّ انه لم يفلح في الوصول اليها: “وصل الى قريتها بعد يوم واحد فقط من سقوط سنجار والقرى والمجمعات المحيطة بها بايدي مقاتلي الدولة الاسلامية وانتشار اخبار قتل الايزيديين الجماعي،واخذ نسائهم سبايا،ولجوء الناجين منهم الى قمة الجبل،توسل في سرِّه وهو يترجل من سيارة البيك آب ومعه ضياء المندهش ان تكون فيروزعلى قيد الحياة ومختبئة في مكان ما.كان مستعدا لحظتها ان يمسك بيدها ويذهب بها بعيدا،متحديا العالم باسره ” .
تأخذنا رحلة مراد وهو يبحث عن فيروز الى العوالم السرية التي باتت تحكم الحياة في مدينة الموصل تحت سلطة تنظيم دولة الخلافة،حيث القتلة جاءوا اليها من كل جهات الارض ليجتمعوا حول مائدة واحدة مع اللصوص وتجار الرذيلة باسم الدين،ولعل شخصية عمّ مراد(عبود ابو رواحة)افضل من يمثل هذا العالم السفلي،حيث كان بعثيا عندما اختطف فتاة ايزيدية ايام شبابه،وبعد ان هددت فعلته هذه القوانين الاجتماعية التي تمنع الفتاة الايزيدية من ان تتزوج مسلما والاّ فإن القتل سيكون مصيرها،ما كان منه إلا ان يهرب بها الى مدينة البصرة ومنها الى ايران بعد ان تخلى عنها وتركها مع ماانجبه منها من اطفال،مثلما تخلى عن حزب البعث ليصبح عضوا في حزب الدعوة الاسلامية،ومن هناك سيهرب الى بريطانيا ومن ثم يعود الى العراق والى قريته بعد ان اصبح قائدا في تنظيم دولة الخلافة.
تقنية السرد
اخذ الكاتب نوزت شمدين الحدث الواقعي الى عتبة المتخيل السردي ليتناوب على السرد ضمير الغائب وضمير المتكلم ،من خلال ثلاث وجهات نظر: الرواي العليم ، فيروز ، مراد .
ومع اهتمامه الشديد بما ينطوي عليه الحدث الواقعي من تفاصيل إلاّ انه طوّعه ليلامس طرائق وتقنيات السرد،بمعنى ان اهتمامه لم يكن منصبا على الحدث بواقعيته بقدر ماكان انحيازه متجها الى عملية السرد الروائي:”اتى شخص بلحية بيضاء يدعى امير الصحراء وحوله الكثير من الحراس،القى علينا بمكبر صوت من فوق مركبة ملطخة بالطين كلمة بالعربية ترجمها الى الكردية بلهجتنا نفسها رجل بلثام اسود وقف الى جواره.قال بان حياتنا الجديدة تبدأ من الان،فالاطفال سيتربون مسلمين عليهم الواجبات نفسها ولهم الحقوق نفسها وان على النساء ان ينسين ازواجهن وآبائهن واخوتهن،ويقبلن إما العيش سبايا مملوكات لرجال الدولة الاسلامية يعملن على خدمتهن ويلتزمن بطاعتهم او يؤمنَّ بإله واحد لاشريك له فيسلِمن ويصبِحن معززات مكرمات ” .
مهما حاولنا ان نقرأ هذا العمل باعتباره عملا فنيا مكتملا بذاته فإن ذاكرتنا المعبأة بالوقائع التي هي جزء مكمل لأحداثه ستقودنا لاإراديا الى خارج النص السردي،الى وقائع اخرى موثقة بالصورة والصوت مازال يمدنا بها واقع معاش،ومازالت اجزاء من تلك الوقائع تتشكل امامنا،من هنا سيكون التخييل والواقع في حالة اشتباك دائم اثناء عملية التلقي للنص الروائي من قبل القارىء،بذلك ستكون ذاكرته ومخيلته في حالة اشتغال مستمر،مرّة يجد نفسه يسخِّر المخيلة لاستنطاق الواقع واخرى يسخِّر الواقع لاستنطاق المخيلة .
الرواية في مبناها الرمزي بحث عن زمن انساني ضائع في متاهات واقع متوحش اقرب الى الخيال،مكان الحدث في مدينة الموصل وزمنه الآن ،لذا سيكون من الصعوبة بمكان امام الناقد ان يفلت من طوق الواقع وهو يضع الرواية على مصطبة التشريح النقدي،من غير ان يخرج عن النص السردي المكتوب امامه ليقابله بنص الواقع،مادامت الاحداث لم تكتمل بعد،وعليه ستبقى عملية القراءة للنص السردي المتخيل(شظايا فيروز) مفتوحة طالما الحدث في الواقع لم يكتمل بعد: ” كان ابو رواحة منتشيا باصداء ظهوره في نشرات الاخبار العالمية وهو يقطع بمنشار كهربائي ثور مجنح في مدينة النمرود الاثرية قبل تفجيرها،وأهم تلك الاصداء قاطبة إشادة شفهية نقلها إليه والي نينوى عن الخليفة نفسه ” .
تحليل الخطاب السردي في هذا العمل يفرض علينا ان نفك الاشتباك القائم مابين النص والواقع في المبنى الحكائي،باعتبارهما يتداخلان فيه،وهذا يحيلنا الى موضوعة العلاقة مابين زمن الحكاية وزمن الخطاب في النص السردي،وما يلاحظ هنا ان المؤلف لم ينسحب في رؤيته لهذه العلاقة بالخوض بعيدا في عملية تفتيت الزمن السردي،وهذا لانه حاول ان يبقي العلاقة الزمنية متقاربة مابين الحكاية وزمنها السردي ولم يسمح لها ان تتشظى في مستويات معقدة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *